مستدرك عوالم العلوم و المعارف
الجزء العشرون
القسم الأول
تأليف
الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني
جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

6
يتصوّر حجم الفراغ الهائل الّذي سيصيب تراثنا فيما لو رفعت أحاديثه (عليه السلام) الّتي آثرناها من أبواب العلوم المختلفة في الفقه و التفسير و المعارف و الطبّ و الأخلاق و الاحتجاج و و و!!!
و حقّا إنّه (عليه السلام) قد بهر بموسوعة علومه العجيبة، و مثال سيرته الحسيبة، و نموذج شخصيّته المهيبة القاصي و الداني- من لدن عصره حتّى الوقت الحاضر-، فأطلقوا كلمات التبجيل، و عبارات التجليل، و الشهادات الثمينة بحقّه سيّما حكّامهم و أئمّتهم ...
قال مالك بن أنس: ما رأت عين، و لا سمعت اذن، و لا خطر على قلب بشر أفضل من «جعفر بن محمّد الصادق (عليهما السلام) علما و عبادة و ورعا».
و قال أبو حنيفة: «ما رأيت أفقه من جعفر بن محمّد (عليهما السلام)» و قال، و قال و و ...
فهل لأحد بعد هذا ممّن له أدنى بصر أو بصيرة أن ينسب هذا العلم، و تلكم القدرة إلى الاكتساب و التعلّم و الأخذ من الآخرين!؟ لا، و ألف لا، كيف، و قد رأى بامّ عينيه، أو سمع بملء اذنيه كيف غدا قوله (صلوات اللّه عليه) فيصلا حاسما تقف دونه كلّ أقوال العلماء، و تخضع له جلّ آراء الحكماء، و تنحني أمامه الجباه العالية واجمة خاضعة صاغرة؛
و كيف يختم على أفواه المجادلين و المحاجّين بمجرّد أن يقال «قال الصادق (عليه السلام)»!
كيف، و هو الّذي رضع بثدي الإيمان، و فطم بنور الإسلام، و غذّي ببرد اليقين!؟
كيف، و هو الّذي البس حلل العصمة، و اصطفي و ورّث علم الكتاب، و لقّن فصل الخطاب، و أوضح بمكانه معارف التنزيل و غوامض التأويل!؟
كيف، و هو الّذي سلّمت إليه راية الحقّ، و كلّف هداية الخلق، و نبذ إليه عهد الإمامة، و الزم حفظ الشريعة، و تجديد ما تهدّم من أركان الهدى مذ اطلقت الصيحات المشبوهة بتحريم الحديث و تدوينه، فابتدأت بمنشورات سقيفيّة، أساسها أحقاد خيبريّة، و ما تلاها من ضغائن أمويّة، تجلّت بمنكرات و شرارات يزيديّة، استهدفت استيصال آل الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و سبي حريمه، و ما كربلاء و الحرّة و هدم الكعبة إلّا غيض من حسدهم، و مثل صارخ لعداوتهم!؟ فالحقّ، و الحقّ أقول: إنّ هذه العظمة المتوّجة بهالة العلم، و الإمكانيّة الهائلة الكامنة في شخصه و شخصيّته (صلوات اللّه عليه) ما هي إلّا سرّ من أسرار اللّه عزّ و جلّ، و شعاع زاهر من أنوار النبوّة، و قبس باهر من فيوضات الإمامة، و دليل قاهر من دلائل العصمة ...
إنّ هذا لهو الحقّ المبين، و هل بعد الحقّ إلّا الضلال و الخسران المهين؟
فسلام عليه يوم ولد صادقا صدّيقا، و يوم قام بنشر علوم جدّه و دينه جعفريّا، إلى أن قبضه الرفيق الأعلى إليه شهيدا، ليوم يبعث فيه لامّة جدّه شفيعا.
5
المقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على خير خلقه محمّد و آله أجمعين؛
و اللعن الدائم على أعدائهم إلى قيام يوم الدين، و بعد:
بين يديك عزيزي القارئ سفر ثمين آخر يضمّ بين دفّتيه جوانبا من حياة و سيرة الكوكب السادس المتألّق في سماء العصمة و الطهارة، إمامنا المعصوم الصادق «جعفر بن محمّد» (عليهما السلام) مشيّد المدرسة العلميّة الكبرى، و الجامعة الإسلاميّة الرائدة الّتي طبّق صيتها الآفاق.
المدرسة الجعفريّة: لا يختلف اثنان من أيّ الفرق و الطوائف و المذاهب الإسلاميّة في أنّ المدرسة الجعفريّة هي أسمى و أكبر و أجلّ المدارس الإسلاميّة، و من أكثرها أصالة و عراقة بلا منازع، و لو لاها لا ندرس الكثير من العلوم، و امّحى العديد من الشرائع، و ضاع المهمّ من الاصول، و فقد الأصيل من الحقائق و الحجج؛
فالتاريخ لا يذكر لنا، بل لا يعرف مدرسة علميّة كبرى كمدرسته (عليه السلام) الّتي استقطبت اهتمام الجميع، فدخلها طلّاب البحث، و أمّها روّاد العلوم، لينهلوا من صافي نمير النبوّة مختلف العلوم، و ليتفيّئوا بظلال الإمامة، و يغرفوا من زلالها العذب الّذي لا ينضب، حتّى أنّ «هذه الّتي حملتها الإبل من الحجاز» كلمة جرت على ألسنتهم مثلا، و تعبيرا عن عجزهم عن إدراك هذه العلوم الخفيّة الصافية من معدن الوحي إلّا بأن يتحمّلوا عمّن استكانوا و نفروا إلى أهل بيت النبوّة و تفقّهوا منهم، ثمّ رجعوا إلى قومهم بقبس من علومهم.
و حسب هذه المدرسة المباركة أنّ واضع لبناتها الاولى، و باني اسسها من قال اللّه بحقّه في القدسي «الباقر لعلمي و الداعي إلى سبيلي» (1) و أنّ قائدها و هاديها و مغذّيها:
«الناطق عن اللّه، الصادق في اللّه» (2) كما أخبر به جبرئيل- في المعراج- عن اللّه عزّ و جلّ، و المأمور في الصحيفة المنزلة من عند اللّه على رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ب
«حدّث الناس و أفتهم، و انشر علوم أهل بيتك، و صدّق آباءك الصالحين، و لا تخافنّ أحدا إلّا اللّه، و أنت في حرز و أمان» (3)
و التاريخ يحدّثنا كيف شرع مولانا الصادق (عليه السلام) يوم تسلّم قيادة الامّة الإسلاميّة بتنفيذ دوره الإلهي بصدق و عزم راسخين رغم تعسّر الزمان و اشتداد الجور و الطغيان، فأشرقت شمس علومه، و تسلّلت آثارها بين حجب التعصّب و الأهواء، فأنارت جانبا كبيرا و مهمّا من تراثنا الإسلامي الزاهر، و ما زالت بروقها تأتلق في حشود أحاديثه (عليه السلام) الّتي تغصّ بها كتب الفريقين، و الّتي رواها الآلاف من تلامذته مع ما كابدوه من قتل و محن، فهل لأحد أن
____________
(1) أمالي الطوسي: 297.
(2) كفاية الأثر: 187.
(3) كمال الدين: 2/ 669 ح 15.
7
منهج التحقيق
بعد استنساخ الكتاب و مقابلته مع أصله و مصادره و البحار اتّبعنا- كما هو دأبنا- طريقة التلفيق بين العوالم، و البحار، و المصادر، لإثبات متن صحيح سليم للكتاب، مشيرين في الهامش إلى الاختلافات اللفظيّة الضروريّة باستعمال الرموز التالية:
«ع» للعوالم «ب» للبحار «م» للمصدر «خ ل» لأحد نسخ المصدر.
و من ثمّ أشرنا في نهاية كلّ حديث إلى مصادره و اتّحاداته بصورة مفصّلة و مبوّبة مع الإشارة إلى الأحاديث الّتي تقدّمت أو تأتي في طيّات أبواب الكتاب، الّتي نقلها ثانية بعينها أو ما يشابهها.
كما قمنا بشرح بعض الألفاظ اللغويّة الصعبة نسبيّا شرحا مبسّطا موجزا، مع إثبات ترجمة لبعض الأعلام الواردة في أسانيد و متون الروايات، خاصّة تلك الّتي صحّفت و حرّفت بصورة شديدة؛
معتمدين في ذلك على أمّهات كتب تراجم الرجال.
و كذا الحال بالنسبة لأسماء القبائل و الأقوام و الفرق و الأماكن و البقاع.
و لمّا كان هدفنا الإحاطة بجميع جوانب الموضوع و إعطاء صورة واضحة للقارئ؛
قمنا باستدراك ما أمكننا من أبواب و أحاديث ابتدأناها بكلمة «استدراك» و أنهيناها بعلامة*** و وضع أرقام أبوابها و أحاديثها بين قوسين صغيرين ()؛
و قد تميّز هذا الكتاب باستدراك أبواب و عناوين جديدة في مختلف الموضوعات، سيّما في مواعظة و احتجاجاته (عليه السلام)؛ و تجدر الإشارة هنا إلى أنّ المؤلّف (ره) كان قد جمع أحاديث هذين الموضوعين في مجلّدات العوالم الخاصّة بهما؛
فبالنسبة لاحتجاجاته (عليه السلام) فقد أضفنا عليها الكثير، و نظّمنا لها فهرسا ألحقناه بفهارس الكتاب، مستخلصا من مجلّد العوالم الخاصّ بها، و على ترتيب المؤلّف، ليتّضح من خلاله جليّا أنّ أغلب تلك الاحتجاجات مذكورة- بشكل مبعثر- في هذا الجلد.
8
و أمّا مواعظه (عليه السلام) فقد استحدثنا لها هذا العنوان، و ذكرنا أحاديثها كما جاء بها المؤلّف في المجلّد الخاصّ بها، و لمّا كان أغلب تلك المواعظ مذكورة في هذا المجلّد إلّا أنّها موزّعة على أبواب مختلفة، و تحت عناوين شتّى، و تفاديا للتكرار فقد اكتفينا بالإشارة إلى مواضعها فيما تقدّم أو يأتي من أحاديث هذا الكتاب، و أمّا الّتي لم تذكر أصلا، فقد أوردناها بتمامها، و استدركنا عليها ما وجدناه مناسبا أيضا.
كما أفردنا بابا خاصّا لحكمه (عليه السلام) و كلماته القصار مرتّبة على حروف الهجاء.
و أمّا بالنسبة لرسائله و مكاتيبه (عليه السلام) فقد استقصينا معظمها- باستثناء ما يتعلق بفقهه (عليه السلام)- و رتبناها على حروف الهجاء ضمن الأبواب الخاصّة.
و أمّا الروايات الخاصّة بالتفسير و الفقه فلم ندرجها، لأنّنا سنذكرها مفصّلة في موسوعتنا «جامع الأخبار و الآثار عن النبيّ و الأئمّة الأطهار (عليهم السلام)».
و كذلك الحال بالنسبة لرواياته و أحاديثه (عليه السلام) المتعلّقة بأمور الطبّ و الأمراض و علاجها، فقد أرجأناها لنشرها إن شاء اللّه ضمن مجلّد العوالم الخاصّ بطبّ الأئمّة (عليهم السلام).
علما بأنّ كلّ ما بين المعقوفتين [] بدون إشارة فهو ممّا لم يكن في نسختي العوالم المعتمدتين في التحقيق، و إنّما أثبتناه من المصدر و البحار، أو من أحدهما.
و وضعنا الاختلافات اللفظيّة الطويلة نسبيّا، أو الّتي تبهم الإشارة إليها في الهامش بين قوسين ().
و حصرنا النصوص الواردة في المتن بين قوسي التنصيص الصغيرين «».
و استعملناهما في الهامش لحصر شروح و تعليقات المصنّف على الأحاديث معلّمة في آخرها ب «منه ره».
التعريف بنسخ الكتاب:
اعتمدنا في تحقيق هذا المجلّد على نسختين خطيّتين:
الأولى: و هي المحفوظة في خزانة مكتبة آية اللّه المرعشي (ره) العامّة في قم المقدّسة تحت الرقم (353) ضمن المجموعة المشتملة على أجزاء: 18، 19، 20، 21، من موسوعة عوالم العلوم، و نحتفظ بمصوّرتها في مكتبة مؤسستنا.
9
الثانية: و هي المحفوظة في مكتبة العلّامة السيّد جلال الدين المحدّث الارموي (قده) و توجد مصوّرتها في مؤسّستنا أيضا، و لها مصوّرة أخرى في المكتبة الوطنيّة بطهران بإجازة من ولده السيد هاشم محدّث.
و تخلو النسختان التعليقات و الحواشي، و كلاهما بخطّ واضح، و التشابه بينهما كبير بما لا يدع مجالا لتفضيل واحدة منها، لذا فقد اعتمدنا على كليهما، و رمزنا لهما بالحرف «ع»
شكر و تقدير:
بعد شكره تبارك و تعالى على ألطافه و مننه، أسجّل شكري للإخوة المحقّقين في مؤسّسة الإمام المهدي (عليه السلام) لتفانيهم و إخلاصهم في إحياء تراث الإسلام الزاهر، و أخصّ بالذكر منهم الإخوة الأفاضل: نجم الحاج عبد البدري، أمجد الحاج عبد الملك الساعاتي، و السيد فلاح الشريفي.
جزاهم اللّه عن الإسلام، و عن أئمّتهم (عليهم السلام)، و عنّي خير الجزاء، و كان اللّه شاكرا عليما.
هذه الموسوعة الكبرى:
ينبوع من ينابيع علوم أهل بيت الوحي و الرسالة (عليهم السلام)، و منهل من مناهل حكمهم الزاخرة، و قبس من منار فضائلهم، و تعدّ أكبر جامع ديني يطفح بالفضيلة و يمتاز عمّا سواه من التآليف القيّمة بغزارة العلم، و جودة السرد، و حسن التبويب و رصانة البيان، و طول باع مؤلّفه (قدس سره) في التحقيق و التدقيق و التثبّت و حسن الاطّلاع، الذي لم ينسج على منواله، و لم يجمع على شاكلته.
و هي ترتيب و تتميم للموسوعة الجليلة العظيمة الموسوعة ب «بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار» لمؤلّفها المولى العلّامة البحّاثة شيخ الإسلام ذي الفيض القدسيّ محمّد باقر المجلسي أعلى اللّه مقامه؛
حيث كان في نيّته أن يستدرك ما فاته من مصادر لم تكن بين يديه، أو ممّا لم ينقل منه لدى تأليفه، حيث قال في البحار: 1/ 46:
10
«ثمّ اعلم أنّا سنذكر بعض أخبار الكتب المتقدّمة الّتي لم نأخذ منها كثيرا لبعض الجهات، مع ما سيتجدّد من الكتب في كتاب مفرد، سمّيناه ب «مستدرك البحار» إن شاء اللّه الكريم الغفّار، إذ الإلحاق في هذا الكتاب يصير سببا لتغيير كثير من النسخ المتفرّقة في البلاد، و اللّه الموفّق للخير و الرشد و السداد».
غير أنّ محتوم الأجل حال بينه و بين تحقيق هذا الأمل؛
حتّى قيّض اللّه الشيخ العلّامة المحقّق المدقّق المتتبّع «عبد اللّه البحراني الأصفهاني» من فضلاء تلامذة شيخ الإسلام المجلسي- ليحقّق شطرا من تلك الامنيّة الرائعة الثمينة الّتي كانت لشيخه و استاذه؛
فجمع الفرائد و ألّف الفوائد و نطّم العوائد، و أبدع في التنظيم، و ابتكر في العناوين، حتّى جاء كلّ مجلّد كتابا حافلا بموضوعه، حاويا نوادره، جامعا شوارده؛ فجزاه اللّه عن الإسلام و أهله أفضل الجزاء.
و من خلال مراحل التحقيق المنجزة على هاتين الموسوعتين، خرجنا بحصيلة مجموعة كبيرة من الأحاديث و الروايات و التعليقات المهمّة و الضروريّة الّتي لم تكن موجودة في مظانّها، أو لم تنقل أصلا.
ففرقناها على ما يناسبها من أبواب و عناوين، و ذلك لأجل أن يكون الكتاب جامعا في موضوعه، غنيّا بتعليقاته، حاويا في عناوينه مغنيا عن مثيله، كافيا عمّا سواه، يجد فيه المحقّق رغبته، و الباحث بغيته، و القارئ مأربه، و العالم مقصده، و الطالب ضالّته و امنيّته؛
سائلين منه تعالى تيسير عمل الجميع، و توفيق الساعين في هذا المجال لذكر المزيد من الأحاديث الّتي لم يعثر عليها بحقّ محمّد و آله الطاهرين (صلوات اللّه عليهم أجمعين).
الراجي لرحمة ربّه الغنيّ
محمّد باقر بن آية اللّه السيد مرتضى الموسوي الموحّد الأبطحي
«عفي عنه و عن والديه»
11
وقف كتابخانه و قرائت خانه عمومى آيت اللّه العظمى مرعشى نجفى- قم
مقطع من الصفحتين الأولى و الأخيرة من مصوّرة نسخة مكتبة آية اللّه العظمى المرعشي النجفي- قم
13
الامام جعفر بن محمّد الصّادق (عليهما السلام)
12
مقطع من الصفحتين الأولى و الأخيرة من مصوّرة نسخة
مكتبة السيّد مير جلال الدين المحدّث- طهران
15
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الحمد للّه الّذي وفّقنا لمتابعة مذهب الصادق الصدّيق، و جعل ولايتنا له في الدنيا و الآخرة خير رفيق، و الصلاة و السلام على محمّد و آله الصادقين الّذين أمرنا بالكون معهم أحسن الخالقين. و بعد:
فهذا هو المجلّد المتمّم للعشرين من كتاب
عوالم العلوم و المعارف و الأحوال من الآيات و الأخبار و الأقوال
الّذي جمعه و ألّفه و صنّفه أقل عباد اللّه
«عبد اللّه بن نور اللّه»
نوّر اللّه الملك الخالق قلبهما بتصديق مولاهما الصّادق
في أحوال الإمام الناطق بالحق السادس من أئمّة الدين
«أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق الأمين»
صلوات عليه و عليه و على آبائه و أبنائه الصادقين
راجيا من اللّه تعالى أن يحشره معه، و يجعله بفضله شافعه
16
و ها أنا ذا أشرع في المقصود بعون اللّه الملك المعبود قائلا، و إليه من غيره مائلا:
الكتاب المتمّم للعشرين من كتاب عوالم العلوم و المعارف و الأحوال من الآيات و الأخبار و الأقوال في أحوال
وليّ الملك الخالق، و الهادي لجميع الخلائق،
مولانا و مولى كلّ صامت و ناطق «أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد الصّادق» (صلوات اللّه و سلامه عليه)، و جعل أفئدة من النّاس تهوي إليه
17
1- أبواب نسبه و حال امّه و مولده (عليه السلام)
1- باب نسبه (عليه السلام)
الكتب:
1- الكافي: و امّه أمّ فروة بنت القاسم بن محمّد؛
و امّها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر. (1)
2- كشف الغمّة: نقلا عن محمّد بن طلحة: و أمّا نسبه (عليه السلام) أبا و أمّا:
فأبوه أبو جعفر محمّد الباقر (2)؛
و امّه أمّ فروة بنت القاسم بن محمّد بن أبي بكر.
و عن الحافظ عبد العزيز: امّه (عليه السلام) أمّ فروة بنت القاسم بن محمّد بن أبي بكر؛
و امّها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر.
____________
(1) 1/ 472، عنه البحار: 47/ 1 ذح 1؛ و أورده في الإرشاد للمفيد: 303 (في باب ولد أبي جعفر (عليه السلام)) و في أعلام الورى: 271.
(2) دلائل الإمامة (111 و 112): نسبه:
جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن عبد مناف بن عبد المطّلب بن هاشم ...
و امّه فاطمة بنت القاسم بن محمّد بن أبي بكر، و امّها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر.
التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة (1/ 410): جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن زين العابدين عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام) الإمام العلم، أبو عبد اللّه، الهاشميّ العلويّ، الحسينيّ المدنيّ، سبط القاسم بن محمّد بن أبي بكر.
امّه أمّ فروة بنت القاسم بن محمّد بن أبي بكر، و امّها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، و لهذا كان جعفر يقول: ولدني الصدّيق مرّتين.
(عنه ملحقات الاحقاق: 12/ 212) و أورد نحوه في المبتكر الجامع لكتابي المختصر و المعتصر في علوم الأثر: 132، عنه ملحقات الإحقاق: 19/ 507.
18
و نقلا عن ابن الخشّاب: و امّه أمّ فروة بنت القاسم بن محمّد بن أبي بكر. (1)
3- المناقب لابن شهر اشوب: و امّه فاطمة بنت القاسم بن محمّد بن أبي بكر. (2)
4- الدروس:
امّه (عليه السلام) أمّ فروة ابنة القاسم [الفقيه] (3) بن محمّد [النجيب بن أبي بكر]؛ و قال الجعفي: اسمها: فاطمة، و كنيتها: أمّ فروة. (4)
استدراك (1) الهداية الكبرى: امّه أمّ فروة، و كانت تكنّى أمّ القاسم (5)؛ و هي بنت القاسم. (6)
(2) عيون المعجزات، و إثبات الوصيّة: كانت أمّ الصادق (عليه السلام) أمّ فروة بنت القاسم ... (7).
***
____________
(1) 2/ 155 و 187، عنه البحار: 47/ 5 ضمن ح 6. و أورد ذيله في الصراط المستقيم: 2/ 138.
و في الأنوار القدسيّة: 36، عنه ملحقات الإحقاق: 19/ 505.
(2) 3/ 399، عنه البحار: 47/ 5 ذح 15.
(3) قال في عمدة الطالب: 195: امّه أمّ فروة بنت القاسم (الفقيه) ابن محمّد بن أبي بكر؛ و امّها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، و لهذا كان الصادق (عليه السلام) يقول: ولدني أبو بكر مرّتين.
التحفة اللطيفة: مثله.
أقول: إنّ نسب أمّ فروة إلى أبي بكر بأبيها محمّد، و امّها بنت عبد الرحمن، و كذلك نسب ابنها (عليه السلام) فإن قال احد في مثله: «ولدني مرتين» كان بهذا المعنى مجازا، ليس بمعنى مرّة بعد اخرى.
تقدّم رقم الهامش: عن العمدة (القاسم الفقيه).
(4) 153، عنه البحار: 47/ 1 ذح 2.
(5) نظير هذه التكنية ب (أمّ أبيها) في فاطمة الزهراء (عليه السلام) بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و بنت موسى بن جعفر (عليهم السلام).
(6) 247.
(7) 85، 178.
19
2- باب حال امّه رضي اللّه عنها [و أبيها]
الأخبار، الأئمّة، الصادق (عليهم السلام)
1- الكافي: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عبد اللّه بن أحمد، عن إبراهيم ابن الحسن، عن وهب بن حفص، عن إسحاق بن جرير، قال:
قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): كان سعيد بن المسيّب، و القاسم بن محمّد بن أبي بكر، و أبو خالد الكابلي من ثقات عليّ بن الحسين (عليهما السلام). (1)
ثمّ قال: و كانت امّي (2) ممّن آمنت و اتّقت و أحسنت، و اللّه يحبّ المحسنين. (3).
استدراك
الكتب:
(1) عيون المعجزات: كانت أمّ فروة من الصالحات القانتات، و من أتقى نساء أهل زمانها، رضي اللّه عنها. (4)
(2) إثبات الوصيّة: كانت من أتقى نساء زمانها؛
و روت عن عليّ بن الحسين (عليهما السلام) أحاديث منها: قوله لها:
«يا أمّ فروة إنّي لأدعو لمذنبي شيعتنا في اليوم و الليلة مائة مرّة- يعني الاستغفار- لأنّا نصبر على ما نعلم، و هم يصبرون على ما لا يعلمون». (5)
***
____________
(1) عيون المعجزات: (85)، إثبات الوصيّة: (178:
و كان أبوها القاسم من ثقات أصحاب عليّ بن الحسين زين العابدين (عليهما السلام).
و قد تقدّم في باب- 1- عن الدروس، و عمدة الطالب: بنت القاسم الفقيه بن محمّد [النجيب].
(2) تقدّم في الباب الأوّل ص 18 ح 3: أنّ أمّ الصادق (عليه السلام) اسمها: فاطمة؛ كنيتها: أمّ فروة بنت القاسم بن محمّد.
(3) 1/ 472 ح 1، عنه البحار: 47/ 7 ح 21، و الوافي: 3/ 789 ح 1.
(4) 178.
(5) 85.
20
3- باب مولده (عليه السلام)
الكتب:
1- الكافي: ولد أبو عبد اللّه (عليه السلام) سنة ثلاث و ثمانين. (1)
2- إرشاد المفيد: كان مولد الصادق (عليه السلام) [بالمدينة] سنة ثلاث و ثمانين. (2)
3- روضة الواعظين، و المناقب لابن شهر اشوب:
ولد الصادق (عليه السلام) بالمدينة يوم الجمعة عند طلوع الفجر؛
و يقال: يوم الإثنين لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأوّل سنة ثلاث و ثمانين؛ و قالوا: سنة (ستّ و) (3) ثمانين. (4)
4- كشف الغمّة: قال محمّد بن طلحة:
أمّا ولادته (عليه السلام) فبالمدينة سنة ثمانين (5) من الهجرة؛ و قيل: سنة ثلاث و ثمانين، و الأوّل أصحّ (6).
____________
(1) 1/ 472، عنه البحار: 47/ 1 ح 1. و أورده في دلائل الإمامة: 111، و في إثبات الوصيّة: 184، و في تاريخ أهل البيت: 81؛ و في عيون المعجزات: 85 و زاد في آخره «من الهجرة في حياة جدّه عليّ بن الحسين (عليهما السلام). و أخرجه في ملحقات الإحقاق: 12/ 209 و 213 و 215، عن إكمال الرجال: 623، و تذكرة الحفاظ: 1/ 166، و وسيلة النجاة: 362.
(2) 304، عنه البحار: 47/ 3 ح 10.
(3) أقول: و في هذا الإسناد إلى الجمع في المناقب: «قالوا: سنة ستّ و ثمانين»، عجب، كيف و إنّه لم نعثر على هذا القول، و لا على نقله في غير هذا الكتاب، فإنّه في عمدة الطالب: أنّه ولد سنة ثمانين، و في الكافي، و الإرشاد، و إعلام الورى، و المصباح: أنّه (عليه السلام) ولد سنة ثلاث و ثمانين، و في كشف الغمّة، و الفصول المهمّة و غيرها: أنّ الأصحّ هو الأوّل؛ فالظاهر أنّ ما في المناقب مصحّف من النسّاخ، و يؤيّده أنّه (ره) لم يذكر القول المشهور بالثمانين، فتدبّر، و اغتنم.
(4) 253، 3/ 399، عنهما البحار: 47/ 4 ح 12. و أورده الطبرسي في تاج المواليد: 13 (مثله).
و أخرجه رضي الدين الحلّي في العدد القويّة: 147 عن المناقب.
(5) عمدة الطالب (195): ولد (عليه السلام) سنة ثمانين.
(6) الفصول المهمّة 204: ولد (عليه السلام) [في] سنة ثمانين من الهجرة. و قيل: سنة ثلاث و ثمانين، و الأوّل أصحّ، عنه البحار: 47/ 1 ح 3.
21
و قال- نقلا عن الحافظ عبد العزيز-: ولد عام الجحاف (1) سنة ثمانين. (2)
و قال- نقلا عن ابن الخشّاب-: كان مولده سنة ثمانين (3) من الهجرة. (4)
5- إعلام الورى: ولد (عليه السلام) بالمدينة لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأوّل سنة ثلاث و ثمانين من الهجرة. (5)
6- مصباح الكفعمي: ولد (عليه السلام) بالمدينة يوم الإثنين سابع عشر شهر ربيع الأوّل (6) سنة ثلاث و ثمانين، و كانت ولادته (عليه السلام) في زمن عبد الملك بن مروان.
و قال في موضع آخر: ولد (عليه السلام) في يوم الجمعة غرّة شهر رجب. (7)
____________
(1) ذكر ابن الأثير في الكامل: 4/ 453 في أحداث سنة (80): في هذه السنة أتى سيل بمكّة فذهب بالحجّاج، و كان يحمل الإبل عليها الأحمال و الرجال ما لأحد فيهم حيلة، و غرقت بيوت مكّة، و بلغ السيل الركن، فسمّي ذلك العام الجحاف، انتهى. يقال: سيل جحاف إذا أحرف كلّ شيء و ذهب به.
(2) الأنوار القدسيّة: 36: كانت ولادته سنة ثمانين للهجرة، و هي سنة سيل الجحاف.
و قيل: بل ولد يوم الثلاثاء قبل طلوع الشمس، ثامن شهر رمضان سنة ثلاث و ثمانين، عنه ملحقات الإحقاق: 19/ 506 و فيه (ثلاث و أربعين) و هو تصحيف.
(3) «ثلاث و ثمانين» ع، ب.
(4) 2/ 155 و 161 و 187، عنه البحار: 47/ 5 ح 6. و أورد قطعة منه في مطالب السئول: 81، و في التحفة اللطيفة: 1/ 410، و في نزهة الجليس: 2/ 35، عنها الإحقاق: 12/ 212 و 214.
و أورده في مقصد الراغب: 156 (مخطوط).
(5) 271، عنه البحار: 47/ 6 صدر ح 17.
(6) تاريخ الغفاري: إنّه (عليه السلام) ولد في السابع عشر من ربيع الأوّل، عنه البحار: 47/ 2 ذح 3.
(7) 23، عنه البحار: 47/ 2 ح 54 (و لم نعثر فيه على ذيل الحديث).
خلاصة الأقوال بعد جمع شتاتها بوضع الفصول المهمّة، و تاريخ الغفاري في الهامش:
ولد بالمدينة، في زمن عبد الملك بن مروان، سنة عام الجحاف «80» أو «83» من الهجرة النبويّة الشريفة، عند طلوع الفجر، من يوم الجمعة، أو الاثنين، أو الثلاثاء من 17 ربيع الأوّل، أو غرّة شهر رجب، أو ثامن شهر رمضان المبارك.
22
2- أبواب أسمائه و ألقابه و كناه، و عللها، و نقش خاتمه، و حليته، و شمائله صلوات اللّه عليه
1- باب جوامع أسمائه و ألقابه و كناه (عليه السلام)
الكتب:
1- المناقب لابن شهرآشوب: و كان اسمه: جعفر؛
و يكنّى: أبا عبد اللّه، و أبا إسماعيل؛ و الخاصّ: أبو موسى؛
و ألقابه: الصادق، و الفاضل، و الطاهر، و القائم، و الكافل، و المنجي؛ و إليه تنسب الشيعة الجعفريّة، و مسجده في الحلّة. (1).
2- كشف الغمّة: قال محمّد بن طلحة: اسمه (عليه السلام) جعفر؛
و كنيته: أبو عبد اللّه، و قيل: أبو إسماعيل [و أبو موسى]؛
و له ألقاب أشهرها: الصادق، و منها: الصابر، و الفاضل، و الطاهر.
الفصول المهمّة: (نحوه). (2)
3- العدد القويّة: ألقابه: الصادق، و الفاضل، و القاهر، و الباقي، و الكامل، و المنجي، و الصابر، و الفاطر، و الطاهر. (3)
استدراك (1) الهداية الكبرى: و كانت كنيته: أبا عبد اللّه، و أبا إسماعيل، و الخاصّ: أبو موسى، و لقبه: الصادق، و الفاضل، و القاهر، و التامّ، و الكامل، و المنجي. (4)
(2) دلائل الإمامة: كنيته: أبو عبد اللّه، و لقبه: الصادق، و العاطر (5)، و الطاهر؛ و إليه تنسب الجعافرة، و الشيعة الجعفريّة. (6)
____________
(1) 3/ 400، عنه البحار: 47/ 9 ح 5.
(2) 2/ 155، 205، عنهما البحار: 47/ 10 ح 6.
(3) 148 ضمن ح 65، عنه البحار: 47/ 11 ح 12.
(4) 247.
(5) العاطر: المحبّ للعطر، أو المكثر منه.
(6) 112.
23
(3) مقصد الراغب: كنيته: أبو عبد اللّه، و أبو إسماعيل، و الخاصّ. أبو موسى؛ و ألقابه: الصادق، و العاقل، و القاهر، و الباقي، و الكامل، و المستحي، و العالم. (1)
(4) تاريخ أهل البيت: لقب جعفر بن محمّد (عليهما السلام): الفاضل، الطاهر.
كنيته: أبو عبد اللّه، أبو إسماعيل. (2)
(5) ألقاب الرسول و عترته: هو أبو عبد اللّه الصادق، و الإمام المفترض الطاعة، صاحب الجفر و الجامعة، خليفة أبيه، وصيّ أبي جعفر، القائم بالإمامة؛
ينبوع العلوم، معدن السخاء (3) و الكرم، منبع العلوم الإلهيّة، مشرّع الشرائع، أفضل أهل الزمان، شيخ الطالبيّين، مستجاب الدعوة، علّامة زمانه، ذو المعجزات الباهرة، صاحب الآيات، معرس الفخار المعرق، فرع العلاء المثمر المورق. (4)
(6) عمدة الطالب: و يقال له (عليه السلام): عمود الشرف. (5)
*** 2- باب في خصوص اسمه جعفر (عليه السلام)
الأخبار، الأئمّة، الصادق (عليه السلام):
1- المناقب لابن شهرآشوب: محاسن البرقي: قال الصادق (عليه السلام) لضريس الكناسي (6): لم سمّاك أبوك ضريسا؟ قال: كما سمّاك أبوك جعفرا!
قال: إنّما سمّاك أبوك ضريسا بجهل، لأنّ لإبليس ابنا يقال له: ضريس، و إنّ أبي سمّاني «جعفرا» بعلم على أنّه اسم نهر في الجنّة، أ ما سمعت قول ذي الرمّة (7):
____________
(1) 156 (مخطوط).
(2) 131 و 138.
(3) «الحلم» خ ل.
(4) 59.
(5) 195.
(6) راجع رجال الطوسي: 221، و جامع الرواة: 1/ 419، و معجم رجال الحديث: 9/ 149 و 151.
(7) هو أبو الحارث غيلان بن عقبة بن بهيش ...
الشاعر المشهور المعروف بذي الرمّة تجد ترجمته في وفيات الأعيان: 4/ 11.
24
أبكي الوليد أبا الوليد أخا الوليد فتى العشيرة * * * قد كان غيثا في السنين و جعفرا غدقا و ميرة (1). (2)
غير الأئمّة (عليهم السلام):
2- علل الشرائع و الأمالي للصدوق: السناني، عن الأسدي، عن محمّد بن أبي بشر (3)، عن الحسين بن الهيثم، عن المنقري، عن حفص بن غياث:
أنّه كان إذا حدّثنا عن جعفر بن محمّد (عليهما السلام)، قال:
حدّثني خير الجعافر جعفر بن محمّد (عليهما السلام). (4)
3- باب آخر في خصوص اسمه الصادق (عليه السلام) و علّته
استدراك
عليّ، عن رسول اللّه (صلوات اللّه عليهما)
(1) معاني الأخبار: حدّثنا أحمد بن محمّد بن يحيى العلوي، عن محمّد بن إبراهيم ابن أسباط، عن أحمد بن محمّد بن زياد القطّان، عن أحمد بن محمّد بن عبد اللّه، عن عيسى ابن جعفر بن محمّد العلوي، عن آبائه، عن عمر بن عليّ، عن أبيه عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) قال: إنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) سئل- في حديث إلى أن قال-:
«و سمّي الصادق صادقا ليتميّز من المدّعي للإمامة بغير حقّها» و هو جعفر بن عليّ إمام الفطحيّة الثانية. (5)
____________
(1) «الجعفر: النهر الصغير، و الكبير الواسع، ضدّ؛ و الغدق- محرّكة-: الماء الكثير؛ و الميرة: ما يمتار من الطعام» منه ره.
(2) 3/ 397، عنه البحار: 47/ 26.
(3) «بشير» علل الشرائع، تصحيف. (راجع رجال الخوئي: 14/ 243).
(4) 234 ح 2، 202 ح 14، عنهما البحار: 47/ 18 ح 9.
(5) 64 ح 17، عنه البحار: 47/ 9 ح 3.
25
الصحابة، عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)
(2) الهداية الكبرى: قال الحسين بن حمدان: حدّثني عليّ بن بشر، عن جعفر بن يزيد الرهاوي، عن محمّد بن المفضّل، عن الحسن ابن مسكان، عن داود الرقّي، عن أبي حمزة الثمالي، عن ميثم التمّار، عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري، قال:
قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إذا ولد جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين (صلوات اللّه عليه) فسمّوه جعفر الصادق، فإنّه يولد من ولده ولد يقال له: جعفر الكذّاب، ويل له من جرأته عليّ، و بغيه على أخيه صاحب الحقّ، و إمام الخلق، و مهديّ أهل بيتي».
فلأجل ذلك سمّي جعفر الصادق، و جعفر الكذّاب هو: جعفر بن عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر الصادق ... (1)
*** الأخبار، الأئمّة:
زين العابدين، عن آبائه، عن رسول اللّه (صلوات اللّه عليهم أجمعين)
1- علل الشرائع: عليّ بن أحمد بن محمّد، [عن محمّد] بن هارون الصوفي، عن عبيد اللّه بن موسى الحبّال، عن محمّد بن الحسين الخشّاب، عن محمّد بن الحصين، عن المفضّل، عن الثمالي، عن عليّ بن الحسين، عن أبيه، عن جدّه (عليهم السلام) قال:
قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إذا ولد ابني جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب فسمّوه الصادق (عليه السلام)، فإنّه سيكون في ولده سميّ له، يدّعي الإمامة بغير حقّها، و يسمّى كذّابا». (2)
2- الخرائج و الجرائح: روي عن أبي خالد [الكابلي] أنّه قال:
قلت لعليّ بن الحسين (عليهما السلام) من الإمام بعدك؟ قال: محمّد ابني، يبقر العلم بقرا، و من بعد محمّد جعفر، اسمه عند أهل السماء «الصادق».
قلت: كيف صار اسمه «الصادق» (عليه السلام) و كلّكم الصادقون؟
____________
(1) 248، و أورد نحوه في مقصد الراغب: 156 (مخطوط).
(2) 234 ح 1، عنه البحار: 47/ 8 ح 2، و إثبات الهداة: 1/ 556 ح 194، و حلية الأبرار: 2/ 138.
و أورده في دلائل الإمامة: 112 مرسلا عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) (نحوه).
26
قال: حدّثني أبي، عن أبيه: أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال:
«إذا ولد ابني جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب فسمّوه الصادق، فإنّ الخامس الّذي من ولده الّذي اسمه جعفر، يدّعي الإمامة اجتراء على اللّه و كذبا عليه، فهو عند اللّه جعفر الكذّاب المفتري على اللّه».
ثمّ بكى عليّ بن الحسين (عليهما السلام) فقال: كأنّي بجعفر الكذّاب و قد حمل طاغية زمانه على تفتيش أمر وليّ اللّه، و المغيّب في حفظ اللّه. فكان كما ذكر. (1)
الباقر (عليه السلام)
3- كفاية الأثر: بإسناده الآتي في باب النصّ عليه في الصغر عن الباقر (عليه السلام) ص 54:
أنّه قال لمحمّد بن مسلم: «و اللّه إنّه لهو الصادق، الّذي وصفه لنا رسول اللّه» الخبر. (2)
4- باب نقش خاتمه (عليه السلام)
الأخبار
1- المكارم- نقلا من كتاب اللباس- عن محمّد بن عيسى، عن صفوان، قال:
أخرج (3) إلينا خاتم أبي عبد اللّه (عليه السلام) و كان نقشه «أنت ثقتي فاعصمني من خلقك».
و عن إسماعيل بن موسى، قال:
كان خاتم جدّي جعفر بن محمّد (عليهما السلام) فضّة كلّه، و عليه «يا ثقتي قني شرّ جميع خلقك» و إنّه بلغ في الميراث خمسين دينارا، زائد أبي علي عبد اللّه بن جعفر، فاشتراه أبي. (4)
____________
(1) 1/ 268 ح 12، عنه البحار: 46/ 230 ح 5، و ج 47/ 9 ح 4، و أورده في ألقاب الرسول و عترته- ضمن مجموعة نفيسة-: 59 عن أبي خالد، و في المناقب لابن شهرآشوب: 3/ 393 مرسلا.
(نحوه)، و تقدّم الحديث في عوالم النصوص على الأئمّة الاثني عشر (عليهم السلام): 15/ 3 ص 258 ح 1.
(2) 253، عنه البحار: 47/ 15 ضمن ح 12. يأتي ص 54 ضمن ح 1 و 132 ح 1.
و يأتي ما يناسب المقام في باب صدقه (عليه السلام) ص 131.
(3) الظاهر أنّه عليّ بن موسى الرضا (عليهما السلام).
(4) 88، و 90، عنه البحار 47/ 10 ح 8. و رواه في تاريخ جرجان: 329 بإسناده إلى محمّد بن جعفر، قال: كان نقش خاتم أبي: اللّهمّ أنت ثقتي فاعصمني من خلقك. عنه الإحقاق: 12/ 217.
27
2- الكافي: عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن عبد اللّه بن محمّد النهيكي، عن إبراهيم بن عبد الحميد، قال:
مرّ بي معتّب و معه خاتم، فقلت له: أيّ شيء هذا؟ فقال: خاتم أبي عبد اللّه (عليه السلام).
فأخذته لأقرأ ما فيه، فإذا فيه «اللّهمّ أنت ثقتي فقني شرّ خلقك». (1)
الأئمّة، الصادق (عليه السلام):
3- الكافي: عليّ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن درّاج، عن ابن ظبيان، و حفص بن غياث، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): [قالا: قلنا له:
جعلنا فداك أ يكره أن يكتب الرجل في خاتمه غير اسمه و اسم أبيه؟]
فقال: في خاتمي مكتوب «اللّه خالق كلّ شيء». (2)
الرضا (عليه السلام):
4- مكارم الاخلاق:- من كتاب اللباس- عن أبي الحسن (عليه السلام) قال:
قوّموا (3) خاتم أبي عبد اللّه (عليه السلام). فأخذه أبي بسبعة؛
قال: قلت: سبعة دراهم؟ قال: سبعة دنانير. (4)
5- الكافي: [العدّة، عن] أحمد، عن البزنطي، قال: كنت عند الرضا (عليه السلام) فأخرج إلينا خاتم أبي عبد اللّه (عليه السلام) فإذا عليه «أنت ثقتي فاعصمني من الناس». (5)
6- عيون أخبار الرضا، و الأمالي للصدوق: أبي، عن سعد، عن البرقيّ، عن محمّد بن عليّ الكوفي، عن الحسن بن أبي العقبة الصيرفي، عن الحسين بن خالد، عن الرضا (عليه السلام): قال:
____________
(1) 6/ 473 ح 3، عنه البحار: 47/ 11 ح 10، و الوسائل: 3/ 410 ح 4.
(2) 6/ 473 ح 2، عنه البحار: 47/ 10 ح 9، و الوسائل: 3/ 408 ح 1.
(3) «قاوموا» م، ع، ب. و ما أثبتناه من الكافي. قوّم السلعة: سعّرها و ثمّنها.
(4) 83، عنه البحار: 47/ 10 ح 8. و رواه في الكافي: 6/ 470 ح 17 بإسناده إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام) (مثله)، عنه الوسائل: 3/ 392 ح 2.
(5) 6/ 473 ح 4، عنه البحار: 47/ 11 ح 11، و الوسائل: 3/ 409 ح 2.
29
استدراك
(3) أبواب النصوص على الأئمّة الاثني عشر (صلوات اللّه عليهم) و أنّ سادسهم الإمام الصادق (عليه السلام)
(1) باب بعض الآيات المؤوّلة في النصوص على الأئمّة الاثني عشر (عليهم السلام)
لا ريب في أنّ الآيات المؤوّلة في النصوص على الأئمّة الاثني عشر المعصومين (عليهم السلام) كثيرة؛
و قد استقصيناها في موسوعتنا «جامع الأخبار و الآثار»
و سنقتصر هنا على ذكر قبس منها حذرا من التكرار:
(1) المناقب لابن شهرآشوب: 1/ 242- في الحديث القدسي-: جابر الجعفي، عن الباقر (عليه السلام)- في خبر طويل- في قوله تعالى:
فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً (البقرة: 60)
جاء المؤمنون إلى جدّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقالوا: يا رسول اللّه تعرّفنا من الأئمّة بعدك؟
فقال- و ساق الحديث إلى قوله-: فإنّك إذا زوّجت عليّا من فاطمة خلّفت منها أحد عشر إماما من صلب عليّ، يكونون مع عليّ اثني عشر إماما ...
(2) التفسير المنسوب للامام العسكري (عليه السلام) 456 ضمن ح 298: عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) وَ بُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (البقرة: 97) بنبوّة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و ولاية عليّ (عليه السلام) و من بعده من الأئمّة.
(3) إكمال الدين: 2/ 358 ح 57، عن المفضّل بن عمر، عن الصادق (عليه السلام)، قال:
سألته عن قول اللّه عزّ و جلّ: وَ إِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَ (البقرة: 124)
فقلت له: يا ابن رسول اللّه! فما يعني عزّ و جلّ بقوله «فأتمّهنّ»؟
قال (عليه السلام): يعني أتمّهنّ إلى القائم اثني عشر إماما، تسعة من ولد الحسين (عليه السلام) ...
(4) و منه: 1/ 253 ح 3، عن جابر بن يزيد الجعفي، قال:
سمعت جابر بن عبد اللّه الأنصاري يقول: لمّا أنزل اللّه عزّ و جلّ على نبيّه محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):
28
كان نقش خاتم جعفر بن محمّد (عليهما السلام) «اللّه وليّي (1) و عصمتي من خلقه». (2)
الكتب:
7- الكفعمي: نقش خاتمه «اللّه خالق كلّ شيء». (3)
8- الفصول المهمّة: نقش خاتمه (عليه السلام):
«ما شاء اللّه لا قوّة إلّا باللّه، أستغفر اللّه». (4)
9- العدد القويّة: نقش خاتمه (عليه السلام) «اللّه عوني و عصمتي من الناس»
و قيل: نقشه «أنت ثقتي فاعصمني من خلقك».
و قيل: «ربّي عصمني من خلقه». (5)
5- باب حليته و شمائله (عليه السلام)
الكتب:
1- المناقب لابن شهرآشوب: كان الصادق (عليه السلام) ربع (6) القامة، أزهر الوجه، حالك (7) الشعر جعد، أشمّ (8) الأنف، أنزع [رقيق البشرة] دقيق المسربة (9)، على خدّه خال أسود، و على جسده خيلان (10) حمرة. (11)
____________
(1) «إنّه وليّي» عيون.
(2) 2/ 56 ضمن ح 206، 371 ح 5، عنهما البحار: 47/ 8 ح 1، و الوسائل: 3/ 412 ح 9.
(3) 523، عنه البحار: 47/ 10 ح 7.
(4) 205، عنه البحار: 47/ 10 ح 6.
(5) 148 ح 65، عنه البحار: 47/ 11 ح 12.
و أورد ذيله في دلائل الإمامة: 112، و فيه «كان له خاتم نقشه: اللّه ربّي عصمتي من خلقه».
(6) رجل ربع: بين الطويل و القصير.
(7) الحالك: الشديد السواد.
(8) «الشمم: ارتفاع قصبة الانف و حسنها، و استواء أعلاها، و انتصاب الارينبة، أو ورود الأرنبة و حسن استواء القصبة و ارتفاعها، أو أن يطول الأنف و يدقّ و تسيل روثته؛ [و الروثة: طرف الأرنبة من الانف].» منه ره.
(9) «و المسربة- بفتح الميم و ضم الراء-: الشعر وسط الصدر إلى البطن» منه ره.
(10) الخيلان: جمع الخال: الشامة في البدن.
(11) 3/ 400، عنه البحار: 47/ 9 ح 5.
30
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (النساء: 59)؛
قلت: يا رسول اللّه عرفنا اللّه و رسوله، فمن أولو الأمر الّذين قرن اللّه طاعتهم بطاعتك؟
فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): هم خلفائي يا جابر، و أئمّة المسلمين من بعدي:
أوّلهم عليّ بن أبي طالب، ثمّ الحسن و الحسين ... ثمّ الصادق جعفر بن محمّد ...
(5) كفاية الأثر: 183، عن أمّ سلمة، قالت:
سألت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عن قول اللّه سبحانه ... وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (النساء: 69)؛
قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): الأئمّة الاثنا عشر بعدي ...
(6) المناقب لابن شهر اشوب: 1/ 213، قوله وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ (النساء: 83) ... روي أنّها نزلت في الحجج الاثني عشر.
(7) كتاب سليم: 185، ... و أنزل اللّه:
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ... (المائدة: 3)؛
فقال سلمان الفارسي: يا رسول اللّه أنزلت هذه الآيات في عليّ خاصّة؟
فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): فيه و في أوصيائي إلى يوم القيامة. فقال سلمان الفارسي:
يا رسول اللّه بيّنهم لنا؟ فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): عليّ أخي ... و أحد عشر إماما من ولده ...
(8) اليقين: 60: فقام جابر بن عبد اللّه الأنصاريّ، فقال: يا رسول اللّه!
و ما عدّة الأئمّة؟ فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): يا جابر سألتني- رحمك اللّه- عن الإسلام بأجمعه، عدّتهم عدّة الشهور، و هي عند اللّه اثنا عشر شهرا في كتاب اللّه يوم خلق السماوات و الأرض؛
و عدّتهم عدّة العيون الّتي انفجرت لموسى بن عمران (عليه السلام) حين ضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا؛
و عدّتهم عدّة نقباء بني إسرائيل: قال اللّه تعالى:
وَ لَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَ بَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً (المائدة: 12)؛
فالأئمّة يا جابر، أوّلهم عليّ بن أبي طالب، و آخرهم القائم.
(9) إكمال الدين: 2/ 337: ... قال جلّ ذكره:
إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا ... (المائدة: 55)؛
31
المدعوّ إليه بالولاية، المثبّت له الإمامة يوم غدير خمّ بقول الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، عن اللّه جلّ جلاله: «أ لست أولى بكم منكم بأنفسكم»؟ قالوا: بلى.
قال: «فمن كنت مولاه فعليّ مولاه ...» ذاك عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين، و إمام المتّقين ...، و بعده الحسن، ثمّ الحسين ...، ثمّ جعفر بن محمّد ....
(10) مقتضب الأثر: 48، عن أبان بن عمر، قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فدخل عليه سفيان بن مصعب العبدي، فقال: جعلني اللّه فداك ما تقول في قوله تعالى ذكره:
وَ عَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ؟ (الأعراف: 46) قال (عليه السلام):
هم الأوصياء من آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الاثني عشر، لا يعرف اللّه إلّا من عرفهم و عرفوه.
(11) مجمع البيان: 4/ 487: الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ (الأعراف: 157) ...؛
و فيها أيضا مكتوب- أي في التوراة و الإنجيل: و أمّا ابن الأمة فقد باركت عليه جدّا جدّا، و سيلد اثني عشر عظيما، و اؤخّره لامّة عظيمة.
(12) كفاية الأثر: 86: وَ قَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً (الأعراف: 160)؛
فقيل: يا رسول اللّه! فكم الأئمّة من بعدك؟ فقال: عدد الأسباط.
(13) و منه: 175، ... قال الحسين بن عليّ (عليهما السلام): لمّا أنزل اللّه تعالى هذه الآية:
وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ (الأنفال: 75)؛
سألت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عن تأويلها، فقال: و اللّه، ما عني بها غيركم، و أنتم أولو الأرحام؛ فإذا متّ فأبوك عليّ أولى بي و بمكاني، فإذا مضى أبوك فأخوك الحسن أولى به ...
فإذا مضى محمّد فابنه جعفر أولى به و بمكانه من بعده ...
(14) غيبة الطوسي: 92، جابر الجعفي، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن تأويل قول اللّه عزّ و جلّ: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً ...؟ (التوبة: 36).
قال: فتنفّس سيّدي الصعداء، ثمّ قال: يا جابر!
أمّا السنة فهي جدّي رسول اللّه، و شهورها اثنا عشر شهرا، فهو أمير المؤمنين؛
... و إليّ، و إلى ابني جعفر ...
32
(15) غيبة النعماني: 87 ح 18، داود بن كثير الرقّي، قال:
دخلت على أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد (عليهما السلام) بالمدينة فقال لي: ... إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً ... مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ (التوبة: 36):
أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، الحسن بن عليّ ... جعفر بن محمّد ....
(16) و منه: 88 ح 19، عن زياد القندي، قال: سمعت أبا إبراهيم موسى بن جعفر (عليهما السلام) يقول: إنّ اللّه عزّ و جلّ خلق بيتا من نور، جعل قوائمه أربعة أركان، كتب عليها أربعة أسماء: «تبارك» و «سبحان» و «الحمد» و «اللّه»، ثمّ خلق من الأربعة أربعة، و من الأربعة أربعة، ثمّ قال جلّ و عزّ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً.
(17) إكمال الدين: 345 ح 30، عن عمر بن سالم صاحب السابري، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن هذه الآية: أَصْلُها ثابِتٌ وَ فَرْعُها فِي السَّماءِ؟ (إبراهيم: 24)
قال: «أصلها» رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، «و فرعها» أمير المؤمنين (عليه السلام)، و الحسن و الحسين ثمرها، و تسعة من ولد الحسين أغصانها ...
(18) كفاية الأثر: 297، ... إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال لي يوما:
يا جابر! إذا أدركت ولدي الباقر فاقرأه منّي السلام، فإنّه سميّي، و ابنه أشبه الناس بي ...
و سبعة من ولده أمناء معصومون أئمّة أبرار؛
و السابع مهديّهم يملأ الدنيا قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما، ثمّ تلا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):
وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَ أَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ ... (الأنبياء: 73).
(19) كتاب سليم: 151، في حديث المناشدة، قال أمير المؤمنين (عليه السلام):
انشدكم اللّه أ تعلمون أنّ اللّه أنزل فيّ سورة: ... وَ فِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَ تَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ... (الحجّ: 78)؛
فقام سلمان، فقال: يا رسول اللّه! من هؤلاء الّذين أنت عليهم شهيد، و هم شهداء على الناس، الّذين اجتباهم اللّه و ما جعل عليهم في الدين من حرج ملّة أبيهم؟ قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):
روى بذلك ثلاثة عشر إنسانا: أنا و أخي و أحد عشر من ولدي. قالوا: اللّهمّ نعم ...
(20) المناقب لابن شهر اشوب: 1/ 240، عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في قوله تعالى:
33
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ ... (النور: 35):
أنّه قال: يا عليّ «النور» اسمي، «و المشكاة» أنت يا عليّ، «المصباح» الحسن و الحسين، «الزجاجة» عليّ بن الحسين، «كأنّها كوكب درّي» محمّد بن عليّ، «يوقد من شجرة» جعفر بن محمّد ....
(21) البرهان في تفسير القرآن: 2/ 136 ح 16:
فقال- أمير المؤمنين (عليه السلام)-: عجبت لمن يقرأ هذه الآية و لم يعرفها حقّ معرفتها!
فقلت: أيّ آية يا أمير المؤمنين؟ فقال (عليه السلام): قوله تعالى:
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ ... (النور: 35)
«المشكاة» محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) «فيها مصباح» المصباح أنا.
«في زجاجة» الزجاجة الحسن و الحسين (عليهما السلام).
«كأنّها كوكب درّي» و هو عليّ بن الحسين (عليه السلام).
«يوقد من شجرة مباركة» محمّد بن عليّ (عليهما السلام)، «زيتونة» جعفر بن محمّد (عليهما السلام) ...
(22) عيون أخبار الرضا: 1/ 51 ح 16: عن كعب الأحبار، قال في الخلفاء:
هم اثنا عشر، فإذا كان عند انقضائهم، و أتت طبقة صالحة مدّ اللّه لهم في العمر؛ كذلك وعد اللّه هذه الامّة، ثمّ قرأ:
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ (النور: 55).
(23) كفاية الأثر: 56، قال جندل: يا رسول اللّه! قد وجدنا ذكرهم في التوراة، و قد بشّرنا موسى بن عمران بك و بالأوصياء بعدك من ذرّيّتك؛ ثمّ تلا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ...،
فقال جندل: يا رسول اللّه! فما خوفهم؟
قال: يا جندل! في زمن كلّ واحد منهم سلطان يعتريه و يؤذيه ...
(24) غيبة النعماني: 84 ح 13، المفضّل بن عمر، قال:
قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ما معنى قول اللّه عزّ و جلّ:
بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَ أَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً (الفرقان: 11)، قال لي:
34
إنّ اللّه خلق السنة اثني عشر شهرا، و جعل الليل اثنتي عشرة ساعة، و جعل النهار اثنتي عشرة ساعة، و منّا اثني عشر محدّثا، و كان أمير المؤمنين (عليه السلام) من تلك الساعات.
(25) و منه: 84 ح 15، قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): الليل اثنتا عشرة ساعة، و النهار اثنتا عشرة ساعة، و الشهور اثنا عشر شهرا، و الأئمّة (عليهم السلام) اثنا عشر إماما، و النقباء اثنا عشر نقيبا؛ و إنّ عليّا ساعة من اثنتي عشرة ساعة، و هو قول اللّه عزّ و جلّ: بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ ....
(26) إكمال الدين: 2/ 368 ح 6، محمّد بن زياد الأزدي، قال:
سألت سيّدي موسى بن جعفر (عليهما السلام) عن قول اللّه عزّ و جلّ:
وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَ باطِنَةً؟ (لقمان: 20)؛
قال (عليه السلام): النعمة الظاهرة: الإمام الظاهر، و الباطنة: الإمام الغائب.
(27) شواهد التنزيل: 454، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى:
وَ جَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا (السجدة: 24)؛
قال: نزلت في ولد فاطمة خاصّة، جعل اللّه منهم أئمّة يهدون بأمره.
(28) سليم بن قيس: 150، ... إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (الأحزاب: 33) ...
عليّ (عليه السلام)، عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): و إنمّا انزلت فيّ، و في أخي عليّ، و ابنتي فاطمة، و ابنيّ الحسن و الحسين (صلوات اللّه عليهم) خاصّة- ليس معنا غيرنا- و في تسعة من ولد الحسين من بعدي.
(29) كفاية الأثر: 156 عن عليّ (عليه السلام)، قال: دخلت على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في بيت أمّ سلمة و قد نزلت عليه هذه الآية: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ ...
فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): يا عليّ! هذه الآية نزلت فيك، و في سبطيّ، و الأئمّة من ولدك.
فقلت: يا رسول اللّه! و كم الأئمّة بعدك؟
قال: أنت يا عليّ، ثمّ ابناك الحسن و الحسين، ... و بعد محمّد جعفر ابنه ...
(30) الفضائل لابن شاذان: 158، عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه قال:
لمّا خلق اللّه إبراهيم الخليل، كشف له عن بصره، فنظر في جانب العرش نورا؛ فقال: إلهي و سيّدي، ما هذا النور؟ قال: يا إبراهيم! هذا محمّد صفيّي.
35
فقال: إلهي و سيّدي ... إنّي أرى نورين يليان الأنوار الثلاثة.
قال: يا إبراهيم! هذان الحسن و الحسين يليان أباهما و امّهما و جدّهما.
قال: إلهي و سيّدي، إنّي أرى تسعة أنوار أحدقوا بالخمسة الأنوار!
قال: يا إبراهيم، هؤلاء الأئمّة من ولدهم ...
قال إبراهيم: اجعلني إلهي من شيعتهم و محبّيهم.
قال: جعلتك منهم، فأنزل تعالى فيه:
وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ* إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (الصافات: 83، 84).
(31) كفاية الأثر: 86، عن أبي هريرة، قال: سألت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عن قوله عزّ و جلّ: وَ جَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ؟ (الزخرف: 28) قال: جعل الإمامة في عقب الحسين (عليه السلام) يخرج من صلبه تسعة من الأئمّة، و منهم مهديّ هذه الامّة.
(32) و منه: 87، ... قال: قلت لأبي هريرة:
فمن أهل بيته- أي أهل بيت النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- نساؤه؟ قال: لا، أهل بيته صلبه و عصبته، و هم الأئمّة الاثنا عشر الّذين ذكرهم اللّه في قوله:
وَ جَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ، فهل جعلها إلّا في عقب الحسين (عليه السلام)؟!
(33) و منه: 246، عن جابر، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: قلت له:
يا ابن رسول اللّه! إنّ قوما يقولون: إنّ اللّه تبارك و تعالى جعل الإمامة في عقب الحسن و الحسين. قال: كذبوا و اللّه، أولم يسمعوا اللّه تعالى ذكره يقول:
وَ جَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ، فهل جعلها إلّا في عقب الحسين (عليه السلام)؟!
(34) كنز الفوائد: 2/ 139، ضمن حديث عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه قال:
يا جارود! ليلة اسري بي إلى السماء، أوحى اللّه عزّ و جلّ إليّ أن وَ سْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا (الزخرف: 45) على ما بعثوا؟ فقلت لهم: على ما بعثتم؟
فقالوا: على نبوّتك و ولاية عليّ بن أبي طالب و الأئمّة منكما ...
ثمّ أوحى إليّ أن التفت عن يمين العرش، فالتفتُّ فإذا عليّ و الحسن و الحسين و عليّ بن الحسين و محمّد بن عليّ و جعفر بن محمّد ...
36
(35) الاختصاص: 218، ... ثمّ تلا هذه الآية:
وَ السَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (البروج: 1) ثمّ قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):
أ تدري يا ابن عبّاس إنّ اللّه يقسم بالسماء ذات البروج، يعني به السماء و بروجها؟!
قلت: يا رسول اللّه! فما ذاك؟ قال: أمّا «السماء» فأنا، و أمّا «البروج» فالأئمّة بعدي:
أوّلهم عليّ، و آخرهم المهدي (صلوات اللّه عليهم أجمعين).
(36) إكمال الدين: 259 ح 5، عن عليّ (عليه السلام) ... و قد سئل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و أنا عنده- عن الأئمّة بعده، فقال للسائل: وَ السَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ إنّ عددهم بعدد البروج.
و ربّ الليالي و الأيّام و الشهور، إنّ عددهم كعدد الشهور.
فقال السائل: فمن هم يا رسول اللّه؟
فوضع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يده على رأسي، فقال: أوّلهم هذا، و آخرهم المهدي ...
(37) تأويل الآيات: 2/ 792 ح 1، عن جابر، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:
قوله تعالى وَ الْفَجْرِ* وَ لَيالٍ عَشْرٍ* وَ الشَّفْعِ وَ الْوَتْرِ* وَ اللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (الفجر: 1- 4)
«الفجر» هو القائم، «و ليال عشر» الأئمّة (عليهم السلام) من الحسن إلى الحسن، «و الشفع» أمير المؤمنين و فاطمة (عليهما السلام) ...
(38) المناقب لابن شهرآشوب: 1/ 240، جابر الجعفي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: وَ الْفَجْرِ* وَ لَيالٍ عَشْرٍ ...: يا جابر!
الْفَجْرِ جدّي، وَ لَيالٍ عَشْرٍ عشرة أئمّة، وَ الشَّفْعِ أمير المؤمنين؛
وَ الْوَتْرِ اسم القائم.
(39) الاختصاص: 324، عن سليم بن قيس الشامي أنّه سمع عليّا (عليه السلام) يقول:
إنّي و أوصيائي من ولدي أئمّة مهتدون، كلّنا محدّثون.
قلت: يا أمير المؤمنين! من هم؟
قال: الحسن و الحسين، ثمّ قال: و عليّ- يومئذ رضيع- ثمّ ثمانية من بعده واحدا بعد واحد، و هم الّذين أقسم اللّه بهم فقال: وَ والِدٍ وَ ما وَلَدَ (البلد: 3):
أمّا «الوالد» فرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)؛ «و ما ولد» يعني هؤلاء الأوصياء ....
37
(40) إلزام الناصب: 1/ 110، عن ابن عبّاس، عن أمير المؤمنين (عليه السلام): ...
و أمّا قوله: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ (القدر: 4) فإنّه لمّا بعث اللّه محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و معه تابوت من درّ أبيض له اثني عشر بابا، فيه رقّ أبيض، فيه أسامي الاثني عشر، فعرضه على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أمره عن ربّه: أنّ الحقّ لهم و هم أنوار، قال: و من هم يا أمير المؤمنين؟ قال:
أنا و أولادي الحسن و الحسين و عليّ بن الحسين و محمّد بن عليّ و جعفر بن محمّد ...
(41) الخصال: 2/ 479 ح 47، عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام):
إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قال لابن عبّاس: إنّ ليلة القدر في كلّ سنة، و إنّه ينزّل في تلك الليلة أمر السنة، و لذلك الأمر ولاة بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).
فقال ابن عبّاس: من هم؟ قال: أنا و أحد عشر من صلبي أئمّة محدّثون.
(2) باب نصوص اللّه تعالى عليهم (عليهم السلام) في المعراج بلا واسطة (1)
(1) عن أبي سلمة راعي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، قال: سمعت النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقول:
... يا محمّد! تحبّ أن تراهم؟ قلت: نعم يا ربّ. فقال لي: التفت عن يمين العرش.
فالتفتّ، فإذا بعليّ، و فاطمة ...، و محمّد بن عليّ، و جعفر بن محمّد .... (2)
(2) عن أنس، قال: قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): ... نوديت: يا محمّد! ارفع رأسك.
فرفعت رأسي، فإذا أنا بأنوار عليّ و فاطمة ... و جعفر بن محمّد ... (3)
(3) عن أنس، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): ... و رأيت اثني عشر اسما مكتوبا بالنور، و هم: عليّ بن أبي طالب، و سبطاي، و بعدهما تسع أسماء: عليّ عليّ عليّ- ثلاث مرّات- و محمّد، و محمّد- مرّتين- و جعفر، و موسى، و الحسن، و الحجّة. (4)
(4) عن واثلة بن الأسقع، يقول: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقول: ... قال:
ارفع رأسك. فرفعت رأسي، فإذا أنا بأنوار الأئمّة بعدي اثنا عشر نورا. (5)
____________
(1) تقدّم هذا الباب إلى باب 25 بصورة مفصّلة في كتاب عوالم النصوص على الأئمّة الاثني عشر (عليهم السلام) مع اتّحادات و تخريجات كلّ حديث و نورد هنا مقاطعا منها إتماما للفائدة، ذاكرين رقم الحديث و صفحة العوالم.
(2) 35 ح 1.
(3) 38 ح 2.
(4) 39 ح 3.
(5) 40 ح 4.
38
(5) عن أبي أيّوب، عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه قال: ...
و رأيت أحد عشر اسما مكتوبا بالنور على ساق العرش بعد عليّ، (فهم) (1): الحسن و الحسين و عليّا و عليّا و عليّا و محمّدا و محمّدا و جعفرا و موسى و الحسن و الحجّة. (2)
(6) عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): ... رأيت في ثلاث مواضع:
عليّا عليّا عليّا، محمّدا و محمّدا، و جعفرا و موسى و الحسن و الحجّة. (3)
(7) عن أمّ سلمة، قالت: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): و رأيت أنوار عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين، و أنوار عليّ بن الحسين ... و محمّد بن عليّ و جعفر بن محمّد ... (4)
(8) ... سمعت عبد اللّه بن عمر يقول: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقول: ... ثمّ قال:
يا محمّد! أ تحبّ أن تراهم؟ قلت: نعم. قال: تقدّم أمامك؛ فتقدّمت أمامي، فإذا عليّ ابن أبي طالب ... و جعفر بن محمّد ... (5)
(9) عن أمير المؤمنين، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): ... فقال عزّ و جلّ: ارفع رأسك.
فرفعت رأسي، فإذا أنا بأنوار عليّ، و فاطمة، ... و جعفر بن محمّد ... (6)
(3) باب نصّ اللّه عليهم (صلوات اللّه عليهم) بواسطة جبرئيل (عليه السلام)
(1) عن عائشة، قالت: كان لنا مشربة، و كان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إذا أراد لقاء جبرئيل (عليه السلام) لقيه فيها ... إنّه سيخلق من صلب الحسين ولد، و سمّاه عنده عليّا ... و يخرج من صلب محمّد ابنه و سمّاه عنده جعفرا، ناطقا عن اللّه، صادقا في اللّه ... (7)
(2) عن الحسين بن عليّ (عليهما السلام)، عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، قال: أخبرني جبرئيل (عليه السلام): ... فقال:
هذا نور عليّ بن أبي طالب، و هذا نور الحسن ... و هذا نور «جعفر بن محمّد» ... (8)
(3) الباقر (عليه السلام) يقول: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): ...
و لقد أتاني جبرئيل بأسمائهم و أسماء آبائهم ... (9)
____________
(1) هكذا و في خ: منهم، أقول: يحتمل الزيادة من النساخ فإنّه لا يناسب الإعراب «عليا»، و كذلك في الحديث بعده.
(2) 41 ح 5.
(3) 41 ح 6، و مثله في ص 174 ذ ح 145، و ص 262 ح 1.
(4) 42 ح 7.
(5) 42 ح 8.
(6) 44 ح 9.
(7) 46 ح 1.
(8) 48 ح 2.
(9) 49 ح 3.
39
(4) ... فقام جابر بن عبد اللّه الأنصاري، و قال:
يا رسول اللّه! من الأئمّة من ولد عليّ بن أبي طالب؟
قال: الحسن و ...، ثمّ الصادق جعفر بن محمّد .... (1)
(5) ... يا محمّد! إنّ اللّه جعلك سيّد الأنبياء، و جعل عليّا سيّد الأوصياء و خيرهم،
و جعل الأئمّة من ذرّيّتكما إلى أن يرث اللّه الأرض و من عليها .... (2)
(6) قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): أخبرني جبرئيل (عليه السلام) عن اللّه عزّ و جلّ أنّه قال: عليّ بن أبي طالب حجّتي على خلقي و ديّان ديني، اخرج من صلبه أئمّة يقومون بأمري. (3)
(4) باب فيما نزل به جبرئيل من النصوص عليهم (صلوات اللّه عليهم) في الصحيفة
(1) عن ابن عبّاس، قال: نزل جبرئيل (عليه السلام) بصحيفة من عند اللّه عزّ و جلّ على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فيها اثنا عشر خاتما من ذهب ... (4)
(2) عن الحسين (عليه السلام) قال: دخلت على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و عنده ابيّ بن كعب، فقال لي رسول اللّه: ... فركّب اللّه عزّ و جلّ في صلبه نطفة طيّبة مباركة زكيّة.
و أخبرني جبرئيل (عليه السلام) أنّ اللّه تبارك و تعالى طيّب هذه النطفة، و سمّاها عنده «جعفرا» و جعله هاديا مهديّا، و راضيا مرضيّا، يدعو ربّه، فيقول في دعائه:
«يا ديّان غير متوان، يا أرحم الراحمين اجعل لشيعتي من النار وقاء ...» (5)
(3) عن الصادق (عليه السلام) قال: إنّ اللّه عزّ و جلّ أنزل على نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كتابا قبل أن يأتيه الموت ... ثمّ دفعه إليّ ففككت خاتمه، فوجدت فيه:
حدّث الناس و أفتهم، و انشر علوم أهل بيتك، و صدّق آباءك الصالحين، و لا تخافنّ أحدا إلّا اللّه، و أنت في حرز و أمان، ففعلت .... (6)
(4) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: نزل جبرئيل على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بصحيفة من السماء ...
يا محمّد! هذه وصيّتك إلى النجيب من أهلك.
____________
(1) 50 ح 4.
(2) 51 ح 5.
(3) 53 ح 6.
(4) 53 ح 1.
(5) 58 ح 7.
(6) 54 ح 2.
40
فقال له: يا جبرئيل من النجيب من أهلي؟ قال: عليّ بن أبي طالب ...
ثمّ دفعها إلى رجل بعده ففكّ خاتما فوجد فيه:
أن حدّث الناس و أفتهم و صدّق أباك؛
و لا تخافنّ إلّا اللّه فإنّك في حرز من اللّه و ضمان ... (1)
(5) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال: الوصيّة نزلت من السماء على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كتابا مختوما ... حتّى عدّد اثني عشر اسما. (2)
(6) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:
دفع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلى عليّ (عليه السلام) صحيفة مختومة باثني عشر خاتما ... (3)
(7) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:
إنّ اللّه جلّ اسمه أنزل من السماء إلى كلّ إمام عهده و ما يعمل به ... (4)
(5) باب النصّ عليهم (صلوات اللّه عليهم) في اللوح
(1) عن جابر، قال: دخلت على فاطمة (عليها السلام) و بين يديها لوح مكتوب فيه أسماء الأوصياء، فعددت اثني عشر، آخرهم القائم ... (5)
(2) عن جابر، قال: دخلت على مولاتي فاطمة (عليها السلام) بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و قدّامها لوح يكاد ضوءه يغشي الأبصار، و فيه اثنا عشر اسما. (6)
(3) عن جابر بن عبد اللّه: ... يا محمّد! إنّي اصطفيتك على الأنبياء، و فضّلت وصيّك على الأوصياء ... و جعفر الصادق في القول و العمل؛
تنشب من بعده فتنة صمّاء فالويل كلّ الويل للمكذّب بعبدي و خيرتي من خلقي ... (7)
(4) ... قال جابر: فأشهد باللّه أنّي هكذا رأيته في اللوح مكتوبا: ...
سيهلك المرتابون في جعفر، الرادّ عليه كالرادّ عليّ، حقّ القول منّي لأكرمنّ مثوى جعفر، و لأسرّنّه في أشياعه و أنصاره و أوليائه ... (8)
____________
(1) 55 ح 3.
(2) 56 ح 4.
(3) 57 ح 5.
(4) 57 ح 6.
(5) 65 ح 2.
(6) 66 ح 3.
(7) 67 ح 5.
(8) 72 ح 6، و مثله في ص 74 ح 7.
41
(6) باب النصّ عليهم (صلوات اللّه عليهم) في الوحي إلى إبراهيم الخليل (عليه السلام)
(1) عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه قال: لمّا خلق اللّه إبراهيم الخليل (عليه السلام) ...
قال: إلهي و سيّدي إنّي أرى نورين يليان الأنوار الثلاثة.
قال: يا إبراهيم، هذان الحسن و الحسين، نوراهما يليان أباهما و جدّهما و أمّهما.
فقال: إلهي و سيّدي، إنّي أرى تسعة أنوار قد أحدقوا بالخمسة الأنوار؟!
قال: يا إبراهيم، هؤلاء الأئمّة من ولدهم.
فقال: إلهي و سيّدي فبمن يعرفون؟
قال: يا إبراهيم، أوّلهم عليّ بن الحسين، و محمّد ولد عليّ، و جعفر ولد محمّد. (1)
(2) ... أوحى اللّه تعالى إلى إبراهيم الخليل (عليه السلام) فقال:
انطلق بإسماعيل ... و جاعل من ذرّيّته اثني عشر عظيما. (2)
(7) باب النصّ عليهم (صلوات اللّه عليهم) في التوراة
(1) عن عبد اللّه بن أبي أوفى، عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، قال:
لمّا فتحت خيبر قالوا له: إنّ بها حبرا ... قال: فعد ذلك.
قال- الحبر-: ... و إنّه يخرج منك أحد عشر نقيبا. (3)
(2) عن سالم بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب ... سمعته يقول- أي كعب الأحبار-: إنّ الأئمّة من هذه الامّة بعد نبيّها على عدد نقباء بني إسرائيل، و أقبل عليّ بن أبي طالب، فقال كعب: هذا المقفيّ (4) أوّلهم، و أحد عشر من ولده، و سمّاهم كعب بأسمائهم في التوراة ...، و أمّا «دوموه» فهو المدرة، الناطق عن اللّه، الصادق. (5)
(3) عن حاجب بن سليمان أبي موزج، قال:
لقيت- ببيت المقدس- عمران بن خاقان، فقال لي: يا أبا موزج! إنّا نجد في التوراة ثلاثة عشر اسما، منها محمّد، و اثني عشر من بعده من أهل بيته. (6)
____________
(1) 75 ح 1.
(2) 77 ح 2.
(3) 77 ح 3.
(4) كذا في الأصل.
(5) 78 ح 2.
(6) 80 ح 3.
42
(8) باب النصّ عليهم (صلوات اللّه عليهم) في كتاب هارون و إملاء موسى (عليهما السلام)
(1) ... فقال عليّ (عليه السلام): يا هاروني، إنّ لمحمّد اثني عشر إماما عدلا ... (1)
(9) باب النصّ عليهم (صلوات اللّه عليهم) في كتاب عيسى (عليه السلام)
(1) عن سليم بن قيس الهلالي، قال: ...
و في ذلك الكتاب ثلاثة عشر رجلا من ولد إسماعيل بن إبراهيم خليل اللّه .... (2)
(10) باب النصّ عليهم (صلوات اللّه عليهم) في الكتاب الموضوع على الصخرة الّتي في أرض الكعبة
(1) عن عبد اللّه بن ربيعة، قال: قال لي أبي: ... ثمّ يكون بعده الإمام جعفر، و هو الصادق، بالحكمة ناطق، مظهر كلّ معجزة، و سراج الامّة؛
يموت موتا بأرض طيّبة، موضع قبره البقيع .... (3)
(11) باب نصوص الرسول عليهم (صلوات اللّه عليهم)
(1) ... و تسعة من ولد الحسين تاسعهم قائم أمّتي. (4)
(2) ... فليتولّ عليّ بن أبي طالب، و ليأتمّ بالأوصياء من ولده ... (5)
(3) ... إنّه يكون من بعده اثنا عشر خليفة بعدّة نقباء بني إسرائيل. (6)
(4) ... حتّى يمضي اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش. (7)
(5) ... يكون بعدي اثنا عشر أميرا. (8)
(6) أنا و عليّ و الحسن و الحسين و تسعة من ولد الحسين مطهّرون معصومون. (9)
(7) فبعزّة ربّي ما أنا بمتكلّف، و لا أنا ناطق عن الهوى في عليّ و الأئمّة من ولده. (10)
(8) ... ثمّ وضع يده على كتف الحسين فقال:
____________
(1) 83 ح 1.
(2) 85 ح 1.
(3) 86 ح 1.
(4) 91 ح 1.
(5) 92 ح 2.
(6) 93 ح 3.
(7) 106 ح 16.
(8) 107 ح 18.
(9) 117 ح 40.
(10) 118 ح 42.
43
إنّه الإمام ابن الإمام، تسعة من صلبه أئمّة أبرار أمناء معصومون، و التاسع قائمهم. (1)
(9) فإذا انقضت مدّة محمّد قام بالأمر بعده ابنه جعفر، و يدعى بالصادق ... (2)
(10) عن عبد اللّه بن عمر، قال: قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):
يا عليّ، أنا نذير امتي ... و محمّد بن عليّ عارفها، و جعفر بن محمّد كاتبها ... (3)
(11) عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، قال: أنا واردكم على الحوض، و أنت يا عليّ الساقي ...
و محمّد بن عليّ الناشر، و جعفر بن محمّد السائق ... (4)
(12) عن أنس، قال: سألت النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، من حواريك يا رسول اللّه؟ فقال:
الأئمّة من بعدي اثنا عشر، من صلب عليّ و فاطمة، و هم حوارييّ و أنصار ديني. (5)
(13) ... عدّتهم عدّة أشهر السنة، آخرهم يصلّي عيسى بن مريم (عليه السلام) خلفه. (6)
(14) ... لن يزل هذا الأمر قائما إلى اثنى عشر قيّما من قريش. (7)
(15) ... تسعة من ولد الحسين أئمّة أبرار. قال: يا محمّد، فسمّهم لي.
قال: نعم، إذا مضى الحسين فابنه عليّ، ... فإذا مضى عليّ فابنه محمّد؛
فإذا مضى محمّد فابنه جعفر ... (8)
(16) عن عبد اللّه بن عبّاس، قلت: يا رسول اللّه، فكم الأئمّة بعدك؟
قال: بعدد حواري عيسى، و أسباط موسى، و نقباء بني إسرائيل.
قلت: يا رسول اللّه، فكم كانوا؟ قال: كانوا اثني عشر، و الأئمّة بعدي اثنا عشر:
أوّلهم عليّ بن أبي طالب و بعده ... فإذا انقضى محمّد فابنه جعفر ... (9)
(17) يخرج من صلب الحسين تسعة من الأئمّة معصومون قوّامون بالقسط. (10)
(18) و أمّا النجوم الزاهرة فالأئمّة التسعة من صلب الحسين و التاسع مهديّهم. (11)
(19) عن ابن عبّاس، قال: سألت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حين حضرته وفاته:
إذا كان ما نعوذ باللّه منه فإلى من؟- فأشار إلى عليّ (عليه السلام)- فقال: إلى هذا فإنّه مع الحقّ
____________
(1) 120 ح 46.
(2) 122 ح 47.
(3) 134 ح 68.
(4) 134 ح 69.
(5) 135 ح 71.
(6) 135 ح 73.
(7) 136 ح 74.
(8) 138 ح 78.
(9) 140 ح 79.
(10) 144 ح 82.
(11) 145 ح 13.
44
و الحقّ معه، ثمّ يكون من بعده أحد عشر إماما، مفترضة طاعتهم، كطاعتي. (1)
(20) إنّ الأئمّة بعدي اثنا عشر رجلا من أهل بيتي، عليّ أوّلهم، و أوسطهم محمّد و آخرهم محمّد ... (2)
(21) ... فقال له عبد اللّه بن مسعود: ما هؤلاء الأئمّة الّذين ذكرتم في صلب الحسين؟ ... و يخرج اللّه من صلبه كلمة الحقّ و لسان الصدق.
فقال له ابن مسعود: فما اسمه يا نبيّ اللّه؟ قال: يقال له: جعفر، صادق في قوله و فعله، الطاعن عليه كالطاعن عليّ، و الرادّ عليه كالرادّ عليّ. (3)
(22) ... و تسعة من صلب الحسين أئمّة أبرار، هم عترتي من لحمي و دمي. (4)
(23) ... إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال لي يوما: يا جابر، إذا أدركت ولدي الباقر (عليه السلام) ...،
سبعة من ولده أمناء معصومون أئمّة أبرار. (5)
(24) عن عبد اللّه بن عبّاس، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): إنّ خلفائي و أوصيائي و حجج اللّه على الخلق بعدي اثنا عشر: أوّلهم أخي، و آخرهم ولدي. (6)
(25) عن سهل، قال: سألت فاطمة (عليها السلام) عن الأئمّة؟
فقالت: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقول لعليّ (عليه السلام):
يا عليّ، أنت الإمام و الخليفة بعدي، و أنت أولى بالمؤمنين من أنفسهم ...
فإذا مضى محمّد، فابنه جعفر أولى بالمؤمنين من أنفسهم ... (7)
(26) «خطبة اللؤلؤة»: فقال: ... قلت: يا رسول اللّه، أ فلا تسمّيهم لي؟
قال: نعم، أنت الإمام و الخليفة بعدي ... و بعد محمّد ابنه جعفر، يدعى بالصادق. (8)
(27) ... قال لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): يا عليّ، الأئمّة الراشدون المهديّون المغصوبون حقوقهم من ولدك أحد عشر إماما، و أنت. (9)
(28) ... ثمّ قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): و أنا أدفعها إليك يا عليّ، و أنت تدفعها إلى ابنك الحسن و ...
و محمّد يدفعها إلى ابنه جعفر ... (10)
____________
(1) 154 ح 106.
(2) 160 ح 119.
(3) 161 ح 120.
(4) 166 ح 127.
(5) 186 ح 161.
(6) 192 ح 2.
(7) 195 ح 177.
(8) 199 ح 181.
(9) 205 ح 185.
(10) 214 ح 191.
45
(29) قال- أي عليّ (عليه السلام)-: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): ...
و إنّ من الأئمّة بعدي من ذرّيّتك من اسمه اسمي، و من هو سميّ موسى بن عمران؛ و إن الأئمّة بعدي كعدد نقباء بني إسرائيل ... (1)
(30) فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): وَ السَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ إنّ عددهم بعدد البروج؛
و ربّ الليالي و الأيّام و الشهور، عددهم كعدد الشهور. (2)
(31) «حديث المناشدة»: ... ثمّ وصيّه سميّي، ثمّ سبعة من ولده واحدا واحدا، حتّى يردوا عليّ الحوض شهداء اللّه في أرضه، و حجّته على خلقه؛
من أطاعهم أطاع اللّه، و من عصاهم عصى اللّه. (3)
(32) عن الحسن بن عليّ (عليهما السلام)، قال: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقول:
أنا سيّد النبيّين، و عليّ سيّد الوصيّين ...، و الأئمّة بعدهما سادة المتّقين. (4)
(33) عن الحسن بن عليّ (عليهما السلام)، قال: خطب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقال: ...
و يخرج اللّه من صلب محمّد مولودا يقال له:
جعفر، أصدق الناس قولا و فعلا، و هو الإمام و الحجّة بعد أبيه. (5)
(34) عن الحسين بن عليّ (عليهما السلام)، قال:
فأخبرني يا رسول اللّه هل يكون بعدك نبيّ؟ فقال: لا، أنا خاتم النبيّين؛
لكن يكون بعدي أئمّة قوّامون بالقسط بعدد نقباء بني إسرائيل. (6)
(35) قال الحسين بن عليّ (عليهما السلام) لمّا أنزل اللّه تعالى هذه الآية: وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ سألت رسول اللّه عن تأويلها، فقال: و اللّه ما عنى بها غيركم ...
فإذا مضى محمّد فابنه جعفر أولى به و بمكانه من بعده ... (7)
(36) قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): كيف تهلك أمّة أنا و عليّ و أحد عشر من ولدي- اولوا الألباب- أوّلها، و المسيح عيسى بن مريم آخرها؟! (8)
(37) قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): ...
____________
(1) 215 ح 193.
(2) 217 ح 196. تقدّم في الآيات ص 36 ح 36.
(3) 218 ح 1.
(4) 219 ح 197.
(5) 219 ح 198.
(6) 222 ح 204.
(7) 225 ح 207.
(8) 227 ح 211.
47
أتى يهوديّ أمير المؤمنين (عليه السلام) فسأله عن مسائل فكان فيما سأله:
أخبرني كم لهذه الامّة من إمام هدىّ لا يضرّهم من خذلهم؟ قال: اثنا عشر إماما. (1)
(7) ... فإنّ لهذه الامّة اثني عشر إماما، هادين مهديّين ... (2)
(8) منزل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في جنّة عدن و الّذين يسكنون معه هؤلاء الاثنا عشر. (3)
(9) ... فقال ابن عبّاس: من هم؟
قال (عليه السلام): أنا و أحد عشر من صلبي أئمّة محدّثون. (4)
(13) باب نصّ الحسن بن عليّ عليهم (صلوات اللّه عليهم)
(1) ... سألت الحسن بن عليّ (عليهما السلام) عن الأئمّة؟ فقال: عدد شهور الحول. (5)
(2) ... سمعت الحسن بن عليّ (عليهما السلام) يقول:
الأئمّة بعد رسول اللّه اثنا عشر، تسعة من صلب أخي الحسين ... (6)
(3) ... قال الحسن بن عليّ (عليهما السلام):
الأئمّة بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عدد نقباء بني إسرائيل ... (7)
(14) باب نصّ الحسين بن عليّ عليهم (صلوات اللّه عليهم)
(1) ... و سأله رجل عن الأئمّة؟ فقال:
عدد نقباء بني إسرائيل، تسعة من ولدي ... (8)
(2) ... فأخبرني عن عدد الأئمّة بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)؟
قال: اثنا عشر عدد نقباء بني إسرائيل. قال: فسمّهم لي.
قال: ... منهم عليّ ابني، و بعده محمّد ابنه، و بعده جعفر ابنه ... (9)
(3) قال الحسين بن عليّ (عليهما السلام): منّا اثنا عشر مهديّا .... (10)
____________
(1) 251 ح 6.
(2) 252 ح 7.
(3) 253 ح 8.
(4) 254 ح 9.
(5) 255 ح 1.
(6) 255 ح 2.
(7) 255 ح 3.
(8) 256 ح 1.
(9) 256 ح 2.
(10) 257 ح 3.
46
و من الحسين أئمّة هداة أعطاهم اللّه علمي و فهمي فتولّوهم ... (1)
(38) قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لأمير المؤمنين (عليه السلام): ...
الأئمّة من ولدك، بهم تسقى أمّتي الغيث، و بهم يستجاب دعاؤهم، و بهم يصرف اللّه عنهم البلاء، و بهم تنزل الرحمة من السماء، و هذا أوّلهم، و أومأ بيده إلى الحسن (عليه السلام)؛
ثمّ أومأ بيده إلى الحسين (عليه السلام)، ثمّ قال: و الأئمّة من ولده. (2)
(39) قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لعليّ بن أبي طالب (عليه السلام): ...
و تسعة من ولد الحسين أركان الدين، و دعائم الإسلام ... (3)
(40) قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): إنّي و أحد عشر من ولدي و أنت يا عليّ زرّ الأرض ... (4)
(41) قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): يا أبا الحسن ...
فإذا حضرته الوفاة، فليسلّمها إلى ابنه جعفر الصادق. (5)
(12) باب نصّ أمير المؤمنين عليهم (صلوات اللّه عليهم)
(1) و إنّ مسكن محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في جنّة عدن، معه أولئك الاثنا عشر إماما العدول. (6)
(2) عن أبي الطفيل، قال: سمعت عليّا (عليه السلام) يقول: ...
أنا و أحد عشر من صلبي هم الأئمّة المحدّثون. (7)
(3) ... إنّ لهذه الامّة اثني عشر إمام هدى. (8)
(4) ... قال- أي أمير المؤمنين (عليه السلام)-:
أنا و الحسن و الحسين و الأئمّة التسعة من ولد الحسين. (9)
(5) ... عن عليّ (عليه السلام)، قال: لا يزال في ولدي مأمون مأمول. (10)
(6) عن جعفر بن محمّد (عليهما السلام)، قال:
____________
(1) 228 ح 214.
(2) 229 ح 215.
(3) 230 ح 216.
(4) 232 ح 220.
(5) 236 ح 227.
أقول: و مثل هذه الأحاديث أو نحوها عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في عوالم النصوص من ص 91- 245 ح 1- 244.
(6) 246 ح 1.
(7) 248 ح 2.
(8) 249 ح 3.
(9) 250 ح 4.
(10) 250 ح 5.
48
(15) باب نصّ عليّ بن الحسين عليهم (صلوات اللّه عليهم)
(1) ... قال- أي عليّ بن الحسين (عليهما السلام)-:
ثمّ تمتدّ الغيبة بوليّ اللّه الثاني عشر من أوصياء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ... (1)
(2) عن أبي خالد الكابلي، قال: دخلت على عليّ بن الحسين (عليهما السلام)، فقلت:
يا مولاي! أخبرني كم يكون من الأئمّة بعدك؟ قال (عليه السلام): ثمانية. (3)
(3) عمر بن عليّ، عن أبيه عليّ بن الحسين (عليهما السلام)، قال: ... فقلت:
فكم الأئمّة بعده- أي بعد الباقر-؟ قال: سبعة. (4)
(4) ... قال: اثنا عشر، عدد نقباء بني إسرائيل. (5)
(5) عن الحسين بن عليّ بن الحسين (عليهما السلام)، قال:
سأل رجل أبي (عليه السلام) عن الأئمّة؟ فقال (عليه السلام):
اثنا عشر، سبعة من صلب هذا، و وضع يده على كتف أخي محمّد. (6)
(16) باب نصّ محمّد بن عليّ الباقر عليهم (صلوات اللّه عليهم)
(1) عن الباقر (عليه السلام)، قال:
إنّ الأئمّة بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كعدد نقباء بني إسرائيل، و كانوا اثني عشر .... (7)
(2) الأئمّة بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) اثنا عشر، الثاني عشر هو القائم (عليه السلام) ... (8)
(3) ... تكون تسعة أئمّة بعد الحسين بن عليّ (عليهما السلام)، تاسعهم قائمهم. (9)
(4) ... إنّ اللّه عزّ و جلّ أرسل محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلى الجنّ و الإنس،
و جعل من بعده اثني عشر وصيّا. (10)
____________
(1) 259 ح 1.
(3) 260 ح 2.
(4) 261 ح 3.
(5) 261 ح 4.
(6) 261 ح 5.
(7) 262 ح 1.
(8) 263 ح 2.
(9) 264 ح 3.
(10) 264 ح 4.
50
(7) عن أبي بصير، قال: سمعت جعفر بن محمّد (عليهما السلام) يقول: منّا اثنا عشر محدّثا. (1)
(8) ... الليل اثنتا عشرة ساعة، و النهار اثنتا عشرة ساعة، و الشهور اثنا عشر شهرا، و الأئمّة (عليهم السلام) اثنا عشر إماما، و النقباء اثنا عشر نقيبا؛
و إنّ عليا ساعة من اثنتي عشرة ساعة ... (2)
(9) ... إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً الآية:
أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ...، محمّد بن عليّ، جعفر بن محمّد ... (3)
(10) عن إبراهيم الكرخي، قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام)، و إنّي عنده جالس إذ دخل أبو الحسن موسى (عليه السلام) و هو غلام ... فقمت إليه فقبّلته و جلست.
فقال لي أبو عبد اللّه: ... و يخرج اللّه من صلبه تكملة اثني عشر إماما مهديّا ... (4)
(11) ثمّ كشف حجابا من الحجب، فإذا خلفه محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و اثنا عشر وصيّا له. (5)
(12) ... قلت: سمّهم لي يا ابن رسول اللّه؟
قال: أوّلهم عليّ بن أبي طالب، و بعده الحسن و الحسين و بعده عليّ بن الحسين و بعده محمّد بن عليّ الباقر، ثمّ أنا ... (6)
(13) ... و محمّد يخرج من صلب عليّ، و عليّ يخرج من صلب ابني هذا- و أشار إلى موسى (عليه السلام)- و هذا خرج من صلبي؛
و نحن اثنا عشر، كلّنا معصومون مطهّرون ... (7)
(14) ... أنّ الإمام بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، و بعده الحسن، ثمّ الحسين، ثمّ عليّ بن الحسين، ثمّ محمّد بن عليّ، ثمّ أنا ... (8)
(15) ... فأخبر عليّ (عليه السلام): أنّ القائم (عليه السلام) هو الحادي عشر من ولده ... (9)
(16) ... فقيل له: يا ابن رسول اللّه، و من الأربعة عشر؟ فقال:
محمّد، و عليّ، و فاطمة، و الحسن، و الحسين، و الأئمّة من ولد الحسين ... (10)
____________
(1) 272 ح 8.
(2) 273 ح 9.
(3) 274 ح 11.
(4) 276 ح 13.
(5) 277 ح 14.
(6) 279 ح 16.
(7) 280 ح 17.
(8) 282 ح 18.
(9) 283 ح 1 م.
(10) 284 ح 2.
51
(18) باب نصّ موسى بن جعفر عليهم (صلوات اللّه عليهم)
(1) إنّ اللّه عزّ و جلّ خلق بيتا من نور، جعل قوائمه أربعة أركان.
كتب عليها أسماء «تبارك» و «سبحان» و «الحمد» و «اللّه»؛
ثمّ خلق من الأربعة أربعة، و من الأربعة أربعة. (1)
(2) ... وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ قال: منها إمام بعد إمام ... (2)
(3) ...- دعاء-: «و الإسلام ديني، و محمّدا نبيّي، و عليّا، و الحسن، و الحسين و عليّ بن الحسين، و محمّد بن عليّ، و جعفر بن محمّد ... أئمّتي؛
بهم أتولّى، و من أعدائهم أتبرّأ». (3)
(19) باب نصّ عليّ بن موسى الرضا عليهم (صلوات اللّه عليهم) بإسناده إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)
(1) و من ولد الحسين أئمّة تسعة، طاعتهم طاعتي و معصيتهم معصيتي. (4)
(2) و من ولد الحسين تسعة أئمّة، تاسعهم القائم من ولدي، طاعتهم طاعتي. (5)
(3) ... و من أحبّ أن يلقى اللّه و هو خفيف الظهر، فليوال جعفر الصادق (عليه السلام). (6)
(20) باب نصّ محمّد التقي عليهم (صلوات اللّه عليهم) عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)
(1) آمنوا بليلة القدر إنّها تكون لعليّ بن أبي طالب، و ولده الأحد عشر من بعدي. (7)
(2) ... يا أبا بكر! آمن بعليّ و بأحد عشر من ولده، إنّهم مثلي إلّا النبوّة ... (8)
(21) باب نصّ عليّ النقي عليهم (صلوات اللّه عليهم)
(1) إنّ الإمام و الخليفة و وليّ الأمر بعده- أي بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- أمير المؤمنين عليّ ابن أبي طالب، ثمّ الحسن، ثمّ الحسين، ثمّ عليّ بن الحسين، ثمّ محمّد بن عليّ؛
____________
(1) 285 ح 1.
(2) 287 ح 2.
(3) 287 ح 1.
(4) 289 ح 1.
(5) 290 ح 1.
(6) 290 ح 2.
(7) 292 ح 1.
(8) 293 ح 1 م.
49
(5) نحن اثنا عشر إماما، منهم الحسن و الحسين ثمّ الأئمّة من ولد الحسين (عليه السلام). (1)
(6) ... نحن اثنا عشر إماما من آل محمّد، كلّهم محدّثون بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و عليّ ابن أبي طالب منهم. (2)
(7) ... نحن اثنا عشر محدّثا. (3)
(8) ... الاثنا عشر إمام من آل محمّد، كلّهم محدّث ... (4)
(9) ... بأبي و امّي المسمّى باسمي، المكنّى بكنيتي، السابع من بعدي ... (5)
(10) ... يكون تسعة أئمّة بعد الحسين بن عليّ (عليهما السلام) ... (6)
(11) ... سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول:
منّا اثنا عشر محدّثا، السابع من ولدي القائم. (7)
(17) باب نصّ جعفر بن محمّد الصادق عليهم (صلوات اللّه عليهم)
(1) عن الصادق (عليه السلام)، قال: الأئمّة اثنا عشر.
قلت: يا ابن رسول اللّه، فسمّهم لي؟ قال (عليه السلام): من الماضين عليّ بن أبي طالب، و الحسن و الحسين، و عليّ بن الحسين، و محمّد بن عليّ، ثمّ أنا ... (8)
(2) ... ثمّ الحسنين سبطا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و ابنا خيرة النسوان ...
ثمّ عليّ بن الحسين، ثمّ محمّد بن عليّ، ثمّ جعفر بن محمّد ... (9)
(3) ابن عمران: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: نحن اثنا عشر مهديّا. (10)
(4) عن أبي حمزة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال: منّا اثنا عشر مهديّا. (11)
(5) قال (عليه السلام): يكون بعد الحسين تسعة أئمّة، تاسعهم قائمهم. (12)
(6) ... إنّ اللّه خلق السنة اثني عشر شهرا، و جعل الليل اثنتي عشرة ساعة؛ و جعل النهار اثنتي عشرة ساعة، و منّا اثنا عشر محدّثا ... (13)
____________
(1) 265 ح 5.
(2) 265 ح 6.
(3) 266 ح 7.
(4) 266 ح 8.
(5) 267 ح 9.
(6) 268 ح 10.
(7) 268 ح 11.
(8) 269 ح 1.
(9) 271 ح 3.
(10) 271 ح 4.
(11) 272 ح 5.
(12) 272 ح 6.
(13) 272 ح 7.
52
ثمّ جعفر بن محمّد ... (1)
(2) ... فالسبت اسم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و الأحد اسم أمير المؤمنين (عليه السلام) و ...؛
و الثلاثاء عليّ بن الحسين و محمّد بن عليّ و جعفر بن محمّد ... (2)
(22) باب فيما ورد عن الحسن العسكري (عليه السلام) في ذلك
(1) ... طاعة آخرنا كطاعة أوّلنا، و المنكر لآخرنا كالمنكر لأوّلنا ... (3)
(2) أنت ولدي و وصيّي، و أنا ولّدتك؛
و أنت «م ح م د» بن الحسن بن عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر ... (4)
(23) باب ما ورد عن صاحب الأمر (عليه السلام) في ذلك
(1) ... أنا خاتم الأوصياء، و بي يدفع اللّه عزّ و جلّ البلاء عن أهلي و شيعتي. (5)
(2) ... و صلّ على جعفر بن محمّد إمام المؤمنين، و وارث المرسلين، و حجّة ربّ العالمين ... (6)
(3) ... و صلّى اللّه على محمّد المصطفى، و عليّ المرتضى و فاطمة الزهراء، و الحسن، و الحسين، و عليّ بن الحسين، و محمّد بن عليّ، و جعفر بن محمّد ... (7)
(24) باب نصّ الخضر عليهم (صلوات اللّه عليهم)
(1) ... و أشهد على جعفر بن محمّد أنّه القائم بأمر محمّد بن عليّ ... (8)
____________
(1) 294 ح 1.
(2) 296 ح 2.
(3) 297 ح 1.
(4) 298 ح 2.
(5) 299 ح 1.
(6) 301 ح 2.
(7) 302 ح 1.
(8) 312 ح 2.
54
4- أبواب النصوص على الخصوص عليه (عليه السلام)
1- باب نصّ أبيه عليه (عليهما السلام) في الصغر
الأخبار، الأصحاب:
1- كفاية الأثر: عليّ بن الحسين، عن هارون بن موسى، عن عليّ بن محمّد بن مخلّد، عن الحسن بن عليّ بن بزيع (1)، عن يحيى بن الحسن بن فرات، عن عليّ بن هاشم بن البريد، عن محمّد بن مسلم، قال:
كنت عند أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر (عليهم السلام) إذ دخل جعفر ابنه، و على رأسه ذؤابة (2)، و في يده عصا يلعب بها، فأخذه الباقر (عليه السلام) و ضمّه إليه ضمّا، ثمّ قال:
بأبي أنت و أمّي لا تلهو و لا تلعب.
ثمّ قال لي: يا محمّد! هذا إمامك بعدي، فاقتد به، و اقتبس من علمه؛
و اللّه إنّه لهو الصادق الّذي وصفه لنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)؛
إنّ شيعته منصورون في الدنيا و الآخرة، و أعداءه ملعونون على لسان كلّ نبيّ.
فضحك جعفر، و احمرّ وجهه، فالتفت إليّ أبو جعفر (عليه السلام)، و قال لي: سله.
قلت له: يا ابن رسول اللّه! من أين الضحك؟ قال: يا محمّد! العقل من القلب، و الحزن من الكبد، و النفس من الرية، و الضحك من الطحال. فقمت و قبّلت رأسه. (3)
2- باب نصّ أبيه عليه (عليهما السلام) في سائر الأوقات
الأخبار، الأصحاب:
1- الإرشاد للمفيد: روى أبان بن عثمان، عن أبي الصباح الكناني، قال:
نظر أبو جعفر إلى ابنه أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فقال:
____________
(1) ترجم له في معجم رجال الحديث: 5/ 26.
(2) الذؤابة: الناصية، و هي شعر في مقدّم الرأس؟ و الذؤابة، بالضمّ مهموز: الضفيرة من الشعر إذا كانت مرسلة.
(3) 253، عنه البحار: 47/ 15 ح 12.
53
(25) باب نصّ الهاتف من بعض الجبال عليهم (صلوات اللّه عليهم)
(1) ...
ناد من طيبة مثواه و في طيبة حلّا * * * أحمد المبعوث بالحقّ عليه اللّه صلّى
و على التالي له في الفضل و المخصوص فضلا * * * و على سبطيهما المسموم و المقتول قتلا
و على التسعة منهم محتدا طابوا و أصلا * * * هم منار الحقّ للخلق إذا ما الخلق ضلّا
نادهم يا حجج اللّه على العالم كلّا * * * كلمات اللّه تمّت بكم صدقا و عدلا (1)
____________
(1) 313 1.
55
ترى هذا؟ [هذا] من الّذين قال اللّه تعالى: وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (القصص: 5).
إعلام الورى: الكليني، عن الحسين بن محمّد، عن المعلّى، عن الوشّاء، عن أبان (مثله). (1)
2- روى عليّ بن الحكم، عن طاهر صاحب أبي جعفر (عليه السلام)، قال:
كنت عنده، فأقبل جعفر (عليه السلام)، فقال أبو جعفر: هذا خير البريّة.
إعلام الورى: الكليني، عن العدّة، عن أحمد، عن عليّ بن الحكم (مثله)؛
الكافي: [عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم؛ وا]
العدّة، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن خالد، عن بعض أصحابنا، عن يونس بن يعقوب، عن طاهر؛
و أحمد بن مهران، عن محمّد بن عليّ، عن فضيل بن عثمان، عن طاهر (مثله). (2)
3- الإرشاد للمفيد: روى هشام بن سالم، عن جابر بن يزيد الجعفي، قال:
سئل أبو جعفر (عليه السلام) عن القائم بعده، فضرب بيده على أبي عبد اللّه (عليه السلام) و قال:
هذا- و اللّه- قائم آل محمّد. (3)
____________
(1) 304، 273، عنهما البحار: 47/ 13 ح 4، 5؛ الكافي: 1/ 306 ح 1 بهذا الإسناد مثله، عنه إثبات الهداة: 5/ 323 ح 3، و الإيقاظ من الهجعة: 319، و حلية الأبرار: 2/ 217، و البرهان: 3/ 217 ح 1. و أورده في المناقب: 3/ 343، و كشف الغمّة: 2/ 167 عن أبان مثله. و أخرجه في المستجاد: 176، و البرهان: 3/ 218 ح 5 عن الإرشاد، و في الصراط المستقيم: 2/ 162 عن الكافي.
(2) 305، 274، 1/ 306 و 307 ح 4 و 5 و 6، عنهما البحار: 47/ 13 ذ ح 6. و رواه في الإمامة و التبصرة: 65 ح 55 بإسناده إلى طاهر (مثله). و أورده في كشف الغمّة: 2/ 167 عن عليّ بن الحكم، عن طاهر (مثله). و أخرجه في المستجاد: 177 عن الإرشاد، و في الصراط المستقيم:
2/ 162، و إثبات الهداة: 5/ 324 عن الكافي.
(3) 304، عنه البحار: 47/ 13 ح 6، و رواه في إثبات الوصيّة: 78 عن جابر الجعفي و عنبسة بن مصعب (مثله). و أورده في كشف الغمّة: 2/ 167.
56
4- إعلام الورى: الكليني، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه سئل عن القائم، فضرب بيده على أبي عبد اللّه، ثمّ قال: هذا- و اللّه- قائم آل محمّد.
قال عنبسة بن مصعب: فلمّا قبض أبو جعفر (عليه السلام) دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فأخبرته بذلك، فقال: صدق جابر على أبي، ثمّ قال:
[لعلّكم] ترون أن ليس كلّ إمام هو القائم بعد الإمام الّذي قبله. (1)
5- كفاية الأثر: عليّ بن الحسين الرازي (2)، عن محمّد بن القاسم [المحاربي]، عن جعفر بن الحسين بن عليّ، عن عبد الوهّاب، عن أبيه همام بن نافع، قال:
قال أبو جعفر (عليه السلام) لأصحابه يوما: إذا افتقدتموني فاقتدوا بهذا، فهو الإمام و الخليفة بعدي- و أشار إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام)-. (3)
3- باب نصّ أبيه عليه (عليهما السلام)، و بوصيّته إليه عند الوفاة (4)
الأخبار، الأصحاب:
1- عيون أخبار الرضا: الطالقاني، عن الحسين بن إسماعيل، عن سعيد بن محمّد ابن نصر القطّان، عن عبيد (عبد، خ) اللّه بن محمّد السلمي، عن محمّد بن عبد الرحيم، عن محمّد بن سعيد بن محمّد، عن العباس بن أبي عمرو، عن صدقة بن أبي موسى، عن أبي نضرة، قال: لما احتضر أبو جعفر محمّد بن عليّ الباقر (عليهم السلام) عند الوفاة، دعا بابنه الصادق (عليه السلام) ليعهد إليه عهدا، فقال له أخوه زيد بن عليّ (عليه السلام):
____________
(1) 273، عنه البحار: 47/ 14 ح 11. و رواه في الكافي: 1/ 307 ح 7، عنه حلية الأبرار: 2/ 218.
و أورده في إثبات الوصيّة: 175 و 179، عن عنبسة بن مصعب، عن جابر، و زاد في آخره دراية (هذا اسم لجميعهم) عنه إثبات الهداة: 5/ 330.
(2) «الحسن» خ ل، ب.
(3) 254، عنه البحار: 47/ 15 ح 13، و إثبات الهداة: 5/ 329 ح 16.
(4) تقدّم ما يناسب المقام في: 19/ 451- 453، باب كيفية وفاته و وصاياه (عليه السلام).
57
لو امتثلت فيّ تمثال الحسن و الحسين (عليهم السلام) رجوت أن لا تكون أتيت منكرا.
فقال له: يا أبا الحسين (1)! إنّ الأمانات ليست بالتمثال، و لا العهود بالرسوم؛
و إنّما هي أمور سابقة عن حجج اللّه عزّ و جلّ. (2)
الأئمة، الصادق (عليه السلام)
2- الإرشاد للمفيد: وصّى إلى الصادق (عليه السلام) أبوه أبو جعفر (عليه السلام) وصيّة ظاهرة؛ و نصّ عليه بالإمامة نصّا جليّا:
فروى محمّد بن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد (عليهم السلام)، قال: لمّا حضرت أبي الوفاة، قال: يا جعفر! اوصيك بأصحابي خيرا.
قلت: جعلت فداك، و اللّه لأدعنّهم و الرجل منهم يكون في المصر، فلا يسأل أحدا.
إعلام الورى: الكليني، عن محمّد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن ابن أبي عمير، (مثله). (3)
3- الإرشاد للمفيد: روى يونس، عن عبد الأعلى مولى آل سام، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: إنّ أبي استودعني ما هناك (4)، فلمّا حضرته الوفاة، قال: ادع لي شهودا؛
فدعوت أربعة من قريش فيهم نافع (5) مولى عبد اللّه بن عمر، فقال:
اكتب، هذا ما أوصى به يعقوب بنيه:
____________
(1) «أبا الحسن» م، تصحيف. راجع جامع الرواة: 1/ 343، و سير أعلام النبلاء: 5/ 389.
(2) 1/ 40، عنه البحار: 47/ 12 ح 1. و رواه في إكمال الدين: 1/ 305 ح 1.
و أورده في الاحتجاج: 2/ 136 عن صدقة، عن أبي بصير؛ و أخرجه في إثبات الهداة: 5/ 327 ح 12، و البحار: 36/ 193 ح 2، عن العيون و الإكمال.
تقدّم في عوالم الامام الباقر (عليه السلام): 19/ 449 باب 3 «في كيفيّة وفاته و وصاياه (عليه السلام) ما يناسب المقام».
(3) 304، 273، عنهما البحار: 47/ 12 ح 2، 3.
و أورده في الخرائج و الجرائح: 2/ 893 و فيه بقيّة التخريجات و اتحادات الحديث.
(4) قال المجلسي (ره): أي ما كان محفوظا عنده من الكتب و السلاح، و آثار الأنبياء.
(5) قال المجلسي (ره): فيهم نافع أي منهم، بتغليب قريش على مواليهم، أو معهم.
58
يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (1).
و أوصى محمّد بن عليّ إلى جعفر بن محمّد (عليهم السلام) و أمره أن يكفّنه في برده (2) الّذي كان يصلّي فيه يوم الجمعة، و أن يعمّمه بعمامته، و أن يربّع قبره، و يرفعه أربع أصابع، و أن يحلّ عنه أطماره (3) عند دفنه، ثمّ قال للشهود: انصرفوا رحمكم اللّه.
فقلت له: يا أبت! ما كان في هذا (4) بأن يشهد عليه! فقال:
يا بنيّ! كرهت أن تغلب (5)، و أن يقال:
لم يوص إليه، و أردت أن تكون لك الحجّة.
إعلام الورى: الكليني عن عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس (مثله) (6).
____________
(1) البقرة: 132.
(2) البردة: الشملة المخطّطة.
(3) قال المجلسي (ره): و أن يحلّ عنه أطماره، الأطمار»- جمع طمر بالكسر- و هو الثوب الخلق، و الكساء البالي، من غير صوف؛ و ضمائر- عنه و أطماره و دفنه- إمّا راجعة إلى جعفر (عليه السلام) أي يحلّ أزرار أثوابه عند إدخال والده القبر، فإضافة الدفن إلى الضمير إضافة إلى الفاعل، أو ضمير دفنه راجع الى أبي جعفر (عليه السلام) إضافة إلى المفعول. أو الضمائر راجعة إلى أبي جعفر (عليه السلام)، فالمراد به حلّ عقد الأكفان و قيل: أمره بأن لا يدفنه في ثيابه المخيطة.
(4) قال أيضا: «ما كان في هذا» ما نافية أي لم تكن لك حاجة في هذا بأن تشهد أي إلى أن تشهد، أو استفهاميّة أى أيّ فائدة كانت في هذا؟.
(5) و قال: أنّ تغلب على بناء المجهول أي الإمامة، فإنّ الوصيّة من علامتها أو فيما أوصى إليه ممّا يخالف العامّة، كتربيع القبر أو الأعمّ.
(6) 305، 274، عنهما البحار: 47/ 13 ح 9 و 10، و رواه في الكافي: 1/ 307 ح 8 عن عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمن (مثله)، عنه حلية الأبرار: 2/ 218.
و أورده في المناقب: 3/ 398، و كشف الغمّة: 2/ 167 عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و في الصراط المستقيم: 2/ 162 عن يونس (قطعة).
59
استدراك
الكتب:
(1) الفصول المهمّة: وصّى إليه أبو جعفر (عليه السلام) بالإمامة و غيرها وصيّة ظاهرة، و نصّ عليها نصّا جليّا. (1)
(2) إثبات الوصيّة: إنّ أبا جعفر (عليه السلام) لمّا قربت وفاته دعا بأبي عبد اللّه جعفر ابنه (عليهم السلام)؛
فقال: إنّ هذه الليلة الّتي وعدت فيها. ثمّ سلّم إليه الاسم الأعظم و مواريث الأنبياء و السلاح، و قال له: يا أبا عبد اللّه! اللّه اللّه في الشيعة.
فقال أبو عبد اللّه: لا تركتهم يحتاجون إلى أحد ... (2)
***
____________
(1) 204، عنه إثبات الهداة: 5/ 330.
(2) 177، عنه إثبات الهداة: 5/ 330.
60
5- أبواب فضائله، و مناقبه، و معالي أموره، و غرائب شأنه (عليه السلام)
1- باب أنّه (عليه السلام) خير الناس
الأخبار، الأئمّة، الباقر (عليه السلام):
1- الإرشاد للمفيد: روى عليّ بن الحكم، عن طاهر صاحب أبي جعفر (عليه السلام) قال:
كنت عنده فأقبل جعفر (عليه السلام)، فقال أبو جعفر (عليه السلام): هذا خير البريّة. (1)
غير الأئمّة:
2- قرب الإسناد: محمّد بن عيسى، عن حفص بن عمر- مؤذّن عليّ بن يقطين- قال: كنّا نروي أنّه يقف للناس في سنة أربعين و مائة خير الناس، فحججت في تلك السنة، فإذا إسماعيل بن عليّ بن عبد اللّه بن العبّاس (2) واقف، قال:
فدخلنا من ذلك غمّ شديد لما كنّا نرويه، فلم نلبث إذا أبو عبد اللّه (عليه السلام) واقف على بغل- أو بغلة- له، فرجعت أبشّر أصحابنا (3)، فقلت (4): هذا خير الناس الّذي كنّا نرويه.
فلمّا أمسينا قال إسماعيل لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ما تقول يا أبا عبد اللّه، سقط القرص؟
فدفع (5) أبو عبد اللّه (عليه السلام) بغله، و قال له: نعم.
و دفع إسماعيل بن عليّ دابّته على أثره، فسارا غير بعيد حتّى سقط أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن بغله- أو بغلته- فوقف إسماعيل عليه حتّى ركب، فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام)- رفع رأسه إليه- (6) فقال: إنّ الإمام (7) إذا دفع لم يكن له أن يقف إلّا بالمزدلفة (8).
____________
(1) 305، عنه البحار: 47/ 13 ذ ح 6.
(2) ذكر الطبري في تاريخه: 6/ 141، و ابن الأثير في الكامل: 5/ 483 في حوادث سنة 137: و حجّ بالناس في هذه السنة إسماعيل بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس، كذا قال الواقدي و غيره، و هو على الموصل، و لم يذكراه في سنة: 140 في امراء الحج.
(3) زاد في المصدر: [و رجعت] و لعلّه كان نسخة لقوله «فرجعت».
(4) «فقلنا» ع، ب. و المصدر، المطبوع الجديد: 161.
(5) «اندفع الفرس: أي أسرع في السير» منه ره.
(6) كذا.
(7) أي إمام الحاجّ أو أميرهم.
(8) المزدلفة: المشعر الحرام، و عن الصادق (عليه السلام): إنّما سمّيت مزدلفة لأنّهم ازدلفوا إليها من عرفات.
61
فلم يزل إسماعيل يتقصّد حتّى ركب أبو عبد اللّه (عليه السلام)، و لحق به. (1)
2- باب أنّ مواريث الأنبياء (عليهم السلام) عنده (عليه السلام)
الأخبار، الأئمّة، الصادق (عليه السلام):
1- المناقب لابن شهرآشوب: الصادق (عليه السلام):
إنّ عندي سيف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و إنّ عندي لراية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) المغلّبة؛
و إنّ عندي لخاتم سليمان بن داود (عليه السلام)، و إنّ عندي الطشت الّذي كان موسى يقرّب بها القربان، و إنّ عندي الاسم الّذي كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إذا وضعه بين المسلمين و المشركين لم يصل من المشركين إلى المسلمين نشّابة، و إنّ عندي لمثل الّذي جاءت به الملائكة؛
و مثل السلاح فينا كمثل التابوت في بني إسرائيل- يعني أنّه كان دلالة على الإمامة-.
و في رواية الأعمش، قال (عليه السلام):
ألواح موسى عندنا، و عصى موسى عندنا، و نحن ورثة النبيّين. (2)
استدراك (1) الكافي: عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن معاوية ابن وهب، عن سعيد السمّان، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول:
إنّما مثل السلاح فينا مثل التابوت في بني إسرائيل، كانت بنو إسرائيل أيّ أهل بيت وجد
____________
(1) 75، عنه البحار: 47/ 19 ح 15 و ج 99/ 25 ح 6، و الوسائل: 8/ 291 ح 4. و روى الكليني في الكافي: 4/ 541 ح 5 بإسناده إلى حفص المؤذّن (نحوه)، عنه الوسائل: 8/ 290 ح 1.
(2) 3/ 396، عنه البحار: 47/ 25 ضمن ح 26. و رواه في بصائر الدرجات: 174 ح 2، و في الكافي: 1/ 232 ح 1 بإسناديهما إلى سعيد السمّان، عن الصادق (عليه السلام) مفصّلا (مثله). و أورده في الإرشاد: 308، و الاحتجاج: 2/ 133، و روضة الواعظين: 252، و إعلام الورى: 285. و في البحار: 26/ 201 عن الإرشاد و الاحتجاج و بصائر الدرجات بطريقين، و رواية الأعمش رواها الكليني في الكافي: 1/ 231 ح 2، و في بصائر الدرجات: 183 ح 32، بإسناديهما إلى أبي حمزة الثمالي (مثله)، عنه البحار: 26/ 218 ح 36. و أورده في روضة الواعظين: 251 (مثله).
62
التابوت على بابهم اوتوا النبوّة، فمن صار إليه السلاح منّا اوتي الإمامة. (1)
(2) و منه: محمّد، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن إسماعيل، عن أبي إسماعيل السرّاج، عن بشر بن جعفر، عن مفضّل بن عمر، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:
سمعته يقول: أ تدري ما كان قميص يوسف (عليه السلام)؟ قال: قلت: لا.
قال: إنّ إبراهيم (عليه السلام) لمّا اوقدت له النار، أتاه جبرئيل (عليه السلام) بثوب من ثياب الجنّة، فألبسه إيّاه، فلم يضرّه معه حرّ و لا برد، فلمّا حضر إبراهيم الموت جعله في تميمة (2) و علّقه على إسحاق، و علّقه إسحاق على يعقوب، فلمّا ولد يوسف (عليه السلام) علّقه عليه، فكان في عضده حتّى كان من أمره ما كان، فلمّا أخرجه يوسف بمصر من التميمة وجد يعقوب ريحه، و هي قوله تعالى: إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ (3).
فهو ذلك القميص الّذي أنزله اللّه من الجنّة؛
قلت: جعلت فداك، فإلى من صار ذلك القميص؟ قال: إلى أهله، ثمّ قال:
كلّ نبيّ ورث علما أو غيره، فقد انتهى إلى آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم). (4)
(3) بصائر الدرجات: أحمد بن محمّد، عن الأهوازيّ، عن النضر، عن الحلبي، عن عبد اللّه بن مسكان، عن أبي بصير، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام):
يا أبا محمّد! عندنا الصحف الّتي قال اللّه: صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى (5).
قلت: الصحف هي الألواح؟ قال: نعم. (6)
(4) و منه: محمّد بن عيسى، عمّن رواه، عن محمّد، عن عبد اللّه بن إبراهيم الأنصاري الهمداني، عن أبي خالد القمّاط، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:
سمعته يقول: لنا ولادة من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) طهر، و عندنا صحف إبراهيم و موسى ورثناها
____________
(1) 1/ 238 ح 1، عنه البحار: 13/ 456 ح 18، و روى في بصائر الدرجات: 180 ح 22، بإسناده إلى الحلبي ضمن حديث مثله، و رواه في الكافي المذكور أيضا ح 2 بإسناده إلى ابن أبي يعفور مثله.
(2) التميمة: عوذة تعلّق على الإنسان.
(3) يوسف: 94.
(4) 1/ 232 ح 5، عنه البحار: 17/ 135 ح 13.
(5) الأعلى: 19.
(6) 137 ح 8، عنه البحار: 26/ 185 ح 17.
63
من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم). (1).
*** 3- باب آخر في أنّ عنده (عليه السلام) درع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و عمامته
الأخبار، الأصحاب:
1- المناقب لابن شهرآشوب: عبد الرحمن بن كثير- في خبر طويل-:
إنّ رجلا دخل المدينة يسأل عن الإمام، فدلّوه على عبد اللّه بن الحسن، فسأله هنيئة ثمّ خرج، فدلّوه على جعفر بن محمّد (عليهما السلام) فقصده، فلمّا نظر إليه جعفر (عليه السلام) [قال:
يا هذا] إنّك كنت دخلت (2) مدينتنا هذه تسأل عن الإمام، فاستقبلك فتية من ولد الحسن فأرشدوك إلى عبد اللّه بن الحسن، فسألته هنيئة ثمّ خرجت، فإن شئت أخبرتك عمّا سألته، و ما ردّ عليك، ثمّ استقبلك فتية من ولد الحسين؛
فقالوا لك: يا هذا! إن رأيت أن تلقى جعفر بن محمّد (عليه السلام) فافعل.
فقال: صدقت، قد كان كما ذكرت.
فقال (عليه السلام) له: ارجع إلى عبد اللّه بن الحسن، فاسأله عن درع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و عمامته، فذهب الرجل، فسأله عن درع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و العمامة، فأخذ درعا من كندوج (3) له فلبسها فإذا هي سابغة، فقال: كذا كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يلبس الدرع.
فرجع إلى الصادق فأخبره، فقال: ما صدق، ثمّ أخرج خاتما فضرب به الأرض، فإذا الدرع و العمامة ساقطين من جوف الخاتم! فلبس أبو عبد اللّه الدرع، فإذا هي إلى نصف ساقه، ثمّ تعمّم بالعمامة، فإذا هي سابغة فنزعها، ثمّ ردّهما في الفصّ، ثمّ قال:
هكذا كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يلبسها، إنّ هذا ليس ممّا غزل في الأرض، إنّ خزانة اللّه في
____________
(1) 137 ح 9، عنه البحار: 26/ 185 ح 18.
و روى نحوه في بصائر الدرجات: 137 ح 10، 11، 13 بطرق مختلفة.
(2) «كنت مغرى فدخلت» م.
(3) «قال الفيروزآبادي [في القاموس: 1/ 205]: الكندوج: شبه المخزن، معرّب كندو» منه ره.
64
كن (1)، و إنّ خزانة الإمام في خاتمه، و إنّ اللّه عنده الدنيا كسكرّجة (2)، و إنّها عند الإمام كصحيفة، و لو لم يكن الأمر هكذا لم نكن أئمّة، و كنّا كسائر الناس. (3)
2- بصائر الدرجات: في حديث عليّ بن سعيد، عنه (عليه السلام):
إنّ عندي خاتم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و درعه و سيفه و لواءه. (4)
استدراك (1) الكافي: الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الوشّاء، عن أبان بن عثمان، عن فضيل بن يسار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): قال:
لبس أبي درع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ذات الفضول فخطّت، و لبستها أنا، ففضلت.
بصائر الدرجات: إبراهيم بن محمّد، عن الخشّاب، عن محسن بن محمّد، عن أبان بن عثمان (مثله). (5)
(4) باب أنّ عنده (عليه السلام) سلاح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)
(1) بصائر الدرجات: محمّد بن أحمد، عن الحسين، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن حمّاد بن عثمان، عن عبد الأعلى بن أعين، قال:
سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: عندي سلاح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لا انازع فيه، ثمّ قال:
إنّ السلاح مدفوع عنه، لو وضع عند شرّ خلق اللّه كان أخيرهم (الخبر).
____________
(1) «و قوله (عليه السلام): في كن أي في لفظة كن، كناية عن إرادته الكاملة، و هو إشارة إلى قوله تعالى:
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» منه ره.
(2) «السكرّجة- بضمّ السين و الكاف و تشديد الراء- إناء صغير يؤكل فيه الشيء القليل من الإدام و هي فارسيّة» منه ره.
(3) 3/ 349، عنه البحار: 25/ 184 ح 5، و ج 47/ 125 ذ ح 174.
و أورد في الخرائج و الجرائح: 2/ 779 ح 91، عنه البحار المذكور ص 120 ح 167.
(4) «و سيأتي بتمامه في [ص 912 ح 3] باب حال أولاد الحسن (عليه السلام) معه» منه ره.
(5) 1/ 234 ح 4، 186 ح 49، عنه البحار: 26/ 211 ح 24.
65
الكافي: الحسين بن محمد الأشعري، عن معلّى بن محمّد، عن الحسن بن عليّ الوشّاء، عن حمّاد بن عثمان (مثله). (1)
(5) باب أنّ عنده (عليه السلام) نعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)
(1) بصائر الدرجات: أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن إسماعيل بن بزيع، عن عامر بن جذاعة (2) قال:
كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال: أ لا اريك نعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)؟
قال: قلت: بلى. قال: فدعا بقمطر (3) ففتحه، فأخرج منه نعلين، كأنّما رفعت الأيدي عنهما تلك الساعة، فقال: هذه نعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و كان يعجبني بهما كأنّما رفعت عنهما الأيدي تلك الساعة. (4)
(6) باب أنّ عنده (عليه السلام) راية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) «العقاب»
(1) بصائر الدرجات: عمّار بن موسى، عن الحسن بن ظريف، عن أبيه، عن الحسن بن زيد، قال: لمّا كان من أمر محمّد بن عبد اللّه بن الحسن ما كان و دعاؤه لنفسه؛
أمر أبو عبد اللّه (عليه السلام) بسفط، فأخرج إليه منه صرّة فيها مائة دينار، لينفقها لعمودان (5)؛
فمدّ يده إلى خرقة فردّها، ثمّ قال: هذه عقاب (6) راية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم). (7)
____________
(1) 184 ح 39، و ص 186 ح 46. 1/ 234 ح 2 و ص 235 ح 8 (نحوه). و أورده في روضة الواعظين:
251 مرسلا (مثله). و أخرجه في البحار: 26/ 209 ح 18 عن البصائر و الإرشاد للمفيد: 309.
(2) «خزاعة» خ ل، ب و هو تصحيف، ترجم له في معجم رجال الحديث: 9/ 196.
(3) القمطر، جمعها قماطر: ما تصان فيه الكتب.
(4) 182 ح 29، عنه البحار: 26/ 218 ح 34.
(5) العمودان في بلاد بني جعفر بن كلاب. (معجم البلدان: 4/ 158).
(6) و في الحديث أنّه كان اسم رايته (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) «العقاب» و هي العلم الضخم. (لسان العرب: 1/ 621).
(7) 181 ح 26، عنه البحار: 26/ 216 ح 30.
66
(7) باب أنّ عنده (عليه السلام) عصا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)
(1) المناقب لابن شهرآشوب: (في حديث يأتي ص 100 ضمن ح 6، و فيه):
خرج أبو عبد اللّه (عليه السلام) يتوكّأ على عصا، فقال له أبو حنيفة:
يا ابن رسول اللّه! ما بلغت من السنّ ما تحتاج معه إلى العصا!
قال: هو كذلك، و لكنّها عصا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أردت التبرّك بها ...
*** 8- باب أنّ عنده (عليه السلام) الجفر الأحمر و الأبيض، و مصحف فاطمة (عليها السلام)، و الجامعة
الأخبار، الأئمّة، الصادق (عليه السلام):
1- المناقب لابن شهرآشوب: قال (عليه السلام): علمنا غابر، و مزبور، و نكت في القلوب [و نقر في الأسماع] و إنّ عندنا الجفر الأحمر، و الجفر الأبيض، و مصحف فاطمة (عليها السلام)، و إنّ عندنا الجامعة فيها جميع ما يحتاج الناس إليه. (1)
____________
(1) 396، عنه البحار: 47/ 26 ضمن ح 26. و أورده في الإرشاد: 307 و إعلام الورى: 284، و الاحتجاج: 2/ 134، و روضة الواعظين: 253، كشف الغمّة: 2/ 169 و زادوا فيه: فسئل عن تفسير هذا الكلام؟ فقال: أمّا الغابر، فالعلم بما يكون.
و امّا المزبور، فالعلم بما كان.
و أمّا النكت في القلوب، فهو الإلهام.
و أمّا النقر في الاسماع، فهو حديث الملائكة (عليهم السلام) نسمع كلامهم و لا نرى أشخاصهم.
و أمّا الجفر الأحمر، فوعاء فيه سلاح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و لن يخرج حتّى يقوم قائمنا أهل البيت.
و أمّا الجفر الأبيض، فوعاء فيه توراة موسى، و إنجيل عيسى، و زبور داود، و كتب اللّه الاولى.
و أمّا مصحف فاطمة (عليها السلام) ففيه ما يكون من حادث، و أسماء كلّ من يملك إلى أن تقوم الساعة.
و أمّا الجامعة، فهو كتاب طوله سبعون ذراعا، إملاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و من فلق فيه، و خطّ عليّ بن أبي طالب (صلوات اللّه عليه) بيده، فيه- و اللّه- جميع ما يحتاج الناس إليه إلى يوم القيامة، حتّى أنّ فيه أرش الخدش، و الجلدة، و نصف الجلدة.
و أخرجه في البحار: 26/ 18 ح 1 عن الإرشاد، و في الإحقاق: 12/ 226 عن وسيلة النجاة: 349.
67
2- كشف الغمّة: من كتاب الدلائل للحميري، عن أبي بصير، قال:
كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) ذات يوم جالسا، إذ قال: يا أبا محمّد! هل تعرف إمامك؟
قلت: إي و اللّه الّذي لا إله إلّا هو، و أنت هو، و وضعت يدي على ركبته أو فخذه.
فقال: صدقت، قد عرفت فاستمسك به. قلت: اريد أن تعطيني علامة الإمام.
قال: يا أبا محمّد! ليس بعد المعرفة علامة. قلت: أزداد إيمانا و يقينا.
قال: يا أبا محمّد! ترجع إلى الكوفة، و قد ولد لك عيسى، و من بعد عيسى محمّد، و من بعدهما ابنتان، و اعلم أنّ ابنيك مكتوبان عندنا في الصحيفة الجامعة مع أسماء شيعتنا، و أسماء آبائهم، و امّهاتهم، و أجدادهم و أنسابهم، و ما يلدون إلى يوم القيامة؛
و أخرجها، فإذا هي صفراء مدرجة (1).
الخرائج و الجرائح: عن أبي بصير (مثله). (2)
3- بصائر الدرجات: ابن يزيد، عن الوشّاء، عن ابن أبي حمزة، قال: خرجت بأبي بصير أقوده إلى باب أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: فقال لي: لا تتكلّم و لا تقل شيئا. فانتهيت به إلى الباب، فتنحنح (3)، فسمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: يا فلانة! افتحي لأبي محمّد الباب.
قال: فدخلنا- و السراج بين يديه- فإذا سفط (4) بين يديه مفتوح، قال: فوقعت عليّ الرعدة، فجعلت أرتعد، فرفع رأسه إليّ، فقال: أ بزّاز أنت؟ قلت: نعم، جعلني اللّه فداك، قال: فرمى إليّ بملاءة قوهيّة (5) كانت على المرفقة (6)، فقال: اطو هذه.
____________
(1) المدرجة: الكتاب الملفوف، و الرقعة الملفوفة.
(2) 2/ 190، 2/ 636 ح 37 (و فيه تخريجات الحديث).
(3) تنحنح الرجل: تردّد صوته في صدره، و في خ ل «ففتح».
(4) السفط: وعاء كالقفّة أو الجوالق. ما يعبأ فيه الطيب و ما أشبهه من أدوات النساء.
(5) الملاءة: الملحفة، و ما يفرش على السرير. و القوهيّة: منسوبة إلى قوهستان يعني موضع الجبال. و أمّا المشهور بهذا الاسم، فأحد أطرافها متّصل بنواحي هراة، و يمتدّ في الجبال طولا حتّى يتّصل بقرب نهاوند و همذان و بروجرد، و هذه الجبال كلّها تسمّى بهذا الاسم بين هراة و نيسابور ... (مراصد الاطلاع: 3/ 1135).
(6) أي المخدّة.
69
فقال: لا و اللّه ما ترك عليّ كتابا، و إن كان ترك عليّ كتابا ما هو إلّا إهابين (1)، و لوددت أنّه عند غلامي هذا فما ابالي عليه.
قال: فجلس أبو عبد اللّه (عليه السلام)، ثمّ أقبل علينا، فقال: ما هو- و اللّه- كما يقولون، إنّهما جفران مكتوب فيهما، لا و اللّه إنّهما لإهابان عليهما أصوافهما و أشعارهما مدحوسين (2) كتبا في أحدهما، [و في الآخر] سلاح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).
و عندنا- و اللّه- صحيفة طولها سبعون ذراعا، ما خلق اللّه من حلال إلّا و هو فيها حتّى أرش الخدش- و قال بظفره على ذراعه [فخطّ به]-
و عندنا مصحف فاطمة (عليها السلام) أما و اللّه ما هو بالقرآن. (3)
6- و منه: في حديث عليّ بن سعيد، عنه (عليه السلام):
و عندي الجفر على رغم أنف من زعم. (4)
استدراك (1) بصائر الدرجات: حدّثنا عبد اللّه بن محمّد [عمّن رواه] عن محمّد بن الحسن السري، عن عمّه عليّ بن السري الكرخي، قال:
كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فدخل عليه شيخ و معه ابنه، فقال له الشيخ:
جعلت فداك، أمن شيعتكم أنا؟ فأخرج أبو عبد اللّه (عليه السلام) صحيفة مثل فخذ البعير، فناوله طرفها، ثمّ قال: أدرج. فأدرجه حتّى أوقفه على حرف من حروف المعجم، فإذا اسم ابنه قبل اسمه، فصاح الابن فرحا: (5) اسمي و اللّه.
____________
(1) الإهاب: الجلد أو ما لم يدبغ؛.
(2) «مدحوسين: مملوّين» منه ره.
(3) 151 ح 2، عنه البحار: 26/ 38 ح 69، و ج 47/ 270 ح 2.
(4) يأتي الحديث بتمامه ص 912 ح 3 بتخريجاته.
(5) «قد جاء» خ ل، ع.
68
فطويتها، ثمّ قال: أ بزّاز أنت- و هو ينظر في الصحيفة-؟ قال: فازددت رعدة.
قال: فلمّا خرجنا، قلت: يا أبا محمّد! ما رأيت كما مرّ بي الليلة، إنّي وجدت بين يدي أبي عبد اللّه (عليه السلام) سفطا قد أخرج منه صحيفة، فنظر فيها [فكلّما نظر فيها] أخذتني الرعدة!
قال: فضرب أبو بصير يده على جبهته، ثمّ قال: ويحك! أ لا أخبرتني، فتلك- و اللّه- الصحيفة الّتي فيها أسامي الشيعة، و لو أخبرتني لسألته أن يريك اسمك فيها. (1)
4- و منه: أحمد بن محمّد، عن عمر بن عبد العزيز، عن حمّاد بن عثمان، قال:
سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: تظهر الزنادقة (2) سنة ثمانية و عشرين و مائة و ذلك لأنّي نظرت في مصحف فاطمة (عليها السلام)؛
[... أما إنّه ليس فيه من الحلال و الحرام، و لكن فيه علم ما يكون]. (3)
5- و منه: أحمد بن الحسن بن فضّال، عن أبيه، عن ابن بكير؛ و أحمد بن محمّد، عن محمّد بن عبد الملك قال:
كنّا عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) نحوا من ستّين رجلا و هو وسطنا، فجاء عبد الخالق بن عبد ربّه، فقال له: كنت مع إبراهيم بن محمّد جالسا، فذكروا أنّك تقول: إنّ عندنا كتاب عليّ (عليه السلام)؛
____________
(1) 172 ح 5، عنه البحار: 26/ 123 ح 14، و 47/ 66 ح 8، و إثبات الهداة: 5/ 175 ح 72.
و رواه في دلائل الإمامة: 140، و الخرائج و الجرائح: 1/ 305 ح 9 (مثله). يأتي ص 231 ح 1.
(2) «لعلّ المراد ابن أبي العوجاء و أضرابه الّذين ظهروا في أواسط زمانه (عليه السلام)» منه ره.
و قال في مرآة العقول: 3/ 57: تظهر الزنادقة: يخطر بالبال أنّ المراد بهم ابن أبي العوجاء، و ابن المقفّع، و أضرابهما ممّن ناظر الصادق (عليه السلام) معهم، و هذا التاريخ قبل وفاته (عليه السلام) بعشرين سنة، و كان هذا الوقت وقت طغيانهم و كثرتهم كما يظهر من الروايات و التواريخ.
و قيل: المراد بهم خلفاء بني العبّاس، فإنّهم روّجوا كتب الفلاسفة و الزنادقة.
و في السنة المذكورة كتب أوّلهم إبراهيم السفّاح كتابا إلى أهل خراسان، و جعل أبا مسلم المروزي أميرا عليهم، و كان ذلك مادّة شوكة بني العبّاس.
(3) 157 ح 18، عنه البحار: 26/ 44 ح 77، و ج 47/ 65 ح 7.
و رواه في الكافي: 1/ 240 ح 2، عنه البحار: 43/ 80 ح 68 و عن البصائر.
70
فوجم (1) الشيخ، ثمّ قال له: أدرج. فأدرج، ثمّ أوقفه أيضا على اسمه كذلك. (2)
(2) و منه: الحسن بن عليّ بن النعمان، عن أبيه عليّ بن النعمان، عن بكر بن كرب قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فسمعناه يقول:
أما و اللّه، إنّ عندنا ما لا نحتاج إلى الناس، و إنّ الناس يحتاجون إلينا، إنّ عندنا الصحيفة سبعون ذراعا بخطّ عليّ و إملاء رسول اللّه صلّى اللّه عليهما و على أولادهما، فيها من كلّ حلال و حرام، و إنّكم لتأتوننا، فتدخلون علينا، فنعرف خياركم من شراركم. (3)
(3) الكافي: عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن الحسين بن أبي العلاء، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول:
إنّ عندي الجفر الأبيض. قال: قلنا: فأيّ شيء فيه؟ قال (عليه السلام):
زبور داود، و توراة موسى، و إنجيل عيسى، و صحف إبراهيم (عليه السلام)، و الحلال و الحرام، و مصحف فاطمة (عليها السلام)، ما أزعم أنّ فيه قرآنا، و فيه ما يحتاج الناس إلينا، و لا نحتاج إلى أحد، حتّى فيه الجلدة، و نصف الجلدة، و ربع الجلدة، و أرش الخدش.
و عندي الجفر الأحمر. قال: قلت: و أيّ شيء في الجفر الأحمر؟
قال: السلاح و ذلك أنّما يفتح للدم، يفتحه صاحب السيف للقتل.
فقال له عبد اللّه بن أبي يعفور: أصلحك اللّه، أ يعرف هذا بنو الحسن؟
فقال (عليه السلام): إي و اللّه، كما يعرفون الليل أنّه ليل، و النهار أنّه نهار، و لكنّهم يحملهم الحسد و طلب الدنيا على الجحود و الإنكار، و لو طلبوا الحقّ بالحقّ لكان خيرا لهم. (4)
(4) ينابيع المودّة: قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام):
منّا الجفر الأبيض، و منّا الجفر الأحمر، و منّا الجفر الجامع. (5)
____________
(1) «فرحم» خ ل، ب. و الوجوم: السكوت على غيظ.
(2) 173 ح 10، عنه البحار: 26/ 124 ح 18.
(3) 142 ح 1، و هذا الحديث مرويّ بألفاظ عديدة، و أسانيد شتّى في بصائر الدرجات: 142- 146.
(4) 1/ 240 ح 3، و رواه في بصائر الدرجات: 150 ح 1، عنه البحار: 26/ 37 ح 68.
(5) 404، عنه ملحقات الإحقاق: 12/ 224.
71
(5) و منه: قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): علمنا غابر و مزبور و كتاب مسطور في رقّ منشور، و نكت في القلوب، و مفاتيح أسرار الغيوب، و نقر في الأسماع، و لا ينفر عنه الطباع و عندنا الجفر الأبيض، و الجفر الأحمر، و الجفر الأكبر، و الجفر الأصغر؛
و منّا الفرس الغوّاص، و الفارس القنّاص (1). (2)
*** 9- باب أنّ عنده (عليه السلام) الاسم الأعظم
الأخبار، الأصحاب:
1- بصائر الدرجات: إبراهيم بن إسحاق، عن عبد اللّه بن حمّاد، عن أبي بصير، و داود الرقّي، و معاوية بن عمّار [الدهني] و معاوية بن وهب، و ابن سنان، قال:
كنّا بالمدينة، حين بعث داود بن عليّ إلى المعلّى بن خنيس فقتله، فجلس أبو عبد اللّه (عليه السلام) فلم يأته شهرا، قال: فبعث إليه أن ائتني، فأبى أن يأتيه، فبعث إليه خمس نفر من الحرس، فقال: ائتوني به، فإن أبى فأتوني به، أو برأسه.
فدخلوا عليه و هو يصلّي، و نحن نصلّي معه الزوال، فقالوا: أجب داود بن عليّ.
قال: فإن لم اجب؟ قالوا: أمرنا أن نأتيه برأسك! قال: و ما أظنّكم تقتلون ابن رسول اللّه قالوا: ما ندري ما تقول، و ما نعرف إلّا الطاعة.
قال: انصرفوا فإنّه خير لكم في دنياكم و آخرتكم.
قالوا: و اللّه لا ننصرف حتّى نذهب بك معنا، أو نذهب برأسك.
قال: فلمّا علم أنّ القوم لا يذهبون إلّا بذهاب رأسه، و خاف على نفسه، قالوا:
رأيناه قد رفع يديه، فوضعهما على منكبيه، ثمّ بسطهما، ثمّ دعا بسبّابته فسمعناه يقول:
«الساعة الساعة»! فسمعنا صراخا عاليا، فقالوا له: قم! فقال لهم: أما إنّ صاحبكم قد مات، و هذا الصراخ عليه، فابعثوا رجلا منكم، فإن لم يكن هذا الصراخ عليه قمت معكم.
قال: فبعثوا رجلا منهم، فما لبث أن أقبل، فقال:
____________
(1) القنّاص: الصيّاد.
(2) 415، عنه ملحقات الإحقاق: 12/ 224.
73
إذا سئل به أعطى، و إذا دعي به أجاب- و لو كان اليوم لاحتاج إلينا. (1)
(11) باب أنّ عنده (عليه السلام) اسم اللّه الأعظم، و أنّه كم حرف
(1) بصائر الدرجات: إبراهيم بن هاشم، عن محمّد بن حفص، عن عبد الصمد بن بشير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إنّ اسم اللّه الأعظم على ثلاثة و سبعين حرفا، كان عند آصف منها حرف واحد، فتكلّم به فخسف بالأرض ما بينه و بين سرير بلقيس، ثمّ تناول السرير بيده، ثمّ عادت الأرض كما كان أسرع من طرفة عين، و عندنا من الاسم اثنان و سبعون حرفا، و حرف عند اللّه تعالى استأثر به في علم الغيب المكتوب. (2)
(12) باب أنّ عنده (عليه السلام) علم الكتاب
(1) بصائر الدرجات: حدّثنا أحمد بن موسى، عن الحسن بن موسى الخشّاب، عن عبد الرحمن بن كثير الهاشمي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:
قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ (3) قال: ففرّج أبو عبد اللّه (عليه السلام) بين أصابعه فوضعها على صدره، ثمّ قال: و اللّه عندنا علم الكتاب كلّه. (4)
*** 13- باب إتيان الخضر إليه (عليهما السلام)
الأخبار، م:
1- الخرائج و الجرائح: روي أنّ أبا جعفر (عليه السلام) كان في الحجر و معه ابنه جعفر (عليه السلام)، فأتاه رجل فسلّم عليه، و جلس بين يديه، ثمّ قال: إنّي اريد أن أسألك.
قال: سل ابني جعفر.
____________
(1) 211 ح 2، عنه البحار: 27/ 27 ح 7.
(2) 209 ح 7، عنه البحار: 27/ 26 ح 5، و هذه الأحاديث روى مثلها أو نحوها في بصائر الدرجات:
208- 216: باب في أنّ الإئمّة (عليهم السلام) اعطوا اسم اللّه الأعظم و كم حرف هو، و باب فيما عند الأئمّة عليهم الصلاة و السلام من اسم اللّه الأعظم و علم الكتاب.
(3) النمل: 40.
(4) 212 ح 2 عنه البحار: 26/ 70 ح 37، و أورد نحوه مرسلا في عيون المعجزات: 88.
74
قال: فتحوّل الرجل، فجلس إليه، ثمّ قال: أسألك؟ قال: سل عمّا بدا لك.
قال: أسألك عن رجل أذنب ذنبا عظيما [عظيما عظيما].
قال: أفطر يوما من شهر رمضان متعمّدا؟ قال: أعظم من ذلك.
قال: زنى في شهر رمضان؟ قال: أعظم من ذلك.
قال: قتل النفس؟ قال: أعظم من ذلك.
قال: إن كان من شيعة عليّ (عليه السلام) مشى إلى بيت اللّه الحرام (من منزله، ثمّ ليحلف عند الحجر) (1) أن لا يعود، و إن لم يكن من شيعته فلا بأس (2).
فقال له الرجل: رحمكم اللّه يا ولد فاطمة- ثلاثا- هكذا سمعته من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).
ثمّ قام الرجل فذهب، فالتفت أبو جعفر (عليه السلام) [إلى جعفر (عليه السلام)] فقال:
عرفت الرجل؟ قال: لا. قال: ذلك الخضر، إنّما أردت أن اعرّفكه (3). (4)
2- مناقب ابن شهرآشوب: داود الرقّي، قال: خرج أخوان لي يريدان المزار، فعطش أحدهما عطشا شديدا، حتّى سقط من الحمار، و سقط الآخر في يده.
فقام فصلّى، و دعا اللّه و محمّدا و أمير المؤمنين و الأئمّة (صلوات اللّه عليهم) كان يدعو واحدا بعد واحد حتّى بلغ إلى آخرهم جعفر بن محمّد (عليهم السلام)، فلم يزل يدعوه و يلوذ به، فإذا هو برجل قد قام عليه، و هو يقول: يا هذا! ما قصّتك؟
فذكر له حاله، فناوله قطعة عود، و قال: ضع هذا بين شفتيه، ففعل ذلك، فإذا هو قد فتح عينيه و استوى جالسا، و لا عطش به.
فمضى حتّى زار القبر، فلمّا انصرفا إلى الكوفة، أتى صاحب الدعاء المدينة، فدخل على الصادق (عليه السلام) فقال له: اجلس، ما حال أخيك؟ أين العود؟ فقال: يا سيّدي! إنّي لمّا اصبت
____________
(1) «و حلف» ع، ب.
(2) «قوله (عليه السلام): لا بأس: لعلّ المراد به أنّه ليس كفّارة و لا تنفعه، لاشتراط قبولها بالإيمان، و ما فيه من الكفر أعظم من كلّ إثم» منه ره.
(3) «أقول: قد مرّ الخبر مع شرحه في كتاب العدل، و ليس من العدل إعادته» منه ره.
(4) 2/ 631 ح 32، عنه البحار: 47/ 21 ح 20.
72
يا هؤلاء قد مات صاحبكم، و هذا الصراخ عليه، فانصرفوا.
فقلنا له: جعلنا اللّه فداك، ما كان حاله؟ قال: قتل مولاي المعلّى بن خنيس، فلم آته منذ شهر، فبعث إليّ أن آتيه، فلمّا أن كان الساعة لم آته، فبعث إليّ ليضرب عنقي، فدعوت اللّه باسمه الأعظم، فبعث اللّه إليه ملكا بحربة، فطعنه في مذاكيره، فقتله.
فقلت له: فرفع اليدين، ما هو؟ قال: الابتهال. فقلت: فوضع يديك و جمعهما؟
فقال: التضرّع، قلت: و رفع الإصبع؟ قال: البصبصة. (1)
استدراك (1) رجال الكشّي: نصر بن الصباح، قال: حدّثني الحسن بن عليّ بن أبي عثمان السجّادة، قال: حدّثني قاسم الصحّاف، عن رجل من أهل المدائن يعرفه القاسم، عن عمّار الساباطي، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):
جعلت فداك، احبّ أن تخبرني باسم اللّه تعالى الأعظم؟ فقال لي: إنّك لن تقوى على ذلك! قال: فلمّا ألححت، قال: فمكانك إذا. ثمّ قام فدخل البيت هنيهة، ثمّ صاح بي:
ادخل. فدخلت، فقال لي: ما ذلك؟ فقلت: أخبرني به جعلت فداك!
قال: فوضع يده على الأرض، فنظرت إلى البيت يدور بي، و أخذني أمر عظيم كدت أهلك، فضحكت، فقلت: جعلت فداك، حسبي، لا اريد ذا. (2)
(10) باب أنّ عنده (عليه السلام) اسم اللّه الأكبر
(1) بصائر الدرجات: حدّثنا أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن شعيب العقرقوفي، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: كان سليمان عنده اسم اللّه الأكبر- الّذي
____________
(1) 217 ح 2، عنه البحار: 47/ 66 ح 9، و الوسائل: 4/ 1103 ح 8، و إثبات الهداة: 5/ 376 ح 73، و مدينة المعاجز: 357 ح 14، و أورده في الخرائج و الجرائح: 2/ 611 ح 7 و ص 647 ح 57 نحوه. و يأتي ص 471 ح 7.
(2) 253 ح 471، عنه مناقب ابن شهرآشوب: 3/ 369، و البحار: 27/ 27 ح 8.
75
بأخي اغتممت غمّا شديدا، فلمّا ردّ اللّه عليه روحه، نسيت العود من الفرح.
فقال الصادق (عليه السلام): أما إنّه ساعة صرت إلى غمّ أخيك، أتاني أخي الخضر (عليه السلام) فبعثت إليك على يديه قطعة عود من شجرة طوبى، ثمّ التفت إلى خادم له، فقال:
عليّ بالسفط. فأتى به، ففتحه و أخرج منه قطعة العود بعينها، ثمّ أراها إيّاه حتّى عرفها، ثمّ ردّها إلى السفط. (1)
14- باب إتيان الملائكة إليه (عليه السلام)
الأخبار، الأئمّة، الصادق (عليه السلام):
1- كشف الغمّة: و من كتاب الدلائل للحميري، عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (2).
قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): أما و اللّه لربما وسّدنا لهم الوسائد في منازلنا.
و عن الحسين بن [أبي] العلاء القلانسي، قال أبو عبد اللّه (عليه السلام):
يا حسين- و ضرب بيده إلى مساور (3) في البيت-! فقال: مساور طالما- و اللّه- اتّكأت عليها الملائكة، و ربّما التقطنا من زغبها (4).
و عن عبد اللّه [بن] النجاشي (5) قال: كنت في حلقة عبد اللّه بن الحسن، فقال:
يا ابن النجاشي! اتّقوا اللّه، ما عندنا إلّا ما عند الناس.
قال: فدخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فأخبرته بقوله، فقال:
و اللّه إنّ فينا من ينكّت في قلبه، و ينقر في اذنه، و تصافحه الملائكة.
____________
(1) 3/ 366، عنه البحار: 47/ 138 ضمن ح 188، و مدينة المعاجز: 415 ح 228.
(2) فصّلت: 30.
(3) المسور و المسورة: متّكأ من جلد، جمعها مساور.
(4) الزغب: صغار الريش.
(5) هو عبد اللّه بن النجاشي بن عثيم بن سمعان، أبو بجير الأسدي النصري، يروي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) رسالة منه إليه، و قد ولّي الأهواز من قبل المنصور (راجع رجال النجاشي: 213 رقم 55).
77
عليه كما كنت أفعل؛
قال: من أنت يا هذا؟ لقد وردت على كفر أو إيمان (1)- و كان بين يديه رجلان كأنّ على رءوسهما الطير- فقال لي: ادخل.
فدخلت الدار الثانية، فإذا رجل على صورته (عليه السلام) و إذا بين يديه جمع (2) كثير، كلّهم صورهم واحدة، فقال: من تريد؟ قلت: اريد أبا عبد اللّه (عليه السلام).
فقال: قد وردت على أمر عظيم، إمّا كفر أو إيمان.
ثمّ خرج من البيت رجل حين بدا به الشيب (3)، فأخذ بيدي، و أوقفني على الباب، و غشى بصري من النور، فقلت: السلام عليكم يا بيت اللّه و نوره و حجابه.
فقال: و عليك السلام يا يونس. فدخلت البيت، فإذا بين يديه طائران يحكيان، فكنت أفهم كلام أبي عبد اللّه، و لا أفهم كلامهما.
فلمّا خرجا، قال: يا يونس! سل، نحن محلّ النور في الظلمات؛
و نحن البيت المعمور الّذي من دخله كان آمنا، نحن عزّة (4) اللّه و كبرياؤه.
قال: قلت: جعلت فداك، رأيت شيئا عجيبا، رأيت رجلا على صورتك!
قال: يا يونس! إنّا لا نوصف، ذلك صاحب السماء الثالثة يسأل أن أستأذن اللّه له أن يصيّره مع أخ له في السماء الرابعة.
قال: قلت: فهؤلاء الّذين في الدار؟.
قال: [هؤلاء] أصحاب القائم (عليه السلام) من الملائكة.
قال: قلت: فهذان؟ قال: جبرئيل و ميكائيل، نزلا إلى الأرض، فلن يصعدا حتّى يكون هذا الأمر إن شاء اللّه، و هم خمسة آلاف؛
يا يونس! بنا أضاءت الأبصار، و سمعت الآذان، و وعت القلوب الإيمان. (5)
(2) الخرائج و الجرائح: عن أحمد بن الحسين، عن الحسن بن برّة الأصمّ، عن
____________
(1) قال المجلسي: أي إن أنكرت ما رأيت كفرت، و إن قبلت آمنت.
(2) «خلق» ب.
(3) أي لاح به الشيب.
(4) «عترة» ب.
(5) 126، عنه البحار: 59/ 196 ح 12.
76
فقلت: اليوم؟ أو كان قبل اليوم؟ فقال: اليوم، و اللّه يا ابن النجاشي. (1)
2- الكافي: عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن ابن سنان، عن مسمع كردين البصري، قال:
كنت لا أزيد على أكلة بالليل و النهار، فربما استأذنت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) و أجد المائدة قد رفعت (2)، لعلّي لا أراها بين يديه، فإذا دخلت دعا بها، فاصيب معه من الطعام، و لا أتأذّى بذلك، و إذا عقّبت بالطعام عند غيره لم أقدر على أن أقرّ، و لم أنم من النفخة، فشكوت ذلك إليه، و أخبرته بأنّي إذا أكلت عنده لم أتأذّ به.
فقال: يا أبا سيّار! إنّك تأكل طعام قوم صالحين، تصافحهم الملائكة على فرشهم.
قال: قلت: و يظهرون لكم؟ قال:
فمسح يده على بعض صبيانه، فقال: هم ألطف بصبياننا منّا بهم. (3)
استدراك (1) دلائل الإمامة: أخبرني أبو الحسين محمّد بن هارون بن موسى، عن أبيه، عن محمّد بن همّام، عن أحمد بن الحسين المعروف بابن أبي القاسم، عن أبيه، عن بعض رجاله، عن الحسن بن شعيب، عن محمّد بن سنان، عن يونس بن ظبيان، قال:
استأذنت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فخرج إليّ معتّب فأذن لي، فدخلت و لم يدخل معي كما كان يدخل، فلمّا أن صرت في الدار، نظرت إلى رجل على صورة أبي عبد اللّه (عليه السلام) فسلّمت
____________
(1) 2/ 187، عنه البحار: 47/ 33 ضمن ح 30.
و أورد في الخرائج و الجرائح: 2/ 850 ح 65 (صدره) و روى في الكافي: 1/ 393 ح 2 و بصائر الدرجات: 90 ح 2 بإسناديهما إلى الحسين بن أبي العلاء (قطعة).
(2) «و أجد المائدة قد رفعت»: جملة حاليّة، يعني استأذنت عليه، و الحال أنّي أجد في نفسي أنّ المائدة قد رفعت، و إنّما فعلت ذلك لكيلا أرى المائدة بين يديه (عليه السلام) و المعنى: كنت أتعمّد الاستيذان عليه بعد رفع المائدة لئلّا يلزمني الأكل، لزعمي أنّي أتضرّر به (الوافي).
(3) 1/ 393 ح 1، عنه البحار: 47/ 158 ح 223، و الوافي: 3/ 634 ح 1.
و رواه في بصائر الدرجات: 92 ح 9، عنه عيون المعجزات: 91.
78
عبد اللّه بن بكير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:
إنّ الملائكة لتنزل علينا في رحالنا، و تنقلب على فرشنا، و تحضر موائدنا، و تأتينا من كلّ نبات في زمانه، برطب و يابس، و تقلّب علينا أجنحتها، و تقلّب على أجنحتها صبياننا، و تمنع الدوابّ أن تصل إلينا، و تأتينا في وقت كلّ صلاة، فتصلّيها معنا.
و ما من يوم يأتي علينا و لا ليل إلّا و أخبار أهل الأرض عندنا، و ما يحدث فيها. و ما من ملك يموت في الأرض و يقوم غيره إلّا و تأتينا بخبره، و كيف كانت سيرته في الدنيا. (1)
(15) باب أنّه (عليه السلام) يسمع صوت الملائكة و الجنّ
(1) كامل الزيارات: حدّثني أبي و أخي رحمهما اللّه، عن أحمد بن إدريس؛ و محمّد ابن يحيى جميعا، عن العمركي بن عليّ البوفكي، قال: حدّثنا يحيى- و كان في خدمة أبي جعفر الثاني (عليه السلام)- عن عليّ، عن صفوان الجمّال، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:
سألته في طريق المدينة، و نحن نريد مكّة، فقلت: يا ابن رسول اللّه! مالي أراك كئيبا حزينا منكسرا؟ فقال: لو تسمع ما أسمع لشغلك عن مسألتي!
قلت: فما الّذي تسمع؟ قال: ابتهال الملائكة إلى اللّه عزّ و جلّ على قتلة أمير المؤمنين، و قتلة الحسين (عليه السلام)، و نوح الجنّ و بكاء الملائكة الّذين حوله و شدّة جزعهم؛
فمن يتهنّأ مع هذا بطعام أو بشراب أو نوم، و ذكر الحديث. (2)
*** 16- باب إتيان الجنّ إليه (عليه السلام)
الأخبار، الأصحاب:
1- بصائر الدرجات: عبد اللّه بن محمّد، عن محمّد بن إبراهيم، عن بشر، عن
____________
(1) 2/ 852 ح 67، عنه البحار: 26/ 356 ح 18، و عن بصائر الدرجات: 93- 94 ح 17 و 21 بإسناده من طريقين إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) (مثله). و أخرجه في مدينة المعاجز: 409 ملحق ح 193 عن البصائر.
(2) 92، عنه مدينة المعاجز: 404 ح 174.
79
فضالة، عن محمّد بن مسلم، عن المفضّل بن عمر، قال:
حمل إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) مال من خراسان مع رجلين من أصحابه، لم يزالا يتفقّدان المال حتّى مرّا بالريّ، فدفع إليهما رجل من أصحابهما كيسا فيه ألفا درهم، فجعلا يتفقّدان [المال] في كلّ يوم [و] الكيس، حتّى دنيا المدينة، فقال أحدهما لصاحبه:
تعال حتّى ننظر ما حال المال؟ فنظرا، فإذا المال على حاله ما خلا كيس الرازي (1).
فقال أحدهما لصاحبه: اللّه المستعان على ما نقول الساعة لأبي عبد اللّه (عليه السلام)؟
فقال أحدهما: إنّه (عليه السلام) كريم، و أنا أرجو أن يكون علم ما نقول عنده.
فلمّا دخلا المدينة قصدا إليه، فسلّما إليه المال، فقال لهما: أين كيس الرازي؟
فأخبراه بالقصّة، فقال لهما: إن رأيتما الكيس تعرفانه؟ قالا: نعم.
قال: يا جارية! عليّ بكيس كذا و كذا، فأخرجت الكيس، فدفعه أبو عبد اللّه (عليه السلام) إليهما، فقال: أ تعرفانه؟ قالا: هو ذاك.
قال: إنّي احتجت في جوف الليل إلى مال، فوجّهت رجلا من الجنّ من شيعتنا، فأتاني بهذا الكيس من متاعكما.
الخرائج و الجرائح: عن المفضّل (مثله). (2)
2- كشف الغمّة: عن عمّار السجستاني، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:
كنت أجيء فأستأذن عليه، فجئت ذات ليلة، فجلست في فسطاطه بمنى، فاستؤذن لشباب كأنّهم رجال زطّ (3)، و خرج عليّ عيسى شلقان (4)، فذكّرني له، فأذن لي.
فقال: يا عمّار! متى جئت؟
قلت: قبل اولئك الشباب الّذين دخلوا عليك، و ما رأيتهم خرجوا.
____________
(1) نسبة إلى الريّ، و هي مدينة جنوب طهران.
(2) 99 ح 9، 2/ 777 ح 101 و فيه تخريجات الحديث.
(3) الزطّ: جنس من السودان و الهنود.
(4) هو عيسى بن صبيح أبو منصور شلقان أبو صالح (راجع رجال المامقاني: 2/ 356).
80
قال: اولئك قوم من الجنّ، سألوا عن مسائل، ثمّ ذهبوا. (1)
3- و منه، عن أبي حمزة الثمالي، قال: كنت مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) بين مكّة و المدينة إذ التفت عن يساره، فرأى كلبا أسود، فقال: مالك قبّحك اللّه، ما أشدّ مسارعتك!
و إذا هو شبيه الطائر، [فقلت: ما هذا جعلت فداك؟] (2)
فقال: هذا «غثيم» (3) بريد الجنّ، مات هشام الساعة، و هو يطير ينعاه في كلّ بلد.
الكافي: محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن إسماعيل، عن عليّ ابن الحكم، عن مالك بن عطيّة، عن الثمالي (مثله). (4)
4- الكافي: عليّ بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن عليّ بن حسّان، عن إبراهيم بن إسماعيل، عن ابن جبل (5)، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:
كنّا ببابه، فخرج علينا قوم أشباه الزطّ، عليهم ازر و أكيسة، فسألنا أبا عبد اللّه (عليه السلام) عنهم، فقال: هؤلاء إخوانكم من الجنّ. (6)
استدراك (1) بصائر الدرجات: محمّد بن عيسى، عن أبي عبد اللّه المؤمن، عن أبي حنيفة
____________
(1) 2/ 199، عنه البحار: 47/ 149 ضمن 203.
(2) أضفناها من الكافي و بقيّة الموارد لملازمتها السياق.
(3) كذا في الكافي، و هو صحيح يناسب الحديث «بريد الجنّ» ينعى موت هشام في كلّ بلد، و لما قاله في لسان العرب و القاموس: وقع فلان في أحواض غثيم (غتيم، لغة في غثيم) أي الموت، و في الباقي «عتم، عثم، عثيم، أعثم» بالعين، تصحيف.
(4) 2/ 192، 6/ 553 ح 8، عنهما البحار: 47/ 146 ح 201، 202. و رواه في بصائر الدرجات:
96 ح 4 و دلائل الإمامة: 132، بالإسناد إلى أبي حمزة الثمالي مثله. و أخرجه في ملحقات إحقاق الحقّ: 12/ 256، عن الفصول المهمّة: 211. و أورده في الخرائج و الجرائح: 2/ 855 ح 71 (و فيه تخريجات الحديث). يأتي ص 383 ح 2.
(5) «عن رجل» ع، ب. ترجم لابن جبل في معجم رجال الحديث: 22/ 170).
(6) 1/ 394 ح 2، عنه البحار: 47/ 158 ح 224.
81
سائق الحاجّ، عن بعض أصحابنا، قال: أتيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) فقلت له:
أقيم عليك حتى تشخص؟ فقال: لا، امض حتّى يقدم علينا أبو الفضل سدير، فإن تهيّأ لنا بعض ما نريد كتبنا إليك.
قال: فسرت يومين و ليلتين، فجاءني رجل طويل أدم بكتاب خاتمه رطب، و الكتاب رطب، قال: فقرأته فإذا فيه:
«إنّ أبا الفضل قد قدم علينا، و نحن شاخصون إن شاء اللّه، فأقم حتّى نأتيك».
قال: فأتاني، فقلت: جعلت فداك [إنّه] أتاني الكتاب رطبا و الخاتم رطبا! قال:
فقال: إنّ لنا أتباعا من الجنّ كما أنّ لنا أتباعا من الإنس، فإذا أردنا أمرا بعثناهم. (1)
(2) دلائل الإمامة: روى محمّد بن عبد اللّه العطّار، عن محمّد بن الحسن، يرفعه إلى معتّب مولى أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:
إنّي لواقف يوما خارجا من المدينة، و كان يوم التروية، فدنا منّي رجل، فناولني طينة رطبة، و الكتاب من أبي عبد اللّه (عليه السلام) و هو بمكّة حاجّ، ففضضته و قرأته، فإذا هو فيه:
«إذا كان غدا افعل كذا و كذا» و نظرت إلى الرجل لأسأله متى عهدك به، فلم أر شيئا؛ فلمّا قدم أبو عبد اللّه (عليه السلام) سألته عن ذلك، فقال:
ذلك من شيعتنا من مؤمني الجنّ، إذا كانت لنا الحاجة المهمّة أرسلناهم فيها. (2)
*** 17- باب جوامع فضائله و مناقبه، و إقرار المخالف و المؤالف بفضله (عليه السلام)
الأخبار، الأئمّة، الصادق (عليه السلام):
1- الكافي: محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن النضر بن سويد، عن عمرو ابن أبي المقدام، قال: رأيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يوم عرفة بالموقف و هو ينادي بأعلى صوته: أيّها الناس! إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان الإمام، ثمّ كان عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، ثمّ الحسن، ثمّ
____________
(1) 102 ح 14، عنه البحار: 27/ 21 ح 13، و إثبات الهداة: 5/ 387 ح 97.
(2) 132، عنه مدينة المعاجز: 396 ح 34.
82
الحسين، [ثمّ عليّ بن الحسين] ثمّ محمّد بن عليّ، ثمّ هه (1)، فينادي ثلاث مرّات لمن بين يديه، و عن يمينه، و عن يساره، و من خلفه، اثني عشر صوتا.
و قال عمرو: فلمّا أتيت «منى» سألت أصحاب العربيّة عن تفسير «هه»؛
فقالوا: هه: لغة بني فلان «أنا فاسألوني»، قال: ثمّ سألت غيرهم أيضا من أهل (2) العربيّة، فقالوا مثل ذلك. (3)
2- كشف الغمّة: و قال البرذون بن شبيب النهدي، و اسمه جعفر، قال:
سمعت جعفر بن محمّد (عليهم السلام) يقول:
احفظوا فينا ما حفظ العبد الصالح في اليتيمين، قال:
وَ كانَ أَبُوهُما صالِحاً (4). (5)
3- علل الشرائع: ابن المتوكّل، عن محمّد بن عليّ (6) ماجيلويه، عن البرقي، عن أبيه، عن حمّاد بن عثمان، عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:
كنت عند زياد بن عبيد اللّه و جماعة من أهل بيتي، فقال:
يا بني عليّ و فاطمة! ما فضلكم على الناس؟ فسكتوا.
فقلت: إنّ من فضلنا على الناس أنّا لا نحبّ أن نكون من أحد سوانا، و ليس أحد من الناس لا يحبّ أن يكون منّا إلّا أشرك، ثمّ قال: ارووا هذا الحديث. (7)
____________
(1) قال الليث «هه» تذكرة في حال، و تحذير في حال (لسان العرب: 13/ 551).
و هنا تتضمّن كلا المعنيين ظاهرا، فهو في الوقت الّذي يذكّرهم فيه بأنّه (عليه السلام) الإمام من بعد أبيه الباقر (عليه السلام) يحذّرهم عاقبة تجاهلهم هذا الأمر و الأخذ من غيره.
و هذا يتّفق بالنتيجة مع المعنى المختصر و الدقيق الّذي قيل لعمرو «أنا فاسألوني». كما سيأتي تباعا
(2) «أصحاب» م.
(3) 4/ 466 ح 10، عنه البحار: 47/ 58 ح 107، و الوافي: 2/ 303 ح 6. يأتي مثله ص 107 ح 1.
(4) الكهف: 82.
(5) 2/ 162، عنه البحار: 47/ 33 ضمن ح 30.
(6) «عليّ بن محمّد» م، ب تصحيف.
(7) 583 ح 24، عنه البحار: 26/ 241 ح 4، و ج 47/ 166 ح 8.
83
محمّد التقيّ، عن آبائه:
4- عيون أخبار الرضا: ابن المتوكّل، عن السعدآبادي، عن البرقي، عن عبد العظيم الحسني، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الرضا، عن أبيه، عن جدّه (عليهم السلام)، قال:
دخل عمرو بن عبيد البصري (1) على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فلمّا سلّم و جلس عنده، تلا هذه الآية:
قول اللّه عزّ و جلّ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ* (2)؛
ثمّ سأل، عن الكبائر، فأجابه (عليه السلام) [ضمن حديث طويل إلى أن قال]-:
فخرج عمرو بن عبيد، و له صراخ من بكائه، و هو يقول:
هلك- و اللّه- من قال برأيه، و نازعكم في الفضل و العلم. (3)
غير الأئمّة:
5- كشف الغمّة: عن عبد العزيز بن الأخضر، عن عمرو بن أبي المقدام (4)، قال:
كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمّد (عليه السلام) علمت أنّه من سلالة النبيّين. (5)
6- أمالي الصدوق: الطالقاني، عن أحمد الهمداني، عن المنذر بن محمّد، عن جعفر بن سليمان، عن أبيه، عن عمرو بن خالد، قال:
____________
(1) هو كبير المعتزلة و أوّلهم، تجد ترجمته في تنقيح المقال: 2/ 334، و جامع الرواة: 1/ 624، و سير أعلام النبلاء: 6/ 104.
(2) النجم: 32، الشورى: 37.
(3) 1/ 285 ح 33، عنه البحار: 47/ 19 ح 13، و رواه في الكافي: 2/ 285 ح 24، عنه الوسائل:
11/ 252 ح 2 و البرهان: 4/ 252 ح 1 «سيأتي الخبر بتمامه في باب الكبائر إن شاء اللّه تعالى».
(4) «أبو عمرو بن المقدام» م، و في إحقاق الحقّ «عمرو بن المقدام» كلاهما تصحيف.
هو عمرو بن أبي المقدام ثابت بن هرمز الحدّاد مولى بني عجل روى عن علي بن الحسين و أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهم السلام) ... رجال النجاشي: 290 رقم 777، و تقريب التهذيب: 2/ 66 و ص 179.
(5) 2/ 162، عنه البحار: 47/ 33 ضمن ح 30. و أخرجه في ملحقات إحقاق الحقّ: 12/ 228 عن ينابيع المودّة: 280، و التذكرة لابن الجوزي: 351، و عن المختار في مناقب الأخيار لابن الأثير: 17، و مفتاح النجا: 168 جميعا عن فصل الخطاب، و في الإحقاق: 19/ 507 عن المختصر و المعتصر في علوم الأثر: 132. و تسلسل هذا الحديث في المخطوطة بعد الحديث 3 المتقدّم، و نقلناه هنا لأنّه مرويّ عن غير الأئمّة (عليهم السلام)، فلاحظ.
84
قال زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام):
في كلّ زمان رجل منّا أهل البيت، يحتجّ اللّه به على خلقه؛
و حجّة زماننا ابن أخي جعفر ابن محمّد، لا يضلّ من تبعه، و لا يهتدي من خالفه. (1)
7- و منه: المكتّب، عن الأسدي، عن محمّد بن أبي بشر، عن الحسين بن الهيثم، عن المنقري، قال: كان عليّ بن غراب إذا حدّثنا عن جعفر بن محمّد، قال:
حدّثني الصادق عن اللّه جعفر بن محمّد (عليه السلام).
علل الشرائع: الحسن بن محمّد العلوي، عن الأسدي (مثله). (2)
8- علل الشرائع، و الأمالي للصدوق: السناني، عن الأسدي، عن محمّد بن أبي بشر، عن الحسين بن الهيثم، عن المنقري، عن حفص بن غياث: أنّه كان إذا حدّثنا عن جعفر ابن محمّد (عليه السلام) قال: حدّثني خير الجعافر جعفر بن محمّد (عليهم السلام). (3)
9- معاني الأخبار: القطّان، عن السكري، عن الجوهري، عن ابن عمارة، عن أبيه، عن سفيان بن سعيد، قال:
سمعت أبا عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق (عليهم السلام) و كان- و اللّه- صادقا كما سمّي، الخبر. (4)
استدراك (1) تاريخ اليعقوبي: قال إسماعيل بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس: دخلت على أبي جعفر المنصور يوما- في حديث إلى أن قال- فقال لي:
____________
(1) 436 ح 6، عنه البحار: 46/ 173 ح 24، و ج 47/ 19 ح 13.
و أورده في روضة الواعظين: 249، و مناقب ابن شهرآشوب: 3/ 397.
(2) 202 ح 15، 234 ح 3، عنهما البحار: 47/ 18 ح 10، و ص 19 ح 11.
(3) تقدّم ص 24 ح 2.
(4) 385 ح 20، عنه البحار: 13/ 135 صدر ح 43، و ج 47/ 19 ح 14، و البرهان: 2/ 196 ح 5 و ج 3/ 37 صدر ح 4.
86
ابن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (صلوات اللّه عليهم أجمعين) أحد الأئمّة الاثني عشر على مذهب الإمامية، و كان من سادات أهل البيت.
لقّب بالصادق لصدقه، و فضله أشهر من أن يذكر. (1)
(6) الأعلام للزركلي: جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن عليّ زين العابدين بن الحسين السبط الهاشمي القرشي، أبو عبد اللّه الملقّب بالصادق، سادس الأئمّة الاثني عشر عند الإماميّة، كان من أجلّاء التابعين، و له منزلة رفيعة في العلم، أخذ عنه جماعة، منهم:
ابو حنيفة، و مالك.
و لقّب بالصادق لأنّه لم يعرف عنه الكذب قطّ، له أخبار مع الخلفاء من بني العبّاس، و كان جريئا عليهم صدّاعا في الحقّ. (2)
(7) فصل الخطاب: قال: اتّفقوا على جلالة الصادق (عليه السلام) و سيادته:
قال الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي في طبقات المشايخ الصوفيّة:
جعفر الصادق فاق جميع أقرانه من أهل البيت، و هو ذو علم غزير في الدين، و زهد بالغ في الدنيا، و ورع تامّ عن الشهوات، و أدب كامل في الحكمة- إلى أن قال-:
و قال العالم عبد اللّه بن أسعد بن عليّ اليافعي اليماني نزيل الحرمين الشريفين في تاريخه: كان جعفر الصادق (عليه السلام) واسع العلم، وافر الحلم، و له من الفضائل و المآثر ما لا يحصى. (3)
(8) نزهة الجليس: قال:
الإمام جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام) أحد الأئمّة الاثني عشر، كان من سادات أهل البيت، و لقّب بالصادق لصدقه في مقالته، و فضله أشهر من نار على علم، كيف لا!؟ و هو ابن سيّد الامم. (4)
(9) الإتحاف بحبّ الأشراف: قال الشبراوي الشافعي:
____________
(1) 1/ 327.
(2) 2/ 121.
(3) على ما في ينابيع المودّة: 380، عنه ملحقات الإحقاق: 12/ 227.
(4) 2/ 35، عنه ملحقات الإحقاق: 12/ 214.
85
إنّ جعفرا كان ممّن قال اللّه فيه:
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا (1)؛
و كان ممّن اصطفى اللّه، و كان من السابقين بالخيرات. (2)
(2) الملل و النحل: قال: جعفر بن محمّد الصادق هو ذو علم غزير، و أدب كامل في الحكمة، و زهد في الدنيا، و ورع تامّ عن الشهوات. (3)
(3) مطالب السئول: هو- أي جعفر بن محمّد الصادق- من عظماء أهل البيت و ساداتهم، ذو علوم جمّة، و عبادة موفّرة، و أوراد متواصلة، و زهادة بيّنة، و تلاوة كثيرة، يتبع معاني القرآن الكريم، و يستخرج من بحره جواهره، و يستنتج عجائبه، و يقسّم أوقاته على أنواع الطاعات، بحيث يحاسب عليها نفسه.
رؤيته تذكّر الآخرة، و استماع كلامه يزهّد في الدنيا، و الاقتداء بهداه يورث الجنّة، نور قسماته شاهد أنّه من سلالة النبوّة، و طهارة أفعاله تصدع بأنّه من ذرّيّة الرسالة- إلى أن قال-:
و أمّا مناقبه و صفاته فتكاد تفوت عدد الحاصر، و يحار في أنواعها فهم اليقظ الباصر، حتّى أنّ من كثرة علومه المفاضة على قلبه من سجال التقوى صارت الأحكام الّتي لا تدرك عللها، و العلوم الّتي تقصر الأفهام عن الإحاطة بحكمها، تضاف إليه و تروى عنه، و قد قيل:
إنّ كتاب الجفر الّذي بالمغرب يتوارثه بنو عبد المؤمن هو من كلامه، و إنّ في هذه لمنقبة سنيّة، و درجة في مقام الفضائل عليّة، و هي نبذة يسيرة ممّا نقل عنه. (4)
(4) حلية الأولياء: و قال الحافظ أبو نعيم:
و منهم الإمام الناطق أبو عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام)، أقبل على العبادة و الخضوع، و آثر العزلة و الخشوع، و نهى عن الرئاسة و الجموع. (5)
(5) وفيات الأعيان: قال: أبو عبد اللّه جعفر بن محمّد الباقر بن عليّ زين العابدين
____________
(1) فاطر: 32.
(2) 2/ 383.
(3) 1/ 166.
(4) 81، عنه ملحقات الإحقاق: 12/ 208.
(5) 3/ 192، عنه كشف الغمّة: 2/ 183.
87
السادس من الأئمّة جعفر الصادق، ذو المناقب الكثيرة و الفضائل الشهيرة؛
روى عنه الحديث كثيرون، مثل: مالك بن أنس، و أبي حنيفة، و يحيى بن سعيد، و ابن جريج و الثوري ... و غرر فضائله على جبهات الأيّام كاملة، و أندية المجد و العزّ بمفاخره و مآثره آهلة. (1)
(10) التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة: قال السخاوي:
كان من سادات أهل البيت فقها و علما و فضلا و جودا، يصلح للخلافة بسؤدده و فضله و علمه و شرفه، و مناقبه كثيرة تحتمل كراريس. (2)
(11) عمدة الطالب: مناقبه متواترة بين الأنام، مشهورة عند الخاصّ و العامّ. (3)
***
____________
(1) 54، عنه ملحقات الإحقاق: 12/ 218.
(2) 1/ 410، عنه ملحقات الإحقاق: 12/ 212.
(3) 195.
أقول: نكتفي بهذه الأقوال لثلّة من العلماء على اختلاف مشاربهم و مذاهبهم بحقّ إمامنا الصادق (عليه السلام) مع علمنا المسبّق بأنّه (صلوات اللّه عليه) أرفع شأنا، و أسنى مقاما، و أعلى كلمة من كلّ ما قيل.
و سيأتي في مطاوي كتابنا هذا العديد من الأحاديث المناسبة، و بالخصوص في باب علمه (عليه السلام) ص 95.
88
6- أبواب مكارم أخلاقه و محاسن أوصافه (عليه السلام)
1- باب جوامع مكارم أخلاقه و محاسن أوصافه (عليه السلام)
الأخبار، الأصحاب:
1- الخصال، و علل الشرائع، و الأمالي للصدوق (رحمه اللّه): ابن المتوكّل، عن السعدآبادي، عن البرقي، عن أبيه، عن محمّد بن زياد الأزدي، قال:
سمعت مالك بن أنس (1) فقيه المدينة يقول:
كنت أدخل إلى الصادق جعفر بن محمّد (عليهم السلام) فيقدّم لي مخدّة، و يعرف لي قدرا، و يقول: يا مالك! إنّي أحبّك. فكنت أسرّ بذلك، و أحمد اللّه عليه. قال:
و كان (عليه السلام) لا يخلو من احدى ثلاث خصال: إمّا صائما، و إمّا قائما، و إمّا ذاكرا.
و كان من عظماء العبّاد، و أكابر الزهّاد الّذين يخشون اللّه عزّ و جلّ.
و كان كثير الحديث، طيّب المجالسة، كثير الفوائد، فإذا قال:
قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) اخضرّ مرّة، و اصفرّ اخرى، حتّى ينكره من كان يعرفه.
و لقد حججت معه سنة، فلمّا استوت به راحلته عند الإحرام، كان كلّما همّ بالتلبية انقطع الصوت في حلقه، و كاد أن يخرّ من راحلته!
فقلت: قل يا ابن رسول اللّه، و لا بدّ لك من أن تقول.
فقال (عليه السلام): يا ابن أبي عامر! كيف أجسر أن أقول:
لبّيك اللّهمّ لبّيك، و أخشى أن يقول عزّ و جلّ لي: لا لبّيك و لا سعديك.
المناقب لابن شهرآشوب، من كتاب الروضة (مثله). (2)
2- الأمالي للصدوق: ابن موسى، عن الأسدي، عن النخعي، عن النوفلي، قال:
____________
(1) ترجم له في سير أعلام النبلاء: 8/ 48- 135 و المصادر المذكورة بهامشه.
(2) 1/ 167 ح 219، 234 ح 4، 143 ح 3، 3/ 395 عنها البحار: 47/ 16 ح 1، 2. و أخرج قطعة منه في ملحقات الإحقاق: 12/ 229 عن «كتاب مالك» حياته و عصره و آرائه و فقهه: 104، و تأتي قطعة منه ص 149 ح 2 و ص 164 ح 2.
89
سمعت مالك بن أنس الفقيه، يقول:
و اللّه ما رأت عيني أفضل من جعفر بن محمّد (عليه السلام) زهدا و فضلا و عبادة و ورعا.
و كنت أقصده فيكرمني، و يقبل عليّ، فقلت له يوما:
يا ابن رسول اللّه! ما ثواب من صام يوما من رجب إيمانا و احتسابا؟
فقال- و كان و اللّه إذا قال صدق- حدّثني أبي، عن أبيه، عن جدّه، قال:
قال رسول اللّه (عليه السلام): «من صام يوما من رجب، إيمانا و احتسابا، غفر له».
فقلت له: يا ابن رسول اللّه! فما ثواب من صام يوما من شعبان؟
فقال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):
«من صام يوما من شعبان إيمانا و احتسابا غفر له». (1)
3- المناقب لابن شهرآشوب: و قال مالك بن أنس:
ما رأت عين، و لا سمعت اذن، و لا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر الصادق (عليه السلام) فضلا و علما و عبادة و ورعا. (2)
الكتب:
4- المناقب لابن شهرآشوب: و يقال:
الإمام الصادق، و العلم الناطق، بالمكرمات سابق، و باب السيّئات راتق، و باب الحسنات فاتق، لم يكن عيّابا و لا سبّابا، و لا صخّابا، و لا طمّاعا، و لا خدّاعا و لا نمّاما، و لا ذمّاما، و لا أكولا، و لا عجولا، و لا ملولا، و لا مكثارا، و لا ثرثارا، و لا مهذارا، و لا طعّانا، و لا لعّانا، و لا همّازا (3)، و لا لمّازا، و لا كنّازا. (4)
____________
(1) 435 ح 2، عنه البحار: 47/ 20 ح 16، و الوسائل: 7/ 354 ح 11.
(2) 3/ 372، عنه البحار: 47/ 28 ضمن ح 28.
(3) أصل الهمز: الغمز و الوقيعة في الناس و ذكر عيوبهم. و قيل:
«الهمزة» هو الّذي يعيبك بوجهك.
و «اللمزة»: الّذي يعيبك بالغيب، و قيل غير ذلك.
(4) 3/ 396، عنه البحار: 47/ 25 ضمن ح 26.
90
2- باب علمه (عليه السلام)
الأخبار، الأصحاب:
1- مجالس المفيد: المظفّر بن محمّد [البلخي]، عن محمّد بن همام، عن أحمد ابن ما بنداد، عن منصور بن العبّاس، عن الحسن بن عليّ الخزّاز، عن عليّ بن عقبة، عن سالم ابن أبي حفصة، قال:
لمّا هلك أبو جعفر محمّد بن عليّ الباقر (عليهم السلام) قلت لأصحابي: انتظروني حتّى أدخل على أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد (عليهم السلام) فاعزّيه؛
فدخلت عليه فعزّيته، ثمّ قلت: إنّا للّه و إنّا إليه راجعون، ذهب- و اللّه- من كان يقول:
«قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)» فلا يسأل عمّن بينه و بين رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، لا و اللّه لا يرى مثله أبدا!
قال: فسكت أبو عبد اللّه (عليه السلام) ساعة، ثمّ قال: قال اللّه عزّ و جلّ:
«إنّ من [عبادي من] يتصدّق بشقّ تمرة، فاربّيها له كما يربّي أحدكم فلوّه (1) حتّى أجعلها له مثل احد».
فخرجت إلى أصحابي، فقلت: ما رأيت أعجب من هذا!
كنّا نستعظم قول أبي جعفر (عليه السلام): «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بلا واسطة»، فقال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام): قال اللّه عزّ و جلّ بلا واسطة (2). (3)
2- رجال الكشّي: محمّد بن مسعود، عن الحسين بن إشكيب، عن عبد الرحمن ابن حمّاد، عن محمّد بن إسماعيل الميثمي، عن حذيفة بن منصور، عن سورة بن كليب،
____________
(1) قال ابن الأثير في النهاية: 3/ 474 في حديث الصدقة «كما يربّي أحدكم فلوّه»؛ الفلوّ: المهر الصغير. و قيل: هو الفطيم من أولاد ذوات الحافر.
(2) قال في تنقيح المقال: 2/ 3: و قد جعل جوابه حديثا عن اللّه عزّ و جلّ بلا واسطة تلويحا بأنّك إن كنت فقدت من يخبر عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بلا واسطة، فأنا أخبر عن اللّه بلا واسطة، بل بالعلم الّذي يعلم به الإمام (عليه السلام) جميع ما غاب عنه.
(3) 354 ح 7، عنه البحار: 47/ 27 ح 27، و حلية الأبرار: 2/ 143.
و أورده في بشارة المصطفى: 326، عن عليّ بن عقبة (مثله)، و يأتي ص 999 ح 1 (مثله).
91
قال: قال لي زيد بن عليّ: يا سورة! كيف علمتم أنّ صاحبكم على ما تذكرون؟
قال: فقلت: على الخبير سقطت. قال: فقال: هات.
فقلت له: كنّا نأتي أخاك محمّد بن عليّ (عليهما السلام) نسأله، فيقول: «قال رسول اللّه، و قال اللّه جلّ و عزّ في كتابه» حتّى مضى أخوك، فأتيناكم آل محمّد و أنت فيمن أتينا، فتخبرونا ببعض، و لا تخبرونا بكلّ الّذي نسألكم عنه، حتّى أتينا ابن أخيك جعفرا، فقال لنا كما قال أبوه: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و قال تعالى».
فتبسّم، و قال: أما و اللّه إن قلت هذا، فإنّ كتب عليّ (صلوات اللّه عليه) عنده [دوننا] (1).
المناقب لابن شهرآشوب: المرشد أبو يعلى الجعفري، و أبو الحسين الكوفي، و أبو جعفر الطوسي، عن سورة (مثله). (2)
استدراك (1) رجال النجاشي: قال أبو عليّ أحمد بن محمّد بن رياح الزهري الطحّان: حدّثنا محمّد بن عبد اللّه بن غالب، قال: حدّثني محمّد بن الوليد، عن يونس بن يعقوب، عن عبد اللّه ابن خفقة، قال: قال لي أبان بن تغلب:
مررت بقوم يعيبون عليّ روايتي عن جعفر (عليه السلام). قال: فقلت: كيف تلوموني في روايتي عن رجل ما سألته عن شيء إلّا قال: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)»!؟
قال: فمرّ صبيان و هم ينشدون: العجب كلّ العجب بين جمادى و رجب.
فسألته عنه، فقال: لقاء الأحياء بالأموات. (3)
(2) الكافي: عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن عليّ بن الحكم، عن معاوية بن وهب، عن زكريّا بن إبراهيم، قال:
كنت نصرانيّا، فأسلمت و حججت، فدخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) بمنى و الناس حوله
____________
(1) من المناقب.
(2) 376 ح 706، 3/ 374، عنهما البحار: 47/ 36 ح 36، 37.
(3) 12/ عنه حلية الأبرار: 2/ 145.
92
كأنّه معلّم صبيان، هذا يسأله و هذا يسأله. (1)
*** الأئمّة، الصادق (عليه السلام):
3- كشف الغمّة: من كتاب دلائل الحميري، عن عبد الأعلى، و عبيدة بن بشير (2) قالا: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) ابتداء منه:
و اللّه إنّي لأعلم ما في السماوات و ما في الأرض، و ما في الجنّة و ما في النار، و ما كان و ما يكون إلى أن تقوم الساعة. ثمّ سكت، ثمّ قال: أعلمه من كتاب اللّه، أنظر إليه هكذا، ثمّ بسط كفّه، و قال: إنّ اللّه يقول: وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ. (3)
و عن إسماعيل بن جابر، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: إنّ اللّه بعث محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) نبيّا فلا نبيّ بعده، أنزل عليه الكتاب فختم به الكتب فلا كتاب بعده، أحلّ فيه حلاله، و حرّم فيه حرامه، فحلاله حلال إلى يوم القيامة، و حرامه حرام إلى يوم القيامة، فيه نبأ من قبلكم، و خبر ما بعدكم، و فصل ما بينكم- ثمّ أومى بيده إلى صدره، و قال:- نحن نعلمه. (4)
4- رجال الكشّي: محمّد بن مسعود، عن عليّ بن محمّد، عن محمّد بن أحمد، عن أبي إسحاق، عن عليّ بن معبد، عن هشام بن الحكم، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) بمنى عن خمسمائة حرف من الكلام، فأقبلت أقول: يقولون كذا [و كذا] قال: فيقول لي: قل كذا فقلت: هذا الحلال و الحرام و القرآن أعلم أنّك صاحبه، و أعلم الناس به، فهذا الكلام
____________
(1) 2/ 160 ضمن ح 11، عنه حلية الأبرار: 2/ 145.
قال في مرآة العقول: 8/ 425: و كأنّ التشبيه في كثرة اجتماعهم و سؤالهم، و لطفه (عليه السلام) في جوابهم، و كونهم عنده بمنزلة الصبيان في احتياجهم إلى المعلّم و إن كانوا من الفضلاء ....
(2) «بشر» ع، ب. و في م «عبيد» بدل «عبيدة»، ترجم له في معجم رجال الحديث: 11/ 100.
و في الكافي هكذا: عبد الأعلى، و أبو عبيدة و عبد اللّه بن بشر الخثعمي، سمعوا ....
(3) النحل: 89، و في م، ع، ب «و فيه تبيان كلّ شيء» و ما أثبتناه كما في ح 4 الآتي في الاستدراكات عن المناقب لابن شهرآشوب.
(4) 2/ 196، عنه البحار: 47/ 35 ح 33. و رواه في الكافي: 1/ 261 ح 2 بإسناده من طريقين (مثله).
93
من أين؟ فقال: يحتجّ اللّه على خلقه بحجّة لا يكون عنده كلّ ما يحتاجون إليه!؟ (1)
5- كشف الغمّة: عن صالح بن [أبي] (2) الأسود، قال: سمعت جعفر بن محمّد (عليهما السلام) يقول: سلوني قبل أن تفقدوني، فإنّه لا يحدّثكم أحد بعدي بمثل حديثي. (3)
استدراك (3) المناقب لابن شهرآشوب: صفوان بن يحيى، عن بعض رجاله؛
عن الصادق (عليه السلام) قال: و اللّه لقد اعطينا علم الأوّلين و الآخرين.
فقال له رجل من أصحابه: جعلت فداك، أ عندكم علم الغيب؟
فقال له: إنّي لأعلم ما في أصلاب الرجال و أرحام النساء، و يحكم! وسّعوا صدوركم، و لتبصر أعينكم، و لتع قلوبكم، فنحن حجّة اللّه تعالى في خلقه، و لن يسع ذلك إلّا صدر كلّ مؤمن قويّ، قوّته كقوّة جبال تهامة بإذن اللّه. و اللّه لو أردت أن احصي لكم كلّ حصاة عليها لأخبرتكم، و ما من يوم و لا ليلة إلّا و الحصى يلد إيلادا، كما يلد هذا الخلق.
و و اللّه لتباغضون بعدي حتّى يأكل بعضكم بعضا. (4)
(4) و منه: بكير بن أعين، قال: قبض أبو عبد اللّه على ذراع نفسه، و قال: يا بكير! هذا- و اللّه- جلد رسول اللّه، و هذه- و اللّه- عروق رسول اللّه، و هذا- و اللّه- لحمه، و هذا عظمه؛
____________
(1) 273 ح 491، عنه البحار: 47/ 35 ح 34، و رواه في الكافي: 1/ 262 ح 5، عنه الوافي: 3/ 601 ح 5، و رواه الطوسي في أماليه: 46 ح 24، عنه حلية الأبرار: 2/ 161، و رواه أيضا في بصائر الدرجات: 123 ح 3 و فيه: فقال: و تشكّ يا هشام؟ من شكّ أنّ يحتج فقد افترى على اللّه، عنه البحار: 26/ 138 ح 7.
(2) أضفناها، و هو الصحيح، راجع معجم رجال الحديث: 9/ 56، و الجرح و التعديل: 4/ 395.
(3) 2/ 162، عنه البحار: 47/ 33 ح 30.
و أخرجه في ملحقات إحقاق الحقّ: 12/ 227 عن مفتاح النجا في مناقب آل العبا: 71 (مخطوط)، و تذكرة الحفّاظ للذهبي: 1/ 166. و في ج 19/ 508، عن عيون التواريخ: 6/ 30 (مخطوط) و فيه: قال أبو حنيفة: ما رأيت أفقه من جعفر بن محمّد (عليهما السلام) ... (مثله).
(4) 3/ 374، البحار 26/ 27 ح 28.
94
و إنّي لأعلم ما في السموات، و أعلم ما في الأرض، و أعلم ما في الدنيا، و أعلم ما في الآخرة؛ فرأى تغيّر جماعة، فقال: يا بكير! إنّي لأعلم ذلك من كتاب اللّه تعالى إذ يقول:
وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ (1). (2)
(3) باب أنّه (عليه السلام) يعلم ما في السماوات و ما في الأرض و ما بينهما
(1) دلائل الإمامة: أخبرني أبو الحسين محمّد بن هارون بن موسى، قال:
حدّثنا أبي، قال: حدّثنا أبو عليّ محمّد بن همام، قال: حدّثني أحمد بن الحسين المعروف بابن أبي القاسم، عن أبيه، عن بعض رجاله، عن الحسن بن شعيب، عن عليّ بن هاشم، عن المفضّل بن عمر، قال: قلت لأبي عبد اللّه:
جعلت فداك، ما لإبليس من السلطان؟ قال: ما يوسوس في قلوب الناس:
قلت: ما لملك الموت؟ قال: يقبض أرواح الناس.
قلت: و هما مسلّطان على من في المشرق و المغرب؟ قال: نعم.
قلت: فمالك أنت جعلت فداك من السلطان؟
قال: أعلم ما في المشرق و المغرب، و ما في السماوات و الأرض، و ما في البرّ و البحر، و عدد ما فيهنّ، و ذلك لا لإبليس، و لا لملك الموت. (3)
(2) و منه: أبو الحسين محمّد بن هارون بن موسى، عن أبيه، عن أبي عليّ محمّد ابن همام، قال: حدّثنا أحمد بن الحسين المعروف بابن أبي القاسم، عن أبيه، عن أحمد بن عليّ، عن صالح بن عقبة، عن يزيد بن عبد الملك، قال:
كان لي صديق، و كان يكثر الردّ على من قال إنّهم يعلمون الغيب.
قال: فدخلت على أبي عبد اللّه فأخبرته بأمره، فقال: قل له:
إنّي و اللّه لأعلم ما في السماوات و ما في الأرض، و ما بينهما، و ما دونهما. (4)
____________
(1) النحل: 89.
(2) 3/ 374، بحار 26/ 28 ح 29.
(3) 125، عنه البحار: 63/ 275 ح 163. تقدّم ص 92 ح 3 و 4 ما يفيد.
(4) 127، عنه مدينة المعاجز: 395 ح 129.
96
(5) باب أنّه (عليه السلام) يزداد علما في ليلة الجمعة
(1) بصائر الدرجات: حدّثنا محمّد بن أحمد، عن عليّ بن سليمان، عن محمّد بن جمهور، عمّن رفعه إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:
قال: إنّ لنا في كلّ ليلة جمعة وفدة إلى ربّنا، فلا ننزل إلّا بعلم مستطرف. (1)
(2) و منه: حدّثنا الحسن بن عليّ بن معاوية، عن موسى بن سعدان، عن عبد اللّه بن أيّوب، عن شريك بن مليح؛
و حدّثني الخضر بن عيسى، عن الكاهلي، عن عبد اللّه بن أيّوب (2)، عن شريك بن مليح، عن أبي يحيى الصنعاني، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:
قال: يا أبا يحيى! إنّ لنا في ليالي الجمعة لشأنا من الشأن.
قال: فقلت له: جعلت فداك، و ما ذلك الشأن؟ قال: يؤذن لأرواح الأنبياء الموتى، و أرواح الأوصياء الموتى، و روح الوصيّ الّذي بين ظهرانيكم، يعرج بها إلى السماء حتّى توافي عرش ربّها، فتطوف به اسبوعا، و تصلّي عند كلّ قائمة من قوائم العرش ركعتين، ثمّ تردّ إلى الأبدان الّتي كانت فيها، فيصبح الأنبياء و الأوصياء قد ملئوا و اعطوا سرورا، و يصبح الوصيّ الّذي بين ظهرانيكم و قد زيد في علمه مثل جمّ الغفير.
الكافي: أحمد بن إدريس، و محمّد بن يحيى، عن الحسن بن عليّ (مثله). (3)
(3) بصائر الدرجات: حدّثنا سلمة بن الخطّاب، عن عبد اللّه بن محمّد، عن الحسين بن أحمد المنقري، عن يونس أو المفضّل (4)، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:
ما من ليلة جمعة إلّا و لأولياء اللّه فيها سرور. قلت: كيف ذلك جعلت فداك؟
قال: إذا كانت ليلة الجمعة، وافى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) العرش، و وافى الأئمّة العرش،
____________
(1) 131 ح 3، عنه البحار: 26/ 89 ح 7.
(2) عبد اللّه بن أبي أيّوب م، ع، ب، تصحيف ترجم له في معجم رجال الحديث: 10/ 120.
(3) 131 ح 4، 1/ 253 ح 1. و أخرجه في البحار: 17/ 151 ح 53 و ج 26/ 89 ح 8 عن البصائر.
(4) «يونس بن أبي الفضل» البصائر (المطبوع)، ب، و في نسخة من البصائر «يونس أبي الفضل» و ما اشتباه من الكافي و الوافي.
95
(4) باب أنّ حديثه (عليه السلام) حديث اللّه عزّ و جلّ
(1) إعلام الورى، و روضة الواعظين: كان (عليه السلام) يقول:
حديثي حديث أبي، و حديث أبي حديث جدّي، و حديث جدّي حديث عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين، و حديث أمير المؤمنين حديث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)؛
و حديث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حديث اللّه عزّ و جلّ. (1)
(2) إعلام الورى: قيل للصادق (عليه السلام): أنت أعلم أم أبوك؟
فقال: أبي أعلم منّي، و علم أبي لي. (2)
(3) ينابيع المودّة: و في المناقب بسنده، عن عبد الأعلى بن أعين، قال:
سمعت جعفر الصادق (عليه السلام) يقول:
قد ولدني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و أنا أعلم كتاب اللّه، و فيه بدء الخلق و ما هو كائن إلى يوم القيامة، و فيه خبر السماء، و خبر الأرض، و خبر الجنّة، و خبر النار، و خبر ما كان و ما يكون، و أنا أعلم ذلك كلّه كأنّما أنظر إلى كفّي، و أنّ اللّه يقول:
فيه تبيان كلّ شيء (3) و يقول تعالى:
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا (4)
فنحن الّذين اصطفانا اللّه جلّ شأنه، و أورثنا هذا الكتاب، فيه تبيان كلّ شيء. (5)
(4) إعلام الورى: روى عنه محمّد بن شريح، أنّه قال (عليه السلام):
لو لا أنّ اللّه تعالى فرض ولايتنا، و أمر بمودّتنا ما وقفناكم على أبوابنا، و لا أدخلناكم بيوتنا، و اللّه ما نقول إلّا ما قال ربّنا؛
أصول عندنا نكنزها، كما يكنز هؤلاء ذهبهم و فضّتهم. (6)
____________
(1) 285، 253. و أخرجه في حلية الأبرار: 2/ 140، عن إعلام الورى، و كشف الغمّة: 2/ 140.
(2) 291. في دلالته على العنوان خفاء.
(3) النحل: 89. راجع ص 92 ه 3.
(4) فاطر: 32.
(5) 23، عنه ملحقات الإحقاق: 12/ 226.
(6) 285، عنه البحار: 2/ 173 ذ ح 5.
97
و وافيت معهم، فما أرجع إلّا بعلم مستفاد، و لو لا ذلك لنفد ما عندنا.
الكافي: محمّد بن يحيى، عن سلمة بن الخطّاب (مثله). (1)
(6) باب أنّه (عليه السلام) يعلم جميع العلوم الّتي خرجت إلى الملائكة و الأنبياء و الرسل (عليه السلام)
(1) الكافي: عليّ بن محمّد، و محمّد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن الحسن بن شمّون، عن عبد اللّه بن عبد الرحمن، عن عبد اللّه بن القاسم، عن سماعة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إنّ للّه تبارك و تعالى علمين:
علما أظهر عليه ملائكته و أنبياءه و رسله، فما أظهر عليه ملائكته و رسله و أنبياءه فقد علمناه، و علما استأثر به فإذا بدا للّه في شيء منه أعلمنا ذلك، و عرض على الأئمّة الّذين كانوا من قبلنا.
عليّ بن محمّد و محمّد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن موسى بن القاسم، و محمّد ابن يحيى، عن العمركي بن عليّ جميعا، عن عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليهم السلام) (مثله). (2)
(2) و منه: عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمّد، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:
إنّ للّه عزّ و جلّ علمين: علما عنده لم يطلع عليه أحدا من خلقه، و علما نبذه إلى ملائكته و رسله، فما نبذه إلى ملائكته و رسله، فقد انتهى إلينا. (3)
____________
(1) 131 ح 5، 1/ 254 ح 3. و أخرجه في البحار: 22/ 552 ح 9 و ج 26/ 90 ح 9 عن البصائر و في الوافي: 3/ 586 ح 3، عن الكافي.
(2) 1/ 255 ح 1، و رواه في بصائر الدرجات: 394 ح 9، عنه البحار: 26/ 93 ح 23، (بطرق مختلفة) و عن الاختصاص: 307.
(3) 1/ 255 ح 2، و رواه في بصائر الدرجات: 110 ح 4.
و تقدّم في المجلّد الخاصّ بالإمامة، ما يناسب هذا الباب.
99
و كان حفص بن غياث (1) إذا حدّث عنه، قال: حدّثني خير الجعافر جعفر بن محمّد و كان عليّ بن غراب، يقول: حدّثني الصادق جعفر بن محمّد (عليهم السلام). (2)
حلية أبي نعيم: إنّ جعفر الصادق (عليهما السلام) حدّث عنه من الأئمّة و الأعلام:
مالك بن أنس، و شعبة بن الحجّاج، و سفيان الثوري، و ابن جريج (3)، و عبد اللّه بن عمرو، و روح بن القاسم، و سفيان بن عيينة، و سليمان بن بلال، و إسماعيل بن جعفر، و حاتم بن إسماعيل، و عبد العزيز بن المختار، و وهيب (4) بن خالد، و إبراهيم بن طهمان (5) في آخرين، قال: و أخرج عنه مسلم في صحيحه محتجّا بحديثه. (6)
و قال غيره (7): روى عنه مالك، و الشافعي، و الحسن بن صالح، و أيّوب السختياني (8)، و عمرو بن دينار، و أحمد بن حنبل.
____________
(1) حفص بن غياث بن طلق بن معاوية بن مالك ... أبو عمر القاضي كوفي روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و ولّي القضاء ببغداد الشرقية لهارون، ثمّ ولّاه قضاء الكوفة، و مات بها سنة 194، (رجال النجاشي: 134 رقم 346).
(2) تقدّم مثله ص 84 ح 7.
(3) «جريح» بعض الموارد، تصحيف و كذا في كلّ ما يأتي.
(4) «وهب» م. راجع سير أعلام النبلاء: 8/ 223.
(5) «طحّان» م، راجع سير أعلام النبلاء: 7/ 378.
(6) حلية الأولياء: 3/ 199، عنه ملحقات إحقاق الحقّ: 12/ 217، و كشف الغمّة: 2/ 186.
(7) أورد العديد من المصنّفين في مؤلّفاتهم أسماء من روى عنه، منهم: الشافعي في مطالب السئول:
81، و الأفغاني في أئمّة الهدى: 117، و الشبراوي الشافعي في الإتحاف بحبّ الأشراف: 54، و الشيخ مصطفى الدمشقي في الروضة الندية: 12. و الشيخ محمّد المخلوف المالكي في طبقات المالكيّة: 52، و الشيخ أبو محمّد زهرة المصري في مالك: 104، و ابن حجر في الصواعق:
120، راجع إحقاق الحقّ: 12/ 217.
(8) «أبو أيّوب السجستاني» م، و في ع، ب «أبو أيوب السختياني، و ما أثبتناه كما في ح 8 و 15، و هو أيّوب السختياني أبو بكر بن أبي تميمة كيسان، العنزي، و يقال: ولاؤه لطهيّة، و قيل: الجهنية، عداده في صغار التابعين. و يقال: مولى عمّار بن ياسر، مات بالطاعون سنة 131 في البصرة، من أصحاب الباقر، و الصادق (راجع معجم رجال الحديث: 3/ 246، سير أعلام النبلاء: 6/ 15).
98
(7) باب أنّه (عليه السلام) أعلم من موسى و الخضر (عليهما السلام)
(1) دلائل الإمامة: روى إبراهيم بن إسحاق (1)، عن عبد اللّه بن حمّاد، عن سيف التمّار، قال: كنّا مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) جماعة من الشيعة في الحجر، فقال: علينا عين!
فالتفتنا يمنة و يسرة، فلم نر أحدا، فقلنا: ليس علينا عين.
فقال: و ربّ الكعبة، و ربّ البيت- ثلاث مرّات- (2) لو كنت بين موسى و الخضر لأخبرتهما أنّي أعلم منهما، و لأنبأتهما بما ليس في أيديهما، لأنّ موسى و الخضر إنّما أعطيا علم ما كان و لم يعطيا علم ما هو كائن حتّى تقوم الساعة، و قد ورثناه عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).
بصائر الدرجات: حدّثنا إبراهيم بن إسحاق (مثله) إلى قوله «بما ليس في أيديهما».
و منه: حدّثنا أحمد بن الحسين، عن الحسين بن راشد، عن عليّ بن مهزيار، عن الأهوازي، قال: و حدّثوني جميعا، عن بعض أصحابنا، عن عبد اللّه بن حمّاد (مثله). (3)
*** (8) باب شهادات الأعلام و العلماء على فضله في العلوم
الكتب:
6- المناقب لابن شهرآشوب: ينقل عن الصادق (عليه السلام) من العلوم ما لا ينقل عن أحد، و قد جمع أصحاب الحديث أسماء الرواة من الثقات على اختلافهم في الآراء و المقالات، و كانوا أربعة آلاف رجل:
بيان ذلك أنّ ابن عقدة صنّف (4) كتاب الرجال لأبي عبد اللّه (عليه السلام) و عدّدهم فيه.
____________
(1) «هاشم» م. و ما في المتن كما في سند البصائر، و لم نقف على رواية ابن هاشم عن عبد اللّه بن حمّاد، راجع معجم رجال الحديث: 1/ 70 و ما بعدها، و ج 10/ 181.
(2) من البصائر. و في م «أمر أن».
(3) 132، 230 ح 3 و 4. و أخرجه في البحار: 26/ 196 ح 6 و 7، عن البصائر.
(4) قال النجاشي في رجاله: 94 رقم 233. هو أحمد بن محمّد بن سعيد بن ... رجل جليل في أصحاب الحديث، مشهور بالحفظ، و الحكايات تختلف عنه في الحفظ و عظمه، و كان كوفيّا زيديّا جاروديا على ذلك حتّى مات و ذكره أصحابنا لاختلاطه بهم و مداخلته إيّاهم و عظم محلّه و ثقته و أمانته. له كتب منها: ... كتاب الرجال، و هو كتاب من روى عن جعفر بن محمّد (عليهما السلام).
100
و قال مالك بن أنس: ما رأت عين و لا سمعت اذن و لا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر الصادق (عليه السلام) فضلا و علما و عبادة و ورعا (1).
و سأل سيف الدولة عبد الحميد المالكي قاضي الكوفة عن مالك، فوصفه و قال: كان جربند (2) جعفر الصادق (عليه السلام)- أي الربيب- و كان مالك كثيرا ما يدّعي سماعه، و ربّما قال:
حدّثني الثقة، يعنيه (عليه السلام). و جاء أبو حنيفة إليه ليسمع منه، و خرج أبو عبد اللّه (عليه السلام) يتوكّأ على عصا، فقال له أبو حنيفة: يا ابن رسول اللّه! ما بلغت إلى السنّ ما تحتاج معه إلى العصا.
قال: هو كذلك، و لكنّها عصا رسول اللّه أردت التبرّك بها.
فوثب أبو حنيفة إليه، و قال له: أقبّلها يا ابن رسول اللّه؟ فحسر أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن ذراعه و قال له: و اللّه لقد علمت أنّ هذا بشر رسول اللّه، و أنّ هذا من شعره فما قبّلته، و تقبّل عصا!؟
أبو عبد اللّه المحدّث في رامش [أفزاي] أنّ أبا حنيفة من تلامذته، و أنّ امّه كانت في حبالة الصادق (عليه السلام)، قال:
و كان محمّد بن الحسن أيضا من تلامذته، و لأجل ذلك كانت بنو العبّاس لم تحترمها.
قال: و كان أبو يزيد (3) البسطامي طيفور السقّاء خدمه و سقاه ثلاث عشرة سنة.
و قال أبو جعفر الطوسي: كان إبراهيم بن أدهم، و مالك بن دينار من غلمانه.
و دخل إليه سفيان الثوري يوما، فسمع منه كلاما أعجبه، فقال: هذا و اللّه يا ابن رسول اللّه الجوهر. فقال له: بل هذا خير من الجوهر، و هل الجوهر إلّا حجر (4). (5)
7- المناقب لابن شهرآشوب: الترغيب و الترهيب عن أبي القاسم الأصفهاني أنّه
____________
(1) تقدّم في ص 89 ح 3.
(2) «جره بنده» ب.
(3) «جدّ أبو يزيد» ظاهرا (راجع سير أعلام النبلاء: 13/ 86).
(4) «اعلم أنّ ما ذكره علماؤنا من أنّ بعض المخالفين كانوا من تلامذة الأئمّة (عليهم السلام) و خدمهم و أتباعهم، ليس غرضهم مدح هؤلاء المخالفين أو إثبات كونهم من المؤمنين، بل الغرض أنّ المخالفين أيضا يعترفون بفضل الأئمّة (عليهم السلام) و ينسبون أئمّتهم و أنفسهم إليهم لإظهار فضلهم و علمهم، و إلّا فهؤلاء المبتدعين أشهر في الكفر و العناد من إبليس و فرعون ذي الأوتاد» منه ره.
(5) 3/ 372، عنه البحار: 47/ 27 ح 28.
101
دخل عليه سفيان الثوري، فقال (عليه السلام):
أنت رجل مطلوب، و للسلطان علينا عيون، فاخرج عنّا غير مطرود، (القصّة).
و دخل عليه الحسن بن صالح بن حيّ (1)، فقال له:
يا ابن رسول اللّه! ما تقول في قوله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (2) من اولوا الأمر الّذين أمر اللّه بطاعتهم؟ قال: العلماء؛
فلمّا خرجوا قال الحسن: ما صنعنا! ألّا سألناه من هؤلاء العلماء.
فرجعوا إليه، فسألوه، فقال: الأئمّة منّا أهل البيت.
و قال نوح بن درّاج لابن أبي ليلى (3): أ كنت تاركا قولا قلته، أو قضاء قضيته لقول أحد؟
قال: لا، إلّا رجل واحد، قلت: من هو؟ قال: جعفر بن محمّد (عليهما السلام).
الحلية (4) قال عمرو بن أبي المقدام:
كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمّد (عليهما السلام) علمت أنّه من سلالة النّبيّين، و لا تخلو كتب أحاديث و حكمة و زهد و موعظة من كلامه، يقولون: قال جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام)؛ ذكره النقّاش و الثعلبي و القشيري و القزويني في تفاسيرهم.
و ذكر في الحلية، و الإبانة، و أسباب النزول، و الترغيب و الترهيب، و شرف المصطفى، و فضائل الصحابة، و في تاريخ الطبري، و البلاذري، و الخطيب، و مسند أبي حنيفة، و اللالكائي (5)، و قوت القلوب، و معرفة علوم الحديث. (6)
و قد روت الامّة بأسرها عنه دعاء أمّ داود.
____________
(1) ترجم له في سير أعلام النبلاء: 7/ 361 و المصادر المذكورة في هامشه.
(2) النساء: 59.
(3) نوح بن درّاج النخعي مولاهم الكوفي القاضي، عدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق (عليه السلام) (راجع تنقيح المقال: 3/ 275)، و ابن أبي ليلى هو محمّد بن عبد الرحمن مفتي الكوفة و قاضيها أبو عبد الرحمن الأنصاري (راجع سير إعلام النبلاء: 6/ 310).
(4) حلية الأولياء: 3/ 193.
(5) ترجم له سير أعلام النبلاء: 17/ 419، و هداية العارفين: 6/ 504.
(6) يندر أن تجد كتابا من كتب الفريقين و في شتّى المجالات و العلوم دون أن ينهل صاحبه من معين إمامنا الصادق (عليه السلام)، و لو أتينا على ذكرها و استقصائها لطال بنا المقام.
102
عبد الغفّار الجازي (1) و أبو الصباح الكناني:
قال (عليه السلام): إنّي أتكلّم على سبعين وجها لي من كلّها المخرج.
سئل عن محمّد بن عبد اللّه بن الحسن، فقال (عليه السلام): ما من نبيّ و لا وصيّ و لا ملك إلّا و هو في كتاب عندي- يعني مصحف فاطمة- و اللّه ما لمحمّد بن عبد اللّه فيه اسم.
و أنشأ الصادق (عليه السلام) يقول:
و فينا يقينا يعدّ الوفاء * * * و فينا تفرّخ أفراخه
رأيت الوفاء يزين الرجال * * * كما زيّن العذق شمراخه (2)
استدراك (5) الإرشاد للمفيد: نقل الناس عن الصادق (عليه السلام) من العلوم ما سارت به الركبان، و انتشر ذكره في البلدان، و لم ينقل العلماء عن أحد من أهل بيته ما نقل عنه، و لا لقى أحد منهم من أهل الآثار و نقلة الأخبار، و لا نقلوا عنهم كما نقلوا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)؛
فإنّ أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرواة عنه من الثقات على اختلافهم في الآراء و المقالات، فكانوا أربعة آلاف رجل. (3)
(6) إعلام الورى: كان أعلم أولاد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في زمانه بالاتّفاق، و أنبههم ذكرا، و أعلاهم قدرا، و أعظمهم مقاما عند العامّة و الخاصّة، و لم ينقل عن أحد من سائر العلوم ما نقل عنه، و إنّ أصحاب الحديث قد جمعوا أسامي الرواة عنه من الثقات على اختلافهم في المقالات و الديانات، فكانوا أربعة آلاف رجل. (4)
(7) إثبات الوصيّة: يجلس للعامّة و الخاصّة، و يأتيه الناس من الأقطار يسألونه عن الحلال و الحرام، و عن تأويل القرآن، و فصل الخطاب؛
____________
(1) «الحارثي» م، «الحازمي» ب. هو عبد الغفّار بن حبيب الطائي الجازي من أهل الجازية قرية بالنهرين، روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ... (راجع رجال النجاشي: 247، تنقيح المقال: 2/ 158، و غيره).
(2) 3/ 373، 374، 393، عنه البحار: 47/ 29 ح 29.
(3) 303، عنه حلية الأبرار: 2/ 145.
(4) 284، عنه حلية الأبرار: 2/ 145.
103
فلا يخرج أحد منهم إلّا راضيا بالجواب. (1)
(8) الصواعق المحرقة: نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان، و انتشر صيته في جميع البلدان.
و روى عنه الأئمّة الأكابر كيحيى بن سعيد، و ابن جريج، و مالك، و السفيانين، و أبي حنيفة، و شعبة، و أيّوب السختياني. (2)
(9) منهاج التوسّل: جعفر بن محمّد (عليهما السلام)، ازدحم على بابه العلماء، و اقتبس من مشكاة أنواره الأصفياء؛
و كان يتكلّم بغوامض الأسرار و علوم الحقيقة، و هو ابن سبع سنين. (3)
(10) نزهة الجليس: صنّف الخافية في علم الحروف، و قد ازدحم على بابه العلماء، و اقتبس من مشكاة أنوار الأصفياء، و كان يتكلّم بغوامض الأسرار و العلوم الحقيقيّة و هو ابن سبع سنين، و قد جعل في خافيته الباب الكبير «أ ب ت ث» إلى آخرها.
و الباب الصغير (أبجد هوّز- إلى- قرشت) و هو مصوّب و مقلوب، من كلامهم:
الوفاء شميمة الأخيار و صفة الأبرار. (4)
(11) المشروع الروي: له كلام نفيس جامع في علم التوحيد و الحقائق و المعارف و غيرها، و قد ألّف جابر بن حيّان كتابا يشتمل على ألف ورقة، تتضمّن رسائل و هي خمسمائة رسالة، و نقل عنه من العلوم ما سارت به الركبان، و اشتهر صيته في البلدان؛
و كان يقول: سلوني قبل أن تفقدوني، فإنّه لا يحدّثكم أحد بعدي بمثل حديثي. (5)
(12) الأنوار القدسيّة: كان تلميذه أبا موسى جابر بن حيّان الصوفي الطرسوسي، قد ألّف كتابا يشتمل على ألف ورقة، تتضمّن رسائل جعفر الصادق (عليه السلام) و هي خمسمائة رسالة. (6)
____________
(1) 180.
(2) 120، عنه ينابيع المودة: 360، ملحقات الاحقاق: 12/ 219.
(3) 106.
(4) 1/ 50، عنه ملحقات الإحقاق: 12/ 214.
(5) 35، عنه ملحقات الاحقاق: 19/ 508.
و مثله في الفصول المهمّة: 204. عنه كشف الغمّة: 2/ 166.
(6) 38، عنه ملحقات الإحقاق: 19/ 508.
104
(13) الروضة النديّة: الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) كان فارس ميدان العلوم، غوّاص بحري المنطوق و المفهوم، نقل عنه أكثر الناس على اختلاف مذاهبهم من العلوم ما سارت به الركبان، و انتشر ذكره في سائر الأقطار و البلدان، و قد جمع أسماء من يروي عنه، فكانوا أربعة آلاف رجل. (1)
(14) أئمّة الهدى: كان الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) بحرا زاخرا في العلم، حيث أخذ عنه أربعة آلاف شيخ، فرووا عنه الحديث الشريف، و منهم أعلام العلم كالإمام الأعظم أبي حنيفة، و الإمام مالك بن أنس، و الإمام سفيان الثوري، و غيرهم من أجلّة العلماء. (1)
(15) مطالب السئول: استفاد منه- أي جعفر بن محمّد (عليهما السلام)- جماعة من الأئمّة و أعلامهم، مثل: يحيى بن سعيد الأنصاري، و ابن جريج، و مالك بن أنس، و الثوري، و ابن عيينة، و شعبة، و أيّوب السختياني، و غيرهم، و عدّوا أخذهم عنه منقبة شرّفوا بها، و فضيلة اكتسبوها. (2)
(9) باب نبذة ممّا ورد عنه (عليه السلام) في التوحيد
(1) الزينة في الكلمات الإسلاميّة العربيّة: قال (عليه السلام): أوّل ما خلق اللّه عزّ و جلّ اسم بالحروف غير مبثوت، و باللفظ غير منطق، و بالشخص غير مجسّد، و بالتسمية غير موصوف، و باللون غير مصبوغ، منفيّ مبعّد منه الحدود، محجوب عن حسّ كلّ متوهّم، مستتر غير مستور؛
فجعله كلمة تامّة على أربعة أجزاء معا، ليس منها واحد قبل الآخر، فأظهر منها ثلاثة أسماء لفاقة الخلق إليها، و حجب واحدا منها، و هو الاسم المكنون المخزون بهذه الأسماء الثلاثة الّتي أظهرت، فالظاهر هو اللّه عزّ و جلّ، و تبارك، و سبحان؛
لكلّ اسم من هذه أربعة أركان، فذلك اثنا عشر ركنا، ثمّ خلق لكلّ ركن ثلاثين اسما فعلا
____________
(1) 12، 117، عنه ملحقات الإحقاق: 12/ 218.
(2) 81، عنه ملحقات الإحقاق: 12/ 217.
أقول: تقدّم في باب جوامع فضائله و إقرار المخالف و المؤالف بفضله (عليه السلام) ص 81 ما يناسب المقام.
105
منسوبا إليها: فهو الرحمن، الرحيم، الملك، القدّوس، الخالق. (1)
(2) محاضرات الآداب: سئل جعفر بن محمّد (عليهما السلام) عن كيفيّة اللّه تعالى؛
فقال: نور لا ظلمة فيه، و حياة لاموت منها. (2)
(3) روض الرياحين: روينا عن الإمام الجليل ذي المجد الأثيل، سلالة النبوّة، معدن الفضائل و العلوم و الفتوّة جعفر الصادق (عليه السلام) أنّه قال:
من زعم أنّ سبحانه في شيء، أو من شيء، أو على شيء، فقد أشرك باللّه؛
إذ لو كان على شيء لكان محمولا، و لو كان في شيء لكان محصورا، و لو كان من شيء لكان محدثا، و تعالى اللّه عن ذلك.
نزهة المجالس و منتخب النفائس: (مثله).
طبقات الشافعيّة: روى شطرا من الحديث و هو قوله (عليه السلام):
لو كان اللّه في شيء لكان محصورا.
حاشية شرح الرسالة القشيريّة: (مثله) إلى قوله «فقد أشرك». (3)
(4) رسالة النصيحة أو النوريّة: جاء عن جعفر الصادق (عليه السلام) الّذي حكاه جابر بن حيّان أنّه كان يتكلّم في جميع العلوم عقيب الذكر.
و سأل بعض الفلاسفة في يوم حضوره للناس بمحضر الجميع منهم، فقال له:
ما دليلك على أنّ للعالم فاعلا مختارا يختار حدوثه؟
فقال: أ رأيت لو أنّا قدّرنا لهذا المحدث الّذي يختار و يدبّر الأكوان، و هو حكيم لا يفعل إلّا الأولى و يتقن المصنوعات، أيّ شيء كان يظهر في هذا الوجود؟
و هذا منّي على صورة الفرض، لا على أنّه على صورة الدليل.
قال له الفيلسوف: كان يفعل ما ينبغي، و يتقن الأشياء، و يضع كلّ شيء في محلّه.
قال له جعفر الصّادق: فقد كان ذلك، و ما قدّرته قد وقع. (4)
____________
(1) 129، عنه ملحقات الإحقاق: 12/ 220.
(2) 4/ 398، عنه ملحقات الإحقاق: 12/ 220.
(3) 244، 1/ 7، 5/ 209، 1/ 58. عنها ملحقات الإحقاق: 12/ 221.
(4) 9، عنه ملحقات الإحقاق: 12/ 222.
106
(5) و منه: جاء عنه- أي جعفر بن محمّد (عليهما السلام)-: أنّه كان يوما يذكر اللّه، فجاءه بعض الناس، فقال له: ما أقوى دليل على وجود اللّه الّذي أنت ذاكره؟ قال له: وجودي؛
و ذلك لأنّ وجودي حدث بعد أن لم يكن، بل فاعل يمتنع أن يقال: فاعل وجودي أنا؛
لأنّه لا يخلو إمّا أن يقال: أحدثت نفسي حال ما كنت موجودا أو حال ما كنت معدوما؛ فإن أحدثت نفسي حال ما كنت موجودا، فالموجود أيّ حالة له إلى الوجود؛
و إن أحدثت نفسي حال ما كنت معدوما، فالمعدوم كيف يكون موجدا للموجود؛
فدلّ على أنّ الّذي أنا ذاكره هو الّذي نشير إليه بالاشتقاق، و هو الصانع الفاعل لوجودي و وجود غيري، عزّ و جلّ، ظاهر لا بتأويل المباشرة، باطن لا بتأويل المباعدة، يسمع بغير آلة، و يبصر بغير حدقة، لا تحدّه الصفات، و لا تأخذه السنات، القديم وجوده، و الأبد أزله، الّذي أيّن الأين لا يقال له: أين كان. (1)
(6) ربيع الأبرار: قال رجل لجعفر بن محمّد (عليهما السلام):
ما الدليل على اللّه، و لا تذكر لي العالم و العرض و الجوهر؟
فقال له: هل ركبت البحر؟ قال: نعم.
قال: فهل عصفت بكم الريح حتّى خفتم الغرق؟ قال: نعم.
قال: فهل انقطع رجاؤك من المركب و الملّاحين؟ قال: نعم.
قال: فهل تتبّعت نفسك من ينجيك؟ قال: نعم.
قال: فإنّ ذلك هو اللّه، قال اللّه تعالى:
ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ (2) إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ (3). (4)
(7) إعلام الورى: روي أنّه سئل عن التوحيد و العدل، فقال (عليه السلام):
التوحيد: أن لا تجوّز على ربّك ما جاز عليك؛
و العدل: أن لا تنسب إلى خالقك ما لامك عليه.
و هذا يؤول في المعنى إلى قول أمير المؤمنين (عليه السلام):
____________
(1) 9، عنه ملحقات الإحقاق: 12/ 223.
(2) الإسراء: 67.
(3) النحل: 53.
(4) 113، عنه ملحقات الإحقاق: 12/ 222.
107
إنّ التوحيد [أن] لا تتوهّمه، و العدل أن لا تتّهمه. (1)
*** 10- باب علمه (عليه السلام) بالعربيّة
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن النضر بن سويد، عن عمرو بن أبي المقدام، قال:
رأيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يوم عرفة بالموقف، و هو ينادي بأعلى صوته:
«أيّها الناس! إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان الإمام، ثمّ كان عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، ثمّ الحسن، ثمّ الحسين، ثمّ عليّ بن الحسين، ثمّ محمّد بن عليّ، ثمّ هه»، فينادي ثلاث مرّات لمن بين يديه، و عن يمينه، و عن يساره، و من خلفه، اثني عشر صوتا.
و قال عمرو: لمّا أتيت «منى» سألت أصحاب العربيّة عن تعبير «هه» فقالوا: هه لغة بني فلان: «أنا فاسألوني» قال: ثمّ سألت غيرهم أيضا من أهل العربيّة، فقالوا مثل ذلك. (2)
11- باب علمه (عليه السلام) بالطبّ
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن عليّ بن النعمان، عن بعض أصحابنا، قال: شكوت إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) الوجع، فقال:
إذا أويت إلى فراشك فكل سكّرتين؛
____________
(1) 291.
أقول: هذه الأخبار هي غيض من فيض علمه (عليه السلام) في التوحيد، و له أخبار كثيرة في هذا الباب استقصينا معظمها في العوالم الخاصّ بالتوحيد، منها: الخبر المشهور بتوحيد المفضّل بن عمر، و الخبر المشتهر بالاهليلجة عوالم العلوم: 4/ 326- 382.
و يأتي ما يناسب المقام في أبواب مناظراته (عليه السلام) ص 487.
(2) تقدّم ص 82 ح 1.
109
4- و منه: (عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن محمّد بن أبي حمزة، عن إسحاق بن عمّار؛ و ابن أبي عمير) (1) عن ابن اذينة، قال:
شكى رجل إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) شقاقا في يديه و رجليه؛
فقال له: خذ قطنة فاجعل فيها بانا (2) وضعها على سرّتك.
فقال إسحاق بن عمّار: جعلت فداك، أن يجعل البان في قطنة، و يجعلها في سرّته؟!
فقال: أمّا أنت يا إسحاق فصبّ البان في سرّتك، فإنّها كبيرة.
قال ابن اذينة: لقيت الرجل بعد ذلك، فاخبرني أنّه فعله مرّة واحدة، فذهب عنه. (3)
5- و منه: (محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن بعض أصحابه رواه) (4) عن رجل من العامّة، قال: كنت اجالس أبا عبد اللّه (عليه السلام) فلا و اللّه ما رأيت مجلسا أنبل من مجالسه، فقال لي ذات يوم: من أين تخرج العطسة؟ فقلت: من الأنف.
فقال لي: أصبت الخطأ. فقلت: جعلت فداك، من أين تخرج؟ فقال: من جميع البدن، كما أنّ النطفة تخرج من جميع البدن، و مخرجها من الإحليل، ثمّ قال: أ ما رأيت الإنسان إذا عطس نفض (5) أعضاءه، و صاحب العطسة يأمن الموت سبعة أيّام. (6)
استدراك
الأخبار، الأئمّة، الصادق (عليه السلام):
(1) المحاسن: عن النضر بن سويد، عن عليّ بن صامت، عن ابن أخي شهاب بن عبد ربّه، قال: شكوت إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) ما ألقى من الأوجاع و التخم، فقال:
____________
(1) «بإسناده» ع.
(2) البان: ضرب من الشجر له حبّ حارّ يؤخذ منه الدهن، و قد يطلق البان على نفس الدهن.
(3) 6/ 523 ح 2، عنه البحار: 47/ 48 ح 75، و الوسائل: 1/ 457 ح 3.
(4) «بإسناده» ع.
(5) نفض: حرّك.
(6) 2/ 657 ح 23، عنه البحار: 47/ 47 ح 71، و ج 60/ 363 ح 6، و الوسائل: 8/ 462 ح 4، و حلية الأبرار: 2/ 162.
108
قال: ففعلت ذلك فبرأت، و أخبرت بعض المتطبّبين، و كان أفره (1) أهل بلادنا، فقال:
من أين عرف أبو عبد اللّه (عليه السلام) هذا؟ هذا من مخزون علمنا، أما إنّه صاحب كتب، ينبغي أن يكون أصابه في بعض كتبه. (2)
2- و منه: عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن إسماعيل بن مرّار، و غيره، عن يونس، عن هشام بن الحكم، عن زرارة، قال:
رأيت داية (3) أبي الحسن موسى (عليه السلام) تلقمه الارز و تضربه عليه، فغمّني ما رأيته.
فلمّا دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال لي: أحسبك غمّك الّذي رأيت من داية أبي الحسن موسى (عليه السلام)؟ فقلت له: نعم، جعلت فداك.
قال لي: نعم الطعام الأرز، يوسّع الأمعاء، و يقطع البواسير، و إنّا لنغبط أهل العراق بأكلهم الأرز و البسر (4) فإنّهما يوسّعان الأمعاء، و يقطعان البواسير. (5)
3- و منه: العدّة، عن البرقي، عن عليّ بن حسّان، عن عبد الرحمن بن كثير، قال:
كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فدخل عليه مهزم، فقال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام):
ادع لنا الجارية، تجيئنا بدهن و كحل، فدعوت بها، فجاءت بقارورة بنفسج، و كان يوما شديد البرد، فصبّ مهزم في راحته منها، ثمّ قال: جعلت فداك، هذا بنفسج و هذا البرد الشديد؟! فقال: و ما باله يا مهزم؟!
فقال: إنّ متطبّبينا بالكوفة يزعمون أنّ البنفسج بارد!
فقال: هو بارد في الصيف، ليّن حارّ في الشتاء. (6)
____________
(1) الفارة: الحاذق بالشيء.
(2) 8/ 265 ح 385، عنه البحار: 47/ 41 ح 52، و 66/ 300 ح 13، و الوسائل: 17/ 79 ح 3.
و رواه أيضا في ج 4/ 333 ح 5 عن أحمد بن محمّد (مثله).
(3) الداية: المرضعة الأجنبيّة. الحاضنة.
(4) البسر: التمر إذا لوّن و لم ينضج.
(5) 6/ 341 ح 2، عنه البحار: 47/ 42 ح 54، و الوسائل: 17/ 95 ح 2 و رواه في المحاسن: 2/ 503 ح 636 (مثله)، عنه البحار: 66/ 261 ح 5 و عن الكافي. يأتي ص 173 ح 1 (مثله).
(6) 6/ 521 ح 6، عنه البحار: 47/ 48 ح 74 و ج 62/ 222 ح 7، و الوسائل: 1/ 454 ح 6.
110
تغدّ و تعشّ و لا تأكل بينهما شيئا، فإنّ فيه فساد البدن، أ ما سمعت اللّه عزّ و جلّ يقول:
لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَ عَشِيًّا (1).
الكافي: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر ابن سويد، عن عليّ بن الصلت (2)، عن ابن أخي شهاب بن عبد ربّه (مثله). (3)
(2) المحاسن: عن ابن أبي عمير، عن هاشم بن سالم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:
مرضت مرضا شديدا، فأصابني بطن، فذهب جسمي؛
فأمرت بارز، فقلي، ثمّ جعل سويقا، فكنت آخذه فرجع جسمي. (4)
(3) و منه: عن محمّد بن عليّ، عن عمرو بن عثمان، عن أبي عمرو، عن رجل، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: خير تموركم البرنيّ، يذهب بالداء و لا داء فيه، و يشبع و يذهب بالبلغم، مع كلّ تمرة حسنة.
و في حديث آخر: يهنىء و يمرىء، و يذهب بالأعياء و يشبع.
الكافي: عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عمرو بن عثمان (مثله). (5)
(4) المحاسن: عن أبيه، عمّن ذكره، عن صباح الحذّاء، عن سماعة، قال:
قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) خلّ الخمر يشدّ اللثة، و يقتل دوابّ البطن، و يشدّ العقل؛ و رواه عن محمّد بن عليّ، عن أحمد بن محمّد، عن صباح الحذّاء؛
الكافي: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن سماعة
____________
(1) مريم: 62.
(2) في المحاسن «عليّ بن الصامت» و كلاهما وارد، راجع معجم رجال الحديث: 12/ 67، 68.
(3) 2/ 420 ح 196، 6/ 288 ح 2، و رواه في طبّ الأئمّة: 72 مثله، و أخرجه في الوسائل: 16/ 466 ح 1 عن الكافي، و في البحار: 66/ 342 ح 5 عن المحاسن و الطبّ.
(4) 2/ 503 ح 630، عنه الوسائل: 17/ 96 ح 10، و البحار: 62/ 174 ح 5.
(5) 2/ 533 ح 794، 6/ 345 ح 5، و أخرجه في الوسائل: 17/ 105 ح 1 عن الكافي، و في البحار:
62/ 203 و ج 66/ 133 ح 33 عن المحاسن.
112
الكافي: عليّ بن محمّد، عن محمّد بن أحمد بن أبي محمود، رفعه إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) (مثله). (1)
(9) طبّ الأئمّة: الحسين بن بسطام، عن حفص بن عمر، عن القاسم بن محمّد، عن إسماعيل بن أبي الحسن، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام):
خير ما تداويتم به الحجامة و السعوط (2) و الحمّام و الحقنة. (3)
(10) و منه: عبد اللّه و الحسين ابنا بسطام، قالا: حدّثنا محمّد بن خلف، قال:
حدّثنا [محمّد] الوشّاء، قال: حدّثنا عبد اللّه (4) بن سنان، قال:
شكى رجل إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) الوضح و البهق (5)، فقال:
ادخل الحمّام، و اخلط الحنّاء بالنورة، و أطل بهما فإنّك لا تعاين بعد ذلك شيئا.
قال الرجل: فو اللّه ما فعلته إلّا مرّة واحدة، فعافاني اللّه منه، و ما عاد بعد ذلك. (6)
(11) و منه: أبو جعفر أحمد بن محمّد، قال: حدّثنا أبي محمّد بن خالد، عن محمّد ابن سنان [السناني] (7)، عن المفضّل بن عمر، قال:
سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)، قلت: يا ابن رسول اللّه! إنّه يصيبني ربو (8) شديد إذا مشيت حتّى لربّما جلست في مسافة ما بين داري و دارك في موضعين.
قال: [يا] مفضّل! اشرب له أبوال اللقاح (9).
قال: فشربت ذلك، فمسح اللّه دائي. (10)
____________
(1) 2/ 571 ح 11، 6/ 383 ح 2. أخرجه في الوسائل: 17/ 91 ح 2 عن الكافي، و في البحار: 66/ 455 ح 38 عن المحاسن.
(2) السعوط: الدواء يصبّ في الأنف.
(3) 68، عنه الوسائل: 17/ 181 ح 3، و البحار: 62/ 117 ح 31.
(4) «محمّد» خ ل. و كلاهما وارد، راجع معجم رجال الحديث: 10/ 212، و ج 16/ 168.
(5) الوضح: البرص. و البهق: بياض في الجسد لا من برص.
(6) 82، عنه البحار: 62/ 211 ح 4.
(7) من المصدر.
(8) الربو: النفس العالي.
(9) اللقاح: الناقة الحلوب الغزيرة اللبن.
(10) 109، عنه البحار: 62/ 182 ح 5، و الوسائل: 17/ 88 ح 8.
111
(مثله). (1)
(5) المحاسن: عن موسى بن القاسم، عن يحيى بن مساور، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، و عن صفوان بن يحيى، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:
السويق يجرد المرّة و البلغم [من المعدة] جردا، و يدفع سبعين نوعا من أنواع البلاء؛
الكافي: عليّ بن محمّد بن بندار، عن أحمد بن أبي عبد اللّه (مثله). (2)
(6) المحاسن: عن ابن محبوب، عن عبد العزيز العبدي، قال:
قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): الجبن و الجوز في كلّ واحد منهما الشفاء، و إن افترقا كان في كلّ واحد منهما الداء.
الكافي: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد (مثله). (3)
(7) المحاسن: عن أبيه، عن يونس، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:
لو يعلم الناس ما في التفّاح ما داووا مرضاهم إلّا به.
و عنه، عن بعضهم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:
أطعموا محموميكم التفّاح فما من شيء أنفع من التفّاح.
الكافي: عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد اللّه (مثله). (4)
(8) المحاسن: عن منصور بن العبّاس، عن سعيد بن جناح، عن أحمد بن عمر، عن الحلبي- رفعه- قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) و هو يوصي رجلا، فقال:
أقلل من شرب الماء، فإنّه يمدّ كلّ داء، و اجتنب الدواء ما احتمل بدنك الداء.
____________
(1) 2/ 487 ح 550، 6/ 330 ح 9. و أخرجه في الوسائل: 17/ 69 ح 2 عن الكافي.
(2) 2/ 489 ح 567، 6/ 306 ح 11، عنهما الوسائل: 17/ 6 ح 6. و أخرجه في البحار: 66/ 279 ح 18 عن الكافي. و ما بين المعقوفتين من الكافي.
(3) 2/ 495 ح 595 و ص 497 ح 604، الكافي: 6/ 340 ح 2، عنهما الوسائل: 17/ 93 ح 1، و أخرجه في البحار: 66/ 106 ح 13 عن المحاسن و المكارم: 192، و في ص 198 ح 3 عن المحاسن.
(4) 2/ 551 ح 891 و 892، 6/ 356 ح 10. و رواه في طبّ الأئمّة: 66 بإسناده إلى الوشّاء (مثله).
و أخرجه في البحار: 66/ 172 ح 22 و 23 عن المحاسن، و في الوسائل: 17/ 127 ح 4.
113
(12) و منه: عن محمّد بن أبي نصر (1)، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:
شكوت إليه هيجانا في رأسي و أضراسي، و ضربانا في عيني حتى تورّم وجهي منه؛
فقال (عليه السلام): عليك بهذا الهندباء، فاعصره و خذ ماءه، و صبّ عليه من هذا السكّر الطبرزد، و أكثر منه، فإنّه يسكّنه و يدفع ضرره. قال: فانصرفت إلى منزلي، فعالجته من ليلتي قبل أن أنام، و شربت و نمت عليه، فأصبحت و قد عوفيت بحمد اللّه و منّه. (2)
*** 12- باب علمه (عليه السلام) ب [حقيقة الرؤيا، و تعبيرها]
الأخبار، الأصحاب:
1- الخرائج و الجرائح: روي أنّ أبا عمارة المعروف بالطيّار، قال:
قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) رأيت في النوم كأنّ معي قناة، قال: كان فيها زجّ (3)؟ قلت: لا.
قال: لو رأيت فيها زجّا لولد لك غلام، لكن تولد جارية. ثمّ مكث ساعة [يتحدّث]، ثمّ قال: كم في القناة من كعب (4)؟ قلت: اثنا عشر كعبا. قال: تلد الجارية اثنتي عشرة بنتا.
قال محمّد بن يحيى: فحدّثت بهذا الحديث العبّاس بن الوليد، فقال:
أنا من واحدة منهنّ، و لي إحدى عشرة خالة، و أبو عمارة جدّي (5). (6)
____________
(1) «محمّد بن أبي بصير» ب، تصحيف. راجع معجم رجال الحديث: 14/ 316.
(2) 139، عنه البحار: 66/ 209 ذ ح 22.
أقول: هذه نبذة من علمه (عليه السلام) في الطبّ، و قد أفرد المصنّف (ره) في هذه الموسوعة من عوالم العلوم مجلّدا خاصّا في الطبّ ج 37، و قد استقصينا في المستدركات جميع الأخبار و الأحاديث، و هو الآن قيد الطبع.
(3) «القناة: الرمح» «الزجّ- بالضمّ-: الحديد في أسفله».
(4) «الكعب: ما بين الانبوبين من القصب» منه ره.
(5) «سيأتي بعض أخبار هذه الأبواب في أبواب مناظراته (عليه السلام) [ص 569] مع علماء كلّ فنّ إن شاء اللّه تعالى» منه ره.
(6) 2/ 638 ح 43، عنه البحار: 47/ 22 ح 21، و ج 61/ 159 ح 6.
114
استدراك (1) المحاسن: عن أبيه، عن صفوان، عن داود، عن أخيه عبد اللّه، قال:
بعثني إنسان إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) زعم أنّه يفزع في منامه من امرأة تأتيه، قال: فصحت حتّى سمع الجيران، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام):
اذهب فقل: إنّك لا تؤدّي الزكاة، قال: بلى و اللّه إنّي لاؤدّيها.
فقال: قل له: إن كنت تؤدّيها لا تؤدّيها إلى أهلها. (1)
(2) الكافي: عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سمعته يقول:
رأي المؤمن و رؤياه في آخر الزمان على سبعين جزء من أجزاء النبوّة. (2)
(3) كتاب المؤمن للحسين بن سعيد: بإسناده، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:
إنّ المؤمن رؤياه (3) جزء من سبعين جزء من النبوّة، و منهم من يعطى على الثلاث (4). (5)
(4) الكافي: عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن سعد بن أبي خلف، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: الرؤيا على ثلاثة وجوه:
بشارة من اللّه للمؤمن، و تحذير من الشيطان، و أضغاث أحلام. (6)
(5) و منه: العدّة، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عن النضر بن سويد، عن درست بن أبي منصور، عن أبي بصير، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): جعلت فداك، الرؤيا الصادقة و الكاذبة مخرجهما من موضع واحد؟ قال: صدقت (7).
أمّا الكاذبة المختلفة، فإنّ الرجل يراها في أوّل ليله في سلطان المردة الفسقة، و إنّما هي
____________
(1) 1/ 87 ح 27، عنه البحار: 61/ 159 ح 5. و أخرجه في الوسائل: 6/ 151 ح 6، و البحار: 96/ 21 ح 5 عن المحاسن، و عقاب الأعمال: 280. يأتي ص 1013 ح 1 (مثله).
(2) 8/ 90 ح 58، عنه البحار: 61/ 177 ح 40.
(3) «رأي المؤمن و رؤياه» ب.
(4) «الثلث» ب.
(5) 35 ح 71، عنه البحار: 61/ 191 ح 59. و يأتي نحوه ح 4، عن الكافي.
(6) 8/ 90 ح 61، عنه البحار: 61/ 180 ح 42.
(7) كذا.
115
شيء يخيّل إلى الرجل، و هي كاذبة مخالفة لا خير فيها.
و أمّا الصادقة إذا رآها بعد الثلثين من الليل مع حلول الملائكة، و ذلك قبل السحر، فهي صادقة لا تختلف إن شاء اللّه، إلّا أن يكون جنبا أو ينام على غير طهر، أو لم يذكر اللّه عزّ و جلّ حقيقة ذكره، فإنّها تختلف و تبطئ على صاحبها. (1)
(6) و منه: بالإسناد الآتي ص 489 ح 5:
و جاء موسى الزوّار العطّار إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال له: يا ابن رسول اللّه! رأيت رؤيا هالتني: رأيت صهرا لي ميّتا و قد عانقني، و قد خفت أن يكون الأجل قد اقترب.
فقال: يا موسى! توقّع الموت صباحا و مساء، فإنّه ملاقينا؛
و معانقة الأموات للأحياء أطول لأعمارهم، فما كان اسم صهرك؟ قال: حسين.
فقال: أما إنّ رؤياك تدلّ على بقائك و زيارتك أبا عبد اللّه، فإنّ كلّ من عانق سميّ الحسين (عليه السلام) يزوره إن شاء اللّه تعالى. (2)
(7) و منه: إسماعيل بن عبد اللّه القرشي، قال:
أتى إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) رجل، فقال له: يا ابن رسول اللّه! رأيت في منامي كأنّي خارج من مدينة الكوفة في موضع أعرفه، و كأنّ شبحا من خشب، أو رجلا منحوتا من خشب على فرس من خشب يلوّح بسيفه، و أنا اشاهده فزعا [مذعورا] مرعوبا.
فقال (عليه السلام): أنت رجل تريد اغتيال رجل في معيشته، فاتّق اللّه الّذي خلقك ثمّ يميتك.
فقال الرجل: أشهد أنّك قد اوتيت علما و استنبطته من معدنه، اخبرك يا ابن رسول اللّه عمّا قد فسّرت لي: إنّ رجلا من جيراني جاءني و عرض عليّ ضيعته، فهممت أن أملكها بوكس (3) كثير لما عرفت أنّه ليس لها طالب غيري.
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): و صاحبك يتولّانا و يبرأ من عدوّنا؟
فقال: نعم يا ابن رسول اللّه، رجل جيّد البصيرة، مستحكم الدين، و أنا تائب إلى اللّه عزّ و جلّ و إليك ممّا هممت به و نويته، فأخبرني يا ابن رسول اللّه، لو كان ناصبيّا حلّ لي اغتياله؟
____________
(1) 8/ 91 ح 62، عنه البحار: 61/ 193 ح 75، و البرهان: 4/ 305 ح 7.
(2) 8/ 293 ذ ح 447 و 448، عنه البحار: 61/ 163 ضمن ح 12.
(3) الوكس: النقص.
117
و المستمع بين قوم و هم له كارهون، يصبّ في اذنيه «الآنك» و هو الاسرب. (1)
(11) قرب الإسناد: عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن زياد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: من رأى أنّه في الحرم، و كان خائفا، أمن. (2)
(12) الاختصاص: قال الصادق (عليه السلام):
إذا كان العبد على معصية اللّه عزّ و جلّ، و أراد اللّه به خيرا، أراه في منامه رؤيا تروّعه، فينزجر بها عن تلك المعصية، و إنّ الرؤيا الصادقة جزء من سبعين جزء من النبوّة. (3)
(13) دعوات الراوندي: حدّث أبو بكر بن عيّاش، قال:
كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فجاءه رجل، فقال:
رأيتك في النوم كأنّي أقول لك: كم بقي من أجلي؟
فقلت لي بيدك هكذا- و أومأ إلى خمس- و قد شغل ذلك قلبي.
فقال (عليه السلام): إنّك سألتني عن شيء لا يعلمه إلّا اللّه عزّ و جلّ، و هي خمس تفرّد اللّه بها؛ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَ يَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (4). (5)
***
____________
(1) 266 ح 1، عنه الوسائل: 12/ 221 ح 8 (قطعة) و البحار: 7/ 218 ح 128، و ج 61/ 182 ح 47 و ج 76/ 350 ح 14.
(2) 40، عنه الوسائل: 9/ 338 ح 9، و البحار: 61/ 159 ح 3.
(3) 234، عنه البحار: 61/ 167 ح 19.
(4) لقمان: 34.
(5) 239 ح 671، عنه البحار: 61/ 160 ح 9، و ج 82/ 172.
أقول: أمّا علومه (عليه السلام) في القرآن، تنزيله، تفسيره، تأويله و ...
و علومه في موسوعة الفقه الإسلامي على مذهب أهل البيت (عليهم السلام)؛
و أحوال أصحابه، تلامذته، و رواته و تقييمه (عليه السلام) لبعضهم؛
فلها مجلّدات كبار في موسوعات «العوالم» و «جامع الأخبار و الآثار» و «و المعجم الرجالي الكبير» و كلّها قيد التحقيق و الطبع.
118
13- باب بعض ما روي عنه (عليه السلام) من الأشعار
الأخبار، م:
1- المناقب لابن شهرآشوب: روي عن الصادق (عليه السلام):
تعصي الإله و أنت تظهر حبّه؟ * * * هذا لعمرك في الفعال بديع
لو كان حبّك صادقا لأطعته * * * إنّ المحبّ لمن يحبّ مطيع
و له (عليه السلام):
علم المحجّة واضح لمريده * * * و أرى القلوب عن المحجّة في عمى
و لقد عجبت لهالك و نجاته * * * موجودة و لقد عجبت لمن نجا
تفسير الثعلبي، روى الأصمعي له (عليه السلام):
أثامن (1)بالنفس النفيسة ربّها * * * فليس لها في الخلق كلّهم ثمن
بها يشترى الجنّات إن أنا بعتها * * * بشيء سواها إنّ ذلكم غبن
إذا ذهبت نفسي بدنيا أصبتها * * * فقد ذهبت نفسي و قد ذهب الثمن (2)
2- و منه: و روى سفيان الثوري له (عليه السلام):
لا اليسر يطرؤنا (3)يوما فيبطرنا * * * و لا لأزمة (4) دهر نظهر الجزعا
إن سرّنا الدهر لم نبهج لصحبته * * * أو ساءنا الدهر لم نظهر له الهلعا
مثل النجوم على مضمار أوّلنا * * * إذا تغيّب نجم آخر طلعا
____________
(1) «اثامن: من المثامنة بمعنى المبايعة» منه ره.
(2) 3/ 395، عنه البحار: 47/ 24 ضمن ح 26.
(3) «يطرقنا» م. يقال: طرأ عليه أمر: فاجأه.
(4) «الأزمة- بالفتح-: الشدّة» منه ره.
119
و يروى له (عليه السلام):
اعمل على مهل (1)فإنّك ميّت * * * و اختر لنفسك أيّها الإنسانا
فكأنّ ما قد كان لم يك إذ مضى * * * و كأنّ ما هو كائن قد كانا
3- و منه: و يروى له (عليه السلام):
في الأصل كنّا نجو ما يستضاء بنا * * * و للبريّة نحن اليوم برهان
نحن البحور الّتي فيها لغائصكم * * * درّ ثمين و ياقوت و مرجان
مساكن القدس و الفردوس نملكها * * * و نحن للقدس و الفردوس خزّان
من شذّ عنّا فبرهوت (2)مساكنه * * * و من أتانا فجنّات و ولدان (3)
استدراك (1) كشف الغمّة: إبراهيم بن مسعود، قال:
كان رجل من التجّار يختلف إلى جعفر بن محمّد (عليه السلام) يخالطه (4) و يعرّفه بحسن حاله؛ فتغيّر حاله، فجعل يشكو إلى جعفر (عليه السلام)، فقال له:
فلا تجزع و إن أعسرت يوما * * * فقد أيسرت في زمن طويل
و لا تيأس فإنّ اليأس كفر * * * لعلّ اللّه يغني عن قليل
و لا تظننّ بربّك ظنّ سوء * * * فإنّ اللّه أولى بالجميل (5)
***
____________
(1) «قوله (عليه السلام): اعمل على مهل: أي للدنيا» منه ره.
(2) واد باليمن. قيل: هو بقرب حضرموت، جاء أنّ فيه أرواح الكفّار (مراصد الاطلاع: 1/ 190).
(3) 3/ 396، عنه البحار: 47/ 26 ضمن ح 26.
(4) «يخاطبه» ب.
(5) 2/ 162، عنه البحار: 78/ 203 ح 36. و تأتي أربع أبيات تروى له (عليه السلام) ص 125.
تقدّم ص 102 ذ ح 7، و يأتي ص 189 ح 2 ما يناسب المقام.
116
فقال: أدّ الأمانة لمن ائتمنك و أراد منك النصيحة، و لو إلى قاتل الحسين! (1)
(8) و منه: عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن اذينة:
إنّ رجلا دخل على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال:
رأيت كأنّ الشمس طالعة على رأسي دون جسدي.
فقال: تنال أمرا جسيما، و نورا ساطعا، و دينا شاملا، فلو غطّتك لانغمست فيه، و لكنّها غطّت رأسك، أ ما قرأت:
فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي (2) فلمّا أفلت تبرّأ منها إبراهيم (عليه السلام).
قال: قلت: جعلت فداك، إنّهم يقولون إنّ الشمس خليفة أو ملك؟
فقال: ما أراك تنال الخلافة، و لم يكن في آبائك و أجدادك ملك، و أيّ خلافة و ملوكيّة أكبر من الدين و النور ترجو به دخول الجنّة، إنّهم يغلطون.
قلت: صدقت، جعلت فداك. (3).
(9) أمالي الصدوق: عن الحسين بن إبراهيم بن ناتانة، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم الكرخي، قال:
قلت للصادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام): إنّ رجلا رأى ربّه عزّ و جلّ في منامه!
فما يكون ذلك؟ فقال: ذلك رجل لا دين له؛
إنّ اللّه تبارك و تعالى لا يرى في اليقظة، و لا في المنام، و لا في الدنيا، و لا في الآخرة. (4)
(10) ثواب الأعمال: عن محمّد بن الحسن، عن محمّد بن الحسن الصفّار، عن يعقوب بن يزيد، عن محمّد بن الحسن المثنّى، عن هشام بن أحمر و عبد اللّه بن مسكان و محمّد بن مروان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: ثلاثة يعذّبون يوم القيامة:
من صوّر صورة من الحيوان يعذّب حتّى ينفخ فيها و ليس بنافخ فيها؛
و الّذي يكذب في منامه يعذّب حتّى يعقد بين شعيرتين و ليس بعاقدهما؛
____________
(1) 8/ 293 ذ ح 447 و 448، عنه البحار: 61/ 163 ضمن ح 12.
(2) الأنعام: 78.
(3) 8/ 291 ح 445، عنه البحار: 61/ 161 ح 10.
(4) 488 ح 5، عنه البحار: 61/ 167 ح 21. و أورده في روضة الواعظين: 34 مرسلا.
120
13- باب عبادته (عليه السلام)
الأخبار، الأئمّة، الصادق (عليه السلام):
1- الكافي: العدّة، عن أحمد بن محمّد، عن ابن فضّال، عن الحسن بن الجهم، عن منصور، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:
مرّ بي أبي و أنا بالطواف، و أنا حدث (1) و قد اجتهدت في العبادة، فرآني و أنا أتصابّ عرقا، فقال لي: يا جعفر! يا بني! إنّ اللّه إذا أحبّ عبدا أدخله الجنّة، و رضي منه باليسير. (2)
2- و منه، عليّ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حفص بن البختري و غيره، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: اجتهدت في العبادة و أنا شابّ، فقال لي أبي:
يا بنيّ! دون ما أراك تصنع (3)، فإنّ اللّه عزّ و جلّ إذا أحبّ عبدا رضي منه باليسير. (4)
الأصحاب:
3- الكافي: عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، و عليّ بن محمّد، جميعا، عن القاسم بن محمّد، عن سليمان بن داود، عن حفص بن غياث، قال:
رأيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يتخلّل بساتين الكوفة، فانتهى إلى نخلة، فتوضّأ عندها، ثمّ ركع و سجد، فأحصيت في سجوده خمسمائة تسبيحة؛
ثمّ استند إلى النخلة، فدعا بدعوات، ثمّ قال:
يا حفص! إنّها- و اللّه- النخلة الّتي قال- اللّه- جلّ ذكره لمريم (عليها السلام):
وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا (5). (6)
____________
(1) أي شابّ.
(2) 2/ 86 ح 4، عنه البحار: 47/ 55 ح 94، و ج 71/ 213 ح 6، و الوسائل:
1/ 82 ح 3، و حلية الأبرار: 2/ 172. و أورده في تنبيه الخواطر: 2/ 172 عن أبي بصير (مثله).
(3) قال في مرآة العقول: 8/ 111 «دون ما أراك تصنع» دون منصوب بفعل مقدّر، أي اصنع دون ذلك.
(4) 7/ 87 ح 5، عنه البحار: 47/ 55 ح 95، و ج 71/ 213 ح 7، و الوسائل: 1/ 82 ح 1.
و أورده في تنبيه الخواطر: 2/ 187 عنه (عليه السلام).
(5) مريم: 25.
(6) 8/ 143 ح 111، عنه البحار: 14/ 208 ح 5، و ج 47/ 37 ح 38، و الوسائل: 4/ 979 ح 6، و مدينة المعاجز: 408 ح 91، و البرهان: 3/ 9 ح 2.
121
4- مهج الدعوات: قال الربيع (في حديث):
فصرت إلى بابه، فوجدته في دار خلوته، فدخلت عليه من غير استيذان، فوجدته معفّرا خدّيه، مبتهلا بظهر يديه، قد أثّر التراب في وجهه و خدّيه (الخبر). (1)
استدراك (1) الخرائج و الجرائح: عن منصور الصيقل- في حديث يأتي ص 239 ح 20، و فيه-: فإذا أنا بأبي عبد اللّه ساجدا، فجلست حتّى مللت، ثمّ قلت:
لاسبّحنّ ما دام ساجدا، فقلت «سبحان ربّي و بحمده، أستغفر ربّي و أتوب إليه» ثلاثمائة مرّة و نيّفا و ستّين مرّة، فرفع رأسه! ...
(2) مالك، حياته و عصره و آرائه و فقهه: قال مالك: و لقد اختلفت إليه (عليه السلام) زمانا؛
فما كنت أراه إلّا على ثلاث خصال: إمّا مصلّيا، و إمّا صائما، و إمّا يقرأ القرآن؛
و ما رأيته قطّ يحدّث عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلّا على الطهارة، و لا يتكلّم فيما لا يعنيه؛
و كان من العلماء العبّاد الزهّاد الّذين يخشون اللّه؛
و ما رأيته قطّ إلّا يخرج الوسادة من تحته، و يجعلها تحتي. (2)
*** 14- باب جوده و سخائه و تصدّقاته (عليه السلام)
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، قال: كان أبو عبد اللّه (عليه السلام) إذا أعتم (3) و ذهب من الليل شطره، أخذ جرابا فيه خبز و لحم و دراهم، فحمله على عنقه، ثمّ ذهب به إلى أهل الحاجة من أهل المدينة فقسّمه فيهم و لا
____________
(1) 175، عنه البحار: 47/ 188 ضمن ح 36.
(2) 104، عنه ملحقات إحقاق الحقّ: 12/ 229.
(3) «أعتم: أي دخل في عتمة الليل، و هي ظلمته» منه ره.
122
يعرفونه، فلمّا مضى أبو عبد اللّه (عليه السلام) فقدوا ذلك فعلموا أنّه كان أبو عبد اللّه (صلوات اللّه عليه). (1)
2- ثواب الأعمال: أبي، عن السعدآبادي، عن البرقي، عن أبيه، عن سعدان بن مسلم، عن معلّى بن خنيس، قال: خرج أبو عبد اللّه (عليه السلام) في ليلة قدر، شتّ (2) السماء، و هو يريد ظلّة بني ساعدة، فاتّبعته فإذا هو قد سقط منه شيء، فقال: بسم اللّه اللهمّ ردّه علينا.
قال: فأتيته فسلّمت عليه، فقال: [أنت] معلّى؟ قلت: نعم جعلت فداك؛
فقال لي: التمس بيدك، فما وجدت من شيء فادفعه إليّ.
قال: فإذا أنا بخبز منتشر، فجعلت أدفع إليه ما وجدت، فإذا أنا بجراب (3) من خبز.
فقلت: جعلت فداك، أحمله عنك؟
فقال: لا، أنا أولى به منك، و لكن امض معي.
قال: فأتينا ظلّة بني ساعدة، فإذا نحن بقوم نيام، فجعل يدسّ (4) الرغيف و الرغيفين تحت ثوب كلّ واحد حتّى أتى على آخرهم، ثمّ انصرفنا؛
فقلت: جعلت فداك، يعرف هؤلاء الحقّ؟
فقال: لو عرفوا لواسيناهم بالدقّة (4)- و الدقّة هي الملح-.
الكافي: عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن خالد (مثله) (5). (6)
3- الكافي: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن أبيه، عن عليّ بن وهبان، عن عمّه، عن هارون بن عيسى، قال، قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) لمحمّد ابنه:
____________
(1) 4/ 8 ح 1، عنه البحار: 47/ 38 ح 40، و الوسائل: 6/ 278 ح 1، و حلية الأبرار: 2/ 178.
(2) «شتّ: أي أمطرت» منه ره.
(3) الجراب: وعاء من إهاب شاة يوعى فيه الحبّ و الدقيق و نحوهما.
(4) «الدسّ: الإخفاء» «الدقة- بالكسر-: الملح المدقوق».
(5) «و تمام الخبر في باب الصدقة إن شاء اللّه تعالى» منه ره.
(6) 173 ح 2، 4/ 8 ح 3، عنهما البحار: 47/ 20 ح 17، 18، و الوسائل: 6/ 278 ح 2 و ص 284 ح 1. و أورده في التهذيب: 4/ 105 ح 34، عنه الوسائل: 6/ 279 ح 2.
و أخرجه في البحار: 96/ 125 ح 39 عن ثواب الأعمال.
124
كان جعفر بن محمّد (عليه السلام) يطعم حتّى لا يبقى لعياله شيء. (1)
7- المناقب لابن شهرآشوب: ذكر صاحب كتاب الحلية:
الإمام الناطق، ذو الزمام السابق، أبو عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام)؛
و ذكر فيها بالإسناد، عن هيّاج (2) بن بسطام قال:
كان جعفر بن محمّد (عليه السلام) يطعم حتّى لا يبقى لعياله شيء. (3)
أبو جعفر الخثعمي، قال: أعطاني الصادق (عليه السلام) صرّة، فقال لي: ادفعها إلى رجل من بني هاشم، و لا تعلمه أنّي أعطيتك شيئا. قال: فأتيته، قال: جزاه اللّه خيرا، ما يزال كلّ حين يبعث بها فنعيش به إلى قابل، و لكن لا يصلني جعفر بدرهم في كثرة ماله! (4)
و في كتاب الفنون: نام رجل من الحاجّ في المدينة، فتوهّم أنّ هميانه (5) سرق [فخرج] فرأى جعفر الصادق (عليه السلام) مصلّيا و لم يعرفه، فتعلّق به، و قال له:
أنت أخذت همياني، قال: ما كان فيه؟ قال: ألف دينار.
قال: فحمله إلى داره، و وزن له ألف دينار، و عاد إلى منزله، و وجد هميانه، فعاد إلى جعفر (عليه السلام) معتذرا بالمال، فأبى قبوله، و قال: شيء خرج من يدي لا يعود إليّ، قال:
فسأل الرجل عنه، فقيل: هذا جعفر الصادق (عليه السلام)، قال: لا جرم هذا فعال مثله. (6)
____________
(1) 2/ 157، عنه البحار: 47/ 33 ح 30؛ و أخرجه في الإحقاق: 12/ 230 عن حلية الأولياء: 3/ 194 و التذكرة لابن الجوزي: 352، و مطالب السئول لابن طلحة الشافعي: 582. و في المناقب لابن شهرآشوب: 3/ 394 عن حلية الأولياء، و في حلية الأبرار: 2/ 178 عن مطالب السئول.
(2) «أبي الهيّاج» م، ع، ب، تصحيف. ترجم له في ميزان الاعتدال: 4/ 318، و قال: مات سنة سبع و سبعين و مائة.
(3) حلية الأولياء: 3/ 193 و 194.
(4) يأتي ص 188 (مثله) عن أمالي الطوسي.
(5) الهميان: كيس تجعل فيه النفقة و يشدّ على الوسط.
(6) أورد هذا الخبر في الرسالة القشيريّة: 114، و في مفيد العلوم و مبيد الهموم: 244، و في نتاج الأفكار القدسيّة: 3/ 173، و في الإرشاد و التطريز: 111، و في كتاب الفتوّة: 263؛
و في التحفة المرضيّة في الأخبار القدسيّة و الأحاديث النبويّة: 129 و نزهة المجالس و منتخب النفائس: 2241، عنها ملحقات إحقاق الحقّ: 12/ 231.
123
يا بنيّ كم فضل معك من تلك النفقة؟
قال: أربعون دينارا. قال: أخرج فتصدّق بها.
قال: إنّه لم يبق معي غيرها! قال: تصدّق بها، فإنّ اللّه عزّ و جلّ يخلفها؛
أ ما علمت أنّ لكلّ شيء مفتاحا، و مفتاح الرزق الصدقة!؟ فتصدّق بها.
ففعل فما لبث أبو عبد اللّه (عليه السلام) عشرة أيّام حتّى جاءه من موضع أربعة آلاف دينار، فقال:
يا بنيّ! أعطينا للّه أربعين دينارا، فأعطانا اللّه أربعة آلاف دينار. (1)
4- محاسن البرقي: ابن فضّال، عن يونس بن يعقوب، قال:
أرسل إلينا أبو عبد اللّه (عليه السلام) بقباع (2) من رطب ضخم مكوّم، و بقي شيء فحمض.
فقلت: رحمك اللّه، ما كنّا نصنع بهذا؟ قال: كل و أطعم. (3)
5- رجال الكشّي: عن طاهر بن عيسى، عن جعفر بن أحمد، عن أبي الخير، عن عليّ بن الحسن، عن العبّاس بن عامر، عن مفضّل بن قيس بن رمّانة، قال:
دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فشكوت إليه بعض حالي و سألته الدعاء، فقال:
يا جارية! هاتي الكيس الّذي وصلنا به أبو جعفر (4)، فجاءت بكيس؛
فقال: هذا كيس فيه أربعمائة دينار، فاستعن به.
قال: قلت: لا و اللّه جعلت فداك، ما أردت هذا، و لكن أردت الدعاء لي.
فقال لي: و لا أدع الدعاء، و لكن لا تخبر الناس بكلّ ما أنت فيه، فتهون عليهم. (5)
6- كشف الغمّة: عن محمّد بن طلحة، قال: قال الهيّاج بن بسطام:
____________
(1) 4/ 9 ح 3، عنه البحار: 47/ 38 ح 41، و الوسائل: 6/ 257 ح 9.
(2) «القباع، كغراب: مكيال ضخم» منه ره.
(3) 2/ 401 ح 87، عنه البحار: 47/ 23 ح 25.
(4) المراد به أبو الدوانيق كما في المصدر ص 183 ح 320.
(5) 184 ح 322، عنه البحار: 47/ 34 ح 31، و رواه في الكافي: 4/ 21 ح 7 عن عليّ بن محمّد، و أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحسن، عنه الوسائل: 12/ 158 ح 9.
125
و دخل الأشجع السلمي على الصادق (عليه السلام) فوجده عليلا، فجلس و سأل [عن علّة مزاجه] فقال له الصادق (عليه السلام): تعدّ (1) عن العلّة، و اذكر ما جئت له، فقال:
ألبسك اللّه منه عافية * * * في نومك المعترى و في أرقك (2)
تخرج من جسمك السقام كما * * * اخرج ذلّ الفعال من عنقك
فقال: يا غلام! أيّش معك؟ قال: أربع مائة. قال: أعطها للأشجع.
و في عروس النرماشيري: إنّ سائلا سأله حاجة، فأسعفها (3)، فجعل السائل يشكره، فقال (عليه السلام):
إذا ما طلبت خصال الندى * * * و قد عضّك (4)الدهر من جهده
فلا تطلبنّ إلى كالح (5) * * * أصاب اليسارة من كدّه
و لكن عليك بأهل العلى * * * و من ورّث المجد عن جدّه
فذاك إذا جئته طالبا * * * تحبّ اليسارة من جدّه (6)
استدراك (1) الكافي: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن عمر بن يزيد قال: رأيت مسمعا (7) بالمدينة، و قد كان حمل إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) تلك السنة مالا؛
فردّه أبو عبد اللّه (عليه السلام)، فقلت له: لم ردّ عليك أبو عبد اللّه المال الّذي حملته إليه؟
قال: فقال لي: إنّي قلت له حين حملت إليه المال: إنّي كنت ولّيت البحرين الغوص، فأصبت أربعمائة ألف درهم، و قد جئتك بخمسها بثمانين ألف درهم، و كرهت أن أحبسها
____________
(1) عدّى فلان عن الأمر: خلّاه و انصرف عنه.
(2) الأرق: السهر.
(3) الإسعاف: الإعانة و قضاء الحاجة. يقال: سعفه بحاجته: قضاها له.
(4) عضّه الزمان: اشتدّ عليه.
(5) الكلوح: العبوس.
(6) 3/ 394 و 395، عنه البحار: 47/ 23 ح 26، و روى قطعة منه في أمالي ابن الشيخ: 2/ 290، عنه البحار: 47/ 54 ح 88، و أخرج قطعة منه في مستدرك الوسائل: 7/ 206 ح 2.
(7) أي مسمع بن عبد الملك كردين.
127
قال: و مالي لا أكون كما ترون، و قد جاء في خبر أصدق الصادقين «أنّي ميّت و إيّاكم» (1) إنّ قوما عرفوا الموت فجعلوه نصب أعينهم، و لم ينكروا من يخطفه (2) الموت منهم، و سلّموا لأمر خالقهم عزّ و جلّ. (3)
2- دعوات الراوندي: كان للصادق (عليه السلام) ابن، فبينا هو يمشي بين يديه إذ غصّ فمات، فبكى و قال: لئن أخذت لقد أبقيت، و لئن ابتليت لقد عافيت؛
ثمّ حمل إلى النساء، فلمّا رأينه صرخن، فأقسم عليهنّ أن لا يصرخن؛
فلمّا أخرجه للدفن، قال: سبحان من يقتل أولادنا و لا نزداد له إلّا حبّا؛
فلمّا دفنه، قال: يا بنيّ! وسّع اللّه في ضريحك، و جمع بينك و بين نبيّك، و قال (عليه السلام):
إنّا قوم نسأل اللّه ما نحبّ فيمن نحبّ فيعطينا، فإذا أحبّ ما نكره فيمن نحبّ رضينا. (4)
استدراك (1) الاصول الستّة عشر: روى عبد الملك بن حكيم في كتابه الّذي رواه هارون بن موسى التلعكبري بإسناده عنه، عن بشير النبّال، قال:
كنت على الصفا و أبو عبد اللّه (عليه السلام) قائم عليها إذ انحدر و انحدرت معه، و أقبل أبو الدوانيق على حمارته، و معه جنده على خيل و على إبل، فزحموا أبا عبد اللّه (عليه السلام) حتّى خفت عليه من خيلهم، و أقبلت أقيه بنفسي و أكون بينهم و بينه، قال: فقلت في نفسي:
يا ربّ عبدك و خير خلقك في أرضك، و هؤلاء شرّ من الكلاب قد كانوا يفتنونه!
قال: فالتفت إليّ و قال: يا بشير! قلت: لبيك. قال: ارفع طرفك لتنظر.
____________
(1) إشارة إلى قوله تعالى في سورة الزمر: 30 إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ.
(2) و خطف الشيء: استلبه بسرعة.
(3) 2/ 2 ح 1، عنه مشكاة الأنوار: 305، و البحار: 47/ 18 ح 7، و ج 82/ 128 ح 4، و الوسائل:
2/ 901 ح 14، و حلية الأبرار: 2/ 219.
(4) 286 ح 15 و 16، عنه البحار: 47/ 18 ح 8، و ج 82/ 133 ضمن ح 16، و مستدرك الوسائل:
2/ 480 ح 13.
128
قال: فإذا- و اللّه- واقية من اللّه أعظم ممّا عسيت أن أصفه.
قال: فقال: يا بشير! إنّا اعطينا ما ترى، و لكنّا امرنا أن نصبر، فصبرنا. (1)
*** 17- باب شكره (عليه السلام)
الأخبار، الأصحاب:
1- بصائر الدرجات: الهيثم النهدي، عن ابن محبوب، عن معاوية بن وهب، قال:
كنت مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) بالمدينة و هو راكب حماره، فنزل و قد كنّا صرنا إلى السوق أو قريبا من السوق، قال: فنزل و سجد و أطال السجود، و أنا أنتظره، ثمّ رفع رأسه.
قال: قلت: جعلت فداك، رأيتك نزلت فسجدت؟!
قال: إنّي ذكرت نعمة اللّه عليّ.
قال: قلت: قرب السوق، و الناس يجيئون و يذهبون؟! قال: إنّه لم يرني أحد. (2)
18- باب وفائه (عليه السلام)
1- الخرائج، و المناقب لابن شهرآشوب: هشام بن الحكم، قال:
كان رجل من ملوك أهل الجبل يأتي الصادق (عليه السلام) في حجّة كلّ سنة، فينزله أبو عبد اللّه (عليه السلام) في دار من دوره في المدينة، و طال حجّه و نزوله؛
فأعطى أبا عبد اللّه (عليه السلام) عشرة آلاف درهم ليشتري له دارا، و خرج إلى الحجّ؛
فلمّا انصرف، قال: جعلت فداك، اشتريت لي الدار؟ قال: نعم، و أتى بصكّ فيه:
«بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذا ما اشترى جعفر بن محمّد (لفلان بن فلان) الجبلي، اشترى له دارا في الفردوس، حدّها الأوّل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و الحدّ الثاني أمير المؤمنين (عليه السلام)،
____________
(1) 100، عنه إثبات الهداة: 5/ 465 ح 268.
(2) 495 ح 2، عنه البحار: 47/ 21 ح 19.
و أورده في الخرائج و الجرائح: 2/ 774 ح 97. و فيه بقيّة تخريجات الحديث.
126
عنك، و أن أعرض لها، و هي حقّك الّذي جعله اللّه تبارك و تعالى في أموالنا.
فقال: أو مالنا من الأرض و ما أخرج اللّه منها إلّا الخمس يا أبا سيّار!؟ إنّ الأرض كلّها لنا، فما أخرج اللّه منها من شيء فهو لنا، فقلت له: و أنا أحمل إليك المال كلّه؟
فقال: يا أبا سيّار! قد طيّبناه لك، و أحللناك منه، فضمّ إليك مالك؛
و كلّ ما في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محلّلون حتّى يقوم قائمنا، فيجبيهم طسق (1) ما كان في أيديهم و يترك الأرض في أيديهم:
و أمّا ما كان في أيدي غيرهم، فإنّ كسبهم من الأرض حرام عليهم، حتّى يقوم قائمنا، فيأخذ الأرض من أيديهم و يخرجهم صغرة.
قال عمر بن يزيد: فقال لي أبو سيّار: ما أرى أحدا من أصحاب الضياع، و لا ممّن يلي الأعمال يأكل حلالا غيري إلّا من طيّبوا له ذلك.
التهذيب: سعد بن عبد اللّه، عن أبي جعفر، عن ابن محبوب (مثله). (2)
*** 16- باب صبره و تسليمه (عليه السلام) و رضاه بقضاء اللّه تعالى
الأخبار، الأئمّة: الحسن العسكري، عن آبائه، عن الكاظم (عليهم السلام).
1- عيون أخبار الرضا: المفسّر، عن أحمد بن الحسن الحسيني، عن أبي محمّد الحسن بن عليّ، عن آبائه، عن موسى بن جعفر (عليهم السلام) قال: نعي إلى الصادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام) ابنه إسماعيل بن جعفر، و هو أكبر أولاده، و هو يريد أن يأكل و قد اجتمع ندماؤه، فتبسّم ثمّ دعا بطعامه، و قعد مع ندمائه، و جعل يأكل أحسن من أكله سائر الأيّام، و يحثّ ندماءه، و يضع بين أيديهم، و يعجبون منه أن لا يروا للحزن أثرا، فلمّا فرغ، قالوا: يا ابن رسول اللّه! لقد رأينا عجبا، أصبت بمثل هذا الابن و أنت كما ترى!؟
____________
(1) الجباية: أخذ الخراج، و الطسق: الوظيفة من الخراج.
(2) 1/ 408 ح 3، 4/ 144 ح 25.
أخرجه في الوسائل: 6/ 382 ح 12، و حلية الأبرار: 2/ 177 عن التهذيب.
129
و الحدّ الثالث الحسن بن عليّ (عليهما السلام)، و الحدّ الرابع الحسين بن عليّ (عليهما السلام)»
فلمّا قرأ الرجل ذلك، قال: قد رضيت جعلني اللّه فداك.
قال: فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): إنّي أخذت ذلك المال ففرّقته في ولد الحسن و الحسين (عليهما السلام)، و أرجو أن يتقبّل اللّه ذلك، و يثيبك به الجنّة.
قال: فانصرف الرجل إلى منزله، و كان الصكّ معه، ثمّ اعتلّ علّة الموت، فلمّا حضرته الوفاة جمع أهله و حلّفهم أن يجعلوا الصكّ معه، ففعلوا ذلك؛
فلمّا أصبح القوم غدوا إلى قبره، فوجدوا الصكّ على ظهر القبر مكتوب عليه:
وفى وليّ اللّه «جعفر بن محمّد» بما قال. (1)
المناقب لابن شهرآشوب: قرأت في شوق العروس [و انس النفوس] (2)، عن أبي عبد اللّه الدامغاني أنّه سمع ليلة المعراج من بطنان العرش قائلا يقول:
من يشتري قبّة في الخلد ثابتة * * * في ظلّ طوبى رفيعات مبانيها
دلّالها المصطفى و اللّه بائعها * * * ممّن أراد و جبريل مناديها (3)
2- و منه: عليّ بن أبي حمزة، قال: كان لي صديق من كتّاب (4) بني اميّة، فقال لي:
استأذن لي على أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فاستأذنت له، فلمّا دخل سلّم و جلس، ثمّ قال:
جعلت فداك، إنّي كنت في ديوان هؤلاء القوم، فأصبت من دنياهم مالا كثيرا، و أغمضت في مطالبه.
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): لو لا أنّ بني اميّة وجدوا من يكتب لهم، و يجبي لهم الفيء (5)،
____________
(1) 1/ 303 ح 7، 3/ 359 (و اللفظ له)، عنهما البحار: 47/ 134 ح 183؛
و أورده في الصراط المستقيم: 2/ 186 مرسلا، مختصرا.
و أخرجه في كشف الغمّة: 2/ 200، و إثبات الهداة: 5/ 406 ح 138.
(2) مؤلّف الكتاب، هو الحسين بن محمّد بن إبراهيم الدامغاني الحنفي توفّي سنة 478 ... راجع هديّة العارفين: 5/ 310 و كشف الظنون: 2/ 1070.
(3) 3/ 359، عنه البحار: 47/ 134 ح 184. لعلّ المصنّف ذكره تأييدا، فإنّ اللّه تعالى يفي بدلالة المصطفى و ضمانه، و أوصياؤه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) هم صفة اللّه و مصطفاه.
(4) «كبار» م.
(5) الفيء: الخراج.
130
و يقاتل عنهم، و يشهد جماعتهم، لما سلبونا حقّنا؛
و لو تركهم الناس و ما في أيديهم، ما وجدوا شيئا إلّا ما وقع في أيديهم.
فقال الفتى: جعلت فداك، فهل لي من مخرج منه؟ قال: إن قلت لك تفعل؟ قال:
أفعل، قال: اخرج من جميع ما كسبت في دواوينهم، فمن عرفت منهم رددت عليه ماله، و من لم تعرف تصدّقت به، و أنا أضمن لك على اللّه الجنّة.
قال: فأطرق الفتى طويلا، فقال: قد فعلت جعلت فداك.
قال ابن أبي حمزة: فرجع الفتى معنا إلى الكوفة فما ترك شيئا على وجه الأرض إلّا خرج منه حتّى ثيابه الّتي كانت على بدنه؛
قال: فقسمنا له قسمة، و اشترينا له ثيابا، و بعثنا له بنفقة.
قال: فما أتى عليه أشهر قلائل حتّى مرض، فكنّا نعوده، قال: فدخلت عليه يوما و هو في السياق (1) ففتح عينيه، ثمّ قال: يا عليّ! و فى لي- و اللّه- صاحبك؛
قال: ثمّ مات فولّينا أمره، فخرجت حتّى دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام)؛
فلمّا نظر إليّ قال: يا عليّ! و فينا- و اللّه- لصاحبك.
فقلت: صدقت جعلت فداك، هكذا قال لي- و اللّه- عند موته. (2)
3- كشف الغمّة: قال أبو بصير:
كان لي جار يتبع السلطان، فأصاب مالا، فاتّخذ قيانا (3) و كان يجمع الجموع، و يشرب المسكر، و يؤذيني، فشكوته إلى نفسه غير مرّة، فلم ينته، فلمّا ألححت عليه، قال:
يا هذا! أنا رجل مبتلى، و أنت رجل معافى، فلو عرّفتني لصاحبك، رجوت أن يستنقذني اللّه بك، فوقع ذلك في قلبي، فلمّا صرت الى أبي عبد اللّه (عليه السلام) ذكرت له حاله، فقال لي:
إذا رجعت إلى الكوفة فإنّه سيأتيك، فقل له: يقول لك جعفر بن محمّد:
____________
(1) ساق المريض سوقا و سياقا: شرع في نزع الروح.
(2) 3/ 365، عنه البحار: 47/ 138 ضمن ح 188، و ج 75/ 375 ح 31، ج 96/ 237 ح 4، و رواه في الكافي: 5/ 106 ح 4، و التهذيب: 6/ 331 ح 41، عنهما الوسائل: 12/ 144 ح 1.
(3) القيان، جمع القينة: الأمة المغنّية.
131
دع ما أنت عليه، و أضمن لك على اللّه الجنّة.
قال: فلمّا رجعت إلى الكوفة، أتاني فيمن أتى، فاحتبسته حتّى خلا منزلي، فقلت:
يا هذا! إنّي ذكرتك لأبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال: اقرأه السلام، و قل له: يترك ما هو عليه، و أضمن له على اللّه الجنّة. فبكى، ثمّ قال: اللّه! قال لك جعفر هذا؟
قال: فحلفت له أنّه قال لي ما قلت لك، فقال لي: حسبك، و مضى؛
فلمّا كان بعد أيّام بعث إليّ و دعاني، فإذا هو خلف باب داره عريان، فقال:
يا أبا بصير! ما بقي في منزلي شيء، إلّا و قد أخرجته، و أنا كما ترى.
فمشيت إلى إخواني فجمعت له ما كسوته [به]، ثمّ لم يأت عليه إلّا أيّام يسيرة، حتّى بعث إليّ: أنّي عليل فاتني، فجعلت أختلف إليه و اعالجه حتّى نزل به الموت؛
فكنت عنده جالسا، و هو يجود بنفسه (1)، ثمّ غشي عليه غشية ثمّ أفاق، فقال:
يا أبا بصير! قد وفى صاحبك لنا، ثمّ مات؛
فحججت، فأتيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) فاستأذنت عليه، فلمّا دخلت، قال لي- ابتداء من داخل البيت، و إحدى رجليّ في الصحن، و الاخرى في دهليز (2) داره-:
يا أبا بصير! قد وفينا لصاحبك. (3)
19- باب صدقه (عليه السلام)
الأخبار، الأئمّة، الباقر (عليه السلام):
1- كفاية الأثر: عن محمّد بن مسلم، عن الباقر (عليه السلام) أنّه قال:
و اللّه إنّه لهو الصادق، الّذي وصفه لنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم). (4)
____________
(1) جاد بنفسه: سمح بها عند الموت، فكأنّه يدفعها، كما يدفع الإنسان حاله.
(2) الدهليز: ما بين الباب و الدار، فارسي معرّب.
(3) 2/ 194. عنه البحار: 47/ 145 ضمن ح 199. و رواه في الكافي: 1/ 474 ح 5 عن الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد عن بعض أصحابه، عن أبي بصير (مثله)، عنه البحار المذكور ص 146 ح 200 و إثبات الهداة: 5/ 338 ح 10.
(4) تقدّم ص 26 ح 3 (مثله).
132
الأخبار، الأصحاب:
2- الأمالي للصدوق: المكتّب، عن الأسدي، عن محمّد بن أبي بشر، عن الحسين بن الهيثم، عن المنقري، قال: كان عليّ بن غراب إذا حدّثنا عن جعفر بن محمّد (عليهما السلام) قال: حدّثني الصادق عن اللّه «جعفر بن محمّد» (عليهما السلام).
علل الشرائع: الحسن بن محمّد العلوي، عن الأسدي (مثله). (1)
3- معاني الأخبار: القطّان، عن السكّري، عن الجوهري، عن ابن عمارة، عن أبيه، عن سفيان بن سعيد، قال: سمعت أبا عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق (عليهما السلام) و كان- و اللّه- صادقا كما سمّي، الخبر. (2)
الكتب:
4- المناقب لابن شهرآشوب: و قال المنصور للصادق (عليه السلام):
قد استدعاك أبو مسلم لإظهار تربة عليّ (عليه السلام) فتوقّفت، تعلم، أم لا؟
فقال: إنّ في كتاب عليّ (عليه السلام) أنّه يظهر في أيّام عبد اللّه بن جعفر الهاشمي، ففرح المنصور بذلك، ثمّ إنّه (عليه السلام) أظهر التربة، فاخبر المنصور بذلك و هو في الرصافة، فقال:
هذا هو الصادق، فليزر المؤمن بعد هذا، إن شاء اللّه، فلقّبه بالصادق.
و يقال: إنّما سمّي صادقا، لأنّه ما جرّب عليه قطّ زلل و لا تحريف. (3)
استدراك (1) تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي: قال: الحاكم:
و أصحّ طريق يروى في الدنيا أسانيد أهل البيت، جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ، إذا كان الراوي عن جعفر ثقة؛
هذه عبارة الحاكم، و وافقه من نقلها. (4)
____________
(1) تقدّم ص 84 ح 7 بتخريجاته.
(2) تقدّم ص 84 ح 9.
(3) 3/ 393، عنه البحار: 47/ 33 ضمن ح 239.
(4) 36، عنه ملحقات الإحقاق: 12/ 28.
133
(2) محاضرات الادباء: ليس في الأرض خمسة أشراف متناسقة كتب عنهم الحديث إلّا جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام). (1)
*** 20- باب حلمه، و عفوه و وصيّته به، و كظم غيظه (عليه السلام)
الأخبار، الأصحاب:
1- كشف الغمّة: [من كتاب الدلائل للحميري] عن جرير بن مرازم (2)، قال:
قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) إنّي اريد العمرة فأوصني.
فقال: اتّق اللّه، و لا تعجل.
فقلت: أوصني! فلم يزدني على هذا؛
فخرجت من عنده من المدينة، فلقيني رجل شامي يريد مكّة فصحبني، و كان معي سفرة (3) فأخرجتها و أخرج سفرته و جعلنا نأكل؛
فذكر أهل البصرة فشتمهم [ثمّ ذكر أهل الكوفة فشتمهم] ثمّ ذكر الصادق (عليه السلام) فوقع فيه، فأردت أن أرفع يدي فاهشّم (4) أنفه، و احدّث نفسي بقتله أحيانا، فجعلت أتذكّر قوله (عليه السلام):
«اتّق اللّه و لا تعجل» و أنا أسمع شتمه، فلم أعد ما أمرني. (5)
2- و منه: من كتاب الدلائل للحميري، عن مرازم، قال: قال [لي] أبو عبد اللّه (عليه السلام) و هو بمكّة: يا مرازم! لو سمعت رجلا يسبّني ما كنت صانعا؟ قلت: كنت أقتله.
____________
(1) 1/ 332، عنه ملحقات الإحقاق: 12/ 238.
و تقدّم في باب خصوص اسمه الصادق و علّته ص 24 ما يناسب المقام.
(2) كذا، و ذكره التستري في قاموسه: 2/ 359، و النمازي في مستدركاته: 2/ 128. و في إثبات الهداة «عن مرازم» كما في الحديث التالي- فلاحظ-.
(3) السفرة: طعام المسافر، ما يبسط عليه الأكل.
(4) هشّم الشيء: بالغ في هشمه أي كسره.
(5) 2/ 188، عنه البحار: 47/ 34 ضمن ح 30، و إثبات الهداة: 5/ 427 ح 172.
134
قال: يا مرازم! إن سمعت من يسبّني فلا تصنع به شيئا.
قال: فخرجت من مكّة عند الزوال في يوم حارّ، فألجأني الحرّ إلى أن صرت (1) إلى بعض القباب و فيها قوم، فنزلت معهم، فسمعت بعضهم يسبّ أبا عبد اللّه (عليه السلام)؛
فذكرت قوله، فلم أقل شيئا، و لو لا ذلك لقتلته. (2)
3- المناقب لابن شهرآشوب: كتاب الروضة:
إنّه دخل سفيان الثوري على الصادق (عليه السلام) فرآه متغيّر اللون، فسأله عن ذلك، فقال:
كنت نهيت أن يصعدوا فوق البيت، فدخلت فإذا جارية من جواريّي ممّن تربّي بعض ولدي قد صعدت في سلّم و الصبيّ معها، فلمّا بصرت بي ارتعدت و تحيّرت و سقط الصبيّ إلى الأرض فمات، فما تغيّر لوني لموت الصبيّ، إنّما تغيّر لوني لما أدخلت عليها من الرعب.
و كان (عليه السلام) قال لها: أنت حرّة لوجه اللّه، لا بأس عليك، مرّتين. (3)
استدراك (1) ثمرات الأوراق: حكي عن جعفر الصادق (عليه السلام) أنّ غلاما له وقف يصبّ الماء على يديه، فوقع الإبريق من يد الغلام في الطست، فطار الرشاش في وجهه؛
فنظر جعفر (عليه السلام) إليه نظرة مغضب؛
فقال: يا مولاي! وَ الْكاظِمِينَ الْغَيْظَ (4)، قال: قد كظمت غيظي.
قال: وَ الْعافِينَ عَنِ النَّاسِ قال: عفوت عنك.
قال: وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ قال: اذهب فأنت حرّ لوجه اللّه الكريم.
____________
(1) «عبرت» ع، ب.
(2) 2/ 193، عنه البحار: 47/ 145 ضمن ح 199. يأتي ص 261 ح 27.
(3) 3/ 395، عنه البحار: 47/ 24 ضمن ح 26.
أقول: تتضمّن أحاديث هذا الباب إخباره (عليه السلام) بالمغيّبات الآتية، تأتي ص 245 ب 3.
(4) آل عمران: 134 و كذا ما بعدها.
136
7- أبواب سيره و سننه و طريقته (عليه السلام)
1- باب سيرته (عليه السلام) في العلم
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، [عن يونس،] عن داود بن فرقد، عمّن حدّثه، عن ابن شبرمة (1) قال:
ما ذكرت حديثا سمعته عن جعفر بن محمّد (عليهما السلام) إلّا كاد أن يتصدّع قلبي، قال:
حدّثني أبي، عن جدّي، عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)؛
و- قال ابن شبرمة: و اقسم باللّه ما كذّب أبوه على جدّه، و لا جدّه على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):
من عمل بالمقاييس فقد هلك و أهلك، و من أفتى [الناس بغير علم] و هو لا يعلم الناسخ من المنسوخ، و المحكم من المتشابه، فقد هلك و أهلك. (2)
2- باب سيرته (عليه السلام) في التقيّة
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: عليّ، عن أبيه، عن يحيى بن أبي عمران، عن يونس، عن بكّار بن بكر، عن موسى بن أشيم، قال:
كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فسأله رجل عن آية من كتاب اللّه عزّ و جلّ، فأخبره بها، ثمّ دخل عليه داخل، فسأله عن تلك الآية فأخبره بخلاف ما أخبر [به] الأوّل؛
____________
(1) هو عبد اللّه بن شبرمة الضبّي الكوفي أبو شبرمة، كان قاضيا لأبي جعفر المنصور على سواء الكوفة، و كان شاعرا، مات سنة أربع و أربعين و مائة (راجع جامع الرواة: 1/ 491).
(2) 1/ 43 ح 9، عنه البحار: 47/ 49 ح 79، و رواه في المحاسن: 1/ 206 ح 61، عنه البحار:
2/ 118 ح 24، و في أمالي الصدوق: 343 ح 16، عنه البحار: 2/ 298 ح 18، و حلية الأبرار:
2/ 154، و أورده في منية المريد: 139 مرسلا عن ابن شبرمة.
135
المستطرف: (مثله). (1)
(2) ألف باء: يروى أنّ جارية لجعفر بن محمّد كانت تصبّ على يديه الماء، فأصاب الإبريق جبهته، فألّمه ألما شديدا تبيّنت الجارية ذلك فيه، فقالت:
يا مولاي! وَ الْكاظِمِينَ الْغَيْظَ» قال: قد كظمت غيظي.
قالت: وَ الْعافِينَ عَنِ النَّاسِ قال: قد عفوت عنك.
قالت: وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (2)؛
قال: أنت حرّة لوجه اللّه تعالى، و لك ألف درهم. (3)
____________
(1) 2/ 223، 1/ 175، عنهما ملحقات الإحقاق: 12/ 233.
(2) آل عمران: 134. و كذا ما قبلها.
(3) 2/ 499، عنه ملحقات الإحقاق: 12/ 234.
137
فدخلني من ذلك ما شاء اللّه، حتّى كأنّ قلبي يشرّح بالسكاكين، فقلت في نفسي: تركت أبا قتادة (1) بالشام لا يخطئ في الواو و شبهه، و جئت إلى هذا يخطئ هذا الخطأ كلّه!
فبينا أنا كذلك إذ دخل عليه آخر، فسأله عن تلك الآية، فأخبره بخلاف ما أخبرني و أخبر صاحبي (2)، فسكنت نفسي، فعلمت أنّ ذلك منه تقيّة.
قال: ثمّ التفت إليّ، فقال: يا ابن أشيم! إنّ اللّه عزّ و جلّ فوّض إلى سليمان بن داود (عليهما السلام)، فقال: هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ (3) و فوّض إلى نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فقال: ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (4)
فما فوّض إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقد فوّضه إلينا. (5)
2- المناقب لابن شهرآشوب: عبد الغفّار الجازي، و أبو الصباح الكناني، قال (عليه السلام):
____________
(1) هو أبو قتادة الشامي، قال يحيى بن معين: ليس بشيء كتبنا عنه ثمّ تركناه؛ و قال أحمد بن الحارث الغياثي: مات أبو قتادة الشامي- ليس الحرّاني- سنة أربع و ستّين و مائة (راجع لسان الميزان: 7/ 97، و ميزان الاعتدال: 4/ 564).
و ترجم له المجلسي (ره) في مرآة العقول: 3/ 148، قائلا: أبو قتادة العدوي- بفتح القاف-: من التابعين من علماء المخالفين اسمه تميم بن نذير، انتهى.
و فيه أنّ تميم بن نذير مات قبل المائة، كما في تقريب التهذيب: 2/ 463.
(2) قال المجلسي (ره) في مرآة العقول: 3/ 148: «بخلاف ما أخبرني»
كأنّه كان شريكا للسائل الأوّل فيما أخبره به في الاستماع و التوجّه، و لذا نسبه إلى نفسه أو يكون السائل أيضا سأل عن الآية أوّلا فأخبره، فيكون «صاحبيّ» بتشديد الياء للتثنية.
و لعلّ فيه سقما أو تصحيفا فإنّه روى الصفّار [في بصائر الدرجات: 383 ح 3] بسند آخر عن موسى ابن أشيم هكذا، قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فسألته عن مسألة فأجابني؛
فبينا أنا جالس إذ جاءه رجل فسأله عنها بعينها، فأجابه بخلاف ما أجابني، ثمّ جاء آخر فسأله عنها بعينها فأجابه بخلاف ما أجابني و أجاب صاحبي، ففزعت من ذلك و عظم عليّ، إلى آخر الخبر.
(3) سورة ص: 39.
(4) الحشر: 7.
(5) 1/ 265 ح 3، عنه البحار: 47/ 49 ح 79، و البرهان: 4/ 314 ح 3.
و رواه في بصائر الدرجات: 383 ح 2، و ص 385 ح 8، و ص 386 ح 11 بطرق مختلفة عن ابن أشيم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، و في الاختصاص: 325، عنهما البحار: 25/ 332 ح 10.
138
إنّي أتكلّم على سبعين وجها، لي من كلّها المخرج. (1)
3- باب سيرته (عليه السلام) في الصلاة
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: الحسين بن محمّد، عن عبد اللّه بن عامر، عن عليّ بن مهزيار، عن ابن فضّال، عن أحمد بن عمر الحلبي، عن أبيه، عن أبان بن تغلب، قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) و هو يصلّي، فعددت له في الركوع و السجود ستّين تسبيحة. (2)
2- و منه، محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن فضّال، عن ابن بكير، عن حمزة بن حمران، و الحسن بن زياد، قالا:
دخلنا على أبي عبد اللّه (عليه السلام) و عنده قوم، فصلّى بهم العصر- و قد كنّا صلّينا- فعددنا له في ركوعه «سبحان ربّي العظيم و بحمده» أربعا- أو ثلاثا- و ثلاثين مرّة.
و قال أحدهما في حديثه: «و بحمده» في الركوع و السجود سواء. (3)
4- باب سيرته (عليه السلام) في قراءته
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن عليّ بن النعمان، عن يعقوب بن شعيب، عن حسين بن خالد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت له: في كم أقرأ القرآن؟ فقال: اقرأه أخماسا، اقرأه أسباعا، أما إنّ عندي مصحف مجزّأ أربعة عشر جزء. (4)
2- فلاح السائل: روي أنّ مولانا [جعفر بن محمّد] الصادق (عليهما السلام) كان يتلو القرآن في صلاته فغشي عليه، فلمّا أفاق سئل ما الّذي أوجب ما انتهت حالك إليه؟
____________
(1) تقدّم ص 101 ضمن ح 7، و فيه ترجمة لعبد الغفّار الجازي، فراجع.
(2) 3/ 329 ح 2، عنه البحار: 47/ 50 ح 80، و الوسائل: 4/ 926 ح 1 و عن التهذيب: 2/ 229 ح 61.
(3) 3/ 329 ح 3، عنه البحار: 47/ 50 ح 81، و الوسائل: 4/ 927 ح 2 و عن التهذيب: 2/ 300 ح 66 و أخرجه في البحار: 85/ 108 ح 8، عن مستطرفات السرائر: 26 ح 5 (و فيه تخريجاته).
(4) 2/ 617 ح 3، عنه البحار: 47/ 47 ح 70، و الوسائل: 4/ 862 ح 2.
139
فقال ما معناه: ما زلت اكرّر آيات القرآن حتّى بلغت إلى حال كأنّني (1) سمعتها مشافهة
____________
(1) قوله: «كأنّني»- لا «أنّني»- نظير ما قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في أخبار الغيب و علامات ظهور المهدي (عليه السلام): «كأنّي أنظر إلى اصيلع، افيدع»
معناه: أنّه (عليه السلام) يخلّى بنفسه، و يفرغ بروحه خالصا إلى حال وحي القرآن بحيث كأنّه يسمع مشافهة و ذلك لمن كان له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد.
و ليس هذا المورد وحيا كوحي القرآن إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أو في ليلة المعراج و الإسراء إذ كان قاب قوسين أو أدنى فأوحى اللّه إليه ما أوحى و ناداه: يا أحمد! فسمع كما رأى من آيات ربّه الكبرى؛
و لا نظير وحي موسى إذ آنس من جانب الطور الأيمن من الشجرة كلام ربّه الّذي خلقه بأمره «كُنْ فَيَكُونُ»*: ناداه يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ ... وَ أَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى؛
و لا من قبيل ما عقد له المجلسي في البحار: 26/ 18 بابا في جهات علم الامام (عليه السلام) و أنّه إذا سئل عن شيء كيف علمه و كيف يجيب، فقال (عليه السلام): أعلمه اللّه إمّا بسمع صوت أو بنكت في القلب أو نقر في الاذن أفضل ممّن يسمع، نظير الوحي إلى أمّ موسى: وَ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَ لا تَخافِي وَ لا تَحْزَنِي؛ و نظيره ما قيل لأمّ عيسى فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا «مريم 25- 26».
أقول و بالجملة: لا عجب في وحي اللّه تعالى بأقسامه لأنّه يقول للشيء: «كُنْ فَيَكُونُ»*
و لست الآن في مقام بيان كيفيّة علم الإمام، و لا في أنّ الإمام من اللّه، و حجّته لا بدّ و أن يكون علمه منه، لئلّا يكون للّه على الناس حجّة بل له الحجّة البالغة جميعا، فله سمع كسماع أمي موسى و عيسى، و هذا جائز لا شاهد عليه.
و أمّا هؤلاء فما قدروا اللّه حق قدره، إذ قالوا: «لا» أو ارتابوا، قياسا لهم (صلوات اللّه عليهم) بالانسان العادي، و إن كان هو أيضا قد يرى و يسمع في منامه- دون مرتبة الوحي- كما يسمع و يرى في يقظته؛ و لكن الكلام في أنّه ليس هذا المورد من قبيل الوحي، بل هو من باب حاله (عليه السلام) عند تجريده النفس روحيّا بحيث يكون كأنّه يسمع و يرى مشافهة.
و عن الهروي القاري أنّه قال، في كتابه شرح عين العلم و زين الحلم: 92، بعد أن أورد نحو الحديث أعلاه و كأنّه (عليه السلام) تصوّر أنّ اللّه سبحانه جعل لسانه بمنزلة شجرة موسى (عليه السلام) و أنّه نودي في شأنه ما صدر من الكلام في ذلك المقام وفق المرام؛
و عن السهروردي قال في نتائج الأفكار القدسيّة: 2/ 44- بعد أن أورد الحديث عن شرح عين العلم-: إنّ روح جعفر الصادق (عليه السلام) في ذلك الوقت كشجرة موسى عند ندائه منها بأنّي أنا اللّه.
أقول عجبا: بل شجرة موسى بمنزلة جهاز التلفزيون، به يسمع و يرى؛
و أمّا روح الإمام فهو بمنزلة موسى (عليه السلام) يسمع و يرى، و على كلّ فليس معنى الحديث إلّا ما ذكرناه.
140
ممّن أنزلها. (1)
5- باب سيرته (عليه السلام) في القراءة ليلة الجمعة
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: أحمد بن مهران، عن عبد العظيم بن عبد اللّه الحسني، عن عليّ بن أسباط، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن زيد الشحّام، قال:
قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام)- و نحن في الطريق في ليلة الجمعة-:
اقرأ فإنّها ليلة الجمعة قرآنا، فقرأت: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ* يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ* إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ (2)؛
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): نحن- و اللّه- الّذي رحم اللّه، و نحن- و اللّه- الّذي استثنى اللّه، [و] لكنّا (3) نغني عنهم. (4)
6- باب سيرته (عليه السلام) في دعائه
استدراك
الأخبار: الأئمّة: الرضا، عن أبيه، عن الصادق (عليه السلام):
(1) أمالي الطوسي: الحسن بن محمّد، عن أبيه محمّد بن الحسن الطوسي، عن هلال بن محمّد الحفّار، عن إسماعيل بن عليّ الدعبلي، عن أبيه عليّ بن عليّ- أخي دعبل
____________
(1) 107، عنه البحار: 47/ 58 ح 108، و ج 84/ 247 ضمن ح 39، و مستدرك الوسائل: 4/ 106 ح 4، و أخرجه في ملحقات الإحقاق: 12/ 229 عن زين الحلم: 92 و نتائج الأفكار القدسيّة:
2/ 44، و عوارف المعارف: 166 (نحوه).
(2) الدخان: 40- 42.
(3) و في تأويل الآيات- عن تفسير محمّد بن العبّاس- «و إنّنا و اللّه» و فيه «الّذين» في الموضعين بدل «الّذي».
(4) 1/ 423 ح 56 عنه البحار: 24/ 205 ح 3، و ج 47/ 55 ح 93. و أورده في تأويل الآيات: 2/ 574 ح 3 (نحوه) عنه البحار: 24/ 206 ح 6، ج 89/ 311 ح 15، و البرهان: 4/ 163 ح 3.
و أورده في المناقب: 3/ 504، عن زيد الشحّام مثله، عنه البحار: 24/ 257 ح 3.
141
الخزاعي- عن الرضا، عن أبيه موسى بن جعفر (عليهم السلام)، قال:
سمعت أبي «جعفر بن محمّد» يقول إذا أمسى: أمسينا و أمسى الملك للّه الواحد القهّار، و الحمد للّه ربّ العالمين، الحمد للّه الّذي أذهب بالنهار، و جاء بالليل، و نحن في عافية منه؛
اللهمّ هذا خلق جديد قد غشّانا، فما علمت فيه من خير فسهّله و قيّضه و اكتبه أضعافا مضاعفة، و ما علمت فيه من شرّ فتجاوز عنه برحمتك؛
أمسيت لا أملك ما أرجو، و لا أدفع شرّ ما أخشى، أمسى الأمر لغيري، و أمسيت مرتهنا بكسبي، و أمسيت لا فقير أفقر منّي، فسع- لفقري- من سعتك- ممّا كتبت على نفسك- التقوى ما أبقيتني، و الكرامة إذا توفّيتني، و الصبر على ما ابتليتني، و البركة فيما رزقتني، و العزم على طاعتك فيما بقي من عمري، و الشكر لك فيما أنعمت به عليّ. (1)
(2) و منه: بهذا الإسناد: و كان يقول إذا خرج إلى الصلاة:
اللهمّ إنّي أسألك بحقّ السائلين لك، و بحقّ مخرجي هذا، فإنّي لم أخرج أشرا و لا بطرا، و لا رياء و لا سمعة، و لكن خرجت ابتغاء رضوانك، و اجتناب سخطك، فعافني بعافيتك من النار. (2)
*** الأخبار:
1- الكافي: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن سحيم (3)، عن ابن أبي يعفور، قال:
سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول- و هو رافع يده إلى السماء-:
ربّ لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدا، لا أقلّ من ذلك، و لا أكثر.
____________
(1) 1/ 380، عنه البحار: 86/ 249 ح 13، و حلية الأبرار: 2/ 202.
(2) 1/ 381، عنه حلية الأبرار: 2/ 203، و مستدرك الوسائل: 3/ 437 ح 3، و فيه «عن أبيه، عن عليّ بن دعبل» هنا «عن» زائدة (راجع رجال النجاشي: 32 رقم 69، و معجم رجال الحديث:
3/ 152، رقم 1388 و غيرهما من كتب الرجال).
(3) «سجيم» م، ب، ع. و ما أثبتناه كما في كتب الرجال بالحاء المهملة.
142
قال: فما كان بأسرع من أن تحدّر الدموع من جوانب لحيته؛
ثمّ أقبل عليّ، فقال: يا ابن أبي يعفور! إنّ يونس بن متّى (عليه السلام) وكّله اللّه عزّ و جلّ إلى نفسه أقلّ من طرفة عين، فأحدث ذلك الذنب. قلت: فبلغ به كفرا؟ أصلحك اللّه.
قال: لا، و لكنّ الموت على تلك الحال هلاك (1). (2)
2- قرب الإسناد: أحمد و عبد اللّه ابنا محمّد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول- و هو ساجد-:
اللّهمّ اغفر لي و لأصحاب أبي، فإنّي أعلم أنّ فيهم من ينتقصني. (3)
استدراك (3) تفسير القمّي: حدّثني أبي، عن الفضل بن أبي قرّة، قال:
رأيت أبا عبد اللّه يطوف من أوّل الليل إلى آخره و هو يقول: اللهمّ وقني شحّ نفسي.
فقلت: جعلت فداك، ما سمعتك تدعو بغير هذا الدعاء!
فقال: و أيّ شيء أشدّ من شحّ النفس! إنّ اللّه يقول:
وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ* (4). (5)
(4) الكافي: عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن عليّ، عن عبد الرحمن بن أبي هاشم، عن أبي خديجة، قال: كان أبو عبد اللّه (عليه السلام) إذا خرج يقول:
«اللهمّ بك خرجت، و لك أسلمت، و بك آمنت، و عليك توكّلت؛
اللهمّ بارك لي في يومي هذا، و ارزقني فوزه و فتحه و نصره و طهوره و هداه و بركته، و اصرف عنّي شرّه و شرّ ما فيه، بسم اللّه و باللّه، و اللّه أكبر، و الحمد للّه ربّ العالمين.
اللهمّ إنّي قد خرجت فبارك لي في خروجي، و انفعني به.
____________
(1) قال في مرآة العقول: 12/ 453 ح 15، الحديث ضعيف على المشهور.
(2) 2/ 581 ح 15، عنه البحار: 14/ 387 ح 6، و ج 47/ 46 ح 66.
(3) 77، عنه البحار: 47/ 17 ح 5.
(4) الحشر: 9، و التغابن: 16.
(5) 684، عنه البحار: 73/ 301 ح 7، و البرهان: 4/ 343 ح 4، و مستدرك الوسائل: 7/ 30 ح 14.
143
قال: و إذا دخل في منزله قال ذلك.
المحاسن: محمّد بن عليّ (مثله). (1)
(5) الكافي: محمّد بن يحيى و غيره، عن محمّد بن أحمد، و محمّد بن الحسين جميعا، عن موسى بن عمر، عن غسّان البصري، عن معاوية بن وهب؛
و عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بعض أصحابنا، عن إبراهيم بن عقبة، عن معاوية بن وهب، قال: استأذنت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقيل لي: ادخل. فدخلت، فوجدته في مصلّاه في بيته، فجلست حتّى قضى صلاته، فسمعته و هو يناجي ربّه و يقول:
يا من خصّنا بالكرامة و خصّنا بالوصيّة، و وعدنا الشفاعة، و أعطانا علم ما مضى و ما بقي، و جعل أفئدة من الناس تهوي إلينا (2)؛
اغفر لي و لإخواني و لزوّار قبر أبي [عبد اللّه] الحسين (عليه السلام)، الّذين أنفقوا أموالهم و أشخصوا أبدانهم رغبة في برّنا، رجاء لما عندك في صلتنا، و سرورا أدخلوه على نبيّك صلواتك عليه و آله، و إجابة منهم لأمرنا، و غيظا أدخلوه على عدوّنا، أرادوا بذلك رضاك.
فكافهم عنّا بالرضوان، و اكلأهم بالليل و النهار، و اخلف على أهاليهم و أولادهم الّذين خلّفوا بأحسن الخلف، و أصحبهم و اكفهم شرّ كلّ جبّار عنيد، و كلّ ضعيف من خلقك أو شديد، و شرّ شياطين الإنس و الجنّ، و أعطهم أفضل ما أمّلوا منك في غربتهم عن أوطانهم، و ما آثرونا به على أبنائهم و أهاليهم و قرباتهم، اللهمّ إنّ أعداءنا عابوا عليهم خروجهم، فلم ينههم ذلك عن الشخوص إلينا، و خلافا منهم على من خالفنا؛
فارحم تلك الوجوه الّتي قد غيّرتها الشمس، و ارحم تلك الخدود الّتي تقلّبت على حفرة أبي عبد اللّه (عليه السلام)، و ارحم تلك الأعين الّتي جرت دموعها رحمة لنا.
و ارحم تلك القلوب الّتي جزعت و احترقت لنا، و ارحم الصرخة الّتي كانت لنا، اللهمّ إنّي أستودعك تلك الأنفس، و تلك الأبدان، حتّى نوافيهم على الحوض يوم العطش».
____________
(1) 2/ 542 ح 6، 2/ 351 ح 35، عنهما الوسائل: 3/ 579 ح 3.
و أخرجه في البحار: 76/ 171 ح 18، عن المحاسن، و في حلية الأبرار: 2/ 202 عن الكافي.
(2) إشارة إلى قوله تعالى في سورة إبراهيم: 37: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ....
144
فما زال- و هو ساجد- يدعو بهذا الدعاء، فلمّا انصرف قلت:
جعلت فداك، لو أنّ هذا الّذي سمعت منك كان لمن لا يعرف اللّه، لظننت أنّ النار لا تطعم منه شيئا، و اللّه لقد تمنّيت أن كنت زرته و لم أحجّ؛
فقال لي: ما أقربك منه! فما الّذي منعك من إتيانه (1)؟
ثمّ قال: يا معاوية! لم تدع ذلك؟ قلت: جعلت فداك، لم أدر أنّ الأمر يبلغ هذا كلّه؛
قال: يا معاوية! من يدعو لزوّاره في السماء أكثر ممّن يدعو لهم في الأرض.
ثواب الأعمال: أبي (ره) قال: حدّثني سعد بن عبد اللّه، عن يعقوب بن يزيد، عن محمّد بن أبي عمير، عن معاوية بن وهب (مثله) و زاد في آخره:
لا تدعه لخوف من أحد، فمن تركه لخوف، رأى من الحسرة ما يتمنّى أنّ قبره كان بيده؛
أ ما تحبّ أن يرى اللّه شخصك و سوادك فيمن يدعو له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)؟
أ ما تحبّ أن تكون غدا فيمن تصافحه الملائكة؟
أ ما تحبّ أن تكون غدا فيمن يأتي و ليس عليه ذنب فيتبع به؟
أ ما تحبّ أن تكون غدا فيمن يصافح رسول اللّه (عليه السلام). (2)
(6) الكافي: عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن إسماعيل بن مرّار، عن يونس، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه كان إذا أهلّ هلال شهر رمضان قال: «اللهمّ أدخله علينا بالسلامة و الإسلام، و اليقين و الإيمان، و البرّ و التوفيق لما تحبّ و ترضى». (3)
(7) و منه: قال (4) كان أبو عبد اللّه (عليه السلام) يدعو عند قراءة كتاب اللّه عزّ و جلّ:
«اللهمّ ربّنا لك الحمد أنت المتوحّد بالقدرة و السلطان المتين؛
____________
(1) «زيارته» ثواب الأعمال.
(2) 4/ 582 ح 11، 120، عنهما الوسائل: 10/ 320 ح 7. و أخرجه في حلية الأبرار: 2/ 206 عن الكافي، و في البحار: 101/ 8 ح 30 عن كامل الزيارات.
أقول: هو خطأ، بل عن ثواب الأعمال، فراجع كتاب «مزارنا».
(3) 4/ 74 ح 4، عنه الوسائل: 7/ 234 ح 5، و حلية الأبرار: 2/ 201.
(4) قال في مرآة العقول: 12/ 443: الحديث مرسل.
145
و لك الحمد أنت المتعالي بالعزّ و الكبرياء و فوق السماوات و العرش العظيم.
ربّنا و لك الحمد أنت المكتفي بعلمك، و المحتاج إليك كلّ ذي علم.
ربّنا و لك الحمد يا منزل الآيات و الذكر العظيم.
ربّنا فلك الحمد بما علّمتنا من الحكمة و القرآن العظيم المبين.
اللهمّ أنت علّمتناه قبل رغبتنا في تعليمه، و اختصصتنا به قبل رغبتنا بنفعه.
اللهمّ فإذا كان ذلك منّا منك و فضلا و جودا و لطفا بنا، و رحمة لنا و امتنانا علينا من غير حولنا و لا حيلتنا و لا قوّتنا، اللهمّ فحبّب إلينا حسن تلاوته، و حفظ آياته، و إيمانا بمتشابهه، و عملا بمحكمه و سببا في تأويله، و هدى في تدبيره، و بصيرة بنوره.
اللهمّ و كما أنزلته شفاء لأوليائك، و شقاء على أعدائك، و عمى على أهل معصيتك، و نورا لأهل طاعتك، اللهمّ فاجعله لنا حصنا من عذابك، و حرزا من غضبك، و حاجزا عن معصيتك، و عصمة من سخطك، و دليلا على طاعتك، و نورا يوم نلقاك، نستضيء به في خلقك، و نجوز به على صراطك، و نهتدي به إلى جنّتك.
اللهمّ إنّا نعوذ بك من الشقوة في حمله، و العمى عن عمله (1)، و الجور عن حكمه و العلوّ (1) عن قصده، و التقصير دون حقّه.
اللهمّ احمل عنّا ثقله، و أوجب لنا أجره، و أوزعنا شكره، و اجعلنا نراعيه و نحفظه؛
اللهمّ اجعلنا نتّبع حلاله، و نجتنب حرامه، و نقيم حدوده، و نؤدّي فرائضه؛
اللهمّ ارزقنا حلاوة في تلاوته، و نشاطا في قيامه، و وجلا في ترتيله، و قوّة في استعماله في آناء الليل و أطراف النهار؛
اللهمّ و اشفنا من النوم باليسير، و أيقظنا في ساعة الليل من رقاد الراقدين، و نبّهنا عند الأحايين (2) الّتي يستجاب فيها الدعاء من سنة الوسنانين.
اللهمّ اجعل لقلوبنا ذكاء عند عجائبه الّتي لا تنقضي، و لذاذة عند ترديده، و عبرة عند ترجيعه، و نفعا بيّنا عند استفهامه؛
____________
(1) «علمه، الغلق» خ ل.
(2) الحين: الوقت، و الغاية، و زمان غير محدود، جمعه أحيان، و جمع الجمع أحايين.
146
اللهمّ إنّا نعوذ بك من تخلّفه في قلوبنا، و توسّده عند رقادنا، و نبذه وراء ظهورنا؛
و نعوذ بك من قساوة قلوبنا لما به وعظتنا؛
اللهمّ انفعنا بما صرّفت فيه من الآيات، و ذكّرنا بما ضربت فيه من المثلات (1)، و كفّر عنّا بتأويله السيّئات، و ضاعف لنا به جزاء الحسنات، و ارفعنا به ثوابا في الدرجات، و لقّنا به البشرى بعد الممات.
اللهمّ اجعله لنا زادا تقوّينا به في الموقف بين يديك، و طريقا واضحا نسلك به إليك، و علما نافعا نشكر به نعماءك، و تخشّعا صادقا نسبّح به أسماءك، فإنّك اتّخذت به علينا حجّة، قطعت به عذرنا، و اصطنعت به عندنا، نعمة قصر عنها شكرنا.
اللهمّ اجعله لنا وليّا يثبّتنا من الزلل، و دليلا يهدينا لصالح العمل، و عونا هاديا يقوّمنا من الميل، و عونا يقوينا من الملل، حتّى يبلغ بنا أفضل الأمل (1).
اللهمّ اجعله لنا شافعا يوم اللقاء، و سلاحا يوم الارتقاء، و حجيجا يوم القضاء، و نورا يوم الظلماء، يوم لا أرض و لا سماء، يوم يجزي كلّ ساع بما سعى.
اللهمّ اجعله لنا ريّا يوم الظمأ، و فوزا يوم الجزاء، من نار حامية، قليلة البقيا على من بها اصطلى و بحرّها تلظّى.
اللهمّ اجعله لنا برهانا على رءوس الملاء، يوم يجمع فيه أهل الأرض و أهل السماء.
اللهمّ ارزقنا منازل الشهداء، و عيش السعداء، و مرافقة الأنبياء، إنّك سميع الدعاء». (2)
(8) و منه: حميد بن زياد، عن الحسين (3) بن محمّد، عن غير واحد، عن أبان بن عثمان، عن يحيى بن أبي العلاء، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه كان يقول عند منامه:
آمنت باللّه، و كفرت بالطاغوت، اللهمّ احفظني في منامي، و في يقظتي. (4)
(9) و منه: أبو عليّ الأشعري، عن محمّد بن عبد الجبّار، و محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن صفوان بن يحيى، عن عبد الرحمن بن حجّاج، قال:
____________
(1) «الامثال، العمل» خ ل.
(2) 2/ 573، عنه مستدرك الوسائل: 4/ 374 ح 8، و حلية الأبرار: 2/ 199.
(3) «الحسن) خ ل.
(4) 2/ 536 ح 3، عنه حلية الأبرار: 2/ 201، و مستدرك الوسائل: 5/ 41 ح 2.
147
كان أبو عبد اللّه (عليه السلام) إذا قام آخر الليل يرفع صوته حتّى يسمع أهل الدار، و يقول:
اللهمّ أعنّي على هول المطلع، و وسّع عليّ ضيق المضجع، و ارزقني خير ما قبل الموت، و ارزقني خير ما بعد الموت. (1)
(10) و منه: عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي أيّوب الخزّاز، عن أبي حمزة، قال: رأيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يحرّك شفتيه حين أراد أن يخرج، و هو قائم على الباب، فقلت: [إنّي] رأيتك تحرّك شفتيك حين خرجت، فهل قلت شيئا؟
قال: نعم، إنّ الإنسان إذا خرج من منزله، قال حين يريد أن يخرج:
«اللّه أكبر، اللّه أكبر»- ثلاثا-؛
«باللّه أخرج، و باللّه أدخل، و على اللّه أتوكّل»- ثلاث مرّات-
«اللّهمّ افتح لي في وجهي هذا بخير، و اختم لي بخير، و قني شرّ كلّ دابّة أنت آخذ بناصيتها، إنّ ربّي على صراط مستقيم»
لم يزل في ضمان اللّه عزّ و جلّ حتّى يردّه اللّه إلى المكان الّذي كان فيه؛
و محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن الحكم، عن أبي أيّوب، عن أبي حمزة (مثله). (2)
(11) حلية الأولياء: حدّثنا أبي، عن أبي الحسن العبدي، عن أبي بكر القرشي، عن الفضل بن غسّان، عن أبيه، عن شيخ من أهل المدينة، قال:
كان من دعاء جعفر بن محمّد (عليه السلام): «اللّهمّ أعزّني بطاعتك، و لا تخزني بمعصيتك، اللهمّ ارزقني مواساة من قتّرت عليه رزقه بما وسّعت عليّ من فضلك».
____________
(1) 2/ 538 ح 13. و أورده في من لا يحضره الفقيه: 1/ 480 ح 1389 عن عبد الرحمن بن الحجّاج (مثله)، و في مكارم الأخلاق: 307، و أخرجه في البحار: 87/ 192 ح 6 عن الفقيه و الكافي، و في ج 76/ 203 عن المكارم، و في مستدرك الوسائل: 4/ 152 ح 9، و حلية الأبرار: 2/ 201 عن الكافي. تقدّم ص 142 ح 4 مضمون هذا الحديث.
(2) 2/ 540 ح 1، عنه الوسائل: 8/ 277 ح 2، و حلية الأبرار: 2/ 201.
148
قال أبو معاوية- يعني غسّان-: فحدّثت بذلك سعيد بن سلم (1)، فقال: هذا دعاء الأشراف.
المختار في مناقب الأخيار: (مثله). (2)
(7) باب سيرته (عليه السلام) في [تطيّبه إذا صام]
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: العدّة، عن البرقي، عن أبيه، عن عبد اللّه بن الفضل النوفلي، عن الحسن ابن راشد، قال:
كان أبو عبد اللّه (عليه السلام) إذا صام تطيّب بالطيب، و يقول: الطيب تحفة الصائم. (3)
8- باب سيرته (عليه السلام) في [زكاة] الفطرة
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: أبو عليّ الأشعري، عن محمّد بن عبد الجبّار (4)، عن صفوان [بن يحيى]، عن إسحاق بن عمّار، عن معتّب، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:
قال: اذهب فأعط عن عيالنا الفطرة، و أعط عن الرقيق، و اجمعهم و لا تدع منهم أحدا؛ فإنّك إن تركت منهم إنسانا تخوّفت عليه الفوت. قلت: و ما الفوت؟ قال: الموت. (5)
____________
(1) «مسلم» كشف الغمّة. لعلّه سعيد بن مسلم بن قتيبة بن مسلم الباهلي، العالم بالحديث و العربيّة.
ترجم له في تاريخ بغداد: 9/ 74.
(2) 3/ 196، 18 عنهما الإحقاق: 12/ 289. و أخرجه في كشف الغمّة: 2/ 185 عن الحلية.
(3) 4/ 113 ح 3، عنه البحار: 47/ 54 ح 89. و رواه في الفقيه: 2/ 112 ح 1872، و التهذيب:
4/ 265 ح 37 بإسناديهما عن ابن راشد (مثله). و في الوسائل: 7/ 64 ح 3، عن الكافي و الفقيه.
(4) «عبد اللّه» ع، تصحيف. راجع معجم رجال الحديث: 16/ 200.
(5) 4/ 174 ح 21، عنه البحار: 47/ 54 ح 90. و رواه في من لا يحضره الفقيه: 2/ 181 ح 2078، عنه الوسائل: 6/ 228 ح 5 و عن الكافي و علل الشرائع: 389 ح 1، و أخرجه في البحار: 96/ 104 ح 5 عن العلل.
149
9- باب سيرته (عليه السلام) في الحجّ [و زيارة قبر النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)]
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: العدّة، عن البرقي، عن أبيه، عن القاسم بن إبراهيم، عن ابن تغلب، قال: كنت مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) مزاملة (1) فيما بين مكّة و المدينة؛
فلمّا انتهى إلى الحرم نزل و اغتسل، و أخذ نعليه بيده، ثمّ دخل الحرم حافيا. (2)
2- الخصال، و أمالي الصدوق: بالإسناد عن مالك بن أنس فقيه المدينة- في وصفه مكارم أخلاق الصادق (عليه السلام)-: و لقد حججت معه سنة، فلمّا استوت به راحلته عند الإحرام، كان كلّما همّ بالتلبية انقطع الصوت في حلقه، و كاد أن يخرّ عن راحلته.
فقلت: قل يا ابن رسول اللّه، و لا بدّ لك أن تقول؛
فقال (عليه السلام): يا ابن أبي عامر! كيف أجسر أن أقول: لبّيك اللهمّ لبّيك، و أخشى أن يقول عزّ و جلّ لي: لا لبّيك و لا سعديك. (3)
استدراك (1) الكافي: أبو عليّ الأشعري، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان، عن أبي المغراء، عن سلمة بن محرز، قال:
كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) إذ جاءه رجل يقال له: أبو الورد، فقال لأبي عبد اللّه (عليه السلام):
رحمك اللّه، إنّك لو كنت أرحت بدنك من المحمل؟
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) يا أبا الورد! إنّي احبّ أن أشهد المنافع الّتي قال اللّه عزّ و جلّ:
لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ (4) إنّه لا يشهدها أحد إلّا نفعه اللّه.
____________
(1) المزاملة: المعادلة على البعير.
(2) 4/ 398 ح 1، عنه البحار: 47/ 54 ح 91، و الوسائل: 9/ 315 ح 1، و حلية الأبرار: 2/ 173.
و رواه في الفقيه: 2/ 204 ح 2141، و المحاسن: 67 ح 129، و التهذيب: 5/ 97 ح 1، عنه الوسائل المذكور. و أخرجه في البحار: 99/ 192 ح 3، عن المحاسن.
(3) تقدّم ص 88 ضمن ح 1.
(4) الحجّ: 28.
150
أمّا أنتم فترجعون مغفورا لكم، و أمّا غيركم فيحفظون في أهاليهم و أموالهم. (1)
(2) و منه: [عدّة من أصحابنا، عن] أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن الحسين بن أبي العلاء، قال:
سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل المحرم يدّهن بعد الغسل؟ قال: نعم.
فادّهنّا عنده بسليخة (2) بان؛
و ذكر أنّ أباه كان يدّهن بعد ما يغتسل للإحرام؛
و أنّه يدّهن بالدهن ما لم يكن غالية أو دهنا فيه مسك أو عنبر. (3)
(3) و منه: أبو عليّ الأشعري، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان، عن عبد اللّه بن مسكان، عن عليّ بن عبد العزيز، قال:
اغتسل أبو عبد اللّه (عليه السلام) للإحرام، ثمّ دخل «مسجد الشجرة» (4) فصلّى ثمّ خرج إلى الغلمان، فقال: هاتوا ما عندكم من لحوم الصيد حتّى نأكله. (5)
(4) و منه: عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن الحسن بن عليّ بن يقطين، عن أسد بن أبي العلاء، عن محمّد بن الفضيل، عمّن رأى أبا عبد اللّه (عليه السلام) و هو محرم قد كشف عن ظهره حتّى أبداه للشمس، و هو يقول:
لبّيك في المذنبين لبّيك. (6)
____________
(1) 4/ 263 ح 46، عنه الوسائل: 8/ 70 ح 24، و البرهان: 3/ 87 ح 1، و حلية الأبرار: 2/ 173.
يأتي ص 203 ح 2، ما يفيد.
(2) السليخة: دهن ثمر البان قبل أن يربّب.
(3) 4/ 330 ح 5، عنه الوسائل: 9/ 106 ح 4.
(4) قال في معجم البلدان: 3/ 325: ... هي الشجرة الّتي ولدت عندها أسماء بنت محمّد بن أبي بكر بذي الحلف، و كانت سمرة، و كان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ينزلها من المدينة و يحرم منها، و هي على ستّة أميال من المدينة.
(5) 4/ 330 ح 6، عنه الوسائل: 9/ 18 ح 7. و رواه في من لا يحضره الفقيه: 2/ 322 ح 3566.
و التهذيب: 5/ 83 ح 84 بإسناديهما إلى عليّ بن عبد العزيز (نحوه)، عنهما الوسائل المذكور.
(6) 4/ 336 ح 4، عنه الوسائل: 9/ 55 ح 9، و حلية الأبرار: 2/ 140.
151
(5) و منه: عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن عمر ابن يزيد، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: حجّة أفضل من عتق سبعين رقبة.
فقلت: ما يعدل الحجّ شيء؟ قال: ما يعدله شيء، و لدرهم واحد في الحجّ أفضل من ألفي ألف درهم فيما سواه من سبيل اللّه.
ثمّ قال له: خرجت على نيّف و سبعين بعيرا و بضع عشرة دابّة، و لقد اشتريت سودا أكثر بها العدد (1)، و لقد آذاني أكل الخلّ و الزيت، حتّى أنّ «حميدة» (2) أمرت بدجاجة، فشويت [لي] فرجعت إليّ نفسي. (3)
(6) و منه: عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن أبيه، عن محمّد بن سنان، عن حذيفة بن منصور، قال: صحبت أبا عبد اللّه (عليه السلام) و هو متوجّه إلى مكّة؛
فلمّا صلّى قال: «اللّهمّ خلّ سبيلنا، و أحسن تسييرنا، و أحسن عافيتنا»
و كلّما صعد أكمة، قال: «اللهمّ لك الشرف على كلّ شرف». (4)
(7) و منه: عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن اذينة، قال:
سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول لمّا انتهى إلى ظهر الكعبة حين يجوز الحجر:
«يا ذا المنّ و الطول و الجود و الكرم، إنّ عملي ضعيف فضاعفه لي، و تقبّله منّي إنّك أنت السميع العليم». (5)
(8) و منه: أحمد بن محمّد، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن صالح، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: كنت أطوف بالبيت، فإذا رجل يقول:
ما بال هذين الركنين يستلمان، و لا يستلم هذان؟ فقلت: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) استلم هذين و لم يعرّض لهذين، فلا تعرّض لهما إذا لم يعرّض لهما رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).
____________
(1) سودا: أي عبيدا، و أكثر بها العدد: أي عدد الحاج.
(2) زوجته، أمّ موسى الكاظم (عليه السلام).
(3) 4/ 260 ح 31، عنه الوسائل: 8/ 77 ح 3 (قطعة منه)، و حلية الأبرار: 2/ 174.
(4) 4/ 287 ح 1، عنه الوسائل: 8/ 286 ح 2.
و رواه في المحاسن: 2/ 353 ح 43، عنه، عن أبيه (مثله)، عنه البحار: 76/ 245 ح 32.
(5) 4/ 407 ح 6، عنه الوسائل: 9/ 417 ح 6.
152
قال جميل: و رأيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يستلم الأركان كلّها. (1)
(9) و منه: أحمد بن محمّد، عن البرقي، رفعه، عن زيد الشحّام أبي أسامة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: كنت أطوف مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) و كان إذا انتهى إلى الحجر مسحه بيده و قبّله، و إذا انتهى إلى الركن اليماني التزمه؛
فقلت: جعلت فداك، تمسح الحجر بيدك، و تلتزم اليماني؟ فقال:
قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): ما أتيت الركن اليماني إلّا وجدت جبرئيل قد سبقني إليه يلتزمه. (2)
(10) و منه: محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن عبد الرحمن بن أبي هاشم البجلي، عن أبي خديجة، قال: رأيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) و هو ينحر بدنته، معقولة يدها اليسرى، ثمّ يقوم من جانب يدها اليمنى و يقول:
«بسم اللّه، و اللّه أكبر، اللهمّ هذا منك و لك، اللهمّ تقبّله منّي»
ثمّ يطعن في لبّتها، ثمّ يخرج السكّين بيده، فإذا وجبت، قطع موضع الذبح بيده. (3)
(11) و منه: و عنه، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن عبد اللّه بن سنان، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) و هو خارج من الكعبة و هو يقول:
«اللّه أكبر اللّه أكبر» حتّى قالها ثلاثا، ثمّ قال:
«اللّهمّ لا تجهد بلاءنا، ربّنا و لا تشمت بنا أعداءنا، فإنّك أنت الضارّ النافع»؛
ثمّ هبط، فصلّى إلى جانب الدرجة، جعل الدرجة عن يساره مستقبل الكعبة ليس بينها و بينه أحد، ثمّ خرج إلى منزله. (4)
(12) و منه: أحمد بن محمّد، عن ابن فضّال، عن يونس بن يعقوب، قال:
رأيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) قد دخل الكعبة، ثمّ أراد بين العمودين، فلم يقدر عليه، فصلّى دونه، ثمّ خرج فمضى حتّى خرج من المسجد. (5)
____________
(1) 4/ 408 ح 9، عنه الوسائل: 9/ 418 ح 1.
(2) 4/ 408 ح 10، عنه الوسائل: 9/ 419 ح 3.
(3) 4/ 498 ح 8، عنه الوسائل: 10/ 135 ح 3، و البحار: 65/ 301.
(4) 4/ 529 ح 7، عنه الوسائل: 9/ 377 ح 1. و أورده في قرب الإسناد: 4 ح 10 (نحوه) عنه البحار:
99/ 368 ح 1.
(5) 4/ 530 ح 9، عنه الوسائل: 9/ 375 ح 7.
153
(13) و منه: أبو عليّ الأشعري، عن الحسن بن عليّ الكوفي، عن عليّ بن مهزيار، عن حمّاد بن عيسى، عن محمّد بن مسعود، قال:
رأيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) انتهى إلى قبر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فوضع يده عليه، و قال:
«أسأل اللّه الّذي اجتباك و اختارك و هداك و هدى بك أن يصلّي عليك». ثمّ قال:
إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً (1).
كامل الزيارات: أبي، عن سعد بن عبد اللّه، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، و الحسين بن سعيد، و غير واحد، عن حمّاد بن عيسى (مثله). (2)
10- باب سيرته (عليه السلام) في اللباس
الأخبار، الأصحاب:
1- قرب الإسناد: محمّد بن عيسى، قال: حدّثني حفص أبي (3) محمّد مؤذّن عليّ ابن يقطين، قال: رأيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) في الروضة (4)، و عليه جبّة خزّ سفر جليّة (5).
الكافي: العدّة، عن سهل، عن محمّد بن عيسى (مثله). (6)
2- الكافي: أبو عليّ الأشعري، عن بعض أصحابه، عن محمّد بن سنان، عن حذيفة ابن منصور، قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) بالحيرة (7)، فأتاه رسول أبي العبّاس (8) الخليفة
____________
(1) الأحزاب: 56.
(2) 4/ 552 ح 4، 17. و أخرجه في البحار: 100/ 154 ح 23، و مستدرك الوسائل: 10/ 192 ح 4 عن كامل الزيارات، و في الوسائل: 10/ 269 ح 5 عن الكافي.
(3) «بن» ع، م، ب، تصحيف. راجع معجم رجال الحديث: 6/ 142 و ص 158.
(4) الروضة: الأرض ذات الخضرة، أو البستان الحسن. و لعلّ المراد بها هنا ما جاء في الحديث «ما بين قبري و منبري روضة من رياض الجنّة». و قال في مراصد الاطلاع: 2/ 641: الرياض ببلاد العرب كثيرة، المعروف منها بالإضافة.
(5) يعني لونها لون السفرجل.
(6) 8، 6/ 452 ح 10، عنهما البحار: 47/ 17 ح 3 و 4، و الوسائل: 3/ 265 ح 11، و رواه في اختيار معرفة الرجال: 432 ح 814، عنه مستدرك الوسائل: 3/ 205 ح 13، و ص 253 ح 5.
و أخرجه في البحار: 83/ 231 ح 26 عن قرب الإسناد، و في حلية الأبرار: 2/ 197 عن الكافي.
(7) الحيرة: مدينة كانت على ثلاثة أميال من الكوفة.
(8) «أبي جعفر» خ ل.
154
يدعوه، فدعى بممطر (1) أحد وجهيه أسود، و الآخر أبيض، فلبسه.
ثمّ قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): أما إنّي ألبسه، و أنا أعلم أنّه لباس أهل النار (2). (3)
3- و منه: حميد بن زياد، عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عن أحمد بن الحسن الميثميّ، عن الحسين بن المختار، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام):
اعمل لي قلانس (4) بيضاء و لا تكسرها، فإنّ السيّد مثلي لا يلبس المكسّر. (5)
4- و منه: العدّة، عن سهل، عن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن عليّ بن يقطين، عن الفضل بن كثير المدائني، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:
دخل عليه بعض أصحابه فرأى عليه قميصا فيه قبّ (6) قد رقعه، فجعل ينظر إليه؛
فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): مالك تنظر؟ فقال: قبّ ملقى في قميصك؟!
قال: فقال [لي]: اضرب يدك إلى هذا الكتاب، فاقرأ ما فيه. و كان بين يديه كتاب- أو قريب منه- فنظر الرجل فيه، فإذا فيه:
لا إيمان لمن لا حياء له، و لا مال لمن لا تقدير له، و لا جديد لمن لا خلق له. (7)
5- و منه: عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن يعقوب السرّاج، قال: كنّا نمشي مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) و هو يريد أن يعزّي ذا قرابة له بمولود له، فانقطع
____________
(1) الممطر: ما يلبس في المطر يتوقّى به.
(2) «أظهر (عليه السلام) التقيّة في اللباس» منه ره. و قال الصدوق (ره) في علل الشرائع: لبسه للتقيّة، و إنما أخبر حذيفة بن منصور بأنّه لباس أهل النار لأنّه ائتمنه؛
و قد دخل إليه قوم من الشيعة يسألونه عن السواد و لم يثق إليهم في كتمان السرّ فاتّقاهم فيه.
(3) 6/ 449 ح 2، عنه البحار: 47/ 45 ح 61، و الوسائل: 3/ 279 ح 7، و حلية الأبرار: 2/ 197 و رواه في علل الشرائع: 347 ح 4 و الفقيه: 1/ 257 ح 771، عنهما الوسائل المذكور.
(4) القلانس، جمع القلنسوة: لباس للرأس مختلف الأنواع و الأشكال.
(5) 6/ 462 ح 3، عنه البحار: 47/ 45 ح 62، و الوسائل: 3/ 380 ح 5.
(6) «القبّ: ما يدخل في جيب القميص من الرقاع» منه ره.
(7) 6/ 460 ح 3، عنه البحار: 47/ 45 ح 63، و الوسائل: 3/ 375 ح 2، و حلية الأبرار: 2/ 198.
155
شسع نعل أبي عبد اللّه (عليه السلام) فتناول نعله من رجله، ثمّ مشى حافيا.
فنظر إليه ابن أبي يعفور، فخلع نعل نفسه من رجله، و خلع الشسع منها و ناولها أبا عبد اللّه (عليه السلام)، فأعرض عنه كهيئة المغضب، ثمّ أبى أن يقبله، و قال: لا، إنّ صاحب المصيبة أولى بالصبر عليها. فمشى حافيا حتّى دخل على الرجل الّذي أتاه ليعزّيه. (1)
6- و منه: العدّة، عن البرقي، عن أبيه، عن محمّد بن يحيى الخزّاز، عن حمّاد بن عثمان، قال: حضرت أبا عبد اللّه (عليه السلام) و قال له رجل:
أصلحك اللّه، ذكرت أنّ عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) كان يلبس الخشن، و يلبس القميص بأربعة دراهم، و ما أشبه ذلك، و نرى عليك اللباس الجديد؟!
فقال له: إنّ عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) كان يلبس ذلك في زمان لا ينكر [عليه] و لو لبس مثل ذلك اليوم شهّر به، فخير لباس كلّ زمان لباس أهله؛
غير أنّ قائمنا أهل البيت (عليه السلام) إذا قام لبس ثياب عليّ (عليه السلام) و سار بسيرة عليّ (عليه السلام). (2)
استدراك (1) الكافي: عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن عيسى، عن يونس ابن يعقوب، عن عبد اللّه بن يعقوب، عن عبد اللّه بن هلال، قال:
أمرني أبو عبد اللّه (عليه السلام) أن أشتري له إزارا، فقلت له: إنّي لست اصيب إلّا واسعا.
قال: اقطع منه و كفّه (3). قال: ثمّ قال: إنّ أبي قال: و ما جاوز الكعبين ففي النار.
و منه: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن فضّال، عن يونس بن يعقوب (مثله). (4)
____________
(1) 6/ 464 ح 14، عنه البحار: 47/ 45 ح 64، و الوسائل: 3/ 384 ح 1.
(2) 1/ 411 ح 4، عنه البحار: 47/ 54 ح 92، و الوسائل: 3/ 348 ح 7، و حلية الأبرار: 2/ 574.
و رواه بطريق آخر في الكافي: 6/ 444 ح 15، عنه الوسائل المذكور، و ص 342 ح 2.
(3) كفّ الثوب: خاط حاشيته خياطة ثانية بعد الشلّ.
(4) 6/ 456 ح 3، عنه الوسائل: 3/ 367 ح 5، و حلية الأبرار: 2/ 197.
156
(2) و منه: عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عن محمّد بن سنان، عن حذيفة بن منصور، قال:
كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فدعا بأثواب، فذرع منه فعمد إلى خمسة أذرع فقطعها، ثمّ شبّر عرضها ستّة أشبار، ثمّ شقّه و قال: شدّوا ضفّته، و هدّبوا (1) طرفيه. (2)
(3) حلية الأولياء: حدّثنا أبو أحمد محمّد بن أحمد الغطريفي، ثنا محمّد بن أحمد ابن مكرم الضبّي، ثنا عليّ بن عبد الحميد، ثنا موسى بن مسعود، ثنا سفيان الثوري؛
قال: دخلت على جعفر بن محمّد و عليه جبّة خزّ دكناء، و كساء خزّ إيرجاني (3)؛
فجعلت أنظر إليه معجبا، فقال لي: يا ثوري! مالك تنظر إلينا لعلّك تعجب ممّا رأيت؟!
قال: قلت: يا ابن رسول اللّه! ليس هذا من لباسك و لا لباس آبائك.
فقال لي: يا ثوري! كان ذلك زمانا مقفرا مقترا، و كانوا يعملون على قدر إقفاره و إقتاره، و هذا زمان قد أقبل كلّ شيء فيه عزاليه. ثمّ حسر عن ردن جبّته، و إذا تحتها جبّة صوف بيضاء، يقصر الذيل عن الذيل، و الردن عن الردن، فقال لي:
يا ثوري! لبسنا هذا للّه، و هذا لكم، فما كان اللّه أخفيناه، و ما كان لكم أبديناه. (4)
الكتب:
(4) المبتكر الجامع لكتابي المختصر و المعتصر في علوم الأثر: قال:
و كان يلبس الجبّة الخشنة الغليظة القصيرة من الصوف على جسده، و يلبس الحلّة الخزّ على ظاهره و يقول:
____________
(1) هدّاب الثوب: الخيوط الّتي تبقى في طرفيه من عرضيه دون حاشيتيه.
(2) 6/ 458 ح 13، عنه الوسائل: 3/ 365 ح 6، و حلية الأبرار: 2/ 198.
(3) كذا، و لعلّها «أرجاني» نسبة إلى مدينة أرجان، و هي مدينة كبيرة كثيرة الخير- كما قال الاصطخري- بينها و بين شيراز ستّون فرسخ. راجع معجم البلدان: 1/ 143.
أو لعلّها تصحيف «أرجواني» نسبة إلى الارجوان و هي ثياب حمر مصبوغة بالارجوان.
(4) 3/ 193، عنه تذكرة الحفّاظ: 1/ 158، و مطالب السئول: 82، و المختار في مناقب الأخبار:
17. و أخرجه عنها ملحقات الإحقاق: 12/ 236.
157
«نلبس الجبّة للّه، و الخزّ لكم، فما كان للّه أخفيناه، و ما كان للناس أظهرناه». (1)
11- باب لباسه (عليه السلام) في الصلاة
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: أبو عليّ الأشعري، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن ابن فضّال، عن محمّد ابن الحسين بن كثير الخزّاز، عن أبيه، قال:
رأيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) و عليه قميص غليظ خشن تحت ثيابه، و فوقها جبّة صوف، و فوقها قميص غليظ، فمسستها، فقلت: جعلت فداك، إنّ الناس يكرهون لباس الصوف.
فقال: كلّا، كان أبي «محمّد بن عليّ» (عليهما السلام) يلبسها، و «كان عليّ بن الحسين» (عليهم السلام) يلبسها، و كانوا (عليهم السلام) يلبسون أغلظ ثيابهم إذا قاموا إلى الصلاة، و نحن نفعل ذلك. (2)
12- باب سيرته (عليه السلام) مع من خرج من الحمّام، و خروجه من الحمّام
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: محمّد بن يحيى- رفعه- عن عبد اللّه بن مسكان، قال:
كنّا جماعة من أصحابنا دخلنا الحمّام، فلمّا خرجنا لقينا أبو عبد اللّه (عليه السلام) فقال لنا:
من أين أقبلتم؟ فقلنا له: من الحمّام. فقال: أنقى اللّه غسلكم.
فقلنا له: جعلنا فداك- و إنّا جئنا معه حتّى دخل الحمّام، فجلسنا له حتّى خرج- فقلنا له: أنقى اللّه غسلك.
فقال: طهّركم اللّه. (3)
____________
(1) 132، عنه ملحقات الإحقاق: 19/ 507.
(2) 6/ 450 ح 4، عنه البحار: 47/ 42 ح 55 و ج 83/ 175، و الوسائل: 3/ 330 ح 1، و حلية الأبرار: 2/ 197. و أورده في دعوات الراوندي: 32 ح 68. عنه البحار: 46/ 108 ح 104، و ج 84/ 356 ح 54 و في مكارم الأخلاق: 113 (نحوه).
(3) 6/ 500 ح 20، عنه البحار: 47/ 46 ح 67، و الوسائل: 1/ 382 ح 1، و حلية الأبرار: 2/ 211.
158
13- باب سيرته (عليه السلام) في الحمّام
الأخبار:
1- الكافي: الحسين بن محمّد، عن أحمد بن إسحاق، عن سعدان، عن أبي بصير، قال: دخل أبو عبد اللّه (عليه السلام) الحمّام، فقال له صاحب الحمّام: أخلّيه لك؟
فقال: لا حاجة لي في ذلك، المؤمن أخفّ من ذلك. (1)
استدراك (1) الكافي: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن رفاعة ابن موسى، عمّن أخبره، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه كان إذا أراد دخول الحمّام، تناول شيئا فأكله قال: قلت له: إنّ الناس عندنا يقولون: إنّه على الريق أجود ما يكون؛
قال: لا، بل يؤكل شيء قبله، يطفئ المرارة، و يسكّن حرارة الجوف. (2)
(2) و منه: عليّ بن إبراهيم، عن أبيه؛ و محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان جميعا، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن الحكم، عن حفص البختري:
إنّ أبا عبد اللّه (عليه السلام) كان يطلي إبطه بالنورة في الحمّام. (3)
(3) و منه: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحجّال، عن حمّاد بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه، قال: دخلت مع أبي عبد اللّه الحمّام، فقال لي:
يا عبد الرحمن! أطل. فقلت: إنّما أطليت منذ أيّام. فقال: أطل، فإنّه طهور. (4)
(4) و منه: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن فضّال، عن عليّ بن عقبة، عن أبي كهمس، عن محمّد بن عبد اللّه بن عليّ بن الحسين، قال:
____________
(1) 6/ 503 ح 37، عنه البحار: 47/ 47 ح 69، و الوسائل: 1/ 381 ح 2.
(2) 6/ 497 ح 6، عنه الوسائل: 1/ 377 ح 2، و حلية الأبرار: 2/ 210.
(3) 6/ 507 ح 3، عنه الوسائل: 1/ 436 ح 1.
و روى (مثله) في الكافي المذكور ح 2، و التهذيب: 1/ 376 ح 17 بطرق مختلفة.
(4) 6/ 505 ح 2، عنه الوسائل: 1/ 389 ح 1، و حلية الأبرار: 2/ 212.
159
دخل أبو عبد اللّه (عليه السلام) الحمّام و أنا اريد أن أخرج منه، فقال:
يا محمّد! الا تطلي؟ فقلت: عهدي به منذ أيّام. فقال: أ ما علمت أنّها طهور. (1)
(5) و منه: عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن أبيه، عن خلف بن حمّاد، عمّن رواه، قال: بعث أبو عبد اللّه (عليه السلام) ابن أخيه في حاجة، فجاء- و أبو عبد اللّه (عليه السلام) قد أطلى بالنورة- فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): أطل.
فقال: إنّما عهدي بالنورة منذ ثلاث. فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): إنّ النورة طهور. (2)
(6) و منه: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن بعض أصحابه، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، قال:
كنت معه أقوده، فأدخلته الحمّام، فرأيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يتنوّر، فدنا منه أبو بصير فسلّم عليه، فقال: يا أبا بصير! تنوّر. فقال: إنّما تنوّرت أوّل من أمس، و اليوم الثالث.
فقال: أ ما علمت أنّها طهور؟ فتنوّر. (3)
(7) و منه: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن الحكم، عن عليّ بن أبي حمزة، قال: دخلت مع أبي بصير الحمّام، فنظرت إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) قد أطلى، و أطلى إبطيه بالنورة.
قال: فخبّرت أبا بصير، فقال: أرشدني إليه لأسأله عنه، فقلت: قد رأيته أنا؛
فقال: أنت قد رأيته و أنا لم أره، أرشدني إليه. قال: فأرشدته إليه، فقال له: جعلت فداك، أخبرني قائدي أنّك أطليت إبطيك النورة؟ قال: نعم يا أبا محمّد! إنّ نتف الإبطين يضعف البصر، أطل يا أبا محمّد! قال: فقال: أطليت منذ أيّام. فقال: أطل فإنّه طهور. (4)
(8) التهذيب: بإسناده عن عليّ بن مهزيار، عن عمرو بن إبراهيم، عن خلف بن حمّاد، عن هارون بن حكيم الأرقط- خال أبي عبد اللّه (عليه السلام)- (5) قال:
____________
(1) 6/ 505 ح 3، عنه الوسائل: 1/ 389 ح 2.
(2) 6/ 505 ح 4، عنه الوسائل: 1/ 386 ح 2 و ص 390 ح 6.
(3) 6/ 505 ح 6، عنه الوسائل: 1/ 389 ح 3.
(4) 6/ 498 ح 9، عنه الوسائل: 1/ 437 ح 1.
(5) كذا، راجع قاموس الرجال: 9/ 277، و فيه بيان.
160
أتيته في حاجة، فأصبته في الحمّام يطلي، فذكرت له حاجتي، فقال: أ لا تطلي؟
فقلت: إنّما عهدي به أوّل من أمس. فقال: أطل فإنّ النورة طهور. (1)
(9) الكافي: بعض أصحابنا، عن ابن جمهور، عن محمّد بن القاسم؛
و محمّد بن يحيى، عن محمّد بن أحمد، عن يوسف بن السخت البصري، عن محمّد ابن سليمان، عن إبراهيم بن يحيى بن أبي البلاد، عن الحسن بن عليّ بن مهران جميعا؛
عن ابن أبي يعفور، قال: كنّا بالمدينة فلاحاني زرارة في نتف الإبط و حلقه، فقال:
حلقه أفضل. و قال زرارة: نتفه أفضل.
فاستأذنّا على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فأذن لنا، و هو في الحمّام يطلي، و قد أطلى إبطيه؛
فقلت لزرارة: يكفيك؟ قال: لا، لعلّه فعل هذا لما لا يجوز لي أن أفعله.
فقال (عليه السلام): فيما أنتما؟ فقلت: لاحاني زرارة في نتف الإبط و حلقه، فقلت: حلقه أفضل، و قال زرارة: نتفه أفضل.
فقال (عليه السلام): أصبت السنّة، و أخطأها زرارة، حلقه أفضل من نتفه، و طليه أفضل من حلقه، ثمّ قال لنا: أطليا. فقلنا: فعلنا ذلك منذ ثلاث.
فقال (عليه السلام) أعيدا فإنّ الإطلاء طهور. (2)
(10) و منه: عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن إسحاق بن عبد العزيز، قال:
سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن التدلّك بالدقيق بعد النورة؟ فقال: لا بأس.
قلت: يزعمون أنّه إسراف! قال: ليس فيما أصلح البدن إسراف، إنّي ربّما أمرت بالنقي (3) فيلتّ لي بالزيت فأتدلّك به، إنّما الإسراف فيما أتلف المال، و أضرّ البدن. (4)
(11) التهذيب: بإسناده عن محمّد بن عليّ بن محبوب، عن العبّاس، عن عليّ بن
____________
(1) 1/ 375 ح 14، عنه الوسائل: 1/ 390 ح 7، و حلية الأبرار: 2/ 214.
(2) 6/ 508 ح 5، عنه الوسائل: 1/ 437 ح 1، و حلية الأبرار: 2/ 213.
(3) النقي: الدقيق المنخول.
(4) 6/ 499 ح 14، عنه الوسائل: 1/ 397 ح 4.
و روى في الكافي المذكور ح 16 نحوه بطريق آخر، و كذلك في التهذيب: 1/ 376 ح 18.
161
إسماعيل، عن محمّد بن حكيم، قال الميثمي: لا أعلمه إلّا قال:
رأيت أبا عبد اللّه (عليه السلام)- أو من رآه- متجرّدا، و على عورته ثوب؛
فقال: إنّ الفخذ ليست من العورة. (1)
(12) الكافي: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن الحكم، عن سيف بن عميرة، قال: خرج أبو عبد اللّه (عليه السلام) من الحمّام فتلبّس و تعمّم، فقال لي:
إذا خرجت من الحمّام فتعمّم.
قال: ما تركت العمامة عند خروجي من الحمّام في شتاء و لا صيف. (2)
14- باب خضابه (عليه السلام)
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن خالد، عن فضالة بن أيّوب، عن معاوية بن عمّار، قال:
رأيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) (3) يختضب بالحنّاء خضابا قانيا (4). (5)
15- باب سيرته (عليه السلام) في إصلاح لحيته
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: العدّة، عن البرقي، عن بعض أصحابنا، عن ابن أسباط، عن عبد اللّه بن عثمان، أنّه رأى أبا عبد اللّه (عليه السلام) أحفى شاربه حتّى ألصقه بالعسيب (6). (7)
____________
(1) 1/ 374 ح 8، عنه الوسائل: 1/ 364 ح 1، و حلية الأبرار: 2/ 214.
(2) 6/ 500 ح 17، عنه الوسائل: 1/ 379 ح 1، و حلية الأبرار: 2/ 214.
(3) «أبا جعفر (عليه السلام)» خ ل.
(4) أقنى الرجل بالحنّاء: أي حمّر لحيته بها خضابا.
(5) 6/ 481 ح 10، عنه البحار: 47/ 46 ح 65، و الوسائل: 3/ 408 ح 1، و حلية الأبرار: 2/ 123.
(6) «العسيب: منبت الشعر» منه ره.
(7) 6/ 487 ح 9، عنه البحار: 47/ 47 ح 68، الوسائل: 1/ 422 ح 5، و حلية الأبرار: 2/ 209.
163
17- باب [سيرته في] التدهّن (عليه السلام)
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: العدّة، عن البرقي، عن عليّ بن حسّان، عن عبد الرحمن بن كثير، قال:
كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فدخل عليه مهزم، فقال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام):
ادع لنا الجارية، تجيئنا بدهن و كحل، فدعوت بها؛
فجاءت بقارورة بنفسج، و كان يوما شديد البرد، فصبّ مهزم في راحته منها، ثمّ قال:
جعلت فداك، هذا بنفسج، و هذا البرد الشديد؟! فقال: و ما باله يا مهزم؟!
فقال: إنّ متطبّبينا بالكوفة يزعمون أنّ البنفسج بارد.
فقال: هو بارد في الصيف، ليّن حارّ في الشتاء. (1)
2- و منه: عليّ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن محمّد بن أبي حمزة، عن إسحاق بن عمّار، و ابن أبي عمير، عن ابن اذينة، قال: شكى رجل إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) شقاقا في يديه و رجليه، فقال له: خذ قطنة، فاجعل فيها بانا، وضعها على سرّتك.
فقال إسحاق بن عمّار: جعلت فداك، أن يجعل البان في قطنة، و يجعلها في سرّته؟!
فقال: أمّا أنت يا إسحاق! فصبّ البان في سرّتك فإنّها كبيرة، قال ابن اذينة:
لقيت الرجل بعد ذلك، فأخبرني أنّه فعله مرّة واحدة، فذهب عنه. (1)
18- باب سيرته (عليه السلام) في السواك
الأخبار، الأصحاب:
1- علل الشرائع: أبي، عن سعد، عن ابن أبي الخطّاب، عن عبد اللّه بن جبلة، عن إسحاق بن عمّار، قال: حدّثني مسلم مولى لأبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:
ترك أبو عبد اللّه (عليه السلام) السواك قبل أن يقبض بسنتين، و ذلك أنّ أسنانه ضعفت. (2)
____________
(1) تقدّم ص 108، 109 ح 3، 4، و ليت أدري لما ذا ذكر المؤلّف الثاني هنا.
(2) 295 ح 1 باب 228، عنه البحار: 47/ 17 ح 6، و الوسائل: 1/ 359 ح 1 باب 10 و رواه في من لا يحضره الفقيه: 1/ 54 ح 121، عنه الوسائل المذكور.
164
19- باب [سيرته في] مجالسته (عليه السلام) و مجلسه
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن بعض أصحابه، رواه عن رجل من العامّة، قال: كنت اجالس أبا عبد اللّه (عليه السلام) فلا و اللّه ما رأيت مجلسا أنبل من مجالسه.
قال: فقال لي ذات يوم: من أين تخرج العطسة؟ فقلت: من الأنف.
فقال لي: أصبت الخطأ. فقلت: جعلت فداك، من أين تخرج؟ فقال:
من جميع البدن، كما أنّ النطفة تخرج من جميع البدن، و مخرجها من الإحليل، ثمّ قال: أ ما رأيت الإنسان إذا عطس نفض أعضاءه، و صاحب العطسة يأمن الموت سبعة أيّام. (1)
2- الخصال و علل الشرائع و الأمالي للصدوق (رحمه اللّه): ابن المتوكّل، عن السعدآبادي، عن البرقي، عن أبيه، عن محمّد بن زياد الأزدي، قال: سمعت مالك بن أنس فقيه المدينة يقول: كنت أدخل إلى الصادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام) فيقدّم لي مخدّة، و يعرف لي قدرا، و يقول: يا مالك! إنّي أحبّك. فكنت اسرّ بذلك، و أحمد اللّه عليه.
- إلى آخر ما مرّ في باب جوامع مكارم أخلاقه و محاسن أوصافه-. (2)
20- باب جلوسه (عليه السلام)
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: أبو عبد اللّه الأشعري، عن معلّى بن محمّد، عن الوشّاء، عن حمّاد بن عثمان، قال: جلس أبو عبد اللّه (عليه السلام) متورّكا رجله اليمنى على فخذه اليسرى؛
فقال رجل: جعلت فداك، هذه جلسة مكروهة؟! فقال (عليه السلام):
لا، إنّما هو شيء قالته اليهود: لمّا أن فرغ اللّه عزّ و جلّ من خلق السماوات و الأرض، و استوى على العرش جلس هذه الجلسة ليستريح! فأنزل اللّه عزّ و جلّ: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ (3) و بقي أبو عبد اللّه (عليه السلام) متورّكا كما هو. (4)
____________
(1) تقدّم ص 109 ح 5.
(2) تقدّم ص 88 ح 1.
(3) البقرة: 255.
(4) 2/ 661 ح 5، عنه البحار: 47/ 47 ح 72، و الوسائل: 8/ 473 ح 3، و حلية الأبرار: 2/ 187.
162
16- باب مشطه (عليه السلام)
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: أبو عليّ الأشعري، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان بن يحيى، عن عبد الحميد بن سعيد، قال: سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن عظام الفيل يحلّ بيعه أو شراؤه، الّذي يجعل منه الأمشاط؟
فقال: لا بأس، قد كان لأبي منه مشط- أو أمشاط-. (1)
استدراك (1) الكافي: حميد بن زياد، عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عن أحمد بن الحسن الميثمي، عن محمّد بن إسحاق، عن عمّار النوفلي، عن أبيه، قال:
سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: المشط يذهب بالوباء؛
و كان لأبي عبد اللّه (عليه السلام) مشط في المسجد، يتمشّط به إذا فرغ من صلاته. (2)
(2) و منه: عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن الحسين بن الحسن بن عاصم، عن أبيه، قال:
دخلت على أبي إبراهيم (عليه السلام) و في يده مشط عاج يتمشّط به؛
فقلت له: جعلت فداك، إنّ عندنا بالعراق من يزعم أنّه لا يحلّ التمشّط بالعاج؟
فقال: و لم؟ فقد كان لأبي (عليه السلام) منه مشط- أو مشطان؛
ثمّ قال: تمشّطوا بالعاج، فإنّ العاج يذهب بالوباء. (3)
***
____________
(1) 5/ 226 ح 1، عنه البحار: 47/ 57 ح 104، و الوسائل: 12/ 123 ح 2 و رواه في التهذيب:
6/ 373 ح 204، و ج 7/ 133 ح 56 بإسناده إلى صفوان (مثله).
(2) 6/ 488 ح 2، عنه الوسائل: 1/ 426 ح 2، و حلية الأبرار: 2/ 209.
(3) 6/ 488 ح 3، عنه الوسائل: 1/ 427 ح 1، و حلية الأبرار: 2/ 215.
165
21- باب سيرته (عليه السلام) في المكتوب
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: عليّ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن مرازم بن حكيم، قال:
أمر أبو عبد اللّه (عليه السلام) بكتاب في حاجة، فكتب، ثمّ عرض عليه و لم يكن فيه استثناء (1)
فقال: كيف رجوتم أن يتمّ هذا، و ليس فيه استثناء!؟
انظروا كلّ موضع لا يكون فيه استثناء، فاستثنوا فيه. (2)
22- باب سيرته (عليه السلام) في أكله، و طعامه المعروف، و إطعامه الناس
الأخبار:
1- المحاسن للبرقي: ابن فضّال (3)، عن ابن بكير، عن بعض أصحابه، قال:
كان أبو عبد اللّه (عليه السلام) ربّما أطعمنا الفرانيّ (4) و الأخبصة (5)، ثمّ يطعم الخبز و الزيت.
فقيل له: لو دبّرت أمرك حتّى يعتدل؟
فقال: إنّما تدبيرنا من اللّه، إذا وسّع علينا وسّعنا، و إذا قتّر قتّرنا.
الكافي: محمّد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن ابن فضّال (مثله). (6)
____________
(1) إشارة إلى قوله تعالى: لا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ.
(2) 2/ 673 9 ح 7، و ج: 6/ 673 ح 7، عنه البحار: 47/ 48 ح 73، و الوسائل: 8/ 496 ح 1. و رواه في التهذيب: 8/ 281 ح 22، بإسناده إلى مرازم، عنه الوسائل: 16/ 156 ح 1، و أخرجه في البحار: 76/ 307 ح 8، و ج: 104/ 231 ح 75، عن الزهد (و لم نجده). و أورده في مشكاة الأنوار: 143 عن مرازم (مثله). و أورد نحوه في مستطرفات السرائر: 132 ح 7 عن مرازم.
(3) «أبي، عن ابن فضال» ع، ب، كلاهما وارد، راجع معجم رجال الحديث: 5/ 51.
(4) «قال الفيروزآبادي- ج 4/ 255-: الفرنيّ: خبز غليظ مستدير، أو خبزة مصعنبة مضمومة الجوانب إلى الوسط، تشوى ثمّ تروّى سمنا و لبنا و سكّرا» منه ره.
(5) «الخبيص: طعام معمول من التمر و السمن» منه ره.
(6) 2/ 400 ح 84، 65/ 279 ح 1، عنهما البحار: 47/ 22 ح 22 و 23، و ج: 66/ 318 ح 12، و الوسائل: 16/ 444 ح 2، و حلية الأبرار: 2/ 185.
166
2- الكافي: محمّد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن ابن فضّال، عن يونس بن يعقوب، عن عبد الأعلى، قال: أكلت مع أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فقال:
يا جارية! ائتينا بطعامنا المعروف. فاتي بقصعة فيها خلّ و زيت، فأكلنا. (1)
3- المحاسن للبرقي: محمّد بن عليّ، عن يونس بن يعقوب، عن عبد الأعلى، قال: أكلت مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) فدعا و اتي بدجاجة محشوّة و بخبيص.
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): هذه اهديت لفاطمة (2)؛
ثمّ قال: يا جارية! ائتينا بطعامنا المعروف. فجاءت بثريد خلّ و زيت. (3)
استدراك (1) الكافي: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن فضّال، عن يونس بن يعقوب، عن عبد الأعلى، قال:
أكلت مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) يوما، فاتي بدجاجة محشوّة خبيصا، ففككناها و أكلناها. (4)
(2) منه: عليّ بن محمّد بن بندار، عن أحمد بن محمّد، عن منصور بن العبّاس، عن سليمان بن رشيد، عن أبيه، عن المفضّل بن عمر، قال:
____________
(1) 6/ 328 ح 5، عنه البحار: 47/ 41 ح 51، الوسائل: 17/ 63 ح 1، و حلية الأبرار: 2/ 184، و رواه في محاسن البرقي: 483 ح 532، عنه البحار: 66/ 181 ح 11.
(2) كأنّ المراد بفاطمة زوجته (عليه السلام) و هي فاطمة بنت الحسين الأثرم بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب (عليهما السلام)، أو اسم إحدى بناته الّتي زوّجها من محمّد بن إبراهيم بن محمّد بن عليّ بن عبد اللّه بن العبّاس كما في كشف الغمّة: 2/ 161؛ أو فاطمة بنت الحسين بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام) كما في إرشاد المفيد: 319.
(3) 2/ 400 ح 85، عنه البحار: 47/ 23 ح 24، و ج 65/ 6 ح 13، و ج 66/ 82 ح 11، و ص 319 ذ ح 9، و الوسائل: 16/ 494 ح 3، و ج 17/ 31 ح 4.
(4) 6/ 321 ح 3 و رواه بطريق آخر عن أحمد بن محمّد، عن ابن فضّال، عن يونس بن يعقوب، عن عبد الأعلى قال ... (مثله)، عنه الوسائل: 17/ 52 ح 3. و رواه في المحاسن: 2/ 408 ح 127، بإسناده (مثله) عنه البحار: 66/ 286 ح 9.
167
أكلت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فاتي بلون، فقال: كل من هذا، فأمّا أنا فما شيء أحبّ إليّ من الثريد، و لوددت أنّ الأسفاناجات (1) حرمت. (2)
(3) و منه: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن معاوية بن وهب، عن أبي اسامة زيد الشحّام، قال:
دخلت على سيّدي أبي عبد اللّه (عليه السلام) و هو يأكل سكباجا (3) بلحم البقر. (4)
(4) منه: عليّ بن محمّد بن بندار، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن أبيه، عن سعدان بن مسلم، عن إسماعيل بن جابر، قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فدعا بالمائدة، فاتي بثريد و لحم، و دعا بزيت و صبّه على اللحم، فأكلت معه. (5)
(5) و منه: و بهذا الإسناد عن ابن فضّال، عن يونس بن يعقوب، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال، كنّا بالمدينة، فأرسل إلينا: اصنعوا فالوذج (6) و أقلّوا.
فأرسلنا إليه في قصعة صغيرة. (7)
(6) و منه: عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن عثمان بن عيسى،
____________
(1) كذا، و في خ ل «الفشقارجات» و معناه ما يقدّم إلى الضيف قبل الطعام معرّب بيشپاره.
و قيل: مرق أبيض ليس فيه شيء من الحموضة، و في المحاسن «العقارجات».
(2) 6/ 317 ح 1، عنه الوسائل: 17/ 45 ح 4، و حلية الأبرار: 2/ 182، و الوافي: 15/ 350 ح 1.
و رواه في المحاسن: 2/ 403 ح 100 (مثله)، عنه البحار: 66/ 81 ح 9.
(3) السكباج: طعام يعمل من اللحم و الخلّ مع توابل و أفاويه. القطعة منه سكباجة.
(4) 6/ 318 ح 6، عنه الوسائل: 17/ 47 ح 1.
و رواه في المحاسن: 2/ 403 ح 98 عنه، بإسناده عن معاوية (مثله). عنه البحار: 66/ 81 ح 7.
(5) 6/ 318 ح 7، عنه الوسائل: 17/ 47 ح 2.
و رواه في المحاسن: 2/ 403 ح 99، بإسناده (مثله). عنه البحار: 66/ 81 ح 8.
(6) الفالوذج: حلواء تعمل من الدقيق و الماء و العسل.
(7) 6/ 321 ح 4، عنه الوسائل: 17/ 53 ح 4. و رواه في المحاسن: 2/ 408 ح 30 بإسناده (مثله)، عنه البحار: 66/ 286 ح 7.
168
عن خالد بن نجيح، قال: كنت أفطر مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) و مع أبي الحسن الأوّل (عليه السلام) في شهر رمضان، فكان أوّل ما يؤتى به قصعة من ثريد خلّ و زيت؛
فكان أوّل ما يتناول منها ثلاث لقم، ثمّ يؤتى بالجفنة. (1)
(7) و منه: الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد البصري، عن أبي داود المسترقّ، عمّن حدّثه، قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فدعا بتمر فأكل، و أقبل يشرب عليه الماء؛
فقلت له: جعلت فداك، لو أمسكت عن الماء؛
فقال (عليه السلام): إنّما آكل التمر لأستطيب عليه الماء. (2)
(8) المحاسن: محمّد بن عليّ، عن عائذ بن حبيب بيّاع الهروي، قال:
كنّا عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فاتينا بثريد، فمددنا أيدينا إليه، فإذا هو حارّ؛
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): نهينا عن أكل النار، كفّوا، فإنّ البركة في برده. (3)
(9) الكافي: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن القاسم بن يحيى، عن جدّه الحسن بن راشد، عن أبي بكر، قال:
كنّا عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فأطعمنا، ثمّ رفعنا أيدينا، فقلنا: «الحمد للّه».
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «اللهمّ هذا منك و من محمّد رسولك، اللهمّ لك الحمد، صلّ على محمّد و آل محمّد». (4)
(10) المحاسن: محمّد بن عليّ، عن الحكم بن مسكين، عن عمرو بن شمر، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:
____________
(1) 6/ 327 ح 1، عنه الوسائل: 17/ 63 ح 5، و رواه في المحاسن: 2/ 482 ح 519 (مثله) عنه البحار: 66/ 180 ح 8.
(2) 6/ 381 ح 3، عنه الوسائل: 17/ 189 ح 1. و رواه في المحاسن: 2/ 571 ح 7، عن نوح بن شعيب (مثله)، عنه البحار: 66/ 455 ح 35.
(3) 2/ 407 ح 121، عنه الوسائل: 16/ 517 ح 9، و البحار: 66/ 403 ح 13.
(4) 6/ 296 ح 22، عنه الوسائل: 16/ 488 ح 7.
و رواه في المحاسن: 2/ 437 ح 281 (مثله)، عنه البحار: 66/ 377 ح 35.
169
إنّي لألعق أصابعي حتّى أرى أنّ خادمي يقول: ما أشره (1) مولاي! (2)
(11) و منه: أبي، عن النضر بن سويد، عن رجل، عن أبي بصير، قال:
كان أبو عبد اللّه (عليه السلام) يعجبه الزبيبة (3). (4)
(12) و منه: أبو يوسف، عن إسماعيل المدائني، عن عبد اللّه بن بكير، قال:
أمر أبو عبد اللّه (عليه السلام) بلحم، فبرّد له، ثمّ اتي به، فقال: «الحمد للّه الّذي جعلني أشتهيه».
ثمّ قال: النعمة في العافية، أفضل من النعمة على القدرة. (5)
(13) و منه: أبي، عن صفوان، عن فضيل بن عثمان، عن نعيم الأحول، قال:
دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال لي:
اجلس فأصب معي من هذا الطعام حتّى أحدّثك بحديث سمعته من أبي، كان أبي يقول: لأن اطعم عشرة من المسلمين أحبّ إليّ من أن أعتق عشر رقبات. (6)
23- باب [سيرته في] عشائه (عليه السلام)
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبيدة الواسطي، عن عجلان، قال: تعشّيت مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) بعد عتمة (7)، و كان يتعشّى بعد عتمة، فاتي بخلّ
____________
(1) شره إلى الطعام: اشتدّ ميله إليه.
(2) 2/ 443 ح 316، عنه الوسائل: 16/ 496 ح 5، و البحار: 66/ 405 ح 5.
(3) قال المجلسي (ره): الزبيية: كأنّها الشورباجة التي تصنع من الزبيب المدقوق ....
(4) 2/ 401 ح 92، عنه البحار: 66/ 506 ح 10. و رواه في الكافي: 6/ 316 ح 7 عن العدّة، عن أحمد بن محمّد (مثله)، عنه الوسائل: 17/ 43 ح 1.
(5) 2/ 406 ح 112، عنه البحار: 66/ 59 ح 11. و رواه في الكافي: 6/ 296 ح 74 عن العدّة، عن سهل بن زياد، عن يعقوب بن يزيد، عن إسماعيل المدائني (مثله)، عنه الوسائل: 16/ 481 ح 7.
(6) 2/ 394 ح 50، عنه البحار: 74/ 364 ح 30.
(7) العتمة: وقت صلاة العشاء، و قيل: الثلث الأوّل من الليل بعد غيبوبة الشفق.
170
و زيت و لحم بارد، فجعل ينتف اللحم فيطعمنيه، و يأكل هو الخلّ و الزيت و يدع اللحم، فقال: إنّ هذا طعامنا و طعام الأنبياء. (1)
2- و منه: أبو عليّ الأشعري، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن الحسن بن عليّ، عن يونس بن يعقوب، عن سليمان بن خالد، عن عامل كان لمحمّد بن راشد، قال:
حضرت عشاء جعفر بن محمّد (عليهم السلام) في الصيف، فاتي بخوان (2) عليه خبز، و اتي بجفنة (3) فيها ثريد و لحم يفور، فوضع يده فيها، فوجدها حارّة، ثمّ رفعها و هو يقول:
نستجير باللّه من النار، نعوذ باللّه من النار، نحن لا نقوى على هذا، فكيف النار؟! و جعل يكرّر هذا الكلام حتّى أمكنت القصعة، فوضع يده فيها، و وضعنا أيدينا حتّى أمكنتنا، فأكل و أكلنا معه.
ثمّ إنّ الخوان رفع، فقال (عليه السلام): يا غلام! ائتنا بشيء. فاتي بتمر في طبق، فمددت يدي فإذا هو تمر، فقلت: أصلحك اللّه، هذا زمان الأعناب و الفاكهة؟! قال (عليه السلام): إنّه تمر.
ثمّ قال: ارفع هذا و ائتنا بشيء.
فاتي بتمر في طبق فمددت يدي، فقلت: هذا تمر. قال: إنّه طيّب. (4)
استدراك (1) المحاسن: منصور بن العبّاس، عن سليمان بن راشد، عن أبيه، عن المفضّل ابن عمر، قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) ليلة و هو يتعشّى، فقال:
____________
(1) 6/ 328 ح 4، عنه البحار: 47/ 41 ح 50، و ج 66/ 180 ح 7، و الوسائل: 17/ 63 ح 2، و حلية الأبرار: 2/ 183. و رواه في المحاسن: 2/ 482 ح 518 عن أبيه، عن ابن أبي عمير (مثله).
(2) الخوان: ما يؤكل عليه، معرّب.
(3) الجفنة: القصعة الكبيرة.
(4) 8/ 164 ح 174، عنه البحار: 47/ 37 ح 39، و الوسائل: 17/ 102 ح 2.
و روى (صدره) في المحاسن: 2/ 407 ح 122 عن ابن محبوب، عن يونس بن يعقوب، عن سليمان ابن خالد (نحوه). عنه البحار: 66/ 403 ح 14. و روى صدره في الكافي: 6/ 322 ح 5:
محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن يونس بن يعقوب، عن سليمان بن خالد قال، عنه الوسائل: 16/ 516 ح 3.
171
يا مفضّل! ادن، فكل. قلت: تعشّيت. فقال: ادن فكل، فإنّه يستحبّ للرجل إذا اكتهل ألّا يبيت إلّا و في جوفه طعام حديث، فدنوت فأكلت. (1)
(2) و منه: أبي، عن محمّد بن سنان، عن زياد بن أبي الحلال، قال:
تعشّيت مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) بلحم ملبّن، فقال: هذا مرق الأنبياء.
الكافي: أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان (مثله). (2)
(3) المحاسن: صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير، عن داود بن كثير، قال:
تعشّيت مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) عتمة، فلمّا فرغ من عشائه حمد اللّه، ثمّ قال:
هذا عشائي و عشاء آبائي. فلمّا رفع الخوان تقمّم (3) ما سقط عنه، ثمّ ألقاه إلى فيه.
الكافي: عليّ بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن أبان بن عثمان، عن داود بن كثير (مثله). (4)
(4) المحاسن: أبيه، عن سعدان، عن معتّب، قال:
لمّا تعشّى أبو عبد اللّه (عليه السلام) قال لي: ادخل الخزانة فاطلب لي سكّرتين. فأتيته بهما. (5)
(5) و منه: عن محمّد بن عليّ، عن عبيس بن هشام، عن الحسين بن أحمد المنقري، عن يونس بن ظبيان، قال: كنت مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) فحضر وقت العشاء، فذهبت أقوم؛
____________
(1) 2/ 422 ح 206، عنه البحار: 66/ 344 ح 14، و الوسائل: 16/ 470 ح 7.
(2) 2/ 468 ح 448، 6/ 316 ح 3 و فيه «بلحم بلبن» و أخرجه في الوسائل: 17/ 40 ح 1 و ص 41 ح 3 عن الكافي؛ و في البحار: 66/ 69 ح 56 عن المحاسن و رواه في المحاسن: 2/ 466 ح 438 عن أبيه، عن ابن أبي عمير و النضر بن سويد، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال (مثله). عنه البحار: 66/ 68 ح 46.
(3) تقمّم ما على المائدة: أكله و لم يترك منه شيئا.
(4) 2/ 443 ح 319، 6/ 300 ح 2.
و أخرجه في البحار: 66/ 428 ح 1، عن المحاسن، و في الوسائل: 16/ 469 ح 5 عن الكافي.
(5) 2/ 501 ح 625، عنه البحار: 66/ 299 ح 7، و رواه في الكافي: 6/ 333 و زاد بعد قوله فاطلب لي سكّرتين «فقلت: جعلت فداك، ليس ثمّ شيء، فقال: ادخل ويحك! قال:
فدخلت، فوجدت» عنه الوسائل: 17/ 79 ح 1.
172
فقال: اجلس يا عبد اللّه! فجلست حتّى وضع الخوان، فسمّى حين وضع الخوان؛
فلمّا فرغ، قال: الحمد للّه، اللهمّ هذا منك (و من محمّد) (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) (1). (2)
*** 24- باب غدائه (عليه السلام)
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: محمّد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن عبد اللّه بن سنان، عن عبد اللّه بن سليمان، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الجبن، فقال:
لقد سألتني عن طعام يعجبني، ثمّ أعطى الغلام درهما، فقال: يا غلام! ابتع لي جبنا.
و دعا بالغداء، فتغدّينا معه، و اتي بالجبن، فأكل و أكلنا. (3)
استدراك (1) المحاسن: أبو سليمان الحذّاء الجبلي، عن محمّد بن الفيض، قال: تغدّيت مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) و على الخوان بقل، و معنا شيخ، فجعل يتنكّب (4) عن الهندباء؛
فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): أما إنّكم تزعمون أنّها باردة، و ليس كذلك إنّما هي معتدلة، و فضلها على البقول كفضلنا على الناس.
الكافي: عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد اللّه (مثله). (5)
____________
(1) «بمحمّد»: م.
(2) 2/ 437 ح 284، عنه البحار: 66/ 378 ح 38، و رواه في الكافي:
6/ 295 ح 21، عنهما الوسائل: 16/ 488 ح 8؛ تقدّم نحو الحديث: 168 ح 9.
(3) 6/ 339 صدر ح 1، عنه البحار: 46/ 304 ح 53، و ج 47/ 42 ح 53، و ج 65/ 156 ح 29، و الوسائل: 17/ 90 ح 1. و رواه في المحاسن: 2/ 496 ح 596، عنه البحار: 65/ 152، و ج 66/ 104 ح 3، و الوسائل المذكور.
(4) نكّب عنه: عدل و تنحّى.
(5) 2/ 509 ح 670، 6/ 363 ح 7، عنهما الوسائل: 17/ 141 ح 3، و أخرجه في البحار: 66/ 208 ح 17 عن المحاسن؛ و يأتي ص 179 ح 1 ما يناسب المقام.
173
25- باب [سيرته في] إطعام صبيانه (عليه السلام)
الأخبار، الأصحاب:
(1) الكافي: عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن إسماعيل بن مرّار، و غيره، عن يونس، عن هشام بن الحكم، عن زرارة، قال:
رأيت داية أبي الحسن موسى (عليه السلام) تلقمه الارز و تضربه عليه، فغمّني ما رأيته؛
فلمّا دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال لي: أحسبك غمّك الّذي رأيت من داية أبي الحسن موسى (عليه السلام)؟ فقلت له: نعم جعلت فداك؛
فقال لي: نعم الطعام الارز، يوسّع الأمعاء، و يقطع البواسير، و إنّا لنغبط أهل العراق بأكلهم الارز و البسر، فإنّهما يوسّعان الأمعاء، و يقطعان البواسير. (1)
26- باب [سيرته في] مشربه (عليه السلام)
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: عليّ بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير، عن عمرو ابن أبي المقدام، قال:
رأيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) قد اتي بقدح من ماء، فيه ضبّة من فضّة (2) فرأيته ينزعها بأسنانه. (3)
استدراك (1) المحاسن: ابن محبوب، عن يونس بن يعقوب، قال:
حدّثني سيف الطحّان، قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) و عنده رجل من قريش، فاستسقى أبو عبد اللّه (عليه السلام) فصبّ الغلام في قدح، فشرب- و أنا إلى جنبه- فناولني فضلته في
____________
(1) تقدّم ص 108 ح 2 (مثله).
(2) «ضبّة الفضّة: القطعة منها تلصق بالشيء» منه ره.
(3) 6/ 267 ح 6، عنه البحار: 47/ 39 ح 45، و ج 66/ 530 ح 15، و الوسائل: 2/ 1086 ح 6، و حلية الأبرار: 2/ 186، و رواه في المحاسن: 2/ 582 ح 64، عن محمّد بن عليّ، عن جعفر بن بشير (مثله) عنه البحار: 66/ 530 ح 15، و الوسائل المذكور.
174
القدح فشربتها، ثمّ قال: يا غلام! صبّ. فصبّ الغلام، و ناول القرشي. (1)
(2) و منه: محمّد بن عليّ، عن يونس بن يعقوب، عن أخيه يوسف، قال:
كنت مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الحجر، فاستسقى، فاتي بقدح من صفر، فقال له رجل:
إنّ عبّاد بن كثير يكره الشرب في الصفر! فقال: أ لا سألته ذهب أم فضّة؟!
الكافي: عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن عليّ (مثله). (2)
(3) المحاسن: القاسم بن محمّد الجوهري، عن شيبان بن عمرو، عن حريز، عن محمّد بن مسلم، قال: كنّا في مجلس أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فدخل علينا فتناول- إناء فيه ماء- بيده اليسرى، فشرب بنفس واحد، و هو قائم. (3)
(27) باب كيفيّة جلوسه (عليه السلام) عند الأكل (4)
(28) باب حمده (عليه السلام) عند الأكل [و بعده]
(1) المحاسن: الحسن بن عليّ بن فضّال، عن ابن بكير، عن عبيد بن زرارة، قال:
أكلت مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) طعاما، فما احصي كم مرّة قال:
«الحمد للّه الّذي جعلني أشتهيه». (5)
____________
(1) 2/ 583 ح 70، 6/ 385 ح 4، عنهما الوسائل: 2/ 1084 ح 6.
و أخرجه في البحار: 66/ 472 ح 51 عن المحاسن. و رواه في الفقيه: 3/ 353 ح 4240 بإسناده عن يونس بن يعقوب (نحوه)، و في التهذيب: 9/ 92 ح 128 بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن ابن فضّال، عن يونس بن يعقوب، عنهما الوسائل المذكور.
(2) 2/ 583 ح 68، 6/ 385 ح 4 و رواه في الفقيه: 3/ 353 ح 4240، عنها الوسائل: 2/ 1084 ح 6 و أخرجه في البحار: 66/ 531 ح 18 عن المحاسن.
(3) 2/ 456 ح 385، عنه الوسائل: 17/ 214 ح 2، و البحار: 66/ 465 ح 21.
(4) أقول: نحيل هذا الباب إلى كتاب فقهه (عليه السلام): الأطعمة و الأشربة، فإنّ فيه بحثا و بيانا.
(5) 2/ 437 ح 283 عنه البحار: 66/ 378 ح 37. و رواه في الكافي: 6/ 295 ح 17، عنه الوسائل:
16/ 487 ح 6. و تقدم ص 168، 169، 171 ح 9، 13، و ص 171 ح 5 ما يناسب عنوان الباب.
175
(29) باب سيرته (عليه السلام) مع ما يسقط من الخوان
(1) المحاسن: بعض أصحابنا، عن الأصمّ، عن عبد اللّه الأرجاني، قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) و هو يأكل، فرأيته يتّبع مثل السمسمة من الطعام ما يسقط من الخوان.
فقلت: جعلت فداك، تتّبع مثل هذا؟!
قال: يا عبد اللّه! هذا رزقك فلا تدعه لغيرك، أما إنّ فيه شفاء من كلّ داء.
و قال: و رواه يعقوب بن يزيد، عن ابن فضّال، عن أبي عبد اللّه الأرجاني (مثله). (1)
(2) و منه: منصور بن العبّاس، عن الحسن بن معاوية بن وهب، عن أبيه، قال:
أكلنا عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فلمّا رفع الخوان لقّط (2) ما وقع منه، فأكله؛
ثمّ قال: إنّه ينفي الفقر، و يكثر الولد. (3)
(30) باب تخلّله (عليه السلام)
(1) الكافي: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن وهب بن عبد ربّه، قال: رأيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يتخلّل، فنظرت إليه، فقال:
إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان يتخلّل، و هو يطيّب الفم. (4)
*** 31- باب سيرته (عليه السلام) مع مضيفه
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن أبيه، عن هارون بن الجهم قال: كنّا مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) بالحيرة حين قدم على أبي جعفر المنصور؛
____________
(1) 2/ 444 ح 321، عنه البحار: 66/ 428 ح 3. و رواه في الكافي: 6/ 301 ح 9، عنه الوسائل:
16/ 502 ح 6.
(2) من الكافي، و في المحاسن: تلقّط.
(3) 2/ 444 ح 326، عنه البحار: 66/ 429 ح 8. و رواه في الكافي: 6/ 300 ح 4، عنه الوسائل:
16/ 502 ح 6. و تقدّم ص 171 ح 3 في الاستدراكات ما يناسب المقام.
(4) 6/ 376 ح 3، عنه الوسائل: 16/ 531 ح 1.
176
فختن بعض القوّاد ابنا له، و صنع طعاما و دعا الناس، و كان أبو عبد اللّه (عليه السلام) فيمن دعي؛ فبينما هو على المائدة يأكل و معه عدّة على المائدة، فاستسقى رجل منهم ماء،
فاتي بقدح فيه شراب لهم، فلمّا أن صار القدح في يد الرجل قام أبو عبد اللّه عن المائدة، فسئل عن قيامه، فقال (عليه السلام): قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):
«ملعون ملعون من جلس على مائدة يشرب عليها الخمر».
و في رواية اخرى: «ملعون ملعون، من جلس طائعا على مائدة يشرب عليها الخمر». (1)
2- و منه: الحسين بن محمّد، عن أحمد بن إسحاق، و محمّد بن يحيى، عن أحمد ابن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن إسماعيل جميعا، عن سعدان بن مسلم، عن بعض أصحابنا، قال: لمّا قدم أبو عبد اللّه (عليه السلام) الحيرة، ركب دابّته و مضى إلى الخورنق (2)، و نزل فاستظلّ بظلّ دابّته، و معه غلام له أسود، فرأى رجلا (3) من أهل الكوفة قد اشترى نخلا؛
فقال للغلام: من هذا؟
فقال له: هذا جعفر بن محمّد (عليهما السلام)، فجاء بطبق ضخم فوضعه بين يديه؛
فقال (عليه السلام) للرجل: ما هذا؟ فقال: هذا البرني (4). فقال: فيه شفاء؛
و نظر إلى السابري (5) فقال: ما هذا؟ فقال: السابري. فقال: هذا عندنا البيض (6).
____________
(1) 6/ 268 ح 1، عنه البحار: 47/ 39 ح 44، و الوسائل: 16/ 400 ح 1، و أورده في المحاسن:
2/ 585 عن هارون بن الجهم (مثله) عنه البحار: 79/ 141 ح 54. يأتي ص 463 ح 1.
(2) الخورنق: موضع بالكوفة، قيل: إنّه نهر، و المعروف أنّه القصر القائم إلى الآن بالكوفة بظاهر الحيرة، قيل: بناه النعمان بن المنذر في ستّين سنة، بناه له رجل يقال له: سنمار .. (مراصد الاطلاع: 1/ 489).
(3) و ثمّ رجل: المحاسن، و البحار.
(4) البرني: هو نوع من أجود التمور.
(5) ضرب من التمر؛
يقال: أجود تمر بالكوفة النرسيان و السابري (صحاح الجوهري: 2/ 676).
(6) البيض- بالكسر-: لون من التمر (القاموس المحيط: 2/ 325).
177
و قال للمشان (1): ما هذا؟ فقال الرجل: المشان. فقال: هذا عندنا أمّ جرذان (2).
و نظر إلى الصرفان (3)، فقال: ما هذا؟ فقال الرجل: الصرفان.
فقال: هو عندنا العجوة (4)، و فيه شفاء. (5)
32- باب سيرته (عليه السلام) مع ضيفه
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عمر بن عبد العزيز، عن رجل، عن عبد الرحمن بن الحجّاج، قال:
أكلنا مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) فاتينا بقصعة من ارز، فجعلنا نعذّر (6)؛
فقال: ما صنعتم شيئا، إنّ أشدّكم حبّا لنا أحسنكم أكلا عندنا؛
قال عبد الرحمن: فرفعت كشحة (7) المائدة، فأكلت، فقال:
____________
(1) المشان: نوع من الرطب (الصحاح للجوهري: 6/ 2204).
(2) أمّ جرذان: هو نوع من التمر كبار، قيل: إنّ نخله يجتمع تحته الفأر، و هو الّذي يسمّى بالكوفة الموشان- يعنون الفار- بالفارسيّة (النهاية: 1/ 258).
(3) الصرفان: هو ضرب من أجود التمر و أوزنه (النهاية: 3/ 24).
(4) العجوة: و هو نوع من تمر المدينة أكبر من الصيحاني يضرب إلى السواد من غرس النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) (النهاية: 3/ 188).
(5) 6/ 347 ح 15، عنه البحار: 47/ 44 ح 60، الوسائل: 17/ 106 ح 5 (قطعة)، و رواه في المحاسن للبرقي: 2/ 536 ح 806، عنه البحار: 66/ 136 ح 44. يأتي ص 463 ح 1.
(6) قال ابن الأثير في النهاية: 3/ 198: منه الحديث:
«جاء بطعام جشب فكنّا نعذّر» أي نقصّر، و نري أنّنا مجتهدون.
(7) «لعلّ المراد بكشحة المائدة جانبها، أو المراد أكل ما يليه من الطعام؛
و الكشح: ما بين الخاصرة إلى الضلع الخلف» منه ره.
أقول: قال في معجم مقاييس اللغة: 5/ 184، الكاشح: الّذي يتباعد عنك.
و المعنى استعارة و المراد ظاهرا رفع ما كان يباعدهم عن المائدة من خجل أو حياء؛ و في بعض نسخ المصدر: «كسحة» بالسين المهملة.
178
نعم الآن، و أنشأ يحدّثنا أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) اهدي إليه قصعة ارز من ناحية الأنصار؛ فدعا سلمان و المقداد و أبا ذرّ رحمهم اللّه، فجعلوا يعذّرون في الأكل، فقال:
«ما صنعتم شيئا، أشدّكم حبّا لنا أحسنكم أكلا عندنا» فجعلوا يأكلون أكلا جيّدا.
ثمّ قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): رحمهم اللّه، و رضي اللّه عنهم، و صلّى عليهم. (1)
2- منه: عليّ بن محمّد بن بندار، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن عدّة من أصحابه، عن يونس بن يعقوب، عن عبد اللّه بن سليمان الصيرفي، قال:
كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقدّم إلينا طعاما فيه شواء و أشياء بعده، ثمّ جاء بقصعة من ارز فأكلت معه، فقال: كل. قلت: قد أكلت. فقال: كل، فإنّه يعتبر حبّ الرجل لأخيه بانبساطه في طعامه. ثمّ حاز (2) لي حوزا بإصبعه من القصعة؛
فقال لي: لتأكلنّ ذا بعد ما [قد] أكلت، فأكلته. (3)
3- و منه: الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الحسن بن عليّ، عن يونس، عن أبي الربيع، قال: دعا أبو عبد اللّه (عليه السلام) بطعام، فاتي بهريسة، فقال لنا: ادنوا فكلوا.
قال: فأقبل القوم يقصّرون، فقال (عليه السلام): كلوا، فإنّما تستبين مودّة الرجل لأخيه في أكله [عنده]. قال: فأقبلنا نغصّ (4) أنفسنا كما تغصّ الإبل. (5)
4- و منه: عدّة من أصحابنا، عن البرقي، عن عثمان بن عيسى، عن أبي سعيد، عن أبي حمزة، قال: كنّا عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) جماعة، فدعا بطعام مالنا عهد بمثله لذاذة و طيبا،
____________
(1) 6/ 278 ح 2، عنه البحار: 47/ 39 ح 45، و الوسائل: 16/ 437 ح 3، و حلية الأبرار: 2/ 189.
و رواه في المحاسن: 2/ 414 ح 163 (و فيه: عن عمر بن عبد العزيز الملقّب بزحل) عنه البحار:
75/ 450 ح 9.
(2) حاز: جمع.
(3) 6/ 279 ح 4، عنه البحار: 47/ 40 ح 46، و الوسائل: 16/ 437 ح 5، و حلية الأبرار: 2/ 189.
و رواه في المحاسن: 2/ 413 ح 158، عنه البحار: 75/ 449 ح 4، و الوسائل المذكور.
(4) غصّ المكان بأهله: ضاق. و المنزل غاصّ بالقوم: أي ممتلي بهم؛
و في المحاسن «نصعر». يقال: اصعرّت الإبل: سارت شديدا.
(5) 6/ 279 ح 6، عنه البحار: 47/ 40 ح 47، و الوسائل: 16/ 437 ح 5.
و رواه في المحاسن: 2/ 413 ح 162، عنه البحار: 75/ 450 ح 8.
179
و اتينا بتمر ننظر فيه إلى وجوهنا من صفائه و حسنه.
فقال رجل: لتسألنّ عن هذا النعيم الّذي نعمتم به عند ابن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): [إنّ] اللّه عزّ و جلّ أكرم و أجلّ من أن يطعمكم طعاما فيسوّغكموه (1) ثمّ يسألكم عنه، و لكن يسألكم عمّا أنعم عليكم بمحمّد و آل محمّد. (2)
5- و منه: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن موسى، عن ذبيان بن حكيم، عن موسى النميري، عن ابن أبي يعفور، قال:
رأيت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) ضيفا، فقام يوما في بعض الحوائج، فنهاه عن ذلك؛
و قام بنفسه إلى تلك الحاجة، و قال: نهى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عن أن يستخدم الضيف. (3)
استدراك 1- المحاسن: أبي، عن محمّد بن أبي عمير، عن هشام بن سالم، قال:
دخلت مع عبد اللّه بن أبي يعفور على أبي عبد اللّه (عليه السلام) و نحن جماعة، فدعا بالغداء، فتغدّينا و تغدّى معنا، و كنت أحدث القوم سنّا، فجعلت اقصّر و أنا آكل.
فقال لي: كل، أ ما علمت أنّه تعرف مودّة الرجل لأخيه بأكله من طعامه.
الكافي: عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير (مثله). (4)
(2) المحاسن: إسماعيل بن مهران، عن سيف بن عميرة، عن أبي المغراء حميد بن المثنّى العجلي، قال: حدّثني خالي عنبسة بن مصعب:
____________
(1) ساغ الشراب: هنأ و سهل مدخله في الحلق فهو سائغ.
(2) 6/ 280 ح 3، عنه البحار: 47/ 40 ح 48، و الوسائل: 16/ 445 ح 3، و حلية الأبرار: 2/ 185، و البرهان: 4/ 502 ح 3. و رواه في المحاسن: 2/ 400 ح 83 عن عثمان بن عيسى (مثله) و عن محمّد بن عليّ، عن عيسى بن هاشم، عن أبي خالد القمّاط، عن أبي حمزة (مثله)، عنه البحار:
24/ 53 ح 10، و ج 66/ 318 ح 11.
(3) 6/ 283 ح 1، عنه الوسائل: 16/ 457 ح 1 و البحار: 47/ 41 ح 49، و حلية الأبرار: 2/ 190.
(4) 2/ 413 ح 160، 6/ 278 ح 1. أخرجه في البحار: 75/ 449 ح 6 عن المحاسن، و في الوسائل: 16/ 436 ح 1 عن الكافي، و تقدّمت الإشارة إليه في باب غدائه (عليه السلام). ص 172.
180
قال أتينا أبا عبد اللّه (عليه السلام) و هو يريد الخروج إلى مكّة، فأمر بسفرته، فوضعت بين أيدينا؛ فقال: كلوا. فأكلنا و جعلنا نقصّر في الأكل، فقال: كلوا. فأكلنا؛ فقال: أبيتم أبيتم، إنّه كان يقال: اعتبر حبّ القوم بأكلهم. قال: فأكلنا، و ذهبت الحشمة.
الكافي: عليّ بن محمّد بن بندار، عن أحمد بن أبي عبد اللّه (مثله). (1)
(3) المحاسن: ابن فضّال، عن يونس بن يعقوب، قال: أكلت مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) شواء، فجعل يلقي بين يديّ، ثمّ قال: إنّه يقال: «اعتبر حبّ الرجل بأكله من طعام أخيه».
الكافي: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن محبوب، عن يونس ابن يعقوب (مثله). (2)
(4) روضة الواعظين: روي أنّه نزل على أبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام) قوم من جهينة (3) فأضافهم، فلمّا أرادوا الرحلة زوّدهم، و وصلهم و أعطاهم، ثمّ قال لغلمانه: تنحّوا لا تعينوهم. فلمّا فرغوا، جاءوا ليودّعوه، فقالوا له: يا ابن رسول اللّه! لقد أضفت فأحسنت الضيافة، و أعطيت فأجزلت العطيّة، ثمّ أمرت غلمانك أن لا يعينونا على الرحلة.
فقال (عليه السلام): إنّا لأهل بيت لا نعين أضيافنا على الرحلة من عندنا. (4)
(33) باب سيرته (عليه السلام) في إطعام المساكين
(1) الأنوار القدسيّة:
كان جعفر بن محمّد (عليهما السلام) يطعم المساكين حتّى لا يبقى لعائلته شيء. (5)
***
____________
(1) 2/ 413 ح 161، 6/ 279 ح 5؛
أخرجه في الوسائل: 16/ 437 ح 4، و في البحار: 75/ 449 ح 7.
(2) 2/ 413 ح 157، 6/ 278 ح 3؛
أخرجه في الوسائل: 16/ 436 ح 2 عن الكافي، و في البحار: 75/ 449 ح 3.
(3) جهينة- بلفظ التصغير-: قرية كبيرة من نواحي الموصل على دجلة، و بقربها عين القيارة، و بها عين يخرج منها القار ... (مراصد الاطلاع: 1/ 363).
(4) 27، عنه ملحقات الإحقاق: 19/ 510.
(5) 253.
181
34- باب سيرته (عليه السلام) مع الغرباء
الأخبار، الأصحاب:
1- رجال الكشّي: طاهر بن عيسى الورّاق، عن جعفر بن أحمد بن أيّوب، عن صالح بن أبي حمّاد، عن ابن أبي الخطّاب، عن محمّد بن سنان، عن محمّد بن زيد الشحّام، قال: رآني أبو عبد اللّه (عليه السلام) و أنا اصلّي، فأرسل إليّ و دعاني؛
فقال لي: من أين أنت؟ قلت: من مواليك. قال: فأيّ مواليّ؟ قلت: من الكوفة.
فقال: من تعرف من الكوفة؟ قلت: بشير النبّال، و شجرة (1).
قال: و كيف صنيعتهما إليك؟ قلت: و ما أحسن صنيعتهما إليّ! قال:
خير المسلمين من وصل و أعان و نفع، ما بتّ ليلة قطّ- و اللّه- و في مالي حقّ يسألنيه.
ثمّ قال: أيّ شيء معكم من النفقة؟ قلت: عندي مائتا درهم. قال: أرنيها. فأتيته بها؛ فزادني فيها ثلاثين درهما و دينارين، ثمّ قال: تعشّ عندي. فجئت فتعشّيت عنده.
قال: فلمّا كان من القابلة (2) لم أذهب إليه، فأرسل إليّ، فدعاني من غده؛
فقال: مالك لم تأتني البارحة، قد شفقت عليّ؟ قلت: لم يجئني رسولك.
قال: فأنا رسول نفسي إليك، ما دمت مقيما في هذه البلدة، أيّ شيء تشتهي من الطعام؟
قلت: اللبن، فاشترى من أجلي شاة لبونا، قال:
فقلت له: علّمني دعاء. قال: اكتب:
«بسم اللّه الرحمن الرحيم، يا من أرجوه لكلّ خير، و آمن سخطه عند كلّ عثرة (3)، يا من يعطي الكثير بالقليل، و يا من أعطى من سأله تحنّنا منه و رحمة، يا من أعطى من لم يسأله و لم يعرفه، صلّ على محمّد و أهل بيته، و أعطني بمسألتي [إيّاك جميع] خير الدنيا، و جميع خير الآخرة، فإنّه غير منقوص ما أعطيت، و زدني من سعة فضلك، يا كريم؛
____________
(1) هو شجرة بن ميمون بن أبي أراكة النبّال، من أصحاب الصادق و الباقر (عليهما السلام) (راجع معجم رجال الحديث: 9/ 13).
(2) أي: الليلة القادمة.
(3) كذا في «م، ب». و في «ع» و بقيّة الموارد «شرّ». و كلاهما وارد، و ما في المتن أظهر، و قد ورد مثله في أدعية الإمام السّجاد (عليه السلام) في نوافل يوم الجمعة، راجع الصحيفة السجاديّة الجامعة: 579.
182
ثمّ رفع يديه، فقال: «يا ذا المنّ و الطول، يا ذا الجلال و الإكرام؛ يا ذا النعماء و الجود، ارحم شيبتي من النار»، ثمّ وضع يده على لحيته، و لم يرفعها إلّا و قد امتلأ ظهر كفّه دموعا. (1)
35- باب سيرته (عليه السلام) مع السائل
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: العدّة، عن أحمد بن محمّد، عن عثمان بن عيسى، عن مسمع بن عبد الملك، قال: كنّا عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) بمنى، و بين أيدينا عنب نأكله.
فجاء سائل فسأله، فأمر بعنقود فأعطاه، فقال السائل: لا حاجة لي في هذا، إن كان درهم! قال: يسع اللّه عليك. فذهب ثمّ رجع، فقال: ردّوا العنقود. فقال (عليه السلام): يسع اللّه لك، و لم يعطه شيئا.
ثمّ جاء سائل آخر، فأخذ أبو عبد اللّه (عليه السلام) ثلاث حبّات عنب فناولها إيّاه؛
فأخذها السائل من يده، ثمّ قال: الحمد للّه ربّ العالمين الّذي رزقني.
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): مكانك. فحشا ملء كفّيه عنبا فناولها إيّاه؛
فأخذها السائل من يده، ثمّ قال: الحمد للّه ربّ العالمين.
فقال: أبو عبد اللّه (عليه السلام): مكانك، يا غلام! أيّ شيء معك من الدراهم؟ فإذا معه نحو من عشرين درهما، فيما حزرناه (2) أو نحوها، فناولها إيّاه، فأخذها، ثمّ قال: الحمد للّه، هذا منك وحدك لا شريك لك. فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): مكانك. فخلع قميصا كان عليه، فقال: البس هذا. فلبسه، ثمّ قال: الحمد للّه الّذي كساني و سترني يا أبا عبد اللّه- أو قال:
جزاك اللّه خيرا، لم يدع لأبي عبد اللّه (عليه السلام) إلّا بذا- ثمّ انصرف فذهب،
قال: فظننّا أنّه لو لم يدع له لم يزل يعطيه، لأنّه كلّما كان يعطيه حمد اللّه أعطاه. (3)
____________
(1) 369 ح 689، عنه البحار: 47/ 36 ح 35، و ج 95/ 360 ح 15. و أورده في إقبال الأعمال:
644، بإسناده عن محمّد [بن ذكوان] السجّاد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (مثله) باختلاف.
(2) حزر الشيء: قدّره بالحدس و خمّنه.
(3) 4/ 49 ح 12، عنه البحار: 47/ 42 ح 56، و الوسائل: 6/ 272 ح 1، و حلية الأبرار: 2/ 175.
183
2- مشارق الأنوار: إنّ فقيرا سأل الصادق (عليه السلام)، فقال لعبده: ما عندك؟
قال: أربعمائة درهم. فقال: أعطه إيّاها. فأعطاها، فأخذها و ولّى شاكرا؛
فقال لعبده: أرجعه. فقال: يا سيّدي! سألت فأعطيت، فما ذا بعد العطاء؟
فقال له: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «خير الصدقة ما أبقت غنى»، و إنّا لم نغنك، فخذ هذا الخاتم، فقد اعطيت فيه عشرة آلاف درهم، فإذا احتجت فبعه بهذه القيمة. (1)
3- كتاب قضاء الحقوق للصوري: عن إسحاق بن إبراهيم بن يعقوب (2)، قال:
كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) و عنده المعلّى بن خنيس إذ دخل عليه رجل من أهل خراسان، فقال: يا ابن رسول اللّه! أنا من مواليكم أهل البيت، و بيني و بينكم شقّة بعيدة، و قد قلّ ذات يدي، و لا أقدر أن أتوجّه إلى أهلي إلّا أن تعينني.
قال: فنظر أبو عبد اللّه (عليه السلام) يمينا و شمالا، و قال: أ لا تستمعون ما يقول أخوكم؟
إنّما المعروف ابتداء، فأمّا ما أعطيت بعد ما سئلت، فإنّما هو مكافأة لما بذل لك من وجهه، ثمّ قال: فيبيت ليلته متأرّقا متململا بين اليأس و الرجاء، لا يدري أين يتوجّه بحاجته، فيعزم على القصد إليك، فأتاك و قلبه يرجف (3) و فرائصه ترتعد، و قد نزل دمه في وجهه، و بعد هذا فلا يدري أ ينصرف من عندك بكآبة الردّ، أم بسرور النجح، فإن أعطيته رأيت أنّك قد وصلته!؟
و قد قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «و الّذي فلق الحبّة و برأ النسمة، و بعثني بالحقّ نبيّا لما يتجشّم (4) من مسألته إيّاك، أعظم ممّا ناله من معروفك».
قال: فجمعوا للخراساني خمسة آلاف درهم، و دفعوها إليه. (5)
____________
(1) 93، عنه البحار: 47/ 61 ضمن ح 116، و مستدرك الوسائل: 7/ 177 ح 4.
(2) «إسحاق بن أبي إبراهيم بن يعقوب» م، و الظاهر هو إسحاق بن إبراهيم الأزدي العطّار أبو يعقوب الكوفي، أبو ابراهيم، عدّه الشيخ في رجاله ص 149، 150 من أصحاب الصادق (عليه السلام)، (راجع تنقيح المقال: 1/ 110).
(3) «يجب» خ. و وجب القلب: رجف و خفق.
(4) «يحشم» م، و جشمت الأمر بالكسر، و تجشّمته: إذا تكلّفته. و حشمه: آذاه بتسميعه ما يكره.
(5) 28 ح 37، عنه البحار: 47/ 61 ح 118.
185
فقال (عليه السلام): مه! ليس ذاك لكم حتّى تعطوا ثلاثة؛
[فإن أعطيتم بعد ذلك] (1) فلكم، و إن أمسكتم فلكم.
الكافي: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن حديد، عن مرازم، عن مصادف (مثله). (2)
(2) و منه: عليّ بن محمّد، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن أبيه، عن النضر بن سويد، عن موسى بن بكر، عن عجلان قال:
كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فجاء سائل، فقام إلى مكتل (3) فيه تمر، فملأ يده فناوله؛
ثمّ جاء آخر فسأله، فقام فأخذ بيده فناوله، ثمّ جاء آخر فسأله، فأخذ بيده فناوله؛
ثمّ جاء آخر فسأله، فقام فأخذ بيده فناوله. ثمّ جاء آخر، فقال: اللّه رازقنا و إيّاك.
ثمّ قال: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان لا يسأله أحد من الدنيا شيئا إلّا أعطاه.
فأرسلت إليه امرأة ابنا لها، فقالت: انطلق إليه فاسأله، فإن قال لك: ليس عندنا شيء، فقل: أعطني قميصك، قال: فأخذ قميصه فرمى به إليه؛
و في نسخة اخرى: فأعطاه، فأدّبه اللّه تبارك و تعالى على القصد، فقال: وَ لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَ لا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً (4). (5)
(3) و منه: عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن حسين بن مختار، عن الوليد بن صبيح، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: صحبته بين مكّة و المدينة، فجاء سائل، فأمر أن يعطى، ثمّ جاء آخر، فأمر أن يعطى، ثمّ جاء آخر، فأمر أن يعطى، ثمّ جاء الرابع، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): يشبعك اللّه، ثمّ التفت إلينا، فقال: أما إنّ عندنا ما نعطيه، و لكن أخشى أن نكون كأحد الثلاثة الّذين لا يستجاب لهم دعوة:
____________
(1) في الكافي «فإذا أعطيتم ثلاثة فإن أعطيتم».
(2) 2/ 47 ح 665، 3/ 566 ح 5، عنهما الوسائل: 6/ 138 ح 1. و أخرجه في حلية الأبرار: 2/ 179 عن الكافي.
(3) المكتل: زنبيل يعمل من الخوص.
(4) الإسراء: 29.
(5) 4/ 55 ح 7، عنه الوسائل: 15/ 264 ح 5، و البحار: 16/ 271 ح 9، و رواه العيّاشي: 2/ 189 ح 59، عنه البحار: 96/ 169 ح 15.
184
4- الكافي: أحمد بن إدريس، و غيره، عن محمّد بن أحمد، عن أحمد بن نوح بن عبد اللّه عن الذهلي- رفعه- عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: المعروف ابتداء، و أمّا من أعطيته بعد المسألة، فإنّما كافيته بما بذل لك من وجهه، يبيت ليلته أرقا متململا، يمثل (يميل، خ) بين الرجاء و اليأس، لا يدري أين يتوجّه لحاجته، ثمّ يعزم بالقصد لها فيأتيك، و قلبه يرجف، و فرائصه ترتعد، قد ترى دمه في وجهه، لا يدري أ يرجع بكآبة أم بفرح. (1)
5- و منه: عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن أبي الأصبغ، عن بندار ابن عاصم- رفعه- عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: [قال:]
ما توسّل إليّ أحد بوسيلة، و لا تذرّع بذريعة، أقرب له إلى ما يريده منّي من رجل سلف إليه منّي يد أتبعتها أختها و أحسنت ربّها (2)، فإنّي رأيت منع الأواخر، يقطع لسان شكر الأوائل و لا سخت نفسي بردّ بكر الحوائج، و قد قال الشاعر:
و إذا ابتليت ببذل وجهك سائلا * * * فابذله للمتكرّم المفضال
إنّ الجواد إذا حباك بموعد * * * أعطاكه سلسا (3)بغير مطال
و إذا السؤال مع النوال قرينة * * * رجح السؤال و خفّ كلّ نوال (4)
استدراك (1) من لا يحضره الفقيه: روي عن مصادف، قال: كنت مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) في أرض له و هم يصرمون (5) فجاء سائل يسأل، فقلت: اللّه يرزقك.
____________
(1) 4/ 23 ح 2، عنه البحار: 47/ 53 ح 85، و الوسائل: 6/ 319 ح 1.
(2) «و أحسنت ربّها: أي تربيتها بعدم المنع بعد ذلك العطاء، فإنّ منع النعم الأواخر يقطع لسان شكر المنعم عليه على النعم الأوائل، و لمّا ذكر أنّه يجب إتباع النعمة بالنعمة، بيّن أنّه لا يردّ بكر الحوائج أيضا أي الحاجة الاولى الّتي لم يسأل السائل قبلها» منه ره.
(3) «السلس، ككتف: السهل اللين المنقاد» منه ره.
(4) 4/ 24 ح 5، عنه البحار: 47/ 38 ح 42. و أورد قطعة منه في نزهة الناظر و تنبيه الخواطر: 120 ح 69 (و فيه تخريجات الحديث).
(5) الصرام: قطع الثمرة و اجتناؤها من النخلة.
186
رجل أعطاه اللّه مالا فأنفقه في غير حقّه، ثمّ قال: اللهمّ ارزقني فلا يستجاب له؛
و رجل يدعو على امرأته أن يريحه منها، و قد جعل اللّه عزّ و جلّ أمرها إليه. و رجل يدعو على جاره، و قد جعل اللّه عزّ و جلّ له السبيل إلى أن يتحوّل عن جواره و يبيع داره. (1)
*** 36- باب سيرته (عليه السلام) في الصدقة
الأخبار، الأئمّة، الصادق (عليه السلام):
1- الكافي: عليّ بن محمّد بن عبد اللّه، عن أحمد بن محمّد، عن غير واحد، عن عليّ ابن أسباط، عمّن رواه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:
كان بيني و بين رجل قسمة أرض، و كان الرجل صاحب نجوم، و كان يتوخّى (2) ساعة السعود فيخرج فيها، و أخرج أنا في ساعة النحوس، فاقتسمنا، فخرج لي خير القسمين؛
فضرب الرجل بيده اليمنى على اليسرى، ثمّ قال: ما رأيت كاليوم قطّ!
قلت: ويل الآخر، و ما ذاك (3)؟ قال: إنّي صاحب نجوم أخرجتك في ساعة النحوس، و خرجت أنا في ساعة العود، ثمّ قسمنا، فخرج لك خير القسمين.
فقلت: أ لا أحدّثك بحديث حدّثني به أبي (عليه السلام)؟ قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «من سرّه أن يدفع اللّه عنه نحس يومه فليفتتح يومه بصدقة، يذهب اللّه بها عنه نحس يومه، و من أحبّ أن
____________
(1) 2/ 510 ح 1، عنه الوسائل: 4/ 1158 ح 1. و رواه في الخصال: 1/ 160 ح 208، و من لا يحضره الفقيه: 2/ 69 ح 1747. الكافي: 4/ 16 ح 1 عن الوليد (مثله)، و في أمالي الطوسي:
2/ 292 عن خلاد، عن رجل (نحوه).
(2) يتوخّى: يقصد و يتحرّى.
(3) «ويك أ لا اخبرك ذاك» ع، ب. أ لا اخبرك ذاك: أي أ لا أخبرك ذاك الّذي تدّعيه بما هو خير لك.
و في بعض النسخ: أ لا خبرك ذاك؟ فلعلّه بضمّ الخاء أي ليس علمك نفعه هذا الّذي ترى.
و في بعضها: خيرك، أي أ ليس خيرك في تلك القسمة الّتي وقعت؟
و في بعض النسخ: ويل الآخر ما ذاك؟
و وجّه بأنّ من قاعدة العرب أنّه إذا أراد حكاية ما لا يناسب مواجهة المحكيّ له به يعبّره هكذا، كما يعبّر عن ويلي بقولهم ويله، فعبّر عن ويلك عند نقل الحكاية للراوي بقوله: ويل الآخر» منه ره.
188
38- باب سيرته (عليه السلام) في صلة الرحم
الأخبار، الأصحاب:
1- أمالي الطوسي: روي عن أحمد بن عبدون، عن عليّ بن محمّد بن الزبير، عن عليّ بن [الحسن بن] فضّال، عن العبّاس بن عامر، عن أبي جعفر الخثعمي- قريب إسماعيل ابن جابر- قال: أعطاني أبو عبد اللّه (عليه السلام) خمسين دينارا في صرّة، فقال [لي]:
ادفعها إلى رجل من بني هاشم و لا تعلمه أنّي أعطيتك شيئا، قال: فأتيته؛
فقال: من أين هذا؟ جزاه اللّه خيرا. فما يزال كلّ حين يبعث بها فنكون ممّا يعيش فيه إلى قابل، و لكن لا يصلني جعفر بدرهم، في كثرة ماله! (1)
2- تنبيه الخواطر: الفضل بن أبي قرّة (2)، قال: كان أبو عبد اللّه (عليه السلام) يبسط رداءه و فيه صرر الدنانير، فيقول للرسول: اذهب بها إلى فلان و فلان- من أهل بيته- و قل لهم: هذه بعث بها إليكم من العراق.
قال: فيذهب بها الرسول إليهم فيقول ما قال، فيقولون: أمّا أنت فجزاك اللّه خيرا بصلتك قرابة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و أمّا جعفر فحكم اللّه بيننا و بينه!
قال: فخرّ أبو عبد اللّه (عليه السلام) ساجدا، و يقول: اللهمّ أذلّ رقبتي لولد أبي. (3)
39- باب سيرته (عليه السلام) مع أصحابه
الأخبار، الأصحاب، عنه (عليه السلام):
1- أمالي الطوسي: الحسين بن إبراهيم القزويني، عن محمّد بن وهبان، عن أحمد ابن إبراهيم، عن الحسن بن عليّ الزعفراني، عن البرقي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن
____________
(1) 2/ 290، عنه البحار: 47/ 54 ح 88. و أورده في تنبيه الخواطر: 2/ 82.
و تقدّم مثله عن المناقب لابن شهرآشوب ص 124 ضمن ح 7.
(2) هو الفضل بن أبي قرّة التميمي السمندي (راجع تنقيح المقال: 2/ 6).
(3) 2/ 266، عنه البحار: 47/ 60 ح 114. يأتي ما يناسب المقام ص 904 ح 1 باب حال الحسن بن عليّ بن عليّ بن الحسين (عليهما السلام).
187
يذهب اللّه عنه نحس ليلته [فليفتتح ليلته] بصدقة، يدفع اللّه عنه نحس ليلته».
فقلت: و إنّي افتتحت خروجي بصدقة، فهذا خير لك من علم النجوم. (1)
2- و منه: عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن محمّد بن شعيب، عن الحسين بن الحسن، عن عاصم، عن يونس، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام):
أنّه كان يتصدّق بالسكّر، فقيل له: أ تتصدّق بالسكّر؟
فقال: نعم، إنّه ليس شيء أحبّ إليّ منه، فأنا أحبّ أن أتصدّق بأحبّ الأشياء إليّ. (2)
استدراك
(37) باب صدقته (عليه السلام) على غير المسلم
(1) الكافي: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن حديد، عن مرازم، عن مصادف، قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) بين مكّة و المدينة، فمررنا على رجل في أصل شجرة و قد ألقى بنفسه، فقال: مل بنا إلى هذا الرجل، فإنّي أخاف أن يكون قد أصابه عطش.
فملنا فإذا رجل من الفراسين (3) طويل الشعر، فسأله أ عطشان أنت؟
فقال: نعم. فقال لي: انزل يا مصادف فاسقه. فنزلت فسقيته؛
ثمّ ركبت و سرنا، فقلت: هذا نصرانيّ! فتتصدّق على نصرانيّ؟
فقال: نعم، إذا كانوا في مثل هذا الحال. (4)
***
____________
(1) 4/ 6 ح 9، عنه البحار: 47/ 52 ح 84، و ج 58/ 273 ح 62، و الوسائل: 6/ 273 ح 1؛
و أورده الراوندي في نوادره: 53 عن الصادق، عن أبيه (عليهما السلام)، عنه البحار: 58/ 257 ح 48، و ج 96/ 131 ذ ح 62، و في دعواته: 112 ح 251، عن الصادق (عليه السلام)، عنه البحار: 58/ 257 ح 49.
(2) 4/ 61 ح 3، عنه البحار: 47/ 53 ح 86، و الوسائل: 6/ 330 ح 2، و التهذيب: 4/ 331 ح 104 و حلية الأبرار: 2/ 179.
(3) نسبة إلى الفرسان و هم فخذ- أي حيّ- من قبيلة مضر. راجع جمهرة النسب للكلبي: 273.
(4) 4/ 57 ح 4، عنه الوسائل: 6/ 285 ح 3، و حلية الأبرار 2/ 181.
189
هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:
لوددت أنّي و أصحابي في فلاة من الأرض حتّى نموت، أو يأتي اللّه بالفرج. (1)
2- [العدد القويّة]: قال الثوري لجعفر بن محمّد (عليهما السلام):
يا ابن رسول اللّه! اعتزلت الناس؟
فقال: يا سفيان! فسد الزمان، و تغيّر الإخوان، فرأيت الانفراد أسكن للفؤاد، ثمّ قال:
ذهب الوفاء ذهاب أمس الذاهب * * * و الناس بين مخاتل و موارب (2)
يفشون بينهم المودّة و الصفا * * * و قلوبهم محشوّة بعقارب
[و قال الواقدي:
جعفر بن محمّد من الطبقة الخامسة من التابعين من أهل المدينة]. (3)
استدراك
(40) باب سيرته (عليه السلام) مع صديقه
(1) الكافي: أبو عليّ الأشعري، عن محمّد بن سلام، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن النعمان الجعفي، قال:
كان لأبي عبد اللّه (عليه السلام) صديق لا يكاد يفارقه إذا ذهب مكانا؛
فبينما هو يمشي معه في الحذّائين، و معه غلام له سندي يمشي خلفهما إذ التفت الرجل يريد غلامه- ثلاث مرّات- فلم يره، فلمّا نظر في الرابعة قال: يا ابن الفاعلة أين كنت؟
قال: فرفع أبو عبد اللّه (عليه السلام) يده فصكّ بها جبهة نفسه، ثمّ قال:
____________
(1) 2/ 272، عنه البحار: 47/ 60 ح 115.
(2) الختّال: الخدّاع، قال ابن الاثير في النهاية: 5/ 172 فيه «و إن بايعتهم و اربوك»
أي خادعوك، من الورب و هو الفساد، و يجوز أن يكون من الإرب، و هو الدهاء.
(3) 153 ح 79، عنه البحار: 47/ 60 ح 116.
و أخرجه في ملحقات إحقاق الحقّ: 12/ 252 عن التذكرة: 355، و نزهة المجالس: 1/ 50 إلى قوله: ثم قال: ذهب الوفاء، و ذكر بدل كلمة فرأيت: فصار. يأتي ص 486 ح 2.
190
سبحان اللّه تقذف امّه، قد كنت أرى أنّ لك ورعا، فإذا ليس لك ورع؛
فقال: جعلت فداك، إنّ امّه سنديّة مشركة؛
فقال: أ ما علمت أنّ لكلّ أمّة نكاحها، تنحّ عنّي.
قال: فما رأيته يمشي معه حتّى فرّق الموت بينهما.
و في رواية اخرى: إنّ لكلّ أمّة نكاحا يحتجزون به عن الزنا. (1)
*** 41- باب سيرته (عليه السلام) مع الغالية (2)
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن مالك بن عطيّة، عن بعض أصحاب أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:
خرج إلينا أبو عبد اللّه (عليه السلام) و هو مغضب، فقال: إنّي خرجت آنفا في حاجة، فتعرّض لي [بعض] سودان المدينة، فهتف بي: لبّيك يا جعفر بن محمّد، لبّيك!
فرجعت عودي على بدئي (3) إلى منزلي خائفا ذعرا ممّا قال [حتّى] سجدت في مسجدي لربّي، و عفّرت له وجهي، و ذلّلت له نفسي، و برئت إليه ممّا هتف بي؛
و لو أنّ عيسى بن مريم عدا ما قال اللّه فيه إذا لصمّ صمّا لا يسمع بعده أبدا، و عمي عمى، لا يبصر بعده أبدا، و خرس خرسا لا يتكلّم بعده أبدا.
____________
(1) 2/ 324 ح 5، عنه الوسائل: 11/ 330 ح 1؛ و أورده في تنبيه الخواطر: 2/ 206 عن عمرو بن النعمان (مثله).
(2) قال في مجمع البحرين: 1/ 318: في حديث الشيعة:
«كونوا النمرقة الوسطى يرجع إليكم الغالي و يلحق بكم التالي»؛ فالغالي من يقول في أهل البيت (عليهما السلام) ما لا يقولون في أنفسهم كمن يدّعي فيهم النبوّة و الالهيّة.
(3) «قال الجوهري: رجع عودا على بدء، و عوده على بدئه: أي لم ينقطع ذهابه حتّى وصله برجوعه» منه ره.
191
ثمّ قال: لعن اللّه أبا الخطّاب (1)، و قتله بالحديد. (2)
استدراك (1) أصل زيد النرسي: قال: لمّا لبّى (3) أبو الخطّاب بالكوفة، و ادّعى في أبي عبد اللّه (عليه السلام) ما ادّعاه، دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) مع عبيدة بن زرارة، فقلت له:
جعلت فداك، لقد ادّعى أبو الخطّاب و أصحابه فيك أمرا عظيما؛
إنّه لبّى بلبّيك جعفر، لبّيك معراج! و زعم أصحابه أنّ أبا الخطّاب اسري به إليك، فلمّا هبط إلى الأرض (من ذلك) دعا إليك، و لذا لبّى بك.
قال: فرأيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) قد أرسل دمعته من حماليق (4) عينيه، و هو يقول:
يا ربّ برئت (5) إليك ممّا ادّعى فيّ الأجدع (6) عبد بني أسد:
____________
(1) «قيل: لعلّه كان من أصحاب أبي الخطّاب و يعتقد الربوبيّة فيه (عليه السلام)، فناداه بما ينادى اللّه تعالى به في الحجّ، فاضطرب (عليه السلام) لعظيم ما نسب إليه، و سجد مبرّأ نفسه عند اللّه من ذلك، و لعن أبا الخطّاب لأنّه كان مخترع هذا المذهب الفاسد» منه ره.
و قال الشهرستاني في الملل و النحل: 1/ 179: و أبا الخطّاب هو محمّد بن أبي زينب الأسدي الأجدع مولى بني أسد، و هو الّذي عزّ نفسه إلى أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام)؛
فلمّا وقف الصادق (عليه السلام) على غلوّه الباطل في حقّه تبرّأ منه و لعنه، و أمر أصحابه بالبراءة منه، و شدّد القول في ذلك، و بالغ في التبرّي منه و اللعن عليه، فلمّا اعتزل عنه ادّعى الإمامة لنفسه؛ زعم أبو الخطّاب أنّ الأئمّة أنبياء، ثمّ آلهة، و قال بإلهيّة جعفر بن محمّد، و إلهيّة آبائه (عليهم السلام) ...
و يسمّى أصحابه بالخطّابيّة نسبة إليه، و قال الشيخ في رجاله في أصحاب الصادق (عليه السلام)- رقم 345- محمّد بن مقلاص الأسدي الكوفي، أبو الخطّاب ملعون، غال.
و قال ابن الغضائري: محمّد بن أبي زينب أبو الخطّاب الأجدع الزرّاد مولى بني أسد لعنه اللّه، أمره شهير ... (راجع معجم رجال الحديث: 14/ 258 و غيره).
(2) 8/ 225 ح 286، عنه البحار: 25/ 320 ح 90، و ج 47/ 43 ح 57، و إثبات الهداة: 5/ 353 ح 32، و ج 7/ 443 ح 16.
(3) «ظهر» ع، ب.
(4) حملاق العين: ما يسوّده الكحل من باطن أجفانها، جمعها حماليق.
(5) «تبرئت» خ ل.
(6) الأجدع: مقطوع الأنف، أو طرف من الأطراف.
192
خشع لك شعري و بشري، عبد لك، ابن عبد لك، خاضع ذليل.
ثمّ أطرق ساعة في الأرض كأنّه يناجي شيئا، ثمّ رفع رأسه و هو يقول:
أجل، أجل! عبد خاضع خاشع ذليل لربّه، صاغر راغم من ربّه، خائف و جل؛
لي و اللّه ربّ أعبده لا اشرك به شيئا، ماله؟ أخزاه اللّه و أرعبه، و لا آمن روعته يوم القيامة.
ما كانت تلبية الأنبياء هكذا و لا تلبية الرسل، إنّما لبّيت «بلبّيك اللهمّ لبّيك، [لبّيك] لا شريك لك» ثمّ قمنا من عنده؛
فقال: يا زيد! إنّما قلت لك هذا لأستقرّ في قبري، يا زيد! استر ذلك عن الأعداء. (1)
(2) تأريخ جرجان: أخبرني محمّد بن عبد الرحمن بن وهب السقطي بالبصرة، حدّثنا أحمد بن محمّد بن أبي الرجال الصلحي، حدّثنا عبّاس بن محمّد الدوري، حدّثنا محمّد بن جعفر المدائني، حدّثنا فضيل بن مرزوق، عن عيسى الجرجاني، قال:
قلت لجعفر بن محمّد: إن شئت أخبرتك بما سمعت القوم يقولون، قال: فهات. قال:
قلت: فإنّ طائفة منهم عبدوك، اتّخذوك إلها من دون اللّه، و طائفة اخرى والوا لك بالنبوّة! قال: فبكى حتّى ابتلّت لحيته، ثمّ قال:
إن أمكنني اللّه من هؤلاء و لم أسفك دماءهم، سفك اللّه دم ولدي على يدي. (2)
*** 42- باب سيرته (عليه السلام) مع مماليكه
الأخبار، الأصحاب:
1- كتاب الحسين بن سعيد: ابن سنان، عن ابن مسكان، عن الحسن بن الصيقل، قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) جالسا، فبعث غلاما له أعجميّا في حاجة إلى رجل، فانطلق ثمّ رجع، فجعل أبو عبد اللّه (عليه السلام) يستفهمه الجواب، و جعل الغلام لا يفهمه مرارا، قال:
فلمّا رأيته لا يتغيّر لسانه و لا يفهمه ظننت أنّه (عليه السلام) سيغضب عليه، قال:
____________
(1) 46، عنه البحار: 47/ 378 ح 101، و مستدرك الوسائل: 9/ 197 ح 3.
(2) 253، عنه ملحقات الإحقاق: 12/ 236. يأتي ص 1112 ح 2. يأتي ص 1112 ح 2.
193
و أحدّ (عليه السلام) النظر إليه، ثمّ قال: أما و اللّه لئن كنت عييّ اللسان فما أنت بعييّ القلب.
ثمّ قال: إنّ الحياء و العفاف و العيّ- عيّ اللسان، لا عيّ القلب- من الإيمان؛
و الفحش و البذاء و السلاطة من النفاق. (1)
2- الكافي: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عبد اللّه الحجّال، عن حفص بن أبي عائشة، قال: بعث أبو عبد اللّه (عليه السلام) غلاما له في حاجة فأبطأ؛
فخرج أبو عبد اللّه (عليه السلام) على أثره لمّا أبطأ [عليه] فوجده نائما، فجلس عند رأسه يروّحه (2) حتّى انتبه [فلمّا انتبه] قال له أبو عبد اللّه (عليه السلام):
يا فلان! و اللّه ما ذلك لك، تنام الليل و النهار؟ لك الليل، و لنا منك النهار.
المناقب لابن شهرآشوب: عن حفص (3) بن أبي عائشة (مثله). (4)
43- باب سيرته (عليه السلام) في عتقه مواليه
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمّد، عن ابن سنان، عن غلام أعتقه أبو عبد اللّه (عليه السلام): (5)
هذا ما أعتق جعفر بن محمّد، أعتق غلامه السندي، فلانا على أنّه يشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، و أنّ محمّدا عبده و رسوله، و أنّ البعث حقّ، و أنّ الجنّة حقّ، و أنّ النار حقّ، و على أنّه يوالي أولياء اللّه، و يتبرّأ من أعداء اللّه، و يحلّ حلال اللّه، و يحرّم حرام اللّه، و يؤمن برسل اللّه، و يقرّ بما جاء من عند اللّه، أعتقه لوجه اللّه لا يريد منه (6) جزاء و لا شكورا،
____________
(1) 10 ح 21، عنه البحار: 47/ 61 ح 117، و ج 71/ 289 ح 56، و ج 79/ 113 ح 14، و الوسائل:
11/ 328 ح 10، و روى ذيله في الكافي: 2/ 106 ح 2.
(2) روّح عليه بالمروحة: حرّك يده بها يستجلب له الريح.
(3) «جعفر» م، تصحيف، جامع الرواة: 1/ 260.
(4) 8/ 87 ح 50، 3/ 395، عنهما البحار: 47/ 56 ح 97، 98، و حلية الأبرار: 2/ 164 و ص 166 و أورده في تنبيه الخواطر: 2/ 136 عن حفص (مثله).
(5) أقول: يظهر من أوّل الحديث التالي أن هنا سقطا أو تقديرا.
(6) انظر الحديث التالي.
195
45- باب سيرته (عليه السلام) مع وكيله
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: عليّ بن محمّد، عن صالح بن أبي حمّاد، عن أحمد بن حمّاد، عن محمّد ابن مرازم، عن أبيه- أو عمّه- قال: شهدت أبا عبد اللّه (عليه السلام) و هو يحاسب وكيلا له، و الوكيل يكثر أن يقول: و اللّه ما خنت [و اللّه ما خنت] فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام):
يا هذا! خيانتك و تضييعك- عليّ- مالي سواء، إلّا أنّ (1) الخيانة شرّها عليك. (2)
46- باب سيرته (عليه السلام) مع غريمه
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: عليّ بن محمّد، عن إبراهيم بن إسحاق الأحمر، عن عبد اللّه بن حمّاد، عن عمر بن يزيد، قال:
أتى رجل أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقتضيه- و أنا [حاضر] عنده، فقال له:
ليس عندنا اليوم شيء، و لكنّه يأتينا خطر و وسمة (3) فيباع و نعطيك إن شاء اللّه.
فقال له الرجل: عدني.
فقال: كيف أعدك، و أنا لما لا أرجو أرجى منّي لما أرجو. (4)
47- باب سيرته (عليه السلام) مع مستأجره
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن إسماعيل، عن
____________
(1) في المصدر المطبوع: «لأنّ».
(2) 5/ 304 ح 2، عنه البحار: 47/ 60 ح 113، و الوسائل: 13/ 291 ح 1 و الوافي: 17/ 113 ح 9.
(3) الخطر: نبات يختضب به. و الوسمة: نبات يختضب بورقه.
(4) 5/ 96 ح 5، عنه البحار: 47/ 58 ح 110، و الوسائل: 12/ 33 ح 6؛ و رواه في التهذيب: 2/ 187 ح 14 بالإسناد عن محمّد بن يعقوب (مثله).
194
و ليس لأحد عليه سبيل إلّا بخير، شهد فلان. (1)
2- و منه، محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن إبراهيم ابن أبي البلاد، قال: قرأت عتق أبي عبد اللّه (عليه السلام) فإذا هو شرحه:
هذا ما أعتق جعفر بن محمّد، أعتق فلانا غلامه لوجه اللّه، لا يريد منه (2) جزاء و لا شكورا على أن يقيم الصلاة، و يؤتي الزكاة، و يحجّ البيت، و يصوم شهر رمضان، و يتوالى أولياء اللّه و يتبرّأ من أعداء اللّه، شهد فلان و فلان و فلان (ثلاثة). (3)
44- باب سيرته (عليه السلام) في الصلح بين المتنازعين
الأخبار:
1- [الكافي: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن أبي حنيفة] سائق (4) الحاجّ، قال: مرّ بنا المفضّل و أنا و ختني (5) نشاجر في ميراث؛
فوقف علينا ساعة، ثمّ قال لنا: تعالوا إلى المنزل. فأتيناه، فأصلح بيننا بأربعة مائة درهم، فدفعها إلينا من عنده، حتّى إذا استوثق كلّ واحد منّا من صاحبه، قال:
أما إنّها ليست من مالي، و لكن أبو عبد اللّه (عليه السلام) أمرني إذا تنازع رجلان من أصحابنا في شيء أن اصلح بينهما، و أفتديهما من ماله، فهذا من مال أبي عبد اللّه (عليه السلام). (6)
____________
(1) 6/ 181 ح 1، عنه البحار: 47/ 44 ح 8، و الوسائل: 16/ 8 ح 2.
(2) «به» م. قوله (عليه السلام): لا يريد منه ...، إشارة إلى قوله تعالى في سورة الإنسان: 9 لا نُرِيدُ مِنْكُمْ.
(3) 6/ 181 ح 2، عنه البحار: 47/ 44 ح 59، و الوسائل: 16/ 8 ح 1.
(4) «سابق» م، كلاهما وارد. و هو سعيد بن بيان أبو حنيفة- غير إمام العامّة- سائق الحاجّ، أي أمير الحاجّ في كلّ سنة من الكوفة إلى مكّة، و قيل: هو سابق الحاجّ أي يسبقهم بوصول مكّة (تنقيح المقال: 2/ 25).
(5) الختن: كلّ من كان من قبل المرأة، مثل الأب و الأخ، و هم أختان، هكذا عند العرب، و أمّا عند العامّة فختن الرجل: زوج ابنته.
(6) 2/ 209 ح 4، عنه البحار: 47/ 57 ح 106، و ج 76/ 45 ح 9 و حلية الأبرار 2/ 177. و رواه في التهذيب: 6/ 312 ح 70 بالإسناد عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب، عن ابن سنان مثله.
و أورده في تنبيه الخواطر: 2/ 202، و أخرجه في الوسائل: 13/ 162 ح 4 عن الكافي و التهذيب.
196
حنّان، عن شعيب، قال:
تكارينا لأبي عبد اللّه (عليه السلام) قوما يعملون في بستان له، و كان أجلهم إلى العصر؛
فلمّا فرغوا، قال لمعتّب: أعطهم أجورهم قبل أن يجفّ عرقهم. (1)
48- باب سيرته (عليه السلام) في أمواله
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن معمّر بن خلّاد، قال: سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول:
إنّ رجلا أتى جعفرا (عليه السلام) شبيها بالمستنصح له، فقال له:
يا أبا عبد اللّه! كيف صرت، اتّخذت الأموال قطعا متفرّقة؟! و لو كانت في موضع واحد كان أيسر لمؤونتها، و أعظم لمنفعتها.
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): اتّخذتها متفرّقة، فإن أصاب هذا المال شيء سلم هذا، و الصرّة تجمع هذا كلّه. (2)
49- باب سيرته (عليه السلام) في أملاكه
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: أحمد بن إدريس؛ و غيره، عن محمّد بن أحمد، عن عليّ بن الريّان، عن أبيه، عن يونس، أو غيره، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:
قلت له: جعلت فداك، بلغني أنّك كنت تفعل في غلّة (3) عين زياد شيئا، و أنا احبّ أن أسمعه منك. قال: فقال لي: نعم؛
كنت آمر إذا أدركت الثمرة أن يثلم في حيطانها الثلم، ليدخل الناس و يأكلوا، و كنت آمر
____________
(1) 5/ 289 ح 3، عنه البحار: 47/ 57 ح 105، و الوسائل: 13/ 246 ح 2.
(2) 5/ 91 ح 1، البحار: 47/ 58 ح 109، و الوسائل: 12/ 44 ح 2، و حلية الأبرار: 2/ 192.
(3) الغلّة: الدخل من كراء دار و فائدة أرض و نحو ذلك؛
و عين زياد: اسم ضيعة، و الضيعة: الأرض المغلّة.
197
في كلّ يوم أن يوضع عشر بنيّات (1)، يعقد على كلّ بنيّة عشرة، كلّما أكل عشرة جاء عشرة اخرى، يلقى لكلّ نفس منهم مد من رطب.
و كنت آمر لجيران الضيعة كلّهم: الشيخ، و العجوز، و الصبيّ، و المريض، و المرأة، و من لا يقدر أن يجيء فيأكل منها، لكلّ إنسان منهم مدّ، فإذا كان الجذاذ (2) أوفيت القوّام، و الوكلاء، و الرجال اجرتهم، و أحمل الباقي إلى المدينة، ففرّقت في أهل البيوتات، و المستحقّين، و الراحلتين و الثلاثة و الأقلّ و الأكثر على قدر استحقاقهم؛
و حصل لي بعد ذلك أربعمائة دينار، و كان غلّتها أربعة آلاف دينار. (3)
50- باب سيرته (عليه السلام) في معيشته، و طلب الرزق
الأخبار، الأصحاب:
(1) الكافي: العدّة، عن سهل، عن الدهقان، عن درست، عن عبد الأعلى مولى آل سام، قال:
____________
(1) «في بعض النسخ بنيّات بالباء الموحّدة، ثمّ النون، ثمّ الياء المثناة التحتانيّة على بناء التصغير.
قال في النهاية [1/ 158] في الحديث: «أنّه سأل رجلا قدم من الثغر هل شرب الجيش في البنيّات الصغار» قال: لا إنّ القوم ليؤتون بالإناء فيتداولونه حتّى يشربوه كلّهم، البنيّات هاهنا الأقداح الصغار، و قال: بسطنا له بناء أي نطعا، هكذا جاء تفسيره و يقال له أيضا المبناة، انتهى.
و في بعض النسخ ثبنه بالثاء المثلّثة ثمّ الباء الموحّدة فالنون، و هو أظهر؛
قال الفيروزآبادي [في القاموس: 4/ 206]: ثبن الثوب يثبنه ثبنا و ثبانا بالكسر، ثنى طرفه، و خاطه، أو جعل في الوعاء شيئا و حمله بين يديه و الثبين و الثبان بالكسر، و الثبنة بالضمّ الموضع الّذي يحمل فيه من ثوبك تثنيه بين يديك، ثمّ تجعل فيه من التمر أو غيره، و قد أثبنت في ثوبي؛
و قال الجزري في [النهاية: 1/ 207] في الحديث (إذا مرّ أحدكم بحائط فليأكل منه و لا تتّخذ ثبانا) الثبان: الوعاء الّذي يحمل فيه الشيء، و يوضع بين يدي الإنسان، يقال: ثبنت الثوب أثبنه ثبنا و ثبانا، و هو أن تعطف ذيل قميصك فتجعل فيه شيئا تحمله الواحدة ثبنة، انتهى؛
فيحتمل أن يكون الثبنات تصحيف الثبان، أو يقال: إنّه قد يجمع هكذا أيضا كغرفة على غرفات، و لبنة على لبنات» منه ره.
(2) الجذاذ: القطع، الحصاد.
(3) 3/ 569 ح 2، عنه البحار: 47/ 51 ح 83.
198
استقبلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) في بعض طرف المدينة في يوم صائف شديد الحرّ؛
فقلت: جعلت فداك، حالك عند اللّه عزّ و جلّ، و قرابتك من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أنت تجهد نفسك (1) في مثل هذا اليوم!
فقال: يا عبد الأعلى! خرجت في طلب الرزق لأستغني عن مثلك. (2)
استدراك (1) الكافي: عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمّد، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، قال:
سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: إنّي لأعمل في بعض ضياعي حتّى أعرق- و إنّ لي من يكفيني- ليعلم اللّه عزّ و جلّ أنّي أطلب الرزق الحلال. (3)
*** 51- باب سيرته (عليه السلام) في الكيل
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: العدّة، عن أحمد بن محمّد، عن ابن فضّال، عن داود بن سرحان، قال:
رأيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يكيل تمرا بيده، فقلت:
جعلت فداك، لو أمرت بعض ولدك أو بعض مواليك فيكفيك؛
[فقال: يا داود إنّه لا يصلح المرء المسلم إلّا ثلاثة:
التفقّه في الدين، و الصبر على النائبة، و حسن التقدير في المعيشة]. (4)
____________
(1) في المصدر المطبوع «لنفسك».
(2) 5/ 74 ح 3، عنه البحار: 47/ 55 ح 96، و الوافي: 17/ 30 ح 3، و عنه الوسائل: 12/ 10 ح 2، و عن التهذيب: 6/ 324 ح 14.
(3) 5/ 77 ح 15، عنه الوسائل: 12/ 23 ح 8، و حلية الأبرار: 2/ 192.
(4) 5/ 87 ح 4، عنه البحار: 47/ 57 ح 103، و الوسائل: 12/ 41 ح 5.
199
52- باب سيرته (عليه السلام) في الزراعة و السقي
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن سنان، عن إسماعيل بن جابر، قال: أتيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) و إذا هو في حائط له، بيده مسحاة، و هو يفتح بها الماء، و عليه قميص شبه الكرابيس (1)، كأنّه مخيّط عليه من ضيقه. (2)
2- و منه: العدّة، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن أبيه، عن النضر بن سويد، عن القاسم ابن سليمان، قال: حدّثني جميل بن صالح، عن أبي عمرو الشيباني، قال:
رأيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) و بيده مسحاة، و عليه إزار غليظ يعمل في حائط له، و العرق يتصابّ عن ظهره، فقلت: جعلت فداك، أعطني أكفك.
فقال لي: إنّي احبّ أن يتأذّى الرجل بحرّ الشمس في طلب المعيشة. (3)
53- باب سيرته (عليه السلام) في التجارة
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: العدّة، عن سهل، عن عليّ بن أسباط، عن محمّد بن عذافر، عن أبيه، قال: أعطى أبو عبد اللّه (عليه السلام) أبي ألفا و سبعمائة دينار، فقال له:
اتّجر لي بها، ثمّ قال: أما إنّه ليس لي رغبة في ربحها، و إن كان الربح مرغوبا فيه؛
و لكنّي أحببت أن يراني اللّه عزّ و جلّ متعرّضا لفوائده؛
قال: فربحت له فيها مائة دينار، ثمّ لقيته، فقلت له: قد ربحت لك فيها مائة دينار.
قال: ففرح أبو عبد اللّه (عليه السلام) بذلك فرحا شديدا، فقال لي: أثبتها في رأس مالي.
قال: فمات أبي و المال عنده، فأرسل إليّ أبو عبد اللّه (عليه السلام) فكتب:
____________
(1) في الحديث «و عليه قميص من كرابيس» هي جمع كرباس و هو القطن (النهاية: 4/ 161).
(2) 5/ 76 ح 11 عنه البحار: 47/ 56 ح 99.
(3) 5/ 76 ح 13، عنه البحار: 47/ 57 ح 101، و الوسائل: 12/ 23 ح 7، و حلية الأبرار: 2/ 191، و الوافي: 17/ 35 ح 13.
200
عافانا اللّه و إيّاك، إنّ لي عند أبي محمّد ألفا و ثمان مائة دينار، أعطيته يتّجر بها، فادفعها إلى عمر بن يزيد.
قال: فنظرت في كتاب أبي فإذا فيه: «لأبي موسى (عليه السلام) عندي ألف و سبعمائة دينار، و أتّجر له، فيها مائة دينار، عبد اللّه بن سنان، و عمر بن يزيد يعرفانه»
و منه (1): عليّ بن محمّد، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن محمّد بن إسماعيل، عن محمّد بن عذافر، عن أبيه (مثله اختصارا). (2)
2- و منه: أبو عليّ الأشعري، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن أحمد بن النضر، عن أبي جعفر الفزاري، قال: دعا أبو عبد اللّه (عليه السلام) مولى له، يقال له: مصادف؛
فأعطاه ألف دينار و قال له: تجهّز حتّى تخرج إلى مصر، فإنّ عيالي قد كثروا.
قال: فتجهّز بمتاع، و خرج مع التجّار إلى مصر، فلمّا دنوا من مصر استقبلتهم قافلة خارجة من مصر، فسألوهم عن المتاع الّذي معهم ما حاله في المدينة، و كان متاع العامّة (3)؛
فأخبروهم أنّه ليس بمصر منه شيء، فتحالفوا و تعاقدوا على أن لا ينقّصوا متاعهم من ربح الدينار دينارا، فلمّا قبضوا أموالهم و انصرفوا إلى المدينة، فدخل مصادف على أبي عبد اللّه (عليه السلام) و معه كيسان في كلّ واحد ألف دينار، فقال: جعلت فداك، هذا رأس المال، و هذا الآخر ربح. فقال: إنّ هذا الربح كثير، و لكن ما صنعتم (4) في المتاع؟ فحدّثه كيف صنعوا، و كيف تحالفوا، فقال: سبحان اللّه تحلفون على قوم مسلمين ألّا تبيعوهم إلّا بربح الدينار دينارا؟ ثمّ أخذ أحد الكيسين، فقال: هذا رأس مالي، و لا حاجة لنا في هذا الربح؛
ثمّ قال: يا مصادف! مجالدة (5) السيوف أهون من طلب الحلال. (6)
____________
(1) أورد المصنّف هذا الحديث في نهاية الباب 52، و الصواب ما أثبتناه.
(2) 5/ 76 ح 12، و ص 77 ح 16، عنها البحار: 47/ 56 ح 100 و 102 و الوسائل: 12/ 26 ح 1، 2، و حلية الأبرار: 2/ 191، 192.
(3) متاع العامّة: أي الّذي يحتاج إليه عامّة الناس.
(4) في المصدر المطبوع «ما صنعته» تصحيف.
(5) تجالدوا بالسيوف: تضاربوا، و في م «مجادلة» و هو تصحيف.
(6) 5/ 161 ح 1، عنه البحار: 47/ 59 ح 111، و الوافي: 17/ 460 ح 12، و الوسائل: 12/ 311 ح 1، و حلية الأبرار:
2/ 193. و رواه في التهذيب: 7/ 13 ح 58 بإسناده إلى محمّد بن يعقوب (مثله)، عنه الوسائل.
201
54- باب سيرته (عليه السلام) في المعيشة في الغلاء
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: محمّد بن يحيى، عن عليّ بن إسماعيل، عن عليّ بن الحكم، عن جهم ابن أبي جهم (1)، عن معتّب، قال:
قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام)- و قد تزيّد السعر بالمدينة-: كم عندنا من طعام؟
قال: قلت: عندنا ما يكفينا أشهرا كثيرة.
قال: أخرجه و بعه، قال: قلت له: و ليس بالمدينة طعام! قال: بعه.
فلمّا بعته، قال: اشتر مع الناس يوما بيوم، و قال:
يا معتّب! اجعل قوت عيالي نصفا شعيرا، و نصفا حنطة، فإنّ اللّه يعلم أنّي واجد (2) أن اطعمهم الحنطة على وجهها، و لكنّي احبّ أن يراني اللّه قد أحسنت تقدير المعيشة. (3)
استدراك (1) الكافي: عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن إسماعيل بن مهران، عن حمّاد بن عثمان، قال: أصاب أهل المدينة غلاء و قحط حتّى أقبل الرجل الموسر يخلط الحنطة بالشعير و يأكله، و يشتري ببعض الطعام؛
و كان عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) طعام جيّد قد اشتراه أوّل السنة، فقال لبعض مواليه:
اشتر لنا شعيرا فاخلط بهذا الطعام أو بعه، فإنّا نكره أن نأكل جيّدا، و يأكل الناس ردّيا. (4)
____________
(1) «جهمة» م، كلاهما وارد (راجع جامع الرواة: 1/ 170).
(2) الواجد: الغنيّ القادر على الشيء.
(3) 5/ 166 ح 2، عنه البحار: 47/ 59 ح 112 و الوسائل: 12/ 321 ح 2، و حلية الأبرار: 2/ 193، و رواه في التهذيب: 7/ 161 ح 15 بإسناده عن ابن يحيى العطّار (مثله)، عنه الوسائل المذكورة.
(4) 5/ 166 ح 1، عنه الوسائل: 12/ 321 ح 1 و حلية الأبرار: 2/ 193.
و رواه في التهذيب: 7/ 160 ح 4 عنه الوسائل المذكورة.
202
55- باب سيرته (عليه السلام) في المعيشة في الرخص
الأخبار، الأصحاب:
1- المحاسن للبرقي: عن ابن فضّال، عن ابن بكير، عن بعض أصحابه، قال:
كان أبو عبد اللّه (عليه السلام) ربما أطعمنا الفرانيّ و الأخبصة، ثمّ يطعم الخبز و الزيت؛
فقيل له: لو دبّرت أمرك حتّى يعتدل؛
فقال: إنّما تدبيرنا من اللّه، إذا وسّع علينا وسّعنا، و إذا قتّر قتّرنا. (1)
56- باب سيرته (عليه السلام) في السقم
الأخبار، الأصحاب:
1- أمالي الطوسي: أحمد بن عبدون، عن عليّ بن محمّد بن الزبير، عن عليّ بن [الحسن بن] فضّال، عن العبّاس بن عامر، عن أحمد بن رزق، عن يحيى بن العلاء، قال:
كان أبو عبد اللّه (عليه السلام) مريضا مدنفا (2)، فأمر، فاخرج إلى مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فكان فيه، حتّى أصبح ليلة ثلاث و عشرين من شهر رمضان. (3)
استدراك (1) الكافي: عليّ بن إبراهيم، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن خالد، عن فضالة ابن أيّوب، عن عمر بن أبان، و سيف بن عميرة، عن فضيل بن يسار، قال:
دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) في مرضة مرضها لم يبق منه إلّا رأسه (4)، فقال:
يا فضيل! يا فضيل! إنّني كثيرا ما أقول:
____________
(1) «قد مرّ الخبر مع شرحه في [ص 165 ح 2] باب سيرته (عليه السلام) في أكله» منه ره.
(2) دنف المريض: ثقل مرضه، و دنا من الموت.
(3) 2/ 289، عنه البحار: 47/ 53 ح 87، و ج 97/ 4، و مستدرك الوسائل: 7/ 474 ح 27.
(4) كناية عن نحافة جسمه (عليه السلام).
204
57- باب سيرته (عليه السلام) في الموتى و التعزية و المصيبة
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: الحسين بن محمّد، عن عبد اللّه بن عامر، عن عليّ بن مهزيار، عن الحسن بن محمّد بن مهزيار، عن قتيبة الأعشى، قال: أتيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) أعود ابنا له؛
فوجدته على الباب، فإذا هو مهتمّ حزين، فقلت: جعلت فداك، كيف الصبيّ؟
فقال: و اللّه إنّه لما به (1)، ثمّ دخل فمكث ساعة، ثمّ خرج إلينا و قد أسفر وجهه (2)، و ذهب التغيير و الحزن، قال: فطمعت أن يكون قد صلح الصّبي؛
فقلت: كيف الصبيّ جعلت فداك؟ فقال: لقد مضى لسبيله.
فقلت: جعلت فداك، لقد كنت و هو حيّ مهتمّا حزينا، و قد رأيت حالك الساعة، و قد مات، غير تلك الحال، فكيف هذا؟ فقال: إنّا أهل بيت إنّما نجزع قبل المصيبة.
فإذا وقع أمر اللّه رضينا بقضائه، و سلّمنا لأمره. (3)
2- و منه: عليّ، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن الحسين بن المختار، عن العلاء ابن الكامل، قال: كنت جالسا عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فصرخت الصارخة من الدار؛
فقام أبو عبد اللّه (عليه السلام) ثمّ جلس، فاسترجع، و عاد في حديثه حتّى فرغ منه؛
ثمّ قال: إنّا لنحبّ أن نعافى في أنفسنا و أولادنا و أموالنا؛
فإذا وقع القضاء، فليس لنا أن نحبّ ما لم يحبّ اللّه لنا. (3)
____________
(1) كناية عن دوام اشتداد مرضه.
(2) أسفر الوجه: حسن و أشرق.
(3) 3/ 225 و 226 ح 11 و 13، عنهما البحار: 47/ 49 ح 76 و 78، و الوسائل: 2/ 918 ح 1 و 2، و حلية الأبرار: 2/ 220.
203
ما على رجل عرّفه اللّه هذا الأمر لو كان في رأس جبل حتّى يأتيه الموت (1)؛
يا فضيل بن يسار! إنّ الناس أخذوا يمينا و شمالا، و إنّا و شيعتنا هدينا الصراط المستقيم؛
يا فضيل بن يسار! إنّ المؤمن لو أصبح له ما بين المشرق و المغرب كان ذلك خيرا له؛ و لو أصبح مقطّعا أعضاؤه كان ذلك خيرا له؛
يا فضيل بن يسار! إنّ اللّه لا يفعل بالمؤمن إلّا ما هو خير له؛
يا فضيل بن يسار! لو عدلت الدنيا عند اللّه عزّ و جلّ جناح بعوضة ما سقى عدوّه منها شربة ماء؛
يا فضيل بن يسار! إنّه من كان همّه همّا واحدا كفاه اللّه همّه، و من كان همّه في كلّ واد لم يبال اللّه بأيّ واد هلك.
التمحيص: عن الفضيل (مثله بأدنى تغيير و اختصار). (2)
(2) الكافي: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن إسماعيل، عن محمّد بن الفضيل، عن الربيع بن خثيم، قال:
شهدت أبا عبد اللّه (عليه السلام) و هو يطاف به حول الكعبة في محمل، و هو شديد المرض؛
فكان كلّما بلغ الركن اليماني أمرهم فوضعوه بالأرض، فأخرج يده من كوّة المحمل حتّى يجرّها على الأرض ثمّ يقول: ارفعوني.
فلمّا فعل ذلك مرارا في كلّ شوط، قلت له:
جعلت فداك، يا ابن رسول اللّه! إنّ هذا يشقّ عليك.
فقال: إنّي سمعت اللّه عزّ و جلّ يقول: لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ (3)
فقلت: منافع الدنيا أو منافع الآخرة؟
فقال: الكلّ. (4)
____________
(1) الظاهر أنّ «ما» للاستفهام الإنكاري، لا نافية: بمعنى أي ضرر و خوف عليه؟
(2) 2/ 246 ح 5، 56 ح 112، عنهما البحار: 67/ 150 ح 11، و حلية الأبرار: 2/ 171.
(3) الحج: 28.
(4) 4/ 422 ح 1، عنه الوسائل: 9/ 456 ح 8، و حلية الأبرار: 2/ 171.
و رواه في التهذيب: 5/ 122 ح 70 بإسناده إلى محمّد بن يعقوب (مثله).
205
8- أبواب معجزاته (عليه السلام)
[أقول: إنّ أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) منّ اللّه تعالى عليهم بشتّى العلوم و المعارف، و حباهم بأنواع الفضائل و المناقب، و خصّهم كما خصّ الأنبياء (عليهم السلام) بالكرامات و المعجزات الخارقة للعادة بما لم يخصّ غيرهم من العالمين.
و بين يديك عزيزي القارئ غيض من فيض ما أجرى اللّه تعالى على يدي إمامنا الصادق (عليه السلام) من المعجزات التي كان لا بدّ منها لإتمام الحجّة، و إثبات الدليل، و إقناع أصحاب القلوب الغير مطمئنة، إلّا بمثل هذه الكرامات، فكان يجريها (عليه السلام) و يأمر بأن لا تذاع إلّا على أهلها.
و نحيلك أيّها القارئ إلى كتاب الخرائج و الجرائح: 3/ 1018 في باب الفرق بين الحيل و المعجزات، و الفرق بين المعجزات، و الشعبذة ...
للاطّلاع.]
1- أبواب معجزاته (عليه السلام) في إخباره بالمغيّبات
1- باب إخباره (عليه السلام) بالمغيّبات الماضية
الأخبار، الأصحاب:
1- مجالس المفيد، و أمالي الطوسي: المفيد، عن الصدوق، عن أبيه، عن محمّد ابن أبي القاسم، عن البرقيّ، عن أبيه، قال: حدّثني من سمع حنان بن سدير يقول:
206
[سمعت أبي «سدير الصيرفي يقول:] (1) رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فيما يرى النائم، و بين يديه طبق مغطّى بمنديل، فدنوت منه و سلّمت عليه، فردّ [عليّ] السلام، ثمّ كشف المنديل عن الطبق، فإذا فيه رطب، فجعل يأكل منه، فدنوت منه، فقلت:
يا رسول اللّه! ناولني رطبة. فناولني واحدة فأكلتها، ثمّ قلت:
يا رسول اللّه! ناولني اخرى. فناولنيها فأكلتها، و جعلت كلّما أكلت واحدة سألته اخرى، حتّى أعطاني ثماني رطبات فأكلتها، ثمّ طلبت منه اخرى، فقال لي: حسبك!
قال: فانتبهت من منامي، فلمّا كان من الغد، دخلت على جعفر بن محمّد الصادق (عليهما السلام) و بين يديه طبق مغطّى بمنديل، كأنّه الّذي رأيته في المنام بين يدي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فسلّمت عليه، فردّ عليّ السلام، ثمّ كشف عن الطبق، فإذا فيه رطب! فجعل يأكل منه، فعجبت لذلك، فقلت: جعلت فداك، ناولني رطبة، فناولني فأكلتها، ثمّ طلبت اخرى، فناولني فأكلتها، و طلبت اخرى حتّى أكلت ثماني رطبات، ثمّ طلبت منه اخرى، فقال لي:
لو زادك جدّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لزدناك! فأخبرته الخبر، فتبسّم تبسّم عارف بما كان. (2)
2- أمالي الطوسي: المفيد، عن عليّ بن بلال، عن عليّ بن سليمان، عن أحمد بن القاسم، عن أحمد بن محمّد السيّاري، عن محمّد بن خالد البرقيّ، عن سعيد بن مسلم، عن داود بن كثير الرقّي، قال: كنت جالسا عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) إذ قال لي مبتدأ من قبل نفسه:
يا داود! لقد عرضت عليّ أعمالكم يوم الخميس، فرأيت فيما عرض عليّ من عملك صلتك لابن عمّك فلان، فسرّني ذلك، إنّي علمت أنّ صلتك له أسرع لفناء عمره و قطع أجله.
قال داود: و كان لي ابن عمّ معاندا [ناصبا] خبيثا، بلغني عنه و عن عياله سوء حال فصككت (3) له نفقة قبل خروجي إلى مكّة فلمّا صرت بالمدينة خبّرني أبو عبد اللّه (عليه السلام) بذلك. (4)
____________
(1) من أمالي الطوسي.
(2) 335، 1/ 113، عنهما البحار: 47/ 63 ح 2، و ج 61/ 241 ح 9.
و أورده في روضة الواعظين: 250، و الثاقب في المناقب: 412 ح 2، عن حنّان بن سدير (مثله).
(3) الصكّ: وثيقة بمال أو نحوه.
(4) 2/ 27، عنه البحار: 47/ 64 ح 3. و أورده في الخرائج و الجرائح: 2/ 612 ح 8 و فيه تخريجات الحديث و يأتي ص 110 ح 16.
207
3- بصائر الدرجات: محمّد بن الحسين و يعقوب بن يزيد، عن محمّد بن أبي عمير، عن عمر بن اذينة، عن عبد اللّه بن النجاشي (1)، قال:
أصاب جبّة [فراء] (2) من نضح بول شككت فيه، فغمرتها ماء في ليلة باردة؛
فلمّا دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) ابتدأني، فقال لي: إنّ الفراء إذا غسلته بالماء فسد. (3)
4- و منه: إبراهيم بن هشام، عن أبي عبد اللّه البرقيّ، عن إبراهيم بن محمّد الأشعري، عن أبي كهمس، قال:
كنت نازلا بالمدينة في دار فيها وصيفة كانت تعجبني، فانصرفت ليلا ممسيا، فاستفتحت الباب ففتحت لي، فمددت يدي فقبضت على ثديها، فلمّا كان من الغد، دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فقال: يا أبا كهمس! تب إلى اللّه ممّا صنعت البارحة. (4)
5- و منه: محمّد بن عبد الجبّار، عن أبي القاسم، عن محمّد بن سهل، عن إبراهيم ابن أبي البلاد، عن مهزم (5)، قال:
كنّا نزولا بالمدينة، و كانت جارية لصاحب المنزل تعجبني، و إنّي أتيت الباب فاستفتحت، ففتحت لي الجارية، فغمزت ثديها؛
فلمّا كان من الغد، دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فقال:
____________
(1) «عبد اللّه النجاشي» ع، م، ب، و كذا ما يأتي، هو عبد اللّه بن النجاشي بن غنيم بن سمعان أبو بجير (بحير) الأسدي راجع جامع الرواة: 1/ 514، و تنقيح المقال: 2/ 220.
(2) «القذى» م و هو تصحيف، و كذا ما بعدها.
(3) 242 ح 26، عنه البحار: 47/ 71 ح 27. و أورده في الخرائج و الجرائح: 2/ 735 ح 47، عن عبد اللّه بن النجاشي، و فيه بقيّة اتّحادات و تخريجات الحديث، يأتي نحوه ص 209 ح 8، و (مثله) ص 217 ح 24.
(4) 242 ح 1، عنه البحار: 47/ 71 ح 28، و أورده في الخرائج و الجرائح: 2/ 728 ح 32 عن أبي كهمس، و فيه بقيّة اتّحادات و تخريجات الحديث.
(5) انظر ح 4، 5، 18 عن إبراهيم بن مهزم، و قد ذكر فيها إبراهيم.
208
يا مهزم! أين كان أقصى أثرك اليوم (1)؟
فقلت له: ما برحت المسجد. فقال: أ ما تعلم أنّ أمرنا هذا لا ينال إلّا بالورع.
مناقب ابن شهرآشوب: عن مهزم (مثله).
إعلام الورى: من كتاب نوادر الحكمة بإسناده، عن إبراهيم (مثله). (2)
6- بصائر الدرجات: محمّد بن عبد الجبّار، عن الحسن بن الحسين، عن أحمد بن الحسن الميثمي، عن إبراهيم بن مهزم، قال: خرجت من عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) ليلة ممسيا، فأتيت منزلي بالمدينة، و كانت أمّي معي، فوقع بيني و بينها كلام، فأغلظت لها، فلمّا أن كان من الغد صلّيت الغداة، و أتيت أبا عبد اللّه (عليه السلام)، فلمّا دخلت عليه، فقال لي مبتدئا:
يا مهزم! مالك و للوالدة أغلظت في كلامها البارحة، أ ما علمت أنّ بطنها منزل قد سكنته، و أنّ حجرها مهد قد غمزته، و ثديها وعاء قد شربته؟!
قال: قلت: بلى. قال: فلا تغلظ لها. (3)
7- و منه: محمّد بن الحسين، عن حارث الطحّان، قال: أخبرني أحمد- و كان من أصحاب أبي الجارود- عن الحارث بن حصيرة الأزدي، قال: قدم رجل من أهل الكوفة إلى خراسان، فدعا الناس إلى ولاية جعفر بن محمّد (عليهما السلام)، قال:
ففرقة أطاعت و أجابت، و فرقة جحدت و أنكرت، و فرقة ورعت و وقفت.
قال: فخرج من كلّ فرقة رجل، فدخلوا على أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:
____________
(1) «لعلّ المعنى: أين كان في الليل أقصى أثرك، و منتهى عملك في هذا اليوم من التقوى و العبادة. أو أين كان اليوم آخر فعلك البارحة، و مهزم لم يفهم كلامه (عليه السلام) إلّا بعد إتمامه.
و يحتمل أن يكون قوله (عليه السلام): أقصى أثرك، سؤالا عن فعله في هذا اليوم؛
ثمّ أشار إلى ما فعله في الليلة الماضية بقوله: أ ما تعلم» منه ره.
أقول: و في الخرائج و الجرائح لم يرد ذكر كلمة «اليوم» في متن الحديث، فلاحظ.
(2) 243 ح 2، 3/ 353، 275، عنها البحار: 47/ 71 ح 29، 30، 31. و أورده في الخرائج و الجرائح: 2/ 728 ح 33، عن مهزم الأسدي، و التخريجات المذكورة بهامشه.
(3) 243 ح 3، عنه البحار: 47/ 72 ح 32، و أورده في الخرائج و الجرائح: 2/ 729 ح 34 عن إبراهيم بن مهزم، و التخريجات المذكورة بهامشه.
209
فكان المتكلّم منهم الّذي ورع و وقف، و قد كان مع بعض القوم جارية، فخلا بها الرجل و وقع عليها، فلمّا دخلنا على أبي عبد اللّه (عليه السلام) و كان هو المتكلّم، فقال له:
أصلحك اللّه، قدم علينا رجل من أهل الكوفة، فدعا الناس إلى طاعتك و ولايتك، فأجاب قوم، و أنكر قوم، و ورع قوم و وقفوا.
قال: فمن أيّ الثلاث أنت؟ قال: أنا من الفرقة الّتي ورعت و وقفت.
قال: فأين كان ورعك ليلة كذا و كذا؟! قال: فارتاب الرجل. (1)
8- و منه: محمّد بن الحسين، عن إبراهيم بن أبي البلاد، عن عمّار السجستاني؛
قال: كان عبد اللّه بن النجاشي منقطعا إلى [عبد اللّه بن] الحسن بن الحسن يقول بالزيديّة، فقضى أنّي خرجت و هو إلى مكّة، فذهب هذا إلى [عبد اللّه بن] الحسن، و جئت أنا إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام).
قال: فلقيني بعد، فقال: استأذن لي على صاحبك، فقلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):
إنّه سألني الإذن له عليك. قال: فقال: ائذن له. قال: فدخل عليه فسأله.
فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): ما دعاك إلى ما صنعت، تذكر يوم كذا، يوم مررت على باب قوم، فسال عليك ميزاب من الدار، فسألتهم، فقالوا: إنّه قذر، فطرحت نفسك في النهر مع ثيابك و عليك مصبّغة، فاجتمعوا عليك الصبيان يضحكونك و يضحكون منك؟!
قال عمّار: فالتفت الرجل إليّ، فقال: ما دعاك أن تخبر بخبري أبا عبد اللّه (عليه السلام)؟!
قال: قلت: لا و اللّه ما أخبرته، هو ذا قدّامي يسمع كلامي.
قال: فلمّا خرجنا، قال لي: يا عمّار! هذا صاحبي دون غيره.
المناقب لابن شهرآشوب، و الخرائج و الجرائح: مرسلا (مثله). (2)
9- بصائر الدرجات: عليّ بن إسماعيل، عن ابن بزيع، عن سعدان بن مسلم، عن
____________
(1) 244 ح 5، عنه البحار: 47/ 72 ح 33. و أورده في الخرائج و الجرائح: 2/ 723 ح 77، عن الحارث بن حصير الأزدي، و التخريجات المذكورة بهامشه.
(2) 245 ح 6، 3/ 348، 2/ 722 ح 26- و بقيّة تخريجات الحديث في هامشه- عنها البحار: 47/ 73 ح 34، 35، تقدّم ص 207 ح 3 (نحوه)، و يأتي ص 223 ح 37.
211
إنّي رسول و احبّ أن يكون معي خطوطكم بقبضكم ما قبضتم منّي.
قال: فأخذ المال، و أتى المدينة، ثمّ رجع إلى أبي جعفر، و كان محمّد بن الأشعث عنده، فقال أبو جعفر: ما وراك؟
قال: أتيت القوم و فعلت ما أمرتني به، و هذه خطوطهم بقبضهم، خلا جعفر بن محمّد، فإنّي أتيته و هو يصلّي في مسجد الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فجلست خلفه، و قلت ينصرف فأذكر له ما ذكرت لأصحابه، فعجّل و انصرف، ثمّ التفت إليّ، فقال:
يا هذا! اتّق اللّه، و لا تغرّنّ أهل بيت محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و قل لصاحبك: اتّق اللّه و لا تغرّنّ أهل بيت محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فإنّهم قريبوا العهد بدولة بني مروان، و كلّهم محتاج.
قال: فقلت: و ما ذا أصلحك اللّه؟
فقال: ادن منّي، فأخبرني بجميع ما جرى بيني و بينك، حتّى كأنّه كان ثالثنا.
قال: فقال أبو جعفر: يا ابن مهاجر! اعلم أنّه ليس من أهل بيت النبوّة إلّا و فيهم محدّث، و إنّ جعفر بن محمّد محدّث اليوم، فكانت هذه دلالة أنّا قلنا بهذه المقالة.
الخرائج و الجرائح: مرسلا (مثله).
الكافي: أبو عليّ الأشعري، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان (مثله).
المناقب لابن شهرآشوب: عن صفوان (مثله). (1)
11- بصائر الدرجات: أحمد بن موسى، عن محمّد بن أحمد المعروف بغزال، عن أبي عمر الدماري، عمّن حدّثه، قال:
جاء رجل إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام)- و كان له أخ جارودي (2)- فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام):
____________
(1) 245 ح 7، 2/ 720 ح 25، 1/ 475 ح 6، 3/ 348، عنها البحار: 47/ 74 ح 39 و 40 و 41 و 42 (و بقيّة تخريجاته في كتاب الخرائج). يأتي ص 477 ح 2.
(2) الجاروديّة: هم فرقة من الشيعة ينسبون إلى الزيديّة و ليسوا منهم، نسبوا إلى رئيس لهم من أهل خراسان يقال له أبو الجارود زياد بن أبي زياد.
و عن بعض الأفاضل فرقتان: فرقة زيديّة و هم شيعة، و فرقة بتريّة و هم لا يجعلون الإمامة لعلي (عليه السلام) بالنصّ بل عندهم هي شورى، و يجوّزون تقديم المفضول على الفاضل فلا يدخلون في الشيعة.
مجمع البحرين: 3/ 24، (راجع الملل و النحل: 1/ 157).
210
شعيب العقرقوفي، قال: بعث معي رجل بألف درهم، فقال: إنّي احبّ أن أعرف فضل أبي عبد اللّه (عليه السلام) على أهل بيته، قال: خذ خمسة دراهم ستّوقة (1) فاجعلها في الدراهم، و خذ من الدراهم خمسة، فصرّها في لبنة قميصك (2)، فإنّك ستعرف فضله.
[قال:] فأتيت بها أبا عبد اللّه (عليه السلام)، فنشرها و أخذ الخمسة، فقال: هاك خمستك، و هات خمستنا.
المناقب لابن شهرآشوب، و الخرائج و الجرائح: عن شعيب (مثله).
كشف الغمّة: من كتاب الدلائل للحميري، عن شعيب (مثله). (3)
10- بصائر الدرجات: عمر بن عليّ، عن عمّه محمّد بن عمر، عن صفوان بن يحيى، عن جعفر بن محمّد [بن] الأشعث، قال: [قال جعفر لصفوان] (4):
أ تدري ما كان سبب دخولنا في هذا الأمر و معرفتنا به، و ما كان عندنا فيه ذكر، و لا معرفة بشيء ممّا عند الناس؟! قال: قلت: ما ذلك؟
قال: إنّ أبا جعفر- يعني أبا الدوانيق- قال لأبي محمّد بن الأشعث:
يا محمّد! ابغ لي رجلا له عقل يؤدّي عنّي.
فقال له: إنّي قد أصبته لك، هذا فلان بن مهاجر خالي. قال: ائتني به. قال: فأتاه بخاله.
فقال له أبو جعفر: يا ابن مهاجر! خذ هذا المال- فأعطاه ألف دينار (5) أو ما شاء اللّه من ذلك- [فقال خذ هذا المال] (4) و ائت المدينة، و ألق عبد اللّه بن الحسن و عدّة من أهل بيته، فيهم جعفر بن محمّد، فقل لهم: إنّي رجل غريب من أهل خراسان، و بها شيعة من شيعتكم، وجّهوا إليكم بهذا المال، فادفع إلى كلّ واحد منهم على هذا الشرط، كذا و كذا، فإذا قبضوا المال، فقل:
____________
(1) الستّوق: درهم زيف ملبّس بالفضّة. و في م «سوقيّة» و هو تصحيف.
(2) قال الجزري: لبنة القميص: رقعة موضع جيبه.
(3) 247 ح 9، 3/ 354، 2/ 630 ح 31- و بقيّة تخريجات الحديث في هامشها- 2/ 193، عنها البحار: 47/ 73 ح 36 و 37 و 38.
(4) من النسخة المصحّحة للبصائر.
(5) من خ ل. و في م، ع، ب «ألوف الدنانير».
212
كيف أخوك؟ قال: جعلت فداك، خلّفته صالحا. قال: و كيف هو؟
قال: قلت: هو مرضيّ في جميع حالاته، و عنده خير إلّا أنّه لا يقول بكم.
قال: و ما يمنعه؟ قال: قلت: جعلت فداك، يتورّع من ذلك!
قال: فقال لي: إذا رجعت إليه فقل له: أين كان ورعك ليلة نهر بلخ (1) أن تتورّع؟
قال: فانصرفت إلى منزله، فقلت لأخي: ما كانت قصّتك ليلة نهر بلخ؟ أن تتورّع من أن تقول بإمامة جعفر (عليه السلام)، و لا تتورّع من ليلة نهر بلخ؟!
قال: و من أخبرك؟ قلت: إنّ أبا عبد اللّه (عليه السلام) سألني فأخبرته أنّك لا تقول به تورّعا، فقال لي: قل له: أين [كان] ورعك ليلة نهر بلخ؟
فقال: يا أخي أشهد أنّه كذا (2)- كلمة لا يجوز أن تذكر-.
قال: قلت: ويحك! اتّق اللّه، كلّ ذا (3)، ليس هو هكذا.
قال: فقال: ما علّمه؟! و اللّه ما علم بي أحد من خلق اللّه إلّا أنا و الجارية و ربّ العالمين!
قال: قلت: و ما كانت قصّتك؟
قال: خرجت من وراء النهر و قد فرغت من تجارتي، و أنا اريد [مدينة] بلخ، فصحبني رجل معه جارية له حسناء [فصاحبته في الطريق] حتّى عبرنا نهر بلخ، فأتيناه ليلا، فقال [لي] الرجل مولى الجارية:
إمّا أحفظ عليك و تقدم أنت و تطلب لنا شيئا، و تقتبس نارا، أو تحفظ عليّ و أذهب أنا.
قال: فقلت: أنا أحفظ عليك، و اذهب أنت. قال:
فذهب الرجل، و كنّا إلى جانب غيضة (4) فأخذت الجارية، فأدخلتها الغيضة و واقعتها،
____________
(1) بلخ: مدينة مشهورة بخراسان من أجلّها و أشهرها و أكثرها خيرا، و بينها و بين ترمذ اثنا عشر فرسخا. و يقال لجيحون: نهر بلخ، (مراصد الاطلاع: 1/ 217).
(2) إنّه كذا: لعلّه نسبه (عليه السلام) إلى السحر و الكهانة».
(3) كلّ ذا: أي أ تظنّ به و تنسب إليه كلّ ذا، و يحتمل أن يكون نسبه (عليه السلام) إلى الربوبيّة، فقال: تقول فيه و تغلو كلّ ذا» منه ره.
(4) الغيضة: مجتمع الشجر في مغيض الماء.
214
كنت معه (1) فرأى محمّدا و عليّا أبو عبد اللّه (عليه السلام): فقال:
يا أبا هاشم! هذان الرجلان من إخوانك؟ قلت: نعم. فبينا نحن نسير إذ استقبلنا رجل من ولد إسحاق بن عمّار، فقال: يا أبا هاشم! هذا واحد ليس من إخوانك. (2)
16- و منه: أحمد بن محمّد، عن عبد اللّه بن أيّوب، عن داود الرقّي، قال:
دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال لي: يا داود! أعمالكم عرضت عليّ يوم الخميس فرأيت لك فيها شيئا فرّحني، و ذلك صلتك لابن عمّك، أما إنّه سيمحق أجله و لا ينقص رزقك. قال داود: و كان لي ابن عمّ ناصب، كثير العيال محتاج، فلمّا خرجت إلى مكّة أمرت له بصلة، فلمّا دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) أخبرني بهذا.
المناقب لابن شهرآشوب: الشيخ المفيد بإسناده إلى داود (مثله). (3)
17- الخرائج و الجرائح: روي أنّ رجلا خراسانيّا أقبل إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال [له]: ما فعل فلان؟ قال: لا علم لي به. قال: و لكنّي (4) اخبرك به:
[إنّه] بعث معك بجارية لا حاجة لي فيها، قال: و لم؟ قال: لأنّك لم تراقب اللّه فيها، حيث عملت ما عملت ليلة نهر بلخ! فسكت الرجل، و علم أنّه أخبره بأمر عرفه. (5)
18- و منه: روي أنّ إبراهيم بن مهزم الأسدي، قال: قدمت المدينة، فأتيت باب أبي
____________
(1) كذا، و الحديث لا يخلو من إبهام و إضمار، كما أنّ رواية داود بن القاسم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) لا تصحّ إلّا بواسطة، قال النجاشي في رجاله: 156 عند ترجمته لداود: ... شريف القدر، ثقة، روى أبوه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، انتهى.
و قد أورد في الخرائج و الجرائح: 1/ 231 ح 75 رواية عنه، عن أبيه، عن الصادق (عليه السلام)، فلعلّه سقط لفظ «عن أبيه» عن السند مع احتمال أنّ تكنيتهما- بأبي هاشم- واحدة.
و أمّا ما يستفاد من هذه الرواية أنّ داود قد أدرك الإمام الصادق (عليه السلام) كما في مستدركات النمازي:
3/ 364 فيحتاج إلى وقفة و تأمّل.
(2) 288 ح 6، عنه البحار: 47/ 80 ح 66.
(3) 429 ح 1، 3/ 354، عنهما البحار: 47/ 92 ح 100 و 101.
تقدّم عن أمالي الطوسي: ص 206 ح 2، و يأتي ص 272 ح 1.
(4) «أنا» خ ل.
(5) 2/ 610 ح 5 (و التخريجات المذكورة في هامشه)، لاحظ ص 223 ح 36.
213
و انصرفت إلى موضعي، ثمّ أتى مولاها فاضطجعنا حتّى قدمنا العراق، فما علم به أحد.
و لم أزل به حتّى سكن، ثمّ قال به.
و حججت من قابل فأدخلته إليه، فأخبره بالقصّة؛
فقال: تستغفر اللّه و لا تعود. فاستقامت طريقته. (1)
12- و منه: أحمد بن محمّد، عن عمر بن عبد العزيز، عن غير واحد، عن أبي بصير، قال: قدم إلينا رجل من أهل الشام، فعرضت عليه الأمر فقبله، فدخلت عليه و هو في سكرات الموت، فقال لي:
يا أبا بصير! قد قبلت ما قلت لي، فكيف لي بالجنّة؟
فقلت: أنا ضامن لك على أبي عبد اللّه (عليه السلام) بالجنّة.
فمات فدخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فابتدأني، فقال لي: قد و في لصاحبك بالجنّة. (2)
13- و منه: جعفر بن إسحاق، عن عثمان بن عليّ، عن خالد بن نجيح، قال:
قلت: إنّ أصحابنا قد قدموا من الكوفة، فذكروا أنّ المفضّل شديد الوجع، فادع اللّه له.
قال: قد استراح، و كان هذا الكلام بعد موته بثلاثة أيّام. (3)
14- و منه: ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن الحكم، عن ميسّر، قال:
قال أبو عبد اللّه: يا ميسّر! لقد زيد في عمرك، فأيّ شيء تعمل؟
قال: كنت أجيرا و أنا غلام بخمسة دراهم، فكنت اجريها على خالي. (4)
15- و منه: محمّد بن عيسى، عن داود بن القاسم، قال:
____________
(1) 249 ح 16، عنه البحار: 47/ 75 ح 43. و أورده في الخرائج و الجرائح: 2/ 617 ح 17.
(2) 251 ح 2، عنه البحار: 47/ 76 ح 44، و أورده في الخرائج و الجرائح: 2/ 719 ح 22، و فيه بقيّة تخريجات الحديث. تقدّم في باب وفائه (عليه السلام) ما يناسبه.
(3) 264 ح 10، 47/ 77 ح 51؛
و أورده في الخرائج و الجرائح: 2/ 715 ح 13، عن خالد بن نجيح، قلت لموسى (عليه السلام) (مثله).
(4) أورده المؤلّف ثانية في باب إخباره (عليه السلام) بالمغيّبات الآتية ص 246 ح 4.
215
عبد اللّه (عليه السلام) استفتحه، فدنت جارية لفتح الباب، (فقرصت) (1) ثديها، و دخلت.
فقال [لي]: يا ابن مهزم! أ ما علمت أنّ ولايتنا لا تنال إلّا بالورع.
فأعطيت اللّه عهدا أنّي لا أعود إلى مثلها أبدا. (2)
19- و منه: روي أنّ شعيب العقرقوفي، قال:
دخلت أنا، و عليّ بن أبي حمزة، و أبو بصير على أبي عبد اللّه (عليه السلام) و معي ثلاثمائة دينارا فصببتها قدّامه، فأخذ أبو عبد اللّه (عليه السلام) قبضة منها لنفسه، و ردّ الباقي عليّ، و قال:
ردّ هذه [المائة] إلى موضعها الّذي أخذتها منه.
فقال أبو بصير: يا شعيب! ما حال هذه الدنانير التي ردّها عليك؟
قلت: أخذتها من عروة أخي سرّا و هو لا يعلم. فقال أبو بصير:
أعطاك أبو عبد اللّه (عليه السلام) علامة الإمامة، فعدّ الدنانير، فإذا هي مائة لا تزيد و لا تنقص.
كشف الغمّة: من دلائل الحميري (مثله). (3)
20- الخرائج و الجرائح: روي عن إبراهيم بن عبد الحميد، قال:
اشتريت من مكّة بردة (4)، فآليت على نفسي أن لا تخرج من ملكي حتّى تكون كفني، فخرجت إلى عرفة، فوقفت فيها للموقف، ثمّ انصرفت إلى جمع (5) فقمت فيها في وقت الصلاة، فطويتها شفقة منّي عليها، فقمت لأتوضّأ، فلمّا عدت لم أرها، فاغتممت غمّا شديدا فلمّا أصبحت أفضت مع الناس إلى منى؛
فأتاني رسول من أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فقال: يقول لك أبو عبد اللّه (عليه السلام):
أقبل! فقمت مسرعا، فسلّمت عليه، فقال: تحبّ أن نعطيك بردة تكون كفنك؟ و أمر
____________
(1) تقدّم في ص 207 ح 4 «فقبضت على»، و في ح 5 «فغمزت». و في رواية «ففركت».
(2) 2/ 621 ح 21، (و التخريجات المذكورة في هامشه). و تقدّم نحوه ص 207 ح 5.
(3) 2/ 632 ح 33 (و فيه تخريجاته)، 2/ 189، عنهما البحار: 47/ 105 ح 131 و 132.
و أورده في دلائل الامامة: 140، عنه مدينة المعاجز: 396 ح 138، يأتي نحوه ص 241 ح 24.
(4) البردة: كساء من الصوف يلتحف به.
(5) جمع، ضد التفرّق: و هو المزدلفة (مراصد الاطلاع: 1/ 346).
216
غلامه، فأتى ببردة، فقال: خذها. (1)
21- كشف الغمّة: من كتاب الدلائل، عن إبراهيم بن عبد الحميد، قال:
اشتريت من مكّة بردة، و آليت على نفسي أن لا تخرج [عن ملكي] حتّى تكون كفني، فخرجت فيها إلى عرفة، فوقفت فيها الموقف، ثمّ انصرفت إلى جمع، فقمت إليها في وقت الصلاة، فرفعتها و طويتها شفقة منّي عليها، و قمت لأتوضّأ، ثمّ عدت فلم أرها؛
فاغتممت لذلك غمّا شديدا؛
فلمّا أصبحت- و قمت لأتوضّأ- أفضت مع الناس إلى منى، فإنّي- و اللّه- لفي مسجد الخيف (2) إذا أتاني رسول أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فقال لي: يقول لك أبو عبد اللّه (عليه السلام) أقبل إلينا الساعة.
فقمت مسرعا حتّى دخلت إليه و هو في فسطاط، فسلّمت و جلست، فالتفت إليّ- أو رفع رأسه إليّ- [فقال:] يا إبراهيم! أ تحبّ أن نعطيك بردة تكون كفنك؟
قال: قلت: و الذي يحلف به إبراهيم لقد ضاعت بردتي.
قال: فنادى غلامه، فأتى ببردة، فإذا هي- و اللّه- بردتي بعينها، و طيّي [و اللّه] بيدي.
قال: فقال: خذها يا إبراهيم و احمد اللّه. (3)
22- الخرائج و الجرائح: روي أنّ ابن أبي العوجاء و ثلاثة نفر من الدهريّة (4)
اتّفقوا على أن يعارض كلّ واحد منهم ربع القرآن، و كانوا بمكّة، عاهدوا على أن يجيئوا بمعارضته في العام القابل، فلمّا حال الحول، و اجتمعوا في مقام إبراهيم أيضا؛
____________
(1) 2/ 644 ح 52، عنه البحار: 47/ 109 ح 142. يأتي في الحديث التالي مثله.
(2) في الحديث «مسجد الخيف» الخيف: ما انحدر من غلظ الجبل و ارتفع عن مسيل الماء، و منه سمّي مسجد الخيف بمنى، لأنّه بني في خيف الجبل، و الأصل «مسجد خيف منى» فخفّف بالحذف (مجمع البحرين: 5/ 58).
(3) 2/ 189 و 192، عنه البحار: 47/ 147 ح 203 و أخرجه في إحقاق الحقّ: 12/ 256 عن الفصول المهمّة: 229، و نور الأبصار: 162 تقدّم (مثله) في الحديث السابق. و يأتي ص 322 ح 1.
(4) الدهريّة: قوم يقولون: لا ربّ و لا جنّة و لا نار، و يقولون: ما يهلكنا إلّا الدهر، و هو دين وضعوه لأنفسهم بالاستحسان منهم على غير تثبّت. (مجمع البحرين: 3/ 305).
217
قال أحدهم: إنّي لمّا رأيت قول:
وَ قِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَ يا سَماءُ أَقْلِعِي وَ غِيضَ الْماءُ (1) كففت عن المعارضة.
و قال الآخر: و كذا أنا لمّا وجدت قوله: فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا (2)
أيست من المعارضة.
و كانوا يسرّون بذلك، إذ مرّ عليهم الصادق (عليه السلام) [فالتفت إليهم] و قرأ عليهم:
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (3) فبهتوا. (4)
23- و منه: روي عن سدير أنّ كثير النواء دخل على أبي جعفر (عليه السلام) و قال:
زعم المغيرة بن سعيد أنّ معك ملكا يعرّفك المؤمن من الكافر- في كلام طويل- فلمّا خرج قال (عليه السلام): ما هو إلّا خبيث الولادة.
و سمع هذا الكلام جماعة من [أهل] الكوفة، فقالوا: [لو] ذهبنا حتّى نسأل عن كثير، [فله خبر سوء. قالوا: فمضينا إلى الحيّ الذي هو فيه، فدللنا على عجوز صالحة؛
فقلنا لها: نسألك عن أبي إسماعيل، قالت: كثير؟] قلنا: نعم.
قالت: تريدون أن تزوّجوه؟ قلنا: نعم. قالت: لا تفعلوا! فإنّ امّه قد وضعته في ذلك البيت رابع أربعة من الزنا، و أشارت إلى بيت من بيوت الدار. (5)
24- و منه: روي عن عبد اللّه بن النجاشي، قال: أصاب جبّة لي- فروا- ماء ميزاب، فغمستها في الماء في وقت بارد، فلمّا دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) ابتدأني، فقال:
____________
(1) هود: 44.
(2) يوسف: 80.
(3) الإسراء: 88.
(4) 2/ 710 ح 5، عنه البحار: 17/ 213 ح 19، و ج 47/ 117 ح 156، و ج 92/ 16 ح 15، و عنه إثبات الهداة: 5/ 395 ح 117، و عن الاحتجاج: 2/ 142.
(5) 2/ 710 ح 6، عنه البحار: 46/ 254 ح 49، و ج 47/ 118 ح 157.
و روى نحوه في مستطرفات السرائر: 42 ح 13، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، عنه البحار: 47/ 345 ح 7.
أقول: الحديث يروي معجزة للإمام الباقر (عليه السلام) و بالتالي فإنّ ذكره هنا غير مناسب و قد أورده المصنّف في مجلّد العوالم الخاصّ بحياة الإمام الباقر (عليه السلام) ج 19/ 75 ح 1 عن الخرائج.
218
إنّ الفراء إذا غسلت بالماء فسدت. (1)
25- و منه: قال زرارة: كنت أنا، و عبد الواحد بن المختار، و سعيد بن لقمان، و عمر ابن شجرة الكندي، عند أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فقام عمر فخرج، فأثنوا عليه خيرا و ذكروا ورعه، و بذل مال، فقال (عليه السلام):
ما أرى لكم علما بالناس إنّي لأكتفي من الرجل بلحظة، إنّ هذا من أخبث الناس.
قال: فكان عمر بن شجرة من أحرص الناس على ارتكاب محارم اللّه. (2)
26- المناقب لابن شهرآشوب: قال: جرى عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) ذكر عمر بن شجرة (3) الكندي، فزكّوه، فقال (عليه السلام):
ما أرى لكم علما بالناس، إنّي لأكتفي من الرجل بلحظة، إنّ هذا من أخبث الناس.
قال: و كان عمر- بعد- ما يدع محرّما للّه إلّا يركبه. (4)
27- الخرائج و الجرائح: روي عن عبد الرحمن بن كثير [قال]:
إنّ رجلا دخل يسأل عن الإمام بالمدينة [فاستقبله رجل من ولد الحسن، فدلّه على محمّد بن عبد اللّه، فصار إليه و ساء له هنيهة، فلم يجد عنده طائلا.]
فاستقبله فتى من ولد الحسين (عليه السلام) فقال له: يا هذا! إنّي أراك تسأل عن الإمام؟
قال: نعم. قال: فأصبته؟ قال: لا.
قال: فإن أحببت أن تلقى جعفر بن محمّد (عليهما السلام) فافعل.
فاستدلّه فأرشده إليه، فلمّا دخل عليه، قال له:
____________
(1) 2/ 735 ح 47، عنه البحار: 47/ 118 ح 158. تقدّم ص 207 ح 3 عن البصائر (مثله).
(2) 2/ 737 ح 51، عنه البحار: 47/ 118 ح 159. و رواه في بصائر الدرجات: 289 ح 3، عنه البحار: 26/ 128 ح 32، و مدينة المعاجز: 389 ح 98، يأتي في الحديث التالي (مثله).
(3) «سحنة» م. «سجنة» ع، ب. و ما في المتن كما في تنقيح المقال: 2/ 344. و كما في الحديث السابق و أشار في معجم رجال الحديث: 13/ 44 عند ترجمته لعمر بن شجرة الكندي- إلى هذه الرواية و قال «عمر بن سختة» و كان قد استظهر اتّحادهما في ص 43 من الجزء المذكور.
(4) 3/ 321، عنه البحار: 46/ 263 ضمن ح 63.
219
[هذا] (1) إنّك دخلت مدينتنا هذه تسأل عن الإمام، فاستقبلك [فتى] من ولد الحسن (عليه السلام) فأرشدك إلى محمّد بن عبد اللّه، فسألته و خرجت، فإن شئت أخبرتك بما سألته عنه، و ما ردّه عليك، ثمّ استقبلك فتى من ولد الحسين (عليه السلام) و قال لك:
إن أحببت أن تلقى جعفر بن محمّد فافعل.
قال: صدقت [قد] كان كلّ ما ذكرت و وصفت. (2)
28- المناقب لابن شهرآشوب: عبد الرحمن بن كثير- في خبر طويل- إنّ رجلا دخل المدينة يسأل عن الإمام، فدلّوه على عبد اللّه بن الحسن، فسأله هنيئة، ثمّ خرج، فدلّوه على جعفر بن محمّد (عليهما السلام) فقصده، فلمّا نظر إليه جعفر (عليه السلام)، قال:
يا هذا! إنّك كنت [مغرى ف] دخلت (3) مدينتنا هذه تسأل عن الإمام، فاستقبلك فتية من ولد الحسن (عليه السلام) فأرشدوك إلى عبد اللّه بن الحسن فسألته هنيئة ثمّ خرجت، فإن شئت أخبرتك عمّا سألته، و ما ردّ عليك.
ثمّ استقبلك فتية من ولد الحسين (عليه السلام)، فقالوا لك: يا هذا! إن رأيت أن تلقى جعفر بن محمّد فافعل. فقال: صدقت، قد كان كما ذكرت.
فقال له: ارجع إلى عبد اللّه بن الحسن، فاسأله عن درع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و عمامته.
فذهب الرجل، فسأله عن درع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و العمامة، فأخذ درعا من كندوج له فلبسها، فإذا هي سابغة، فقال: كذا كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يلبس الدرع.
فرجع إلى الصادق (عليه السلام) فأخبره، فقال: ما صدق، ثمّ أخرج خاتما فضرب به الأرض، فإذا الدرع و العمامة ساقطين من جوف الخاتم، فلبس أبو عبد اللّه (عليه السلام) الدرع، فإذا هي إلى نصف ساقه، ثمّ تعمّم بالعمامة، فإذا هي سابغة فنزعها، ثمّ ردّهما في الفصّ؛
ثمّ قال: هكذا كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يلبسها.
____________
(1) أي يا هذا، حذف حرف النداء كما أجاز بعض النحويّين مع اسم الإشارة.
(2) 2/ 770 ح 91، عنه البحار: 47/ 120 ح 167. و أورده في مناقب ابن شهرآشوب: 3/ 349، عنه البحار: 47/ 125 ضمن ح 174. يأتي ح 28 (مثله).
(3) أغرى الرجل بكذا: حضّه عليه. و في ع، ب «كنت دخلت».
221
يا سماعة! ما هذا الذي بينك و بين جمّالك في الطريق؟ إيّاك أن تكون فاحشا أو صيّاحا
قال: و اللّه لقد كان ذلك، لأنّه ظلمني. فنهاني عن مثل ذلك. (1)
31- و منه: ابن بابويه القمّي في دلائل الأئمّة و معجزاتهم، قال أبو بصير:
دخلت المدينة، و كانت معي جويرية لي فأصبت منها، ثمّ خرجت إلى الحمّام، فلقيت أصحابنا الشيعة و هم متوجّهون إلى الصادق (عليه السلام)، فخفت أن يسبقوني، و يفوتني الدخول عليه، فمشيت معهم حتّى دخلت الدار معهم؛
فلمّا مثّلت بين يدي أبي عبد اللّه (عليه السلام) نظر إليّ، ثمّ قال: يا أبا بصير! أ ما علمت أنّ بيوت الأنبياء و أولاد الأنبياء، لا يدخلها الجنب!؟ فاستحييت و قلت: يا ابن رسول اللّه! إنّي لقيت أصحابنا، و خفت أن يفوتني الدخول معهم، و لن أعود إلى مثلها أبدا. (2)
32- [و منه] و في كتاب الدلالات: عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة البطائني:
قال أبو بصير: اشتهيت دلالة الإمام، فدخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) و أنا جنب؛
فقال: يا أبا محمّد! ما كان لك فيما كنت فيه شغل، تدخل على إمامك و أنت جنب!
فقلت: جعلت فداك، ما عملته إلّا عمدا. قال: أ و لم تؤمن؟
قلت: بلى، و لكن ليطمئنّ قلبي، قال: فقم يا أبا محمّد فاغتسل .... الخبر.
الخرائج و الجرائح: عن أبي بصير (مثله). (3)
33- المناقب لابن شهرآشوب: عبد الرحمن بن سالم، عن أبيه، قال:
____________
(1) 3/ 351، عنه البحار: 47/ 127 ضمن ح 175 و مدينة المعاجز: 412 ح 213. و روى حديث سماعة في الكافي: 2/ 326 ح 14 بإسناده نحوه، عنه حلية الأبرار: 2/ 164. و أورده في كشف الغمّة: 2/ 189، عنه إثبات الهداة: 5/ 430 ح 176.
(2) 3/ 354، عنه البحار: 47/ 129 ضمن ح 176.
و روى نحوه في قرب الإسناد: 21، عن ابن سعد، عن الأزدي، و في بصائر الدرجات: 241 ح 23 عن أبي طالب، عن بكر بن محمّد، عنهما البحار: 47/ 336 ح 8، 9، و أورده في إرشاد المفيد:
307، و إعلام الورى: 275، عن أبي بصير، عنهما البحار: 27/ 255 ح 4.
(3) 3/ 353، 2/ 634 ح 35 (و فيه تخريجات الحديث) عنهما البحار: 47/ 129 ذ 176 و 177.
220
إنّ هذا ليس ممّا غزل في الأرض، إنّ خزانة اللّه في «كن»، و إنّ خزانة الإمام في خاتمه، و إنّ اللّه عنده الدنيا كسكرّجة، و إنّها عند الإمام كصحيفة؛
و لو لم يكن الأمر هكذا لم نكن أئمّة، و كنّا كسائر الناس. (1)
29- منه: حدّث أبو عبد اللّه محمّد بن أحمد الديلمي البصري، عن محمّد بن أبي كثير الكوفي، قال: كنت لا أختم صلاتي و لا أستفتحها إلّا بلعنهما، فرأيت في منامي طائرا معه تور (2) من الجوهر، فيه شيء أحمر شبه الخلوق (3)، فنزل إلى البيت المحيط برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، ثمّ أخرج شخصين من الضريح، فخلّقهما بذلك الخلوق في عوارضهما، ثمّ ردّهما إلى الضريح، و عاد مرتفعا؛
فسألت من حولي من هذا الطائر؟ و ما هذا الخلوق؟ فقال: هذا ملك يجيء في كلّ ليلة جمعة يخلّقهما، فأزعجني ما رأيت فأصبحت لا تطيب نفسي بلعنهما، فدخلت على الصادق (عليه السلام) فلمّا رآني ضحك، و قال: رأيت الطائر؟ فقلت: نعم يا سيّدي فقال: اقرأ:
إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ (4)
فإذا رأيت شيئا تكره فاقرأها، و اللّه ما هو ملك موكّل بهما لإكرامهما، بل هو ملك موكّل بمشارق الأرض و مغاربها، إذا قتل قتيل ظلما أخذ من دمه فطوّقهما به في رقابهما، لأنّهما سبب كلّ ظلم مذ كانا. (5)
30- و منه: و في حديث عليّ أنّه قال الصادق (عليه السلام):
نعم، إنّك خلّفت في منزلك ثلاثمائة درهم، و قلت: إذا رجعت أصرفها أو أبعث بها إلى محمّد بن عبد اللّه الدعبلي. قال: و اللّه ما تركت في بيتي شيئا إلّا و قد أخبرتني به!
و قال سماعة بن مهران: دخلت على الصادق (عليه السلام)، فقال لي مبتدأ:
____________
(1) تقدّم ص 63 ح 1 بتخريجاته- و بيان كندوج، و كن، و سكرّجة- ص 218 ح 27 (نحوه).
(2) و التور: إناء من صفر أو حجارة كالإجّانة، و قد يتوضّأ منه. «النهاية».
(3) طيب مركّب يتّخذ من الزعفران و غيره من أنواع الطيب، و الغالب عليه الصفرة أو الحمرة.
(4) المجادلة: 10.
(5) 3/ 363، عنه البحار: 47/ 124 ح 173، و إثبات الهداة: 5/ 463 ح 266، و مدينة المعاجز: 414 ح 226. يناسب هذا الحديث لباب علمه (عليه السلام) بتعبير الرؤيا.
222
لمّا قدم أبو عبد اللّه (عليه السلام) إلى أبي جعفر، فقال أبو حنيفة لنفر من أصحابه:
انطلقوا بنا إلى إمام الرافضة نسأله عن أشياء نحيّره فيها.
فانطلقوا، فلمّا دخلوا عليه، نظر إليه أبو عبد اللّه (عليه السلام)، فقال: أسألك باللّه يا نعمان لمّا صدّقتني عن شيء أسألك عنه، هل قلت لأصحابك: مرّوا بنا إلى إمام الرافضة فنحيّره؟
فقال: قد كان ذلك! قال: فاسأل ما شئت ... القصّة.
أبو العبّاس البقباق، قال: تزارّا (1) ابن أبي يعفور (2)، و المعلّى بن خنيس، فقال ابن أبي يعفور: الأوصياء علماء أتقياء أبرار. و قال ابن خنيس: الأوصياء أنبياء. قال: فدخلا على أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فلمّا استقرّ مجلسهما، قال (عليه السلام): أبرأ ممّن قال: إنّا أنبياء. (3)
34- و منه: سدير الصيرفي، قال:
دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) و قد اجتمع إليّ ماله، فأحببت دفعه إليه، و كنت حبست منه دينارا لكي أعلم أقاويل الناس، فوضعت المال بين يديه؛
فقال لي: يا سدير خنتنا! و لم ترد بخيانتك إيّانا قطيعتنا.
قلت: جعلت فداك، و ما ذاك؟ قال: أخذت شيئا من حقّنا لتعلم كيف مذهبنا.
قلت: صدقت جعلت فداك، إنّما أردت أن أعلم قول أصحابي.
فقال لي: أ ما علمت أنّ كل ما يحتاج إليه نعلمه، و عندنا ذلك، أ ما سمعت قول اللّه:
وَ كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ (4) اعلم أنّ علم الأنبياء محفوظ في علمنا، مجتمع عندنا، و علمنا من علم الأنبياء، فأين يذهب بك؟! قلت: صدقت جعلت فداك. (5)
____________
(1) «قال الفيروزآبادي: 2/ 38، 39: زرر كسمع تعدّى على خصمه، و المزارّة: المعاضّة» منه ره.
(2) «يعقوب» م، تصحيف. و هو عبد اللّه بن أبي يعفور العبدي، عدّه الشيخ من أصحاب الصادق (عليه السلام) و هو ثقة ثقة جليل في أصحابنا كريم على أبي عبد اللّه (عليه السلام) (راجع تنقيح المقال: 2/ 165، و جامع الرواة: 1/ 467).
(3) 3/ 354، عنه البحار: 47/ 130 ذ ح 178، و رواه في رجال الكشّي: 246 ح 456، عنه البحار:
25/ 291 ح 48، و إثبات الهداة: 5/ 443 ح 205.
(4) يس: 12.
(5) 3/ 354، عنه البحار: 47/ 130 ح 179، و إثبات الهداة: 5/ 462 ح 263.
223
35- و منه:- و أجازني المنتهى الحسيني الجرجاني (1) في بصائر الدرجات بثلاثة طرق- أنّه دخل رجل على الصادق (عليه السلام) فلمزه رجل من أصحابنا؛
فقال الصادق (عليه السلام)- و أخذ على شيبته-:
إن كنت لا أعرف الرجال إلّا بما ابلّغ عنهم، فبئست الشيبة شيبتي. (2)
36- و منه: و في كتاب الدلالات- بثلاثة طرق- عن الحسين بن أبي العلاء؛ و عليّ ابن [أبي] حمزة، و أبي بصير، قالوا: دخل رجل من أهل خراسان على أبي عبد اللّه (عليه السلام)؛
فقال له: جعلت فداك، إنّ «فلان بن فلان» بعث معي بجارية، و أمرني أن أدفعها إليك.
قال: لا حاجة لي فيها، و إنّا أهل بيت لا يدخل الدنس بيوتنا.
فقال له الرجل: و اللّه جعلت فداك لقد أخبرني أنّها مولّدة بيته، و أنّها ربيبته في حجره.
قال: إنّها قد فسدت عليه. قال: لا علم لي بهذا.
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): و لكنّي أعلم أنّ هذا هكذا.
الخرائج و الجرائح: عن الحسين (مثله). (3)
37- رجال الكشّي: محمّد بن الحسن، عن الحسن بن خرزاذ، عن موسى بن القاسم، عن إبراهيم بن أبي البلاد، عن عمّار السجستاني، قال: زاملت أبا بجير (4) عبد اللّه ابن النجاشي من سجستان (5) إلى مكّة، و كان يرى رأي الزيديّة فدخلت معه على أبي عبد اللّه
____________
(1) كذا، و العبارة في «م، ب» مصحّفة. و المنتهى هو من مشايخ ابن شهرآشوب كما ذكر في مقدمته.
(2) 3/ 364، عنه البحار: 47/ 137 ضمن ح 187، و مدينة المعاجز: 414 ح 227.
و رواه في بصائر الدرجات: 361 ح 1 بإسناده إلى ضريس، و في ص 362 ح 2 باسناده إلى عليّ بن حنظلة، و ح 4 بإسناده إلى ابن سنان عمّن ذكره (مثله باختلاف).
(3) 3/ 368، 2/ 610 ح 4، عنهما البحار: 47/ 140 ذ ح 188 و 189.
و أخرجه في مدينة المعاجز: 389 ح 97، و مستدرك الوسائل: 15/ 35 ح 1 عن المناقب، و في الوسائل: 14/ 573 ح 1 عن الخرائج. راجع ص 214 ح 17.
(4) تقدّم بيانه ص 207.
(5) سجستان: ناحية كبيرة و ولاية واسعة، و قيل: اسم للناحية و مدينتها زربخ، و بينها و بين هراة عشرة أيّام، و هي جنوب هراة (مراصد الاطّلاع: 2/ 694).
224
(عليه السلام)، فقال له: يا أبا بجير! أخبرني حين أصابك الميزاب، و عليك الصدرة (1) من فراء، فدخلت النهر فخرجت، و تبعك الصبيان يعيّطون (2) [بك] أيّ شي صيّرك على هذا؟
قال عمّار: فالتفت إليّ أبو بجير، و قال لي: أيّ شيء كان هذا من الحديث حتّى تحدّثه أبا عبد اللّه (عليه السلام)؟! فقلت: لا و اللّه، ما ذكرت له و لا لغيره، و هذا هو يسمع كلامي.
فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): لم يخبرني بشيء يا أبا بجير.
فلمّا خرجنا من عنده، قال لي أبو بجير: يا عمّار! أشهد أنّ هذا عالم آل محمّد، و أنّ الذي كنت عليه باطل، و أنّ هذا صاحب الأمر. (3)
38- مشارق الأنوار للبرسي: عن محمّد بن سنان [قال]:
إنّ رجلا قدم إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) من خراسان، و معه صرر من الصدقات، معدودة مختومة، و عليها أسماء أصحابها مكتوبة، فلمّا دخل الرجل جعل أبو عبد اللّه (عليه السلام) يسمّي أصحاب الصرر، و يقول: أخرج صرّة فلان، فإنّ فيها كذا و كذا.
ثمّ قال: أين صرّة المرأة الّتي بعثتها من غزل يدها؟ أخرجها، فقد قبلناها؛
ثمّ قال للرجل: أين الكيس الأزرق؟ [و كان فيما حمل إليه كيس أزرق] فيه ألف درهم، و كان الرجل قد فقده في بعض طريقه، فلمّا ذكره الإمام (عليه السلام) استحيا الرجل و قال: يا مولاي! في بعض الطريق قد فقدته. فقال له الإمام (عليه السلام): تعرفه إذا رأيته؟ فقال: [نعم.
فقال:] يا غلام! أخرج الكيس الأزرق، فأخرجه، فلمّا رآه الرجل عرفه؛
فقال له الإمام: إنّا احتجنا إلى ما فيه، فأحضرناه قبل وصولك إلينا.
فقال الرجل: يا مولاي! إنّي ألتمس الجواب بوصول ما حملته إلى حضرتك.
فقال له: إنّ الجواب كتبناه و أنت في الطريق. (4)
____________
(1) الصدرة: الثوب يغشّي الصدر.
(2) «قال الفيروزآبادي: التعيّط: الجلبة و الصياح و عيط، بالكسر مبنيّة: صوت الفتيان النزقين» منه ره.
(3) 342 ح 634، عنه البحار: 47/ 153 ح 214 تقدم ص 104 ح 8 (مثله).
«أقول: تمامه في باب حدّ المرتد إن شاء اللّه تعالى» منه ره.
(4) 91، عنه البحار: 47/ 155، و إثبات الهداة: 5/ 420 ح 161. يأتي ص 323 ح 1.
226
فقال هشام: ربّهم أنظر لهم منهم لأنفسهم. فقال الشامي:
فهل أقام لهم من يجمع لهم كلمتهم، و يقيم أودهم، و يخبرهم بحقّهم من باطلهم؟
[قال هشام: في وقت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أو الساعة؟
قال الشاميّ: في وقت رسول اللّه، رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و الساعة من؟]
فقال هشام: هذا القاعد الّذي تشدّ إليه الرحال، و يخبرنا بأخبار السماء [و الأرض] وراثة عن أب، عن جدّ.
قال الشامي: فكيف لي أن أعلم ذلك؟ قال هشام: سله عمّا بدا لك.
قال الشامي: قطعت عذري، فعليّ السؤال.
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): يا شامي اخبرك كيف كان سفرك؟ و كيف كان طريقك؟
كان كذا، و كان كذا، فأقبل الشامي يقول: صدقت، أسلمت للّه الساعة.
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): بل آمنت باللّه الساعة، إنّ الإسلام قبل الإيمان، و عليه يتوارثون و يتناكحون، و الإيمان عليه يثابون.
فقال الشامي: صدقت؛
فأنا الساعة أشهد أن لا إله إلّا اللّه، و أنّ محمّدا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و أنّك وصيّ الأوصياء. (1)
المناقب لابن شهرآشوب، و الاحتجاج: عن يونس (مثله). (2)
استدراك (1) الكافي: عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن عبد الحميد العطّار، عن يونس بن يعقوب، عن عمر، أخي عذافر، قال:
____________
(1) «أقول: الخبر طويل أوردنا منه موضع الحاجة» منه ره. يأتي بتمامه في ص 1063 (مستدركات).
(2) 1/ 171 ضمن ح 4، 3/ 368، 2/ 122 عنها البحار: 47/ 157 ح 221 و 222.
و رواه في إرشاد المفيد: 312، و إعلام الورى: 280، عنهما البحار: 48/ 203 ح 7. و أخرجه في كشف الغمّة: 2/ 173 عن الإرشاد، و في إثبات الهداة: 5/ 336 ح 7 عن المصادر المتقدّمة، و في.
الوسائل: 11/ 454 ح 10 و ج 18/ 130 ح 2 عن الكافي.
225
39- الخرائج و الجرائح: هارون بن رئاب، قال: كان لي أخ جاروديّ، فدخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فقال لي: ما فعل أخوك الجاروديّ؟ قلت: صالح، هو مرضي عند القاضي [و عند] الجيران في الحالات، غير أنّه لا يقرّ بولايتكم.
فقال: ما يمنعه من ذلك؟ قلت: يزعم أنّه يتورّع.
قال: فأين كان ورعه ليلة نهر بلخ؟! فقدمت على أخي فقلت لأخي حين قدمت عليه:
ثكلتك امّك، دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فسألني عنك، و أخبرته أنّه مرضيّ عند الجيران في الحالات كلّها، غير أنّه لا يقرّ بولايتكم، فقال: ما يمنعه ذلك؟
قلت: يزعم أنّه يتورّع. قال: فأين كان ورعه ليلة نهر بلخ؟!
فقال: أخبرك أبو عبد اللّه (عليه السلام) بهذا؟ قلت: نعم، قال: أشهد أنّه حجّة ربّ العالمين.
قلت: أخبرني عن قصّتك؟ قال: [نعم] أقبلت من وراء نهر بلخ، فصحبني رجل معه وصيفة فارهة (1) [الجمال، فلمّا كنّا على النهر] قال لي (2):
إمّا أن تقتبس لنا نارا فأحفظ عليك؛
و إمّا أن أقتبس نارا فتحفظ عليّ. فقلت: اذهب و اقتبس، و أحفظ عليك.
فلمّا ذهب، قمت إلى الوصيفة، و كان منّي إليها ما كان، و اللّه ما أفشت و لا أفشيت لأحد، و لم يعلم [بذلك] إلّا اللّه [فدخله رعب].
فخرجت من السنة الثانية و هو معي، فأدخلته على أبي عبد اللّه (عليه السلام) [فذكرت الحديث] فما خرج من عنده حتّى قال بإمامته. (3)
40- الكافي: عليّ، عن أبيه، عمّن ذكره، عن يونس بن يعقوب، قال:
كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فورد عليه رجل من أهل الشام، فناظر أصحابه (عليه السلام)، حتّى انتهى إلى هشام بن الحكم؛
فقال الشامي: يا هذا! من أنظر للخلق، أ ربّهم أو أنفسهم؟
____________
(1) الوصيفة: الجارية، و جارية فرهاء: الحسناء.
(2) «فقال» ع، ب.
(3) 2/ 617 ح 17، عنه البحار: 47/ 156 ح 220 و أورد نحوه في المناقب لابن شهرآشوب: 3/ 370 عن عبد اللّه بن كثير عن الصادق (عليه السلام)، تقدّم ص 211 ح 11 عن بصائر الدرجات (مثله).
227
دفع إليّ إنسان ستمائة درهم- أو سبعمائة درهم- لأبي عبد اللّه (عليه السلام) فكانت في جوالقي (1) فلمّا انتهيت إلى الحفيرة (2) شقّ جوالقي و ذهب بجميع ما فيه، و وافقت عامل المدينة بها؛
فقال: أنت الّذي شقّت زاملتك (3) و ذهب بمتاعك؟ فقلت: نعم.
فقال: إذا قدمنا المدينة، فائتنا حتّى اعوّضك.
قال: فلمّا انتهيت إلى المدينة، دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام)؛
فقال: يا عمر! شقّت زاملتك، و ذهب بمتاعك؟ فقلت: نعم.
فقال: ما أعطاك اللّه خير ممّا اخذ منك، إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ضلّت ناقته، فقال الناس فيها:
يخبرنا عن السماء، و لا يخبرنا عن ناقته! فهبط عليه جبرئيل (عليه السلام)، فقال:
يا محمّد! ناقتك في وادي كذا و كذا، ملفوف خطامها بشجرة كذا و كذا.
قال: فصعد المنبر، فحمد اللّه و أثنى عليه، و قال: يا أيّها الناس! أكثرتم عليّ في ناقتي، ألا و ما أعطاني اللّه خير ممّا أخذ منّي، ألا و إنّ ناقتي في وادي كذا و كذا، ملفوف خطامها بشجرة كذا و كذا. فابتدرها الناس، فوجدوها كما قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).
قال: ثمّ قال:
ائت عامل المدينة، فتنجّز منه ما وعدك، فإنّما هو شيء دعاك اللّه إليه لم تطلبه منه.
دلائل الإمامة: أخبرني أبو الحسين محمّد بن هارون بن موسى، عن أبيه، قال:
حدّثنا أبو القاسم جعفر بن محمّد الموسائي، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أحمد بن نهيك أبو العبّاس النخعي، قال: حدّثنا محمّد بن أبي عمير، عن الحسن، عن أبي حرّان، عن يونس بن يعقوب، عن عمر (4) (مثله). (5)
____________
(1) الجوالق: العدل من صوف أو شعر.
(2) الحفيرة: ماء لبني موجن الضبابي، و لها جبل يقال له: العمود، ينسب إليها (مراصد الاطّلاع: 1/ 414).
(3) الزاملة: الدابّة من الإبل و غيرها يحمل عليها.
(4) «عثمان» م، تصحيف.
(5) 8/ 221 ح 278، 139.
و أخرجه في الوسائل: 12/ 158 ح 8، و إثبات الهداة: 1/ 441 ح 50 و البحار: 18/ 129 ح 38.
228
(2) دلائل الإمامة: حدّثنا أبو المفضّل محمّد بن عبد اللّه، قال: حدّثنا محمّد بن جعفر الزيّات، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب، عن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن عبيد اللّه بن الحسن، عن الحسن بن هارون، قال:
كنت بالمدينة، فكنت آتي موضعا أسمع فيه غناء جيران لنا؛
فدخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فقال لي ابتداء منه:
إنّ السمع و البصر عمّا أبصر، و الفؤاد عمّا عقد عليه. (1)
(3) أمالي الطوسي: عن أحمد بن محمّد بن الصلت الأهوازي، عن أحمد بن محمّد ابن سعيد بن عقدة، عن جعفر بن عبد اللّه العلوي، عن القاسم بن جعفر العلوي، عن عبد اللّه ابن محمّد بن عليّ بن الحسين، عن أبيه، عن عبد اللّه بن أبي بكر بن محمّد بن عمرو بن حزم- في حديث طويل- قال:
سمعت جارية لجار لي تغنّي و تضرب، قال: فقمت ساعة أسمع، قال: ثمّ خرجت، فلمّا أن كان الليل، دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فحين استقبلني، قال: الغناء! اجتنبوا الغناء! اجتنبوا الغناء! اجتنبوا قول الزور! فضاق بي المجلس، و علمت أنّه يعنيني. (2)
(4) دلائل الإمامة: بإسناده (3)، عن محمّد بن أبي عمير، عن عليّ بن أبي حمزة، قال:
كنت مع أبي بصير، و معنا شعيب العقرقوفي، قال:
فأخرج إلى أبي عبد اللّه مالا، فوضعه بين يديه، و قال له:
جعلت فداك، لك منه كذا و كذا من الزكاة.
قال: فضرب أبو عبد اللّه بيده إليه، و قال: هذا لي، و هذا ليس لي.
قال: فلمّا خرجنا، قال أبو بصير لشعيب: يا عقرقوفي! اعطيت الليلة آية عظيمة. (4)
(5) و منه: و روى عمّار الساباطي، قال:
كنت لا أعرف شيئا من هذا الأمر، و كان من عرفه عندنا رافضيّا، فخرجت حاجّا فإذا أنا بجماعة من الرافضة، فقالوا: يا عمّار! أقبل علينا. فقلت: ما يريد منّي هؤلاء!؟
____________
(1) 138.
(2) ... عنه الوسائل: 12/ 230 ح 24، و إثبات الهداة: 5/ 370 ح 64.
(3) المتقدّم في ص 227 ذ ح 1.
(4) 140.
229
فما في إتيانهم خير و لا ثواب، و لكنّي أصبو إليهم فأنظر ما يريدون، فأقبلت إليهم؛ فقالوا: يا عمّار! خذ هذه الدنانير، فادفعها إلى أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد.
فقلت: إنّي أخشى أن يقطع عليّ دنانيركم.
فقالوا: خذها و لا تخش أن يقطع عليك. فقلت: لاجرّبنّ القوم.
فقلت: هاتوها. و أخذتها في يدي، فلمّا صرت إلى بعض الطريق، قطع علينا، فما ترك منّا شيئا إلّا اخذ، فاستقبلنا غلام أبيض مشرّب بالحمرة، عليه ذؤابتان، فقال:
[يا] عمّار! قطع عليك؟ قلت: نعم. فقال: اتبعوني معشر القافلة.
فتبعناه حتّى جاء إلى حيّ من أحياء العرب، فصاح بهم ردّوا إلى القوم متاعهم!
فلقد رأيتهم يبادرون من الخيم حتّى ردّوا جميع ما اخذ منّا، و لم يدعوا منه شيئا.
فقلت عند ذلك: لأسبق الناس إلى المدينة حتّى أستمكن من قبر رسول اللّه، فسبقت الناس، فقمت اصلّي عند قبر النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و صلّيت ثمان ركعات، و إذا بمناد ينادي:
يا عمّار! رددنا عليكم متاعكم، فلم لا تردّ دنانيرنا؟ فالتفتّ فلم أر أحدا، فقلت:
هذا عمل الشيطان! ثمّ قمت اصلّي، فصلّيت أربع ركعات، فإذا برجل قد ركزني و امغص (1) لقفائي، ثمّ قال: يا عمّار! رددنا عليكم متاعكم، فلم لا تردّ دنانيرنا؟
فالتفتّ، و إذا بالغلام الأبيض المشرّب بالحمرة، فقادني كما يقاد البعير، و ما أقدر أن أمتنع عليه حتّى أدخلني إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فقال: يا أبا الحسن! معه- سبحة- (2) مائة دينار. فقلت في نفسي: هؤلاء محدّثون، و اللّه ما سبقني رسول و لا كتاب، فمن أين علم أنّ معي مائة دينار؟ فقال: لا تزيد حبّة و لا تنقص حبّة، فحسبتها فو اللّه ما زادت و لا نقصت.
ثمّ قال (عليه السلام): يا عمّار! سلّم علينا. قلت: السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته.
فقال (عليه السلام): ليس هكذا يا عمّار! فقلت: السلام عليك يا ابن عمّ رسول اللّه.
فقال (عليه السلام): ليس هكذا يا عمّار! فقلت: السلام عليك يا ابن رسول اللّه.
فقال (عليه السلام): ليس هكذا يا عمّار! فقلت: السلام عليك يا وصيّ رسول اللّه.
قال (عليه السلام): صدقت يا عمّار. ثمّ وضع يده على صدري، فقال (عليه السلام):
____________
(1) تمغّصني الشيء، و تمغّصت منه: آذاني.
(2) كذا، و اللفظ غريب.
230
ما حان لك أن تؤمن!؟ فو اللّه ما خرجت من عنده حتّى تولّيت وليّه، و تبرّأت من عدوّه. (1)
(6) و منه: أخبرني أبو الحسين محمّد بن هارون بن موسى، عن أبيه، عن أبي عليّ محمّد بن همام، عن أحمد بن الحسين، عن أبيه، عن الحسن بن عليّ، عن أبي عثمان، أو غيره، عن محمّد بن سنان، عن أبان، عن حذيفة بن منصور، عن رزّام، قال:
بعثني أبو جعفر عبد اللّه الطويل- و هو المنصور- إلى المدينة، و أمرني إذا دخلت المدينة أن أفضّ الكتاب الّذي دفعه إليّ و أعمل بما فيه.
قال: فما شعرت إلّا بركب قد طلعوا عليّ حين قربت من المدينة، و إذا رجل قد صار إلى جانبي، فقال: يا رزّام! اتّق اللّه، و لا تشرك في دم آل محمّد.
قال: فأنكرت ذلك، فقال لي: دعاك صاحبك نصف الليل، و خاط رقعة في جانب قباك، و أمرك إذا صرت إلى المدينة تفضّها، و تعمل بما فيها.
قال: فرميت بنفسي من المحمل، و قبّلت رجليه و [قلت:] ظننت أنّ ذلك صاحبي و أنت سيّدي و صاحبي، فما أصنع؟
قال: ارجع إليه، و اذهب بين يديه و تعال، فإنّه رجل نسّاء، و قد انسي ذلك، فليس يسألك عنه. قال: فرجعت إليه، فلم يسألني عن شيء، فقلت: صدق مولاي. (2)
(7) علل الشرائع: حدّثنا أحمد بن الحسن القطّان، قال: حدّثنا أبو سعيد الحسن بن عليّ السكّري، قال: حدّثنا أبو عبد اللّه محمّد بن زكريّا بن دينار الغلّابي البصري، قال: حدّثنا عليّ بن حاتم، قال: حدّثنا الربيع بن عبد اللّه، قال:
وقع بيني و بين عبد اللّه بن الحسن كلام في الإمامة،- و ذكر الكلام إلى أن قال-:
و دخلت على الصادق (عليه السلام) فلمّا بصر بي، قال لي:
أحسنت يا ربيع فيما كلّمت به عبد اللّه بن الحسن، ثبّتك اللّه. (3)
***
____________
(1) 122، عنه مدينة المعاجز: 393 ح 123، و إثبات الهداة: 5/ 455 ح 238 مختصرا.
(2) 129، عنه مدينة المعاجز: 364 ح 29، و إثبات الهداة: 5/ 456 ح 242 مختصرا.
(3) 209 ح 12، عنه البحار: 25/ 258 ح 19، و إثبات الهداة: 5/ 367 ح 55.
232
قال: فقال [لي]: يا عمر! لا اخبرك عن الإمام بعدي. (1)
3- و منه: محمّد بن عليّ، عن عمّه محمّد بن عمر، عن عمر بن يزيد، قال:
كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) ليلة من الليالي، و لم يكن عنده أحد غيري، فمدّ رجله في حجري، فقال: اغمزها يا عمر. قال: فغمزت رجله، فنظرت إلى اضطراب في عضلة ساقه، فأردت أن أسأله إلى من الأمر من بعده؛
فأشار إليّ، فقال: لا تسألني في هذه الليلة عن شيء، فإنّي لست أجيبك.
كشف الغمّة: من كتاب الدلائل للحميري، عن عمر بن زيد (مثله). (2)
4- بصائر الدرجات: إبراهيم بن هاشم، عن أبي عبد اللّه البرقيّ، عن إبراهيم بن محمّد، عن شهاب بن عبد ربّه، قال:
دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) و أنا اريد [أن] أسأله عن الجنب يغرف الماء من الحبّ (3)، فلمّا صرت عنده انسيت المسألة، فنظر إليّ أبو عبد اللّه (عليه السلام)، فقال:
يا شهاب! لا بأس أن يغرف الجنب من الحبّ.
الخرائج و الجرائح: عن شهاب [مثله]. (4)
5- بصائر الدرجات: أحمد بن محمّد، عن الأهوازي، عن الحسين بن بردة؛
و عن جعفر بن بشير الخزّاز، عن إسماعيل بن عبد العزيز، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام):
يا إسماعيل! ضع لي في المتوضّأ ماء. قال: فقمت، فوضعت له، فدخل.
قال: فقلت في نفسي: أنا أقول فيه كذا و كذا، و يدخل المتوضّأ يتوضّأ!
قال: فلم يلبث أن خرج، فقال: يا إسماعيل! لا ترفع البناء فوق طاقته فينهدم، اجعلونا
____________
(1) 236 ح 4، عنه البحار: 47/ 67 ح 10، و مدينة المعاجز: 380 ح 69. أورده في المناقب: 3/ 347 و كشف الغمّة: 2/ 194، عن عمر بن يزيد (مثله)، يأتي في الحديث التالي (مثله).
(2) 235 ح 1، 2/ 194، عنهما البحار: 47/ 67 ح 11 و 12.
و أورده في الخرائج و الجرائح: 2/ 734 ح 40 (و التخريجات الّتي في هامشه).
(3) «الجبّ» ع. و الحبّ: الجرّة الكبيرة. و الجبّ: البئر العميقة.
(4) 236 ح 3، 2/ 613 ح 11 (و التخريجات الّتي في هامشه). لاحظ ح 7 الآتي.
231
2- باب إخباره (عليه السلام) بالمغيّبات الحاليّة، و ما في الضمير، و نحوه
الأخبار، الأصحاب:
1- بصائر الدرجات: ابن يزيد، عن الوشّاء، عن ابن أبي حمزة، قال: خرجت بأبي بصير أقوده إلى باب أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: فقال لي: لا تتكلّم و لا تقل شيئا.
فانتهيت به إلى الباب، فتنحنح، فسمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول:
يا فلانة! افتحي لأبي محمّد الباب.
قال: فدخلنا و السراج بين يديه، فإذا سفط بين يديه مفتوح؛
قال: فوقعت عليّ الرعدة، فجعلت أرتعد؛
فرفع رأسه إليّ، فقال: أ بزّاز أنت؟!
قلت: نعم، جعلني اللّه فداك.
قال: فرمى إليّ بملاءة قوهيّة كانت على المرفقة، فقال: اطو هذه. فطويتها؛
ثمّ قال: أ بزّاز أنت؟- و هو ينظر في الصحيفة- قال: فازددت رعدة.
قال: فلمّا خرجنا، قلت: يا أبا محمّد! ما رأيت كما مرّ بي الليلة، إنّي وجدت بين يدي أبي عبد اللّه (عليه السلام) سفطا، قد أخرج منه صحيفة [فنظر فيها] فكلّما نظر فيها أخذتني الرعدة.
قال: فضرب أبو بصير يده على جبهته، ثمّ قال: ويحك! أ لا أخبرتني، فتلك و اللّه الصحيفة الّتي فيها أسامي الشيعة، و لو أخبرتني لسألته أن يريك اسمك فيها. (1)
2- و منه: أحمد بن محمّد، عن بكر، عمّن رواه، عن عمر بن يزيد، قال:
دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فبسط رجله (2)، و قال: اغمزها يا عمر!
قال: فأضمرت في نفسي أن أسأله عن الإمام بعده،
____________
(1) تقدّم ص 67 ح 3 بتخريجاته و بياناته.
و يأتي صدره ص 237 ح 13 عنه و عن المناقب لابن شهرآشوب و الخرائج و الجرائح.
(2) «رجليه» م. و ما أثبتناه بقرينة الحديث التالي.
233
مخلوقين و قولوا فينا ما شئتم، فلن تبلغوا.
فقال إسماعيل، و كنت أقول إنّه (1)، و أقول و أقول.
كشف الغمّة: من كتاب الدلائل للحميري، عن عبد العزيز [القزّاز] (مثله). (2)
6- بصائر الدرجات: أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن الحسين بن أحمد، عن (3) أسد بن أبي العلاء، عن هشام بن الأحمر (4)، قال:
دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) و أنا اريد أن أسأله عن المفضّل بن عمر، و هو في مصنعة (5) له، في يوم شديد الحرّ، و العرق يسيل على خدّه، فيجري على صدره؛
فابتدأني فقال: نعم- و اللّه- الرجل المفضّل بن عمر، نعم- و اللّه الّذي لا إله إلّا هو- الرجل المفضّل بن عمر الجعفي، حتّى أحصيت بضعا و ثلاثين مرّة، يقولها و يكرّرها، و قال: إنّما هو والد بعد والد. (6)
7- و منه: محمّد بن إسماعيل، عن عليّ بن الحكم، عن شهاب بن عبد ربّه، قال:
أتيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) أسأله، فابتدأني، فقال:
إن شئت فسل يا شهاب، و إن شئت أخبرناك بما جئت له. قلت: جعلت فداك، أخبرني.
قال (عليه السلام): جئت تسألني عن الجنب، يغرف الماء من الحبّ بالكوز، فيصيب يده الماء؟
قلت: نعم. قال: ليس به بأس.
____________
(1) «أي إنّه الربّ، تعالى اللّه عن ذلك؛
و أقول: أي لم أرجع بعد عن هذا القول، أو المعنى: إنّي كنت مصرّا على هذا القول» منه ره.
(2) 236 ح 5، 2/ 191، عنهما البحار: 47/ 68 ح 15 و 16. و أورده في الخرائج و الجرائح: 2/ 735 ح 45 (و التخريجات الّتي بهامشه). يأتي ص 238 ح 16.
(3) «بن» م، ع، ب. تصحيف. و في م «الحسن» بدل «الحسين»، هو الحسين بن أحمد المنقري.
(4) كذا في بقية الموارد، و في م «أحمد».
(5) «المصنعة: الحوض يجمع المطر، و الأصوب في ضيعة كما في بعض النسخ» منه ره.
(6) 237 ح 8، عنه البحار: 47/ 68 ح 17. و أورده في الخرائج و الجرائح: 2/ 736 ح 48 عن هشام الأحمر (نحوه). يأتي ص 1002 ح 1 ب 8 عن الغيبة للطوسي (مثله).
234
قال: و إن شئت سل، و إن شئت أخبرتك. قال: قلت له: أخبرني.
قال: جئت تسألني عن الجنب، يسهو و يغمز يده في الماء قبل أن يغسلها؟
قلت: و ذاك جعلت فداك. قال: إذا لم يكن أصاب يده شيء، فلا بأس بذاك.
[قال: و إن شئت] سل، و إن شئت أخبرتك. قلت: أخبرني.
قال: جئت تسألني عن الجنب، يغتسل فيقطر الماء من جسمه في الإناء؟ أو ينضح الماء من الأرض، فيقع في الإناء؟ قلت: نعم جعلت فداك. قال: ليس بهذا بأس كلّه.
فسل و إن شئت أخبرتك. قلت: أخبرني.
قال: جئت تسألني عن الغدير، يكون في جانبه الجيفة أتوضّأ منه أو لا؟ قلت: نعم.
قال: فتوضّأ من الجانب الآخر إلّا أن يغلب على الماء الريح [فينتن].
و جئت لتسأل عن الماء الراكد من البئر.
قال: فما لم يكن فيه تغيير أو ريح غالبة.
قلت: فما التغيير؟ قال: الصفرة؛ فتوضّأ منه، و كلّما غلب عليه كثرة الماء فهو طاهر.
المناقب لابن شهرآشوب: عن شهاب (مثله). (1)
8- بصائر الدرجات: أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن زياد بن أبي الحلّال، قال: اختلف الناس في جابر بن يزيد، و أحاديثه و أعاجيبه؛
قال: فدخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) و أنا اريد أن أسأله عنه، فابتدأني من غير أن أسأله:
رحم اللّه جابر بن يزيد الجعفي، كان يصدق علينا؛
و لعن اللّه المغيرة بن سعيد كان يكذب علينا. (2)
9- و منه: أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن إبراهيم بن الفضل، عن عمر بن يزيد، قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) و هو وجع، فولّاني ظهره، و وجهه إلى الحائط؛
____________
(1) 238 ح 13، 3/ 347، عنهما البحار: 47/ 69 ح 18 و 19.
و أورده في الخرائج و الجرائح: 2/ 644 ح 53 (و التخريجات الّتي في هامشه).
(2) 238 ح 12، عنه البحار: 46/ 327 ح 6، و ج 47/ 69 ح 20.
و أورده في الخرائج و الجرائح: 2/ 733 ح 42 (و التخريجات الّتي في هامشه).
235
فقلت في نفسي: ما أدري ما يصيبه في مرضه، و ما (1) سألته عن الإمام بعده؛
فأنا افكّر في ذلك، إذ حوّل وجهه إليّ، فقال:
إنّ الأمر ليس كما تظنّ، ليس عليّ- من وجعي هذا- بأس. (2)
10- و منه: الحسن بن عليّ، عن عبيس (3)، عن مروان (4)، عن الحسين (5) بن موسى الحنّاط (6)، قال: خرجت أنا، و جميل بن درّاج، و عائذ الأحمسي حاجّين، قال:
____________
(1) «و لو» خ ل.
(2) 239 ح 14، عنه البحار: 47/ 70 ح 21، و روى نحوه في دلائل الإمامة: 133، عنه كشف الغمّة:
2/ 194، و أورده في ثاقب المناقب: 414 ح 16 عن عمر بن يزيد؛
و أخرجه في إثبات الهداة: 5/ 378 ح 77 عن البصائر و الدلائل و كشف الغمّة.
(3) «الحسين بن عليّ، عن عيسى» ب، ع، خ ل. و لم يذكر في (الوسائل ط. حجر) عبيس و لا عيسى و في دلائل الإمامة هكذا:
«الحسين بن عليّ بن عنبس» و هو المذكور في مستدركات النمازي: 3/ 163.
و تجدر الإشارة إلى أن الحسن بن عليّ بن فضال يروي عن عبيس كما في التهذيب: 5/ 483 ح 1721. و ذكر في معجم رجال الحديث: 5/ 52 أنّ ابن فضال روى عن: عبيس، عيسى الفرّاء، مروان بن مسلم، و هارون بن مسلم.
(4) في التهذيب في سند هذا الحديث «هارون بن مسلم».
و تجدر الإشارة إلى أنّ الحسن بن عليّ بن فضّال يروي عن مروان بن مسلم بلا واسطة.
قال الشيخ في الفهرست: 328 رقم 711: مروان بن مسلم، له كتاب رواه محمّد بن أبي حمزة، أخبرنا به جماعة ... عن الحسن بن عليّ بن فضّال، عنه.
كما أنّ رواية ابن فضّال، عن هارون بن مسلم صحيحة كما تقدّم، و كما في الكافي: 8/ 79 ح 35 و غيره، و قد صرّح في جامع الرواة: 2/ 225 أنّ رواية ابن فضّال، عن هارون بن مسلم كثيرة.
(5) في التهذيب «الحسن». ترجم لهما في معجم رجال الحديث: 5/ 145، و ج 6/ 100، و ذكر أنّهما أخوان، و الموجود في كتب الرجال هو رواية هارون بن مسلم عن الحسن بن موسى، دون أخيه الحسين فلاحظ؛ و على ما تقدّم فكل من السندين وارد إلّا أنّ سند التهذيب هو الظاهر.
(6) «الخيّاط» م. كلاهما وارد.
راجع رجال النجاشي: 45 رقم 90، و تنقيح المقال: 1/ 347، و جامع الرواة: 1/ 256.
236
و كان يقول عائذ لنا: إنّ لي حاجة إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) أريد أن أسأله عنها.
قال: فدخلنا عليه، فلمّا جلسنا، قال لنا مبتدأ:
من أتى اللّه بما افترض عليه لم يسأله عمّا سوى ذلك.
قال: فغمزنا (1) عائذ، فلمّا قمنا، قلنا ما حاجتك؟ قال: الّذي سمعنا منه، إنّي رجل لا اطيق القيام بالليل، فخفت أن أكون مأثوما مأخوذا به فأهلك.
كشف الغمّة: من كتاب الدلائل للحميري، عن عائذ (مثله).
التهذيب: سعد، عن ابن يزيد، عن ابن فضّال، عن هارون بن مسلم، عن الحسن ابن موسى الحنّاط (مثله). (2)
11- بصائر الدرجات: عليّ بن حسّان، عن جعفر بن هارون الزيّات، قال:
كنت أطوف بالكعبة، فرأيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) فقلت في نفسي:
هذا هو الّذي يتّبع، و الّذي هو الإمام، و هو كذا و كذا!
قال: فما علمت به حتّى ضرب يده على منكبي، ثمّ أقبل عليّ، و قال:
أَ بَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَ سُعُرٍ (3). (4)
12- و منه: أحمد بن محمّد، عن الأهوازي، عن ابن فضّال، عن أسد بن أبي العلاء، عن خالد بن نجيح الجوّان (5) قال: كنّا عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) و أنا أقول في نفسي:
ليس يدرون هؤلاء بين يدي من هم؟ قال: فأدناني حتّى جلست بين يديه؛
____________
(1) غمزه بالعين أو الحاجب أو الجفن: أشار إليه بها.
(2) 239 ح 15، 2/ 192، 2/ 10 ح 20، عنها البحار: 47/ 70 ح 22، 23، 24، و أورده في دلائل الإمامة: 136، و الخرائج و الجرائح: 2/ 731 ح 38 (و التخريجات المذكورة في هامشه).
(3) القمر: 24.
(4) 240 ح 21، عنه البحار: 47/ 70 ح 25. و أورده في الخرائج و الجرائح:
2/ 734 ح 44 (و التخريجات الّتي في هامشه). يأتي نحوه في الاستدراكات عن الثاقب في المناقب ص 245 ح 9 عن معمّر الزيّات.
(5) «الجوّاز» م، كلاهما وارد ترجم له النجاشي: 25 رقم 4217، و المامقاني في تنقيح المقال:
1/ 393، و معجم رجال الحديث: 7/ 38.
237
ثمّ قال لي: «يا هذا! إنّ لي ربّا أعبده» ثلاث مرّات. (1)
13- و منه: ابن يزيد، عن الوشّاء، عن البطائني، قال:
خرجت بأبي بصير أقوده إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: فقال: لا تتكلّم و لا تقل شيئا؛
فانتهيت به إلى الباب، فتنحنح، فسمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول:
يا فلانة! افتحي لأبي محمّد الباب. قال: فدخلنا و السراج بين يديه، و إذا سفط بين يديه مفتوح، قال: فوقعت عليّ الرعدة، فجعلت أرتعد، فرفع رأسه إليّ فقال: أ بزّاز أنت؟
فقلت: نعم، جعلت فداك.
المناقب لابن شهرآشوب، و الخرائج و الجرائح: البطائني (مثله). (2)
14- الخرائج و الجرائح: روي أنّ عبد الحميد الجرجاني، قال:
أتاني غلام ببيض الأجمة (3) فرأيته مختلفا، فقلت للغلام: ما هذا البيض؟
قال: هذا بيض ديوك الماء، فأبيت أن آكل منه شيئا حتّى أسأل أبا عبد اللّه (عليه السلام)؛
فدخلت المدينة، فأتيته فسألته عن مسائلي، و نسيت تلك المسألة، فلمّا ارتحلنا، ذكرت المسألة و رأس القطار (4) بيدي، فرميت [به] إلى بعض أصحابي؛
و مضيت إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) فوجدت عنده خلقا كثيرا، فقمت تجاه وجهه، فرفع رأسه إليّ، و قال: يا عبد الحميد! لنا تؤتي بديوك (5) هبر.
فقلت: أعطيتني الّذي اريد، فانصرفت و لحقت بأصحابي. (6)
____________
(1) 241 ح 24، عنه البحار: 47/ 71 ح 26، و إثبات الهداة: 7/ 464 ح 49.
«أقول: سيأتي بإسناد آخر في [ص 1015 ح 1] أبواب أحوال أصحابه (عليه السلام)» منه ره.
(2) تقدّم ص 67 ح 3، و ص 231 ح 1 بتخريجاته و بياناته، و لم نعثر على الحديث في نسخة المناقب الّتي عندنا.
(3) الأجمة: الشجر الكثير الملتفّ، و الظاهر «بيض من الأجمة».
(4) القطار من الإبل: قطعة منها يلي بعضها بعضا على نسق واحد.
(5) هكذا في كتابته في المصدر و البحار، و الظاهر «تؤتى» بديوك.
(6) 2/ 630 ح 30، عنه البحار: 47/ 105 ح 130.
238
15- الخرائج و الجرائح: روي عن إسماعيل بن مهران، قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) اودّعه، و كنت حاجّا في تلك السنة، فخرجت، ثمّ ذكرت شيئا أردت أن أسأله عنه، فرجعت إليه، و منزله غاصّ بالناس، و كان ما أسأله عنه بيض طير الماء؛
فقال لي من غير سؤال: الأصحّ أن لا تأكل بيض طير الماء. (1)
16- و منه: روي عن الحسن بن سعيد، عن عبد العزيز [القزّاز]، قال:
كنت أقول بالربوبيّة فيهم، فدخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فقال لي:
يا عبد العزيز! ضع ماء أتوضّأ. ففعلت، فلمّا دخل يتوضّأ، قلت في نفسي: هذا الّذي قلت فيه ما قلت يتوضّأ! فلمّا خرج، قال [لي]: يا عبد العزيز!
لا تحمل على البناء فوق ما يطيق، فيهدم، إنّا عبيد مخلوقون [لعبادة اللّه عزّ و جلّ]. (2)
17- و منه: روي عن سليمان بن خالد، قال:
كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) و هو يكتب كتبا إلى بغداد، و أنا اريد أن اودّعه، فقال:
تجيء إلى بغداد؟ قلت: بلى. قال: تعين مولاي هذا بدفع كتبه.
ففكّرت و أنا في صحن الدار أمشي، فقلت: هذا حجّة اللّه على خلقه، يكتب إلى أبي أيّوب الخوري (3) و فلان و فلان، يسألهم حوائجه!
فلمّا صرنا إلى باب الدار صاح بي: يا سليمان! ارجع أنت وحدك. فرجعت؛
فقال: كتبت إليهم لاخبرهم أنّي عبد، ولي إليهم حاجة. (4)
18- و منه: روي أنّ بحر الخيّاط، قال: كنت قاعدا عند (5) فطر بن خليفة، فجاء ابن الملّاح، فجلس ينظر إليّ، فقال لي فطر: حدّث إن أردت، فليس عليك بأس.
فقال ابن الملّاح: اخبرك باعجوبة رأيتها من ابن البكريّة- يعني الصادق (عليه السلام)-.
قال: ما هي؟ قال: كنت قاعدا وحدي احدّثه و يحدّثني، إذ ضرب بيده إلى ناحية
____________
(1) 2/ 752 (و التخريجات الّتي في هامشه).
(2) 2/ 636 (و التخريجات الّتي في هامشه). تقدّم ص 232 ح 5 نحوه، عن عبد العزيز.
(3) «الجزري» ع، ب.
(4) 2/ 639 ح 44، عنه البحار: 47/ 107 ح 137.
(5) «مع» م.
239
المسجد شبه المتفكّر، ثمّ استرجع، فقال: إنّا للّه و إنّا إليه راجعون.
قلت: مالك؟ قال: قتل عمّي زيد الساعة، ثمّ نهض فذهب.
فكتبت قوله في تلك الساعة، و في ذلك الشهر، ثمّ أقبلت إلى العراق (1)، فلمّا كنت في الطريق استقبلني راكب، فقال:
قتل زيد بن عليّ في يوم كذا [في شهر كذا]، في ساعة كذا، على ما قال أبو عبد اللّه (عليه السلام).
قال فطر بن خليفة: إنّ عند الرجل علما جمّا. (2)
19- و منه: روي عن عليّ بن أبي حمزة، قال:
دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) مع أبي بصير، فبينما نحن قعود إذ تكلّم أبو عبد اللّه (عليه السلام)، فقلت في نفسي: هذا- و اللّه- ممّا أحمله إلى الشيعة، هذا حديث لم أسمع بمثله قطّ.
قال: فنظر في وجهي، ثمّ قال لي: إنّي أتكلّم بالحرف الواحد [لي] فيه سبعون وجها، إن شئت احدّث كذا، و إن شئت احدّث كذا. (3)
20- و منه: روي عن منصور الصيقل (4) قال:
حججت فمررت بالمدينة، فأتيت قبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فسلّمت عليه، ثمّ التفتّ، فإذا أنا بأبي عبد اللّه (عليه السلام) ساجدا، فجلست حتّى مللت، ثمّ قلت: لاسبّحنّ ما دام (5) ساجدا؛
فقلت: «سبحان ربّي و بحمده، أستغفر ربّي و أتوب إليه» ثلاثمائة مرّة و نيّفا و ستّين مرّة.
فرفع رأسه، ثمّ نهض، فاتّبعته- و أنا أقول في نفسي: إن أذن لي فدخلت عليه قلت له:
جعلت فداك، أنتم تصنعون هكذا!! فكيف ينبغي لنا أن نصنع؟-
فلمّا أن وقفت على الباب خرج إليّ مصادف، فقال [لي]: ادخل يا منصور.
فدخلت، فقال لي مبتدأ:
____________
(1) «الفرات» ع، ب.
(2) 2/ 642، عنه البحار: 47/ 108 ح 140. و أورده في الصراط المستقيم: 2/ 188 ح 23 مرسلا باختصار، عنه إثبات الهداة: 5/ 461 ح 257.
(3) 2/ 761 ح 81، عنه البحار: 47/ 119 ح 164. يأتي ص 360 ح 4.
(4) «منصور بن الصيقل» ع. ترجم له في تنقيح المقال: 3/ 250.
(5) «قدّامه» ع، ب.
241
23- و منه: عن داود بن أعين، قال:
تفكّرت في قول اللّه تعالى: وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (1).
قلت: خلقوا للعبادة، و يعصون و يعبدون غيره! و اللّه لأسألنّ جعفرا عن هذه الآية؛
فأتيت الباب، فجلست اريد الدخول عليه، إذ رفع صوته فقرأ وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» ثمّ قرأ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً (2).
فعرفت أنّها منسوخة. (3)
24- إعلام الورى: من كتاب نوادر الحكمة، عن محمّد بن أبي حمزة، عن أبي بصير، قال: دخل شعيب العقرقوفي على أبي عبد اللّه (عليه السلام) و معه صرّة فيها دنانير، فوضعها بين يديه، فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام):
أ زكاة أم صلة؟ فسكت، ثمّ قال: زكاة، و صلة. قال: فلا حاجة لنا في الزكاة.
قال: فقبض أبو عبد اللّه (عليه السلام) قبضة فدفعها إليه، فلمّا خرج، قال أبو بصير:
قلت له: كم كانت الزكاة من هذه؟
قال: بقدر ما أعطاني، و اللّه لم يزد حبّة، و لم ينقص حبّة. (4)
25- و منه: من كتاب نوادر الحكمة بإسناده، عن عائذ الأحمسي، قال:
دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) و أنا اريد أن أسأله عن صلاة الليل [و نسيت]، فقلت:
السلام عليك يا ابن رسول اللّه.
فقال: أجل و اللّه إنّا ولده، و ما نحن بذي قرابة، من أتى اللّه بالصلوات الخمس المفروضات لم يسأل عمّا سوى ذلك، فاكتفيت بذلك. (5)
____________
(1) الذاريات: 56.
(2) الطلاق: 1.
(3) 2/ 199، عنه البحار: 47/ 148 ضمن ح 203.
(4) 275، عنه البحار: 47/ 150 ح 205، و إثبات الهداة: 5/ 398 ح 122، و مدينة المعاجز: 402 ح 164، و أورده في مناقب آل أبي طالب: 3/ 354.
(5) 274، عنه البحار: 47/ 150 ح 207، و أورده في الخرائج و الجرائح: 2/ 731 ح 38 (و التخريجات الّتي في هامشه).
240
يا منصور! [إنّكم] إن أكثرتم، أو قلّلتم، فو اللّه لا يقبل إلّا منكم. (1)
21- المناقب لابن شهرآشوب: المفضّل بن عمر، قال:
كنت أنا و خالد الجوّان (2)، و نجم (3) الحطيم، و سليمان بن خالد على باب الصادق (عليه السلام) فتكلّمنا فيما يتكلّم به أهل الغلوّ؛
فخرج علينا الصادق (عليه السلام) بلا حذاء و لا رداء، و هو ينتفض و يقول: يا خالد! يا مفضّل! يا سليمان! يا نجم! لا، بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ* لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (4).
و قال صالح بن سهل: كنت أقول في الصادق (عليه السلام) ما تقول الغلاة، فنظر إليّ و قال:
ويحك يا صالح! إنّا- و اللّه- عبيد مخلوقون، لنا ربّ نعبده، و إن لم نعبده عذّبنا. (5)
22- كشف الغمّة: عن مالك الجهني، قال: إنّي يوما عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) و أنا احدّث نفسي بفضل الأئمّة من أهل البيت، إذا أقبل عليّ أبو عبد اللّه (عليه السلام)، فقال:
يا مالك! أنتم- و اللّه- شيعتنا حقّا، لا ترى أنّك أفرطت في القول في فضلنا؛
يا مالك! إنّه ليس يقدر على صفة اللّه و كنه قدرته و عظمته، و للّه المثل الأعلى، و كذلك لا يقدر أحد أن يصف حقّ المؤمن و يقوم به، كما أوجب اللّه له على أخيه المؤمن؛
يا مالك! إنّ المؤمنين ليلتقيان فيصافح كلّ واحد منهما صاحبه، فلا يزال اللّه ناظرا إليهما بالمحبّة و المغفرة، و إنّ الذنوب لتتحاتّ عن وجوههما حتّى يفترقا؛
فمن يقدر على صفة من هو هكذا عند اللّه تعالى؟ (6)
____________
(1) 2/ 762 ح 83، عنه البحار: 47/ 120 ح 165 و ج 85/ 165 ح 15، و مستدرك الوسائل: 4/ 473 ح 9. و إثبات الهداة: 5/ 419 ح 158 مختصرا.
(2) «الجوّاز» ع، م، تقدّم بيانه ص 236 ه- 5.
(3) كذا، و في كتب الرجال نجم بن.
(4) الأنبياء: 26، 27.
(5) 3/ 347، عنه البحار: 47/ 125 ضمن ح 174، و مدينة المعاجز: 411 ح 209، و روى ذيله في رجال الكشّي: 341 ح 632، نه إثبات الهداة: 5/ 445 ح 210. و روى صدره في الكافي: 8/ 231 ح 303 (نحوه) عنه إثبات الهداة: 5/ 353 ح 33 و ص 434 ح 189 عن كشف الغمّة: 2/ 196.
(6) 2/ 192، عنه البحار: 47/ 144 ح 199 و ج 76/ 41 ح 42، و إثبات الهداة: 5/ 432 ح 182.
242
26- و منه: عليّ بن الحكم، عن عروة بن موسى الجعفي، قال:
قال لنا يوما و نحن نتحدّث: الساعة انفقأت عين هشام في قبره!
قلنا: و متى مات؟ قال: اليوم الثالث (1).
قال: فحسبنا موته، و سألنا عنه، فكان كذلك.
المناقب لابن شهرآشوب: عن عروة (مثله).
(2)
استدراك (1) بصائر الدرجات: حدّثنا أحمد بن محمّد، عن بعض أصحابنا، عن جميل بن درّاج، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: سألته عن القضاء و القدر، فقال:
هما خلقان من خلق اللّه، و اللّه يزيد في الخلق ما يشاء.
و أردت أن أسأله عن المشيئة، فنظر إليّ، فقال: يا جميل! لا أجيبك في المشيئة. (3)
(2) و منه: حدّثنا محمّد بن الحسين، عن أبي داود المسترق، عن عيسى الفرّاء، عن مالك الجهني، قال: كنت بين يدي أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فوضعت يدي على خدّي، و قلت في نفسي: لقد عظّمك اللّه و شرّفك، فقال: يا مالك! الأمر أعظم ممّا تذهب إليه. (4)
(3) و منه: حدّثنا محمّد بن عيسى، عن محمّد بن سنان، عن عمّار بن مروان، عن سماعة، قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) و أنا احدّث نفسي، فرآني فقال:
مالك تحدّث نفسك؟ تشتهي أن ترى أبا جعفر (عليه السلام)؟ قلت: نعم.
قال: فقم، فادخل البيت. فدخلت، فإذا أبو جعفر (عليه السلام). (5)
____________
(1) «الثالث: خبر اليوم» منه ره.
(2) 276، 3/ 353، عنهما البحار: 47/ 151 ذ ح 207، 208، و اثبات الهداة: 5/ 398 ح 124، و رواه في الاختصاص: 309 عن عليّ بن الحكم (مثله) عنه البحار: 26/ 151 ح 38. و يأتي ص 271 ح 1.
(3) 240 ح 17، عنه البحار: 5/ 120 ح 62، و إثبات الهداة: 5/ 378 ح 78.
(4) 240 ح 18، عنه إثبات الهداة: 5/ 378 ح 79، و البحار: 25/ 145 ح 18.
(5) 275 ح 4، عنه البحار: 27/ 303 ح 4، و إثبات الهداة: 5/ 390.
244
فقلت له: يا ابن رسول اللّه! و بأيّ شيء تعرف بما في نفسي قبل سؤالي عنه؟
قال: بالتوسّم و التفرّس، أ ما سمعت قول اللّه عزّ و جلّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (1)، و قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «اتّقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور اللّه»؟
قال: فقلت: يا ابن رسول اللّه! فأخبرني بمسألتي.
فقال: أردت أن تسألني عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لم لم يطق عليّ (عليه السلام) حمله عند حطّه للأصنام من سطح الكعبة مع قوّته و شدّته- إلى أن قال-: فقلت له: عن هذا- و اللّه- أردت أن أسألك، فأخبرني. ثمّ ذكر أنّه (عليه السلام) أجابه بأجوبة عجيبة- إلى أن قال-:
فقمت إليه، و قبّلت رأسه، و قلت: اللّه أعلم حيث يجعل رسالته. (2)
(7) الخرائج و الجرائح: ما روي عن أبي سيّار مسمع بن عبد الملك كردين، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سمعته يذكر رجلا أو رجلين بخير من أهل الكوفة، فأخبرتهما بما قال، و كانا يتواليانه، فقال أحدهما: سمعت و صدّقت و أطعت، و أحمد اللّه.
و قال الآخر- و أهوى بيده إلى جيبه فشقّه و قال-: و اللّه، لا رضيت حتّى أسمعه منه.
و خرج متوجّها نحوه و تبعته، فلمّا صرنا بالباب استأذنّا، [فأذن لنا] فدخلنا، فلمّا رآه قال: يا فلان! أ يريد كلّ امرئ أن يؤتى صحفا منشّرة؟ إنّ الّذي أخبرك مسمع به لحقّ.
فقال: جعلت فداك، إنّي أحببت أن يزول الشكّ منّي، و لا أتصوّره بصورة من يقول ما لم يسمعه، قال: فالتفت إلى رجل عنده- من سواد الكوفة صاحب قبالات- فقال لي: درفه.
ثمّ قال (عليه السلام): إنّ درفه- بالنبطيّة- خذها، أجل فخذها، فخرجنا من عنده. (3)
(8) و منه: ما روى سعد بن عبد اللّه، عن محمّد بن الحسن بن شمّون، قال:
كتبت إليه (عليه السلام) أشكو الفقر، ثمّ قلت في نفسي: أ ليس قال أبو عبد اللّه (عليه السلام):
«الفقر معنا خير من الغنى مع غيرنا، و القتل معنا خير من الحياة مع غيرنا!».
فرجع الجواب: إنّ اللّه يمحّص أولياءنا إذا تكاثفت ذنوبهم بالفقر، و قد يعفو عن كثير؛
____________
(1) الحجر: 75.
(2) 350 ح 1، و رواه الشهيد الأوّل في الأربعين حديث: 69 ح 1. و عند تحقيقنا للكتاب الأخير ذكرنا فيه معظم اتّحادات و تخريجات الحديث.
(3) 2/ 760 ح 80 (و في هامشه تخريجات الحديث. و كذا الحديث التالي).
243
(4) الكافي: عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن الحسين بن المختار (1)، عن إسماعيل بن جابر، قال:
كنت فيما بين مكّة و المدينة أنا و صاحب لي، فتذاكرنا الأنصار: فقال أحدنا: هم نزّاع من قبائل (2)، و قال أحدنا: هم من أهل اليمن، قال:
فانتهينا إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) و هو جالس في ظلّ شجرة، فابتدأ الحديث و لم نسأله، فقال: إنّ تبّعا لمّا جاء من قبل العراق، و جاء معه العلماء، و أبناء الأنبياء- إلى أن قال-: ثمّ انصرف من مكّة إلى المدينة، و أنزل بها قوما من أهل اليمن من غسّان، و هم الأنصار. (3)
(5) و منه: عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر ابن سويد، عن عاصم بن حميد، عن عنبسة بن مصعب، قال:
رأيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) بمنى يمشي و يركب، فحدّثت نفسي أن أسأله حين أدخل عليه؛ فابتدأني هو بالحديث، فقال: إنّ عليّ بن الحسين (عليه السلام) كان يخرج من منزله ماشيا إذا رمى الجمار، و منزلي اليوم أنفس (4) من منزله، فأركب حتّى آتي منزله؛
فإذا انتهيت إلى منزله مشيت حتّى أرمي الجمرة. (5)
(6) معاني الأخبار: حدّثنا أحمد بن عيسى (6)، قال: حدّثنا أحمد بن محمّد الورّاق، قال: حدّثني بشر بن سعيد المعدّل، قال: حدّثنا عبد الجبّار بن كثير، قال:
سمعت محمّد بن حرب أمير المدينة يقول: سألت جعفر بن محمّد (عليه السلام) فقلت له:
يا ابن رسول اللّه! في نفسي مسألة اريد أن أسألكم عنها.
فقال: إن شئت أخبرتك بمسألتك قبل أن تسألني، و إن شئت فسل.
____________
(1) «خالد» إثبات الهداة، تصحيف، هو الحسين بن المختار، أبو عبد اللّه القلانسي.
(2) نزّاع القبائل: الغرباء الّذين يجاورون قبائل ليسوا منها.
(3) 4/ 215 ح 1، عنه البحار:
14/ 521 ح 6، و الوسائل: 9/ 345 ح 3، و إثبات الهداة: 5/ 343 ح 16.
(4) الأنفس: اسم تفضيل من النفاسة، يقال «هذا المكان أنفس من هذا» أي أبعد، أو أوسع.
(5) 4/ 485 ح 3، و رواه في التهذيب: 5/ 267 ح 26، عنهما الوسائل: 10/ 74 ح 2.
(6) «بن يحيى، بن محمّد» خ، و كلّهم مشايخ الصدوق.
245
و هو ممّا حدّثتك نفسك: الفقر معنا خير من الغنى مع غيرنا؛
و نحن كهف لمن التجأ إلينا، و نور لمن استضاء بنا، و عصمة لمن اعتصم بنا، من أحبّنا كان معنا في السنام الأعلى، و من انحرف عنّا فإلى النار.
و قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «تشهدون على عدوّكم بالنار، و لا تشهدون لوليّكم بالجنّة، ما يمنعكم من ذلك إلّا الضعف». (1)
(9) الثاقب في المناقب: معمّر الزيّات، قال:
كنت أطوف بالبيت و أبو عبد اللّه (عليه السلام) في الطواف، فنظرت إليه، و قلت في نفسي. (3):
هل طاعته مفروضة على الناس؟ و اللّه ما هو بأطول الناس! و لا بأجمل الناس! فما لبث أن مرّ بي و وضع يده بين كتفي، ثمّ قال:
أَ بَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَ سُعُرٍ (2)
فجازني، ثمّ أتاني أصحابنا، فقالوا: ما الّذي قال لك؟
قلت: نعم كذا، و ما هو إلّا كما قلت في نفسي. (3)
*** 3- باب إخباره (عليه السلام) بالمغيّبات الآتية
الأخبار، الأصحاب:
1- بصائر الدرجات: أحمد بن محمّد، عن عمر بن عبد العزيز، عن حمّاد بن عثمان، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: تظهر الزنادقة في سنة ثمانية و عشرين و مائة، و ذلك لأنّي نظرت في مصحف فاطمة (عليها السلام) [... فيه علم ما يكون]. (4)
2- و منه: أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن أبي اسامة، قال: قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام):
____________
(1) 2/ 739 ح 54.
(2) القمر: 24.
(3) 401 ح 2- تقدّم نحوه ص 236 ح 11، عن بصائر الدرجات و يأتي ص 309 ح 1 ما يناسب المقام.
(4) تقدّم ص 68 ح 4 مع بيانه و تخريجاته.
246
يا زيد! كم أتى عليك من سنة؟ قلت: جعلت فداك كذا سنة.
قال: يا أبا اسامة! جدّد عبادة ربّك، و أحدث توبة.
فبكيت، فقال لي: ما يبكيك يا زيد؟
قلت: نعيت إليّ نفسي. قال: يا زيد! أبشر فإنّك من شيعتنا، و أنت في الجنّة.
المناقب لابن شهرآشوب: عن أبي اسامة (مثله). (1)
3- بصائر الدرجات: الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن أحمد بن عبد اللّه، عن عبد اللّه بن إسحاق، عن عليّ، عن أبي بصير، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام):
يا أبا محمّد! ما يفعل أبو حمزة؟ قال: جعلت فداك، خلّفته صالحا. فقال:
إذا رجعت إليه فأقرأه السلام، و أعلمه أنّه يموت يوم كذا و كذا، من شهر كذا و كذا.
قال أبو بصير: جعلت فداك، لقد كان فيه انس، و كان لكم شيعة.
قال: صدقت يا أبا محمّد، ما عندنا خير له. قلت: جعلت فداك شيعتكم؟
قال: نعم، إذا خاف اللّه و راقبه، و توقّى الذنوب، فإذا فعل ذلك كان معنا في درجتنا.
قال أبو بصير: فرجعت، فما لبث أبو حمزة حتّى هلك تلك الساعة، في ذلك اليوم.
المناقب لابن شهرآشوب: عن أبي بصير (مثله).
كشف الغمّة: من كتاب الدلائل للحميري، عن أبي بصير (مثله). (2)
4- بصائر الدرجات: ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن الحكم، عن ميسّر، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): يا ميسّر! لقد زيد في عمرك، فأيّ شيء تعمل؟
قال: كنت أجيرا- و أنا غلام- بخمسة دراهم، فكنت اجريها على خالي. (3)
____________
(1) 264 ح 8، 3/ 350، عنهما البحار: 47/ 77 ح 49 و 50؛
و رواه في دلائل الإمامة: 133 بإسناده إلى أبي اسامة (مثله)، يأتي نحوه ح 5 و 6.
(2) 263 ح 6، 3/ 349، 2/ 190، عنها البحار: 47/ 77 ح 52، 53 و 54.
و أورده في الخرائج و الجرائح: 2/ 717 ح 19 (و التخريجات الّتي في هامشه).
(3) 265 ح 14، عنه البحار: 47/ 78 ح 55. و أورده في الخرائج و الجرائح: 2/ 714 ح 11 عن ميسّر، (و التخريجات الّتي في هامشه). تقدّم ص 213 ح 14.
247
5- و منه: الحسن بن عليّ، عن أبي الصباح، عن زيد الشحّام، قال:
دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فقال: يا زيد! جدّد عبادة، و أحدث توبة.
قال: نعيت إليّ نفسي جعلت فداك.
قال: فقال لي: يا زيد! ما عندنا خير لك، و أنت من شيعتنا.
قال: و قلت: و كيف لي أن أكون من شيعتكم؟! قال: فقال لي: أنت من شيعتنا؛
إلينا الصراط و الميزان، و حساب شيعتنا، و اللّه لأنّا أرحم بكم منكم بأنفسكم؛
كأنّي أنظر إليك و إلى رفيقك (1) في درجتك في الجنّة. (2)
6- كشف الغمّة: من كتاب الدلائل، عن زيد الشحّام، قال:
قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام): كم أتى لك سنة؟ قلت: كذا و كذا.
قال: يا أبا اسامة! أبشر فأنت معنا، و أنت من شيعتنا، أ ما ترضى أن تكون معنا؟
قلت: بلى يا سيّدي، و كيف لي أن أكون معكم؟!
فقال: يا زيد! إنّ الصراط إلينا و إنّ الميزان إلينا، و حساب شيعتنا إلينا،
و اللّه يا زيد إنّي أرحم بكم من أنفسكم؛
و اللّه لكأنّي أنظر إليك و إلى الحارث بن المغيرة النضري في الجنّة، في درجة واحدة. (3)
7- مناقب ابن شهرآشوب، و الخرائج و الجرائح: روي عن الحسين بن أبي العلاء، قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) إذ جاءه رجل، أو مولى له، يشكو زوجته و سوء خلقها، قال: فائتني بها. [فأتاه بها] فقال لها: ما لزوجك [يشكوك]؟
قالت: فعل اللّه به و فعل. فقال لها: إن ثبتّ على هذا لم تعيشي إلّا ثلاثة أيّام.
قالت: لا ابالي أن لا أراه أبدا.
____________
(1) المراد به الحارث بن المغيرة النضري، كما صرّح به في الحديث التالي.
(2) 265 ح 15، عنه البحار: 47/ 78 ح 56، و عنه في مدينة المعاجز: 382 ح 81، و عن دلائل الإمامة: 134 بإسناده إلى زيد الشحّام مثله.
(3) 2/ 190، عنه البحار: 47/ 143 ح 197؛
و أورده في الخرائج و الجرائح: 2/ 714 ح 10 (و التخريجات الّتي في هامشه).
248
فقال له: خذ بيد زوجتك، فليس بينك و بينها إلّا ثلاثة أيّام.
فلمّا كان اليوم الثالث، دخل عليه الرجل، فقال (عليه السلام): ما فعلت زوجتك؟
قال: قد- و اللّه- دفنتها الساعة.
قلت: ما كان حالها؟ قال: كانت معتدية، فبتّر اللّه عمرها، و أراحه منها. (1)
8- الخرائج و الجرائح: روى شعيب، قال: دخلت عليه (عليه السلام) فقال لي:
من كان زميلك؟ قلت: الخيّر الفاضل أبو موسى البقّال (2).
قال: استوص به خيرا، فإنّ له عليك حقوقا كثيرة؛
فأمّا أوّلهنّ: فما أنت عليه من دين اللّه، و حقّ الصحبة. قلت: لو استطعت ما مشى على الأرض (3). قال: استوص به خيرا. قلت: دون هذا أكتفي به منك.
قال: فخرجنا حتّى نزلنا منزلا في الطريق يقال له «و نقر» (4) فنزلناه، و أمرت الغلمان أن تلقي للإبل العلف، و تصنع طعاما، ففعلوا و نظرت إلى أبي موسى و معه كوز من ماء، و أخذ طريقه للوضوء، و أنا أنظر حتّى هبط في وهدة (5) من الأرض، و ادرك الطعام، فقال لي الغلمان: قد ادرك الطعام.
قلت: اطلبوا أبا موسى، فإنّه أخذ في هذا الوجه يتوضّأ.
____________
(1) 3/ 352، 2/ 610 ح 6 (و اللفظ له، و فيه تخريجات الحديث) عنهما البحار: 47/ 97 ح 112.
(2) «النبّال» م. و الظاهر البنّاء حيث ذكر في اختيار معرفة الرجال: 310 ح 561 رواية قريبة المضمون من الرواية أعلاه، عن حمدويه و إبراهيم ابنا نصير.
(3) «ما مشى على الأرض: أي أحمله على مركوبي، أو على كتفي، مبالغة في إكرامه» منه ره.
(4) «و تقر» ع، ب. لم نقف على أيّ منهما، و لعلّهما تصحيف. قال في معجم البلدان: 5/ 298:
نقر: اسم بقعة شبه الوهدة يحيط بها كثيب في رملة معترضة مهلكة، ذاهبة نحو جراد، بينها و بين حجر ثلاث ليال.
ثمّ ذكر «النقرة» فقال: ... قال الأعرابي: كلّ أرض متصوّبة في وهدة فهي «نقرة» و بها سمّيت النقرة بطريق مكّة الّتي يقال لها معدن النقرة ... و هو من منازل حاجّ الكوفة بين أضاخ و ماوان ...
(5) الوهدة: الأرض المنخفضة، و الهوّة في الأرض.
249
فطلبه الغلمان، فلم يصيبوه [فقلت لهم: اطلبوا أبا موسى] و أعطيت اللّه عهدا أن لا أبرح من موضعي الّذي أنا فيه ثلاثة أيّام أطلبه، حتّى ابلي إلى اللّه عذرا (1)؛
فاكتريت الأعراب في طلبه، و جعلت لمن جاء به عشرة آلاف درهم- و هي ديته- فانطلق الأعراب في طلبه ثلاثة أيّام، فلمّا كان اليوم الرابع أتاني القوم و آيسوا منه؛
فقالوا [لي]: يا عبد اللّه! ما ترى صاحبك إلّا و قد اختطف (2) إنّ هذه بلاد محضورة (3) فقد فيها غير واحد، و نحن نرى لك أن ترتحل منها.
فلمّا قالوا لي هذه المقالة ارتحلت، حتّى قدمنا الكوفة، و أخبرت أهله بقصّته، و خرجت من قابل، حتّى دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فقال لي: يا شعيب! أ لم آمرك أن تستوصي بأبي موسى البقّال خيرا؟ قلت: بلى، و لكن ذهب حيث ذهب.
فقال: رحم اللّه أبا موسى، لو رأيت منازل أبي موسى في الجنّة لأقرّ اللّه عينك؛ [ثمّ قال]: كانت لأبي موسى درجة عند اللّه، لم يكن ينالها إلّا بالّذي ابتلي به. (4)
9- و منه: روي أنّ عثمان بن عيسى، قال:
قال رجل لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ضيّق إخوتي و بنو عمّي عليّ الدار، فلو تكلّمت؛
قال: اصبر. فانصرفت سنتي، ثمّ عدت من قابل، فشكوتهم إليه، فقال: اصبر.
ثمّ عدت في السنة الثالثة، فقال: اصبر، سيجعل اللّه لك فرجا.
فماتوا كلّهم، فخرجت إليه، فقال: ما فعل أهل بيتك؟ قلت: ماتوا.
قال: هو ما صنعوا بك لعقوقهم إيّاك، و قطعهم رحمك. (5)
____________
(1) «يقال أبلاه عذرا: أي أدّاه إليه فقبله» منه ره.
(2) أي اختطفه الجنّ و الشياطين. منه ره.
(3) «يقال: مكان محتضر و محضور أي تحضره الشياطين، و يحتمل- على بعد- أن يكون المراد اختطاف السبع، و في بعض النسخ محصورة بالصاد المهملة أي بلاد معلومة قليلة، سرنا فيها فلم نجده، و الأوّل أظهر» منه ره.
(4) 2/ 633 ح 34، عنه البحار: 47/ 105 ح 133.
(5) 2/ 637 ح 41، عنه البحار: 47/ 107 ح 134.
250
10- و منه: روي أنّ الطيالسي، قال: جئت من مكّة إلى المدينة، فلمّا كنت على ليلتين من المدينة، ذهبت راحلتي و عليها نفقتي و متاعي، و أشياء كانت للناس معي.
فأتيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) فشكوت إليه، فقال: ادخل المسجد، فقل:
«اللهمّ إنّي أتيتك زائرا لبيتك الحرام، و إنّ راحلتي قد ذهبت، فردّها عليّ».
فجعلت أدعو، فإذا مناد ينادي على باب المسجد: يا صاحب الراحلة! اخرج، فخذ راحلتك، فقد آذيتنا منذ الليلة! فأخذتها، و ما فقدت منها خيطا واحدا. (1)
11- و منه: روي أنّ إسحاق بن عمّار، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):
إنّ لنا أموالا نعامل بها الناس، و أخاف حدثا يفرّق أموالنا.
فقال: اجمع مالك إلى شهر ربيع.
فمات إسحاق في شهر ربيع. (2)
12- و منه: روي عن بشير النبّال، قال:
كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) إذ استأذن عليه رجل [فأذن له] ثمّ دخل، فجلس (3).
فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): ما أنقى ثيابك هذه و ألينها!!
قال: هي لباس بلادنا، ثمّ قال: جئتك بهديّة، فدخل غلام و معه جراب فيه ثياب فوضعه، ثمّ تحدّث ساعة، ثمّ قام، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام):
إن بلغ الوقت، و صدق الوصف، فهو صاحب الرايات السود من خراسان يتقعقع (4).
ثمّ قال لغلام قائم على رأسه: الحقه، فاسأله ما اسمك؟
____________
(1) 2/ 638 ح 42، عنه البحار: 47/ 107 ح 135. يأتي ص 334 ح 1.
(2) 2/ 639 ح 45، عنه البحار: 47/ 108 ح 138؛
و أورده في كشف الغمّة: 2/ 197، عن الدلائل للحميري و في إعلام الورى: 276 عن عليّ بن إسماعيل، عن إسحاق بن عمّار (مثله) عنه إثبات الهداة: 5/ 399 ح 126. يأتي ص 259 ح 23.
(3) «المجلس» ع، «المسجد» ب.
(4) القعقعة: صوت السلاح و نحوه.
252
المغراء، عن أبي بصير (مثله). (1)
14- الخرائج و الجرائح: روي أنّ جماعة من بني هاشم اجتمعوا بالأبواء (2):
منهم: إبراهيم بن محمّد بن عليّ بن عبد اللّه بن العبّاس، و أبو جعفر المنصور، و عبد اللّه ابن الحسن، و ابناه محمّد و إبراهيم، و أرادوا أن يعقدوا لرجل منهم.
فقال عبد اللّه: هذا ابني هو المهديّ. و أرسلوا إلى جعفر (عليه السلام) فجاء، فقال:
لما ذا اجتمعتم؟ قالوا: نبايع محمّد بن عبد اللّه، فهو المهدي.
قال جعفر (عليه السلام): لا تفعلوا [فإنّ هذا الأمر لم يأت بعد، و هو ليس بالمهديّ.
فقال عبد اللّه: يحملك على هذا الحسد لابني!
فقال: و اللّه لا يحملني ذلك] و لكن هذا و اخوته و أبناءهم دونكم؛
و ضرب بيده على ظهر أبي العبّاس، ثمّ قال لعبد اللّه:
ما هي إليك و لا إلى ابنيك، و لكنّها لبني العبّاس، و إنّ ابنيك لمقتولان.
ثمّ نهض، و قال: إنّ صاحب الرداء الأصفر- يعني أبا جعفر- يقتله.
- قال عبد العزيز بن عليّ: و اللّه ما خرجت من الدنيا حتّى رأيته قتله- (3)؛
و انفضّ القوم، فقال أبو جعفر [لجعفر (عليه السلام)]: تتمّ الخلافة لي؟
____________
(1) 3/ 352، 2/ 647 ح 57 (و اللفظ له)، 229، 380 ح 713، عنها البحار: 47/ 109 ح 144، 145، 146، و رواه في الهداية الكبرى: 253، و في دلائل الإمامة: 118 بإسناديهما إلى أبي بصير (مثله)، و أخرجه في إثبات الهداة: 5/ 416 ح 152 عن الخرائج و الجرائح؛
و في مدينة المعاجز: 359 ح 15 عن الكشّي و دلائل الإمامة و المناقب؛
(يأتي ص 257 ح 18 و ص 467 ح 1، و ص 468 ح 2 (مثله).
(2) الأبواء: قرية من أعمال الفرع من المدينة، بينها و بين الجحفة ممّا يلي المدينة ثلاثة و عشرون ميلا، و قيل: جبل عن يمين آره و يمين المصعد إلى مكّة من المدينة، و بالأبواء قبر آمنة أمّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) (مراصد الاطّلاع: 1/ 19).
(3) أي قتل محمّد بن عبد اللّه الملقّب بذي النفس الزكيّة، ففي رواية عبد اللّه بن المسور بلفظ: فإنّا و اللّه نجده يقتل محمّدا ...، ثمّ ما خرجت و اللّه من الدنيا حتّى رأيته قتله.
راجع تفصيل ذلك في مقاتل الطالبيّين: 160- 192، و عمدة الطالب: 103- 105.
251
فقال: عبد الرحمن (1).
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): عبد الرحمن و اللّه- ثلاث مرّات- هو هو، و ربّ الكعبة.
قال بشير: فلمّا قدم أبو مسلم، جئت حتّى دخلت عليه، فإذا هو الرجل الّذي دخل علينا. (2)
13- المناقب لابن شهرآشوب، و الخرائج و الجرائح: عن أبي بصير، قال:
قال لي الصادق (عليه السلام): اكتم عليّ ما أقول لك في المعلّى بن خنيس. قلت: أفعل.
قال: أما إنّه ما كان ينال درجته إلّا بما ينال منه داود بن عليّ.
قلت: و ما الّذي يصيبه من داود بن عليّ؟
قال: يدعوه (فيأمر به) فيضرب عنقه و يصلبه.
قلت: متى ذلك؟ قال: من قابل. فلمّا كان من قابل، ولّي داود المدينة، فقصد قتل المعلّى، فدعاه و سأله عن أصحاب أبي عبد اللّه (عليه السلام)، و سأله أن يكتبهم له.
فقال: ما أعرف من أصحابه أحدا، و إنّما أنا رجل أختلف في حوائجه.
قال: تكتمني، أما إنّك إن كتمتني قتلتك، فقال له المعلّى:
أبا لقتل تهدّدني!؟ [و اللّه] لو كانوا تحت قدمي ما رفعت قدمي [عنهم لك]؛
فقتله و صلبه كما قال [أبو عبد اللّه] (عليه السلام).
النجوم للسيّد ابن طاوس: روينا بإسنادنا إلى الشيخين عبد اللّه بن جعفر الحميري و محمّد بن جرير الطبري بإسنادهما، عن أبي بصير (مثله)؛
رجال الكشّي: وجدت بخطّ جبرئيل بن أحمد [عن محمّد بن عبد اللّه بن مهران،] عن محمّد بن عليّ الصيرفي، عن الحسن، عن الحسين بن أبي العلاء، عن أبي العلاء، و أبي
____________
(1) أبو مسلم الخراساني، اسمه عبد الرحمن بن مسلم، و يقال: عبد الرحمن بن عثمان بن يسار الخراساني الأمير، صاحب الدعوة، و هازم جيوش الدولة الامويّة، و القائم بإنشاء الدولة العباسيّة ... (سير أعلام النبلاء: 6/ 48).
(2) 2/ 645 ح 54 (و فيه تخريجات الحديث)، عنه البحار: 109 ح 143.
254
اولئك يفتح اللّه على أيديهم الدين، و يكونون سببا لأمرنا. (1)
استدراك (1) نوادر عليّ بن أسباط: عن عليّ بن الحسن بن القاسم اليشكري الخزّاز الكوفي (2) المعروف بابن الطبّال، عن أبي جعفر محمّد بن معروف الهلالي، و كان قد أتت عليه مائة و ثمان و عشرون سنة، قال: مضيت إلى الحيرة إلى أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد (عليهما السلام) في وقت السفّاح، فوجدته قد تداكّ (3) الناس عليه ثلاثة أيّام متواليات، فما كان لي فيه حيلة، و لا قدرت عليه من كثرة الناس، و تكانفهم (4) عليه، فلمّا كان في اليوم الرابع رآني، و قد خفّ الناس عنه، فأدناني، و مضى إلى قبر أمير المؤمنين (عليه السلام) فتبعته؛
فلمّا صار في بعض الطريق غمزه البول، فاعتزل عن الجادّة ناحية فبال، و نبش الرمل بيده، فخرج له الماء فتطهّر للصلاة، ثمّ قام فصلّى ركعتين، ثمّ دعا ربّه، و كان في دعائه:
«اللهمّ لا تجعلني ممّن تقدّم فمرق، و لا ممّن تخلّف فمحق، و اجعلني من النمط الأوسط»؛
ثمّ مشى و مشيت معه، فقال: يا غلام!
البحر لا جار له، و الملك لا صديق له، و العافية لاثمن لها، كم من ناعم و لا يعلم؛
ثمّ قال: تمسّكوا بالخمس، و قدّموا الاستخارة، و تبرّكوا بالسهولة، و تزيّنوا بالحلم، و اجتنبوا الكذب، و أوفوا المكيال و الميزان.
ثمّ قال: الهرب! الهرب إذا خلعت العرب أعنّتها، و منع البرّ جانبه، و انقطع الحجّ.
____________
(1) 63 ح 10، عنه البحار: 47/ 122 ح 171.
(2) في م «أبو القاسم بن الحسن (عليّ بن القاسم خ) الشكري الخزّاز.
و في دلائل الإمامة و البحار، «عليّ بن الحسن بن القاسم (السكّري) البكري».
و ما أثبتناه كما في كتب الرجال. راجع كتابنا المعجم الرجالي الكبير.
(3) تداكّ عليه القوم: ازدحموا.
(4) «تكاثفهم» ب. و اكتنف القوم فلانا: أحاطوا به.
253
فقال: نعم، أقوله حقّا. (1)
15- مجالس المفيد: الجعابي، عن محمّد بن يحيى التميمي، عن الحسن بن بهرام [عن الحسن بن يحيى] عن الحسن بن حمدون، عن محمّد بن إبراهيم بن عبد اللّه، عن سدير الصيرفي، قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) و عنده جماعة من أهل الكوفة، فأقبل عليهم و قال لهم: حجّوا قبل أن لا تحجّوا؛ [حجّوا] قبل أن يمنع البرّ جانبه. (2)
حجّوا قبل هدم مسجد بالعراق (3) بين نخل و أنهار.
حجّوا قبل أن تقطع سدرة بالزوراء [نبتت] على [عسل] عروق النخلة الّتي اجتنت منها مريم (عليها السلام) رطبا جنيّا، فعند ذلك تمنعون الحجّ، و تنقص الثمار، و تجدب البلاد، و تبتلون بغلاء الأسعار، و جور السلطان، و يظهر فيكم الظلم و العدوان، مع البلاء و الوباء و الجوع، و تظلّكم الفتن من جميع الآفاق؛
فويل لكم يا أهل العراق إذ جاءتكم الرايات من خراسان؛
و ويل لأهل الريّ من الترك؛
و ويل لأهل العراق من أهل الريّ؛
و ويل لهم، ثمّ ويل لهم من الثطّ (4).
قال سدير: فقلت: يا مولاي! من الثطّ؟
قال: قوم آذانهم كآذان الفأر صغرا، لباسهم الحديد، كلامهم ككلام الشياطين، صغار الحدق، مرد فاضلة جرد (5)، استعيذوا باللّه من شرّهم؛
____________
(1) 2/ 765 ح 85، عنه البحار: 47/ 120 ح 166، و إثبات الهداة: 5/ 396 ح 119؛ و أخرج نحوه في إحقاق الحقّ: 12/ 248 عن ينابيع المودّة: 333، و الصواعق المحرقة: 121، و جامع كرامات الأولياء: 2/ 4. يأتي ص 395 ح 7.
(2) «قبل أن يمنع البرّجانبه؛ أي يكون البرّ مخوفا لا يمكن قطعه» منه ره.
(3) المراد به مسجد براثا.
(4) «قال الفيروزآبادي: الثطّ: الكوسج أو القليل شعر اللحية، أو الحاجبين».
(5) «المرد، جمع الأمرد، و الجرد، جمع: الأجرد، و هو الّذي ليس على بدنه شعر» منه ره.
255
ثمّ قال: حجّوا قبل أن لا تحجّوا، و أومأ إلى القبلة بإبهامه، و قال:
يقتل في هذا الوجه سبعون ألفا أو يزيدون.
قال عليّ بن الحسن: فقد قتل في الهبير (1) و غيره شبيه بهذا؛
و قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) في هذا الخبر:
لا بدّ أن يخرج رجل من آل محمّد، و لا بدّ أن يمسك الراية البيضاء.
قال عليّ بن الحسن: فاجتمع أهل بني رواس (2)، و مضوا يريدون الصلاة في المسجد الجامع في سنة خمسين و مائتين، و كانوا قد عقدوا عمامة بيضاء على قناة فأمسكها محمّد بن معروف وقت خروج يحيى بن عمر (3).
و قال (عليه السلام) في هذا الخبر: و يجفّ فراتكم. فجفّ الفرات.
و قال أيضا: يجيئونكم (4) قوم صغار الأعين، فيخرجونكم من دوركم.
قال عليّ بن الحسن: فجاءنا كيجور (5) و الأتراك معه، فأخرجوا الناس من دورهم.
و قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) أيضا: و تجيء السباع إلى دوركم.
قال عليّ: فجاءت السباع إلى دورنا.
[و قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): و كأنّي بجنائزكم تحفر (6).
____________
(1) «العير» ب. و الهبير: بالفتح، ثمّ السكون رمل زرود، عنده كانت وقعة ابن أبي سعيد الجنابي بالحاجّ لاثنتي عشرة ليلة بقيت من المحرّم سنة اثنتي عشر و ثلاثمائة قتلهم و سباهم و أخذ أموالهم (مراصد الاطّلاع: 3/ 1451).
(2) بنو رواس: بطن من عامر بن صعصعة من العدنانيّة، و هم بنو رواس بن الحارث بن كلاب ...
راجع نهاية الإرب: 248، و جمهرة أنساب العرب: 287.
(3) «يحيى بن عمرو» م. هو يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب المكنّى بأبي الحسين (عليهم السلام)، ظهر بالكوفة ... ذكر ذلك ابن الأثير في الكامل في التاريخ:
7/ 126 في سنة خمسين و مائتين.
(4) «يحيئونكم» خ.
(5) ذكر ابن الاثير في الكامل في التاريخ في أحداث سنة 256 ظهور عليّ بن زيد على الكوفة و خروجها عنها ... وجّه المعتمد إلى محاربته كيجور التركي و أمره أن يدعو إلى طاعته ... و دخل كيجور إلى الكوفة ثالث شوّال من السنة.
(6) كذا.
256
قال عليّ بن الحسن: فرأينا ذلك كلّه.]
و قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): يخرج رجل أشقر ذو سبال، ينصب له كرسيّ على باب دار عمرو ابن حريث يدعو إلى البراءة من عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) و يقتل خلقا من الخلق، و يقتل في يومه قال: فرأينا ذلك. (1)
*** 16- المناقب لابن شهرآشوب: شعيب بن ميثم، قال أبو عبد اللّه (عليه السلام):
يا شعيب! أحسن إلى نفسك، وصل قرابتك، و تعاهد إخوانك، و لا تستبدّ بالشيء فتقول: ذا لنفسي و عيالي، إنّ الّذي خلقهم هو الّذي يرزقهم.
فقلت: نعى- و اللّه- إليّ نفسي. فرجع شعيب، فو اللّه ما لبث إلّا شهرا حتّى مات.
صندل، عن سورة بن كليب، قال:
قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): يا سورة! كيف حججت العامّ؟ قال: استقرضت حجّتي، و اللّه إنّي لأعلم أنّ اللّه سيقضيها عنّي، و ما كانت حجّتي [بعد المغفرة] إلّا شوقا إليك، و إلى حديثك.
قال: أمّا حجّتك، فقد قضاها اللّه فاعطيكها من عندي، ثمّ رفع مصلّى تحته، فأخرج دنانير فعدّ عشرين دينارا، فقال: هذه حجّتك، و عدّ عشرين دينارا، و قال: هذه معونة لك في حياتك حتّى تموت.
قلت: أخبرتني أنّ أجلي قد دنا؟
فقال: يا سورة! أ ما ترضى أن تكون معنا!؟
____________
(1) 131، عنه البحار: 47/ 93 ح 106.
و رواه في دلائل الإمامة: 115 (صدره) عنه مدينة المعاجز: 365 ح 31.
أقول: تضمّن هذا الحديث بعض العلامات المذكورة في أحاديث علامات ظهور صاحب الزمان (عليه السلام)، و هي من العلامات الغير حتميّة، و يحتمل تكرارها.
و تجدر الإشارة هنا إلى أنّ أحاديث الإمام الصادق (عليه السلام) الخاصّة بعلامات الظهور- و الّتي تناسب هذا الباب- كثيرة جدّا نطوي عنها الآن كشحا لأنّنا استقصينا معظمها في موسوعة عوالم العلوم المجلّد الخاصّ بالإمام الثاني عشر (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف)، و كذلك في باب النصّ على إمامته (عليه السلام) و في غيره من الأبواب و في العوالم المذكور ما يناسب هذا الباب.
257
فقال صندل: فما لبث إلّا سبعة أشهر حتّى مات. (1)
17- و منه: أبو بصير، قال موسى بن جعفر (عليه السلام): فيما أوصاني به أبي (عليه السلام): أن قال:
يا بنيّ! إذا أنا متّ فلا يغسّلني أحد غيرك، فإنّ الإمام لا يغسّله إلّا إمام؛
و اعلم أنّ عبد اللّه أخاك سيدعو الناس إلى نفسه، فدعه فإنّ عمره قصير.
فلمّا أن مضى أبي، غسّلته كما أمرني، و ادّعى عبد اللّه الإمامة مكانه، فكان كما قال أبي، و ما لبث عبد اللّه يسيرا حتّى مات.
و روى مثل ذلك الصادق (عليه السلام). (2)
18- و منه: أبو بصير: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: و قد جرى ذكر المعلّى بن خنيس، فقال: يا أبا محمّد! اكتم عليّ ما أقول لك في المعلّى.
قلت: أفعل.
فقال: أما إنّه ما كان ينال درجتنا إلّا بما كان ينال منه داود بن عليّ.
قلت: و ما الّذي يصيبه من داود؟
قال: يدعونه فيأمر به، فيضرب عنقه و يصلبه و ذلك [من] قابل.
فلمّا كان [من] قابل ولّي داود المدينة، فدعا المعلّى و سأله عن شيعة أبي عبد اللّه (عليه السلام) فكتمه، فقال: أ تكتمني؟ أما إنّك إن كتمتني قتلتك.
فقال المعلّى: أبا لقتل تهدّدني؟! و اللّه لو كانوا تحت قدمي ما رفعت قدمي عنهم؛
و إن أنت قتلتني لتسعدني و لتشقينّ.
فلمّا أراد قتله، قال المعلّى: أخرجني إلى الناس، فإنّ لي أشياء كثيرة، حتّى أشهد بذلك فأخرجه إلى السوق، فلمّا اجتمع الناس قال:
أيّها الناس! اشهدوا أنّ ما تركت من مال عين، أو دين، أو أمة، أو عبد، أو دار، أو قليل،
____________
(1) 3/ 350، عنه البحار: 47/ 126 ح 175، و رواه في دلائل الإمامة: 117، 118، عنه مدينة المعاجز: 392 ح 112، 114، و إثبات الهداة: 5/ 455 ح 237 مختصرا.
(2) 3/ 351، عنه البحار: 47/ 127 ضمن ح 175، و ص 255 ح 25؛
و رواه في دلائل الإمامة: 163، عنه مدينة المعاجز: 403 ح 168، و ص 432 ح 23.
258
أو كثير، فهو لجعفر بن محمّد (عليهما السلام)، فقتل. (1)
19- المناقب لابن شهرآشوب، و إعلام الورى: من نوادر الحكمة:
عثمان بن عيسى، عن إبراهيم بن عبد الحميد، قال:
خرجت إلى قبا (2) لأشتري نخلا، فلقيته (عليه السلام) و قد دخل المدينة، فقال: أين تريد؟
فقلت: لعلّنا نشتري نخلا. فقال: أو أمنتم الجراد؟ فقلت: لا و اللّه، لا أشتري نخلة، فو اللّه ما لبثنا إلّا خمسا، حتّى جاء من الجراد ما لم يترك في النخل حملا. (3)
20- المناقب لابن شهرآشوب: ابن جمهور العمّي في كتاب الواحدة (4) أنّ محمّد بن عبد اللّه بن الحسن قال لأبي عبد اللّه (عليه السلام): و اللّه إنّي لأعلم منك، و أسخى و أشجع.
فقال له: أمّا ما قلت: إنّك أعلم منّي، فقد أعتق جدّي و جدّك ألف نسمة من كدّ يده، فسمّهم لي! و إن أحببت أن اسمّيهم لك إلى آدم فعلت.
و أمّا ما قلت: إنّك أسخى منّي، فو اللّه ما بتّ ليلة و للّه عليّ حقّ يطالبني به.
و أمّا ما قلت: إنّك أشجع منّي، فكأنّي أرى رأسك و قد جيء به و وضع على حجر الزنابير، يسيل منه الدم إلى موضع كذا و كذا. قال: فحكى ذلك لأبيه، فقال:
يا بنيّ آجرني اللّه فيك، إنّ جعفر أخبرني أنّك صاحب حجر الزنابير. (5)
21- و منه: مهزم، عن أبي بردة، قال:
دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فقال: ما فعل زيد؟
____________
(1) 3/ 352، عنه البحار: 47/ 129 ح 176.
تقدّم عنه و عن الخرائج، و النجوم، و رجال الكشيّ ص 251 ح 13، و يأتي ص 467 ح 1 (مثله).
(2) قبا، بالضمّ: قرية قرب المدينة، و قبا: اسم بئر بها، و هي مساكن بني عمرو بن عوف من الأنصار، على ميلين من المدينة على يسار القاصد إلى مكّة، و فيها مسجد التقوى، عامر، قدّامه رصيف حسن، و آبار و مياه عذبة (مراصد الاطّلاع: 3/ 1061).
(3) 3/ 355. 275 عنهما البحار: 47/ 131 ح 180. و أخرجه في إثبات الهداة: 5/ 398 ح 123 عن إعلام الورى.
(4) يأتي ذكره في ص 917.
(5) 3/ 355، عنه البحار: 47/ 131 ح 181. و أورده في الثاقب في المناقب: 405 ح 4، و إعلام الورى: 280 (مثله).
259
قلت: صلب في كناسة بني أسد (1). فبكى حتّى بكت النساء من خلف الستور.
ثمّ قال: أما و اللّه لقد بقي لهم عنده طلبة ما أخذوها منه. فكنت أتفكّر في قوله حتّى رأيت جماعة قد أنزلوه يريدون أن يحرقوه، فقلت: هذه الطلبة الّتي قال لي. (2)
22- المناقب لابن شهرآشوب: و قال أبو الصباح الكنانيّ:
قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّ لنا جارا من همدان (3) يقال له «الجعد بن عبد اللّه» يسبّ أمير المؤمنين (عليه السلام)، أ فتأذن لي أن أقتله؟
قال: إنّ الإسلام قيد الفتك (4)، و لكن دعه فستكفى بغيرك.
قال: فانصرفت إلى الكوفة، فصلّيت الفجر في المسجد، و إذا أنا بقائل يقول:
وجد (5) الجعد بن عبد اللّه على فراشه، مثل الزقّ المنفوخ [ميّتا].
فذهبوا يحملونه إذا لحمه سقط عن عظمه، فجمعوه على نطع، و إذا تحته أسود (6) فدفنوه. (7)
23- إعلام الورى، و المناقب لابن شهرآشوب: عليّ بن إسماعيل، عن إسحاق بن عمّار، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):
إنّ لنا أموالا و نحن نعامل الناس، و أخاف إن حدث حدث أن تغرق أموالنا.
قال: فقال: اجمع أموالك في كلّ شهر ربيع. فمات إسحاق في شهر ربيع.
____________
(1) الكناسة، بالضمّ: محلّة بالكوفة مشهورة. (مراصد الاطّلاع: 3/ 1180).
(2) 3/ 362، عنه البحار: 47/ 137 ح 187، و أخرجه في إثبات الهداة: 5/ 369 ح 63 عن أمالي الطوسي: 2/ 284.
(3) أي من قبيلة همدان، أصلهم من اليمن، و سكن معظمهم الكوفة.
(4) قال الجزري: الإيمان قيد الفتك: أي الإيمان يمنع من الفتك، كما يمنع القيد عن التصرّف، و الفتك أن يأتي الرجل صاحبه و هو غارّ، غافل فيشدّ عليه فيقتله» منه ره.
(5) «قتل» م.
(6) الأسود: الحيّة العظيمة السوداء.
(7) 2/ 364، عنه البحار: 47/ 137 ضمن ح 187. و رواه في الكافي: 7/ 375 ح 16 بإسناده إلى أبي الصباح الكناني نحوه، عنه الوسائل: 19/ 169 ح 1 و عن التهذيب: 10/ 214 ح 50.
261
فقال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام): يا رفاعة! أما إنّه سيصير في يد آل العبّاس، و يتخلّص منهم، ثمّ يأخذونه ثانية، فيعطب (1) في أيديهم. (2)
27- و منه: عن مرازم، قال: قال [لي] أبو عبد اللّه (عليه السلام) و هو بمكّة:
يا مرازم! لو سمعت رجلا يسبّني ما كنت صانعا؟ قلت: كنت أقتله.
قال: يا مرازم إن سمعت من يسبّني فلا تصنع به شيئا!
قال: فخرجت من مكّة عند الزوال في يوم حارّ، فألجأني الحرّ إلى أن صرت إلى بعض القباب، و فيها قوم، فنزلت معهم، فسمعت بعضهم يسبّ أبا عبد اللّه (عليه السلام)؛
فذكرت قوله، فلم أقل شيئا، و لو لا ذلك لقتلته. (3)
28- و منه: عن أبي بكر الحضرمي، قال:
ذكرنا أمر زيد و خروجه عند أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فقال: عمّي مقتول، إن خرج قتل؛ فقرّوا في بيوتكم، فو اللّه ما عليكم بأس. فقال رجل من القوم: إن شاء اللّه. (4)
29- و منه: عن يونس بن أبي يعفور، عن أخيه عبد اللّه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:
مروان (5) خاتم بني مروان، و إن خرج محمّد بن عبد اللّه قتل. (6)
30- المناقب لابن شهرآشوب، و إعلام الورى: من كتاب نوادر الحكمة: أحمد ابن محمّد، عن محمّد، بن فضيل، عن شهاب بن عبد ربّه، قال:
____________
(1) فيعطب: فيهلك.
(2) 2/ 191، عنه البحار: 47/ 145 ضمن ح 199، و إثبات الهداة: 5/ 431، 183.
(3) تقدّم ص 133 ح 2.
(4) 2/ 198، عنه البحار: 47/ 148 ضمن ح 203، و إثبات الهداة: 5/ 435 ح 193. يأتي ص 325 ضمن ح 1 إخباره (عليه السلام) زيدا بشهادته.
(5) هو أبو عبد اللّه مروان بن محمّد بن مروان في أيامه ظهر أبو مسلم الخراساني صاحب دعوة بني العبّاس و كان أوّل ظهوره بمرو فاستولى عليها، ثمّ على خراسان ثمّ ملك العراق، ثمّ فتح نهاوند، و أقبلت سعادة بني العبّاس، و ولّت الدنيا عن بني اميّة ... (الجوهر الثمين في سيرة الملوك و السلاطين: 107).
(6) 2/ 197، عنه البحار: 47/ 149 ذ ح 203.
260
رجال الكشّي: حمدويه و إبراهيم، عن أيّوب، عن ابن المغيرة، عن عليّ بن إسماعيل (مثله). (1)
24- المناقب لابن شهرآشوب، و كتاب النجوم للسيّد ابن طاوس رضي اللّه عنه:
بإسنادنا إلى الحميري، في كتاب الدلائل، بإسناده عن ابن أبي يعفور، قال:
سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول (2) لي ذات يوم:
بقي من أجلي خمس سنين. فحسب ذلك، فما زاد و لا نقص. (3)
25- كشف الغمّة: من كتاب الدلائل، قيل: أراد عبد اللّه بن محمّد الخروج مع زيد، فنهاه أبو عبد اللّه (عليه السلام)، و عظم عليه، فأبى إلّا الخروج مع زيد، فقال له:
لكأنّي و اللّه بك بعد زيد، و قد خمّرت (4) كما تخمّر النساء، و حملت في هودج، و صنع بك ما يصنع بالنساء.
فلمّا كان من أمر زيد ما كان، جمع أصحابنا لعبد اللّه بن محمّد دنانير و تكاروا له، و أخذوه حتّى إذا صاروا به إلى الصحراء و شيّعوه، تبسّم، فقالوا له: ما الّذي أضحكك؟
فقال: و اللّه تعجّبت من صاحبكم، إنّي ذكرت و قد نهاني عن الخروج فلم اطعه، و أخبرني بهذا الأمر الّذي أنا فيه، و قال: «لكأنّي بك و قد خمّرت كما تخمّر النساء، و جعلت في هودج» فعجبت. (5)
26- و منه: عن رفاعة بن موسى، قال:
كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) ذات يوم جالسا، فأقبل أبو الحسن إلينا، فأخذته و وضعته في حجري، و قبّلت رأسه و ضممته إليّ.
____________
(1) 276، 3/ 368 (و اللفظ له)، 408 ح 767، عنها البحار: 47/ 140 ح 190، 191. تقدّم ص 250 ح 11 مثله.
(2) كذا، و في المصدرين «إنّ أبي قال» يأتي بيانه ص 1120 ه 1.
(3) 3/ 320، 229 (و اللفظ له)، عنهما البحار: 47/ 140 ح 192.
(4) الخمار: المقنعة، سمّيت بذلك لأنّ الرأس يخمّر بها أي يغطّى.
(5) 2/ 191، عنه البحار: 47/ 144 ح 199، و إثبات الهداة: 5/ 431 ح 181.
262
قال [لي] أبو عبد اللّه (عليه السلام): كيف [أنت] إذا نعاني إليك محمّد بن سليمان؟
قال: فلا و اللّه ما عرفت محمد بن سليمان، و لا علمت من هو.
قال: ثمّ كثر مالي، و عرضت تجارتي بالكوفة و البصرة، فإنّي يوما بالبصرة عند محمّد ابن سليمان، و هو والي البصرة، إذ ألقى إليّ كتابا و قال لي:
يا شهاب! أعظم اللّه أجرك و آجرنا في إمامك جعفر بن محمّد (عليه السلام).
قال: فذكرت الكلام، فخنقتني العبرة، فخرجت فأتيت منزلي، و جعلت أبكي على أبي عبد اللّه (عليه السلام).
رجال الكشّي: محمّد بن مسعود، عن عليّ بن محمّد، عن أحمد بن محمّد، عن فضيل (1)، عن شهاب؛ و عن محمّد بن مسعود، عن عبد اللّه بن محمّد، عن الوشّاء، عن محمّد بن الفضيل، عن شهاب (مثله). (2)
31- رجال الكشّي: طاهر بن عيسى، عن جعفر، عن الشجاعي، عن محمّد بن الحسين، عن سلام بن بشير الرمّاني، و عليّ بن إبراهيم التيمي، عن محمّد الأصفهاني قال:
كنت قاعدا مع معروف بن خرّبوذ بمكّة و نحن جماعة، فمرّ بنا قوم على حمير، معتمرون، من أهل المدينة، فقال لنا معروف: سلوهم هل كان بها خبر؛
فسألناهم، فقالوا: مات عبد اللّه بن الحسن. فأخبرناه بما قالوا.
قال: فلمّا جاوزوا، مرّ بنا قوم آخرون، فقال لنا معروف: فسلوهم هل كان بها خبر.
فسألناهم، فقالوا: كان عبد اللّه بن الحسن أصابته غشية، و قد أفاق. فأخبرناه بما قالوا.
فقال: ما أدري ما يقول هؤلاء و أولئك؟ أخبرني ابن المكرّمة- يعني أبا عبد اللّه (عليه السلام)-:
إنّ قبر عبد اللّه بن الحسن [بن الحسن] و أهل بيته على شاطئ الفرات.
____________
(1) كذا، و الظاهر «محمّد بن الفضيل» كما في السندين المتقدم و الآتي.
(2) 3/ 349، 276 (و اللفظ له)، 414 ح 781 و 782، عنهما البحار: 47/ 150 ح 205، 206.
و رواه في دلائل الإمامة: 138 بإسناده إلى شهاب بن عبد ربّه (مثله). و أخرجه في إثبات الهداة:
5/ 398 ح 125 و في مدينة المعاجز: 409 ح 196، و يأتي ص 1121 ح 4.
263
قال: فحملهم أبو الدوانيق، فقبروا على شاطئ الفرات. (1)
32- و منه: حمدويه، و إبراهيم، عن العبيدي، عن ابن أبي عمير، عن إسماعيل البصري، عن أبي غيلان، قال: أتيت الفضيل بن يسار، فأخبرته أنّ محمّدا و إبراهيم ابني عبد اللّه بن الحسن قد خرجا، فقال لي: ليس أمرهما بشيء.
قال: فصنعت ذلك مرارا، كلّ ذلك يرد عليّ مثل هذا الردّ.
قال: قلت: رحمك اللّه، قد أتيتك غير مرّة أخبرك فتقول: ليس أمرهما بشيء؛ أ فبرأيك تقول هذا؟
قال: فقال: لا و اللّه، و لكن سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: إن خرجا قتلا. (2)
33- و منه: حمدويه، و إبراهيم، عن محمّد بن إسماعيل الرازي، عن أحمد بن سليمان، عن داود الرقّي، قال:
دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فقلت [له]: جعلت فداك كم عدّة الطهارة؟
فقال: ما أوجبه اللّه فواحدة، و أضاف إليها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) واحدة لضعف الناس؛
و من توضّأ ثلاثا ثلاثا، فلا صلاة له، [أنا معه في ذا حتّى جاء داود بن زربي، فأخذ زاوية من البيت، فسأله عمّا سألت في عدّة الطهارة، فقال له: ثلاثا ثلاثا] من نقص عنه فلا صلاة له.
قال: فارتعدت فرائصي، و كاد أن يدخلني الشيطان، فأبصر أبو عبد اللّه (عليه السلام) إليّ، و قد تغيّر لوني، فقال: اسكن يا داود، هذا هو الكفر أو ضرب الأعناق.
قال: فخرجنا من عنده، و كان ابن زربي إلى جوار بستان أبي جعفر المنصور، و كان قد القي إلى أبي جعفر أمر داود بن زربي، و أنّه رافضيّ يختلف إلى جعفر بن محمّد؛
فقال أبو جعفر: إنّي مطّلع على طهارته، فإن هو توضّأ وضوء جعفر بن محمّد فإنّي لأعرف طهارته، حقّت عليه القول، و قتلته.
فاطّلع- و داود يتهيّأ للصلاة- من حيث لا يراه، فأسبغ داود بن زربي الوضوء ثلاثا ثلاثا
____________
(1) 212 ح 376، عنه البحار: 47/ 151 ح 209، و يأتي ص 937 ح 4.
(2) 214 ح 382، عنه البحار: 47/ 151 ح 210، و إثبات الهداة: 5/ 442 ح 204.
يأتي ص 919 ح 2.
264
كما أمره أبو عبد اللّه (عليه السلام) فما تمّ وضوءه حتّى بعث إليه أبو جعفر المنصور، فدعاه.
قال: فقال داود: فلمّا أن دخلت عليه رحّب [بي] و قال:
يا داود! قيل فيك شيء باطل، و ما أنت كذلك، قال: قد اطّلعت على طهارتك و ليس طهارتك طهارة الرافضة، فاجعلني في حلّ. و أمر له بمائة ألف درهم.
قال: فقال داود الرقّي: التقيت أنا و داود بن زربي عند أبي عبد اللّه (عليه السلام)؛
فقال له داود بن زربي: جعلني اللّه فداك، حقنت دماءنا في دار الدنيا، و نرجو أن ندخل بيمنك و بركتك الجنّة.
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): فعل اللّه ذلك بك و باخوانك من جميع المؤمنين.
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) لداود بن زربي: حدّث داود الرقّي بما مرّ عليك، حتّى تسكن روعته. قال: فحدّثه بالأمر كلّه [قال:] فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام):
لهذا أفتيته لأنّه كان أشرف على القتل من يد هذا العدوّ، ثمّ قال: يا داود بن زربي! توضّأ مثنى مثنى، و لا تزيدنّ عليه، فإنّك إن زدت عليه، فلا صلاة لك. (1)
34- و منه: محمّد بن مسعود، عن عليّ بن محمّد، عن ابن عيسى، عن علي بن الحكم [عن هشام]، عن شهاب بن عبد ربّه، قال: قال [لي] أبو عبد اللّه (عليه السلام): يا شهاب! يكثر القتل في أهل بيت من قريش حتّى يدعى الرجل منهم إلى الخلافة فيأباها.
ثمّ قال: يا شهاب! و لا تقل: إنّي عنيت بني عمّي (2) هؤلاء.
فقال شهاب: أشهد أنّه عناهم. (3)
35- رجال النجاشي: ذكر أحمد بن الحسين (رحمه اللّه) أنّه وجد في بعض الكتب:
أنّ أبا عبد اللّه (عليه السلام) قال لسماعة بن مهران سنة خمس و أربعين و مائة:
____________
(1) 312 ح 564، عنه البحار: 47/ 152 ح 212؛
و أورده في ثاقب المناقب: 426 ح 12 (مثله)، عنه مدينة المعاجز: 416 ح 239.
(2) «بني عمّي أي بني الحسن، أو بني العبّاس، و الأوّل أظهر» منه ره.
(3) 415 ح 785، عنه البحار: 47/ 154 ح 215.
و رواه في الكافي: 8/ 453 بإسناده إلى شهاب ابن عبد ربّه (مثله).
265
إن رجعت لم ترجع إلينا، فأقام عنده فمات، في تلك السنة. (1)
36- الكافي: عليّ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن المفضّل بن يزيد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت له- أيّام عبد اللّه بن علي (2)- قد اختلف هؤلاء فيما بينهم!
فقال: دع ذا عنك، إنّما يجيء فساد أمرهم من حيث بدا صلاحهم (3). (4)
37- الاختصاص، و بصائر الدرجات، و رجال الكشّي:- في حديث معلّى بن خنيس الآتي تمامه (5) في باب معجزاته (عليه السلام) في طيّ الأرض-
أنّه (عليه السلام) قال لمعلّى بن خنيس: يا معلّى بن خنيس! و أنت مقتول، فاستعدّ. (6)
38- مقاتل الطالبيّين: بإسناده عن عيسى بن عبد اللّه، قال:
حدّثتني أمّي أمّ الحسين بنت عبد اللّه بن محمّد بن عليّ بن الحسين (عليهم السلام)، قالت:
قلت لعمّي جعفر بن محمّد (عليهما السلام): إنّي فديتك، ما أمر محمّد هذا؟ قال: فتنة، يقتل محمّد عند بيت رومي، و يقتل أخوه لامّه و أبيه بالعراق، و حوافر فرسه في الماء. (7)
39- منه: بإسناده عن ابن داحة (8) أنّ جعفر بن محمّد (عليهما السلام) قال: لعبد اللّه بن الحسن:
____________
(1) 193 رقم 517، عنه البحار: 47/ 154 ح 216.
(2) ذكر ابن الأثير في تاريخه: 5/ 496 في حوادث سنة 139:
لمّا عزل سليمان عن البصرة، اختفى أخوه عبد اللّه بن عليّ و من معه من أصحابه خوفا من المنصور فبلغ ذلك المنصور، فأرسل إلى سليمان و عيسى ابني عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس في إشخاص عبد اللّه، و أعطاهما الأمان لعبد اللّه و عزم عليهما أن يفعلا.
فخرج سليمان و عيسى بعبد اللّه و قوّاده و مواليه حتّى قدموا على المنصور ...
ثمّ أمر المنصور بقتل بعضهم بحضرته، و بعث الباقين إلى أبي داود بخراسان، فقتلهم بها.
(3) «أي كما أنّ أبا مسلم أتى من قبل خراسان و أصلح أمرهم، كذلك هلاكو يجيء من تلك الناحية و يفسد أمرهم» منه ره.
(4) 8/ 212 ح 257، عنه البحار: 47/ 154 ح 217.
(5) ص 307 ح 1.
(6) 315، 403، 378 ح 709، عنها البحار: 47/ 87 ح 91، 92.
(7) 168، عنه البحار: 47/ 160.
(8) هو إبراهيم بن سليمان بن (أبي) داحة، راجع كتب الرجال.
266
إنّ هذا الأمر- و اللّه- ليس إليك، و لا إلى ابنيك؛
و إنّما هو لهذا- يعني السفّاح- ثمّ لهذا- يعني المنصور-
ثمّ لولده [من] بعده، لا يزال فيهم حتّى يؤمّروا الصبيان، و يشاوروا النساء.
فقال عبد اللّه: و اللّه يا جعفر ما أطلعك اللّه على غيبه، و ما قلت هذا إلّا حسدا لابنيّ.
فقال: لا و اللّه ما حسدت ابنيك، و إنّ هذا- يعني أبا جعفر- يقتله على أحجار الزيت (1)، ثمّ يقتل أخاه بعده بالطفوف (2)، و قوائم فرسه في الماء.
ثمّ قام مغضبا يجرّ رداءه، فتبعه أبو جعفر فقال: أ تدري ما قلت يا أبا عبد اللّه؟
قال: إي و اللّه أدريه، و إنّه لكائن. قال: فحدّثني من سمع أبا جعفر، يقول:
فانصرفت لوقتي فرتّبت عمّالي، و ميّزت اموري تمييز مالك لها.
قال: فلمّا ولّي أبو جعفر الخلافة سمّى جعفر (عليه السلام) الصادق، و كان إذا ذكره، قال:
قال لي الصادق جعفر بن محمّد كذا، كذا، فبقيت عليه. (3)
استدراك (2) ثواب الأعمال: حدّثني محمّد بن الحسن، عن أحمد بن إدريس، عن محمّد ابن أحمد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن إسماعيل، عن الخيبري، عن موسى بن القاسم الحضرمي، قال:
ورد أبو عبد اللّه (عليه السلام) في أوّل ولاية أبي جعفر فنزل النجف، فقال: يا موسى! اذهب إلى الطريق الأعظم، وقف على الطريق فانظر، فإنّه سيجيئك رجل من ناحية القادسيّة؛
فإذا دنا فقل له: هاهنا رجل من ولد رسول اللّه يدعوك، فإنّه سيجيء معك.
____________
(1) أحجار الزيت بالمدينة: موضع كان فيه أحجار غلب عليها الطريق و اندفنت (مراصد الاطّلاع:
2/ 678) و ذكره ابن الأثير في الكامل في التاريخ: 5/ 543- 551 في حوادث سنة 145، في ذكر مسير عيسى بن موسى إلى محمّد بن عبد اللّه و قتله (مفصّلا).
(2) ذكر ابن الأثير في الكامل في التاريخ: 5/ 565- 569 مسير إبراهيم و قتله مفصّلا. يأتي ح 12- 14.
(3) 172، عنه البحار: 47/ 160، و يأتي ص 394 ح 6.
267
قال: فذهبت حتّى قمت على الطريق، و الحرّ شديد، فلم أزل قائما حتّى كدت أن أعصي و أنصرف، إذ نظرت إلى شيء مقبل شبه رجل على بعير؛
قال: فلم أزل أنظر إليه حتّى دنا منّي، فقلت له: يا هذا! هاهنا رجل من ولد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يدعوك، و قد وصفك لي، فقال: اذهب بنا إليه، قال: فجئت به حتّى أناخ بعيره ناحية، قريبا من الخيمة، قال: فدعا به، فدخل الأعرابي إليه ... الحديث. (1)
3- تفسير العيّاشي: عن الحسن بن موسى الخشّاب- رفعه- قال:
قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): لا يرجع (2) الأمر و الخلافة إلى آل أبي بكر أبدا، و لا إلى آل عمر، و لا إلى آل بني أميّة، و لا في ولد طلحة و الزبير أبدا،
و ذلك أنّهم بتّروا القرآن، و أبطلوا السنن، و عطّلوا الأحكام. (3)
(4) غيبة النعماني: أخبرنا أحمد بن محمّد بن سعيد، قال: حدّثنا القاسم بن محمّد ابن الحسن بن حازم، قال: حدّثنا عبيس بن هشام، عن عبد اللّه بن جبلة، عن عليّ بن أبي المغيرة، عن أبي الصباح، قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال لي: ما وراءك؟
فقلت: سرور من عمّك زيد، خرج يزعم أنّه ابن سبيّة، و هو قائم هذه الأمّة، و أنّه ابن خير الإماء! فقال: كذب (4) ليس هو كما قال، إن خرج قتل. (5)
(5) الثاقب في المناقب: عن يزيد بن خلف، قال:
سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام)- و قد ذكر عنده زيد، و هو يومئذ يتردّد في المدينة- يقول:
«كأنّي به قد خرج إلى العراق، و يمكث يومين، و يقتل في اليوم الثالث، ثمّ يدار برأسه
____________
(1) 118 ح 40، عنه البحار: 101/ 37 ح 52، و إثبات الهداة: 5/ 366 ح 54، و في الخبر إخباره (عليه السلام) بالمغيّبات الماضية و ما في الضمير، يأتي تمامه في عوالم العلوم المجلّد الخاصّ بالمزار حيث تضمّن الخبر ثواب زيارة الحسين (عليه السلام)، و أنّ الرجل كان قاصدا لزيارته (عليه السلام) من اليمن.
(2) من الكافي، إثبات الهداة، و في المصدر: لا يرفع.
(3) 1/ 5 ح 7، عنه إثبات الهداة: 5/ 425 ح 168، و البحار: 92/ 26 ح 28.
و رواه في الكافي: 2/ 600 ح 8، عنه الوافي: 9/ 1703 ح 5.
(4) كذا.
(5) 229 ح 10، عنه إثبات الهداة: 5/ 425 ح 167.
268
في البلدان، و يؤتى به، و ينصب هاهنا على قصبة» و أشار بيده.
قال: فسمعت اذني من أبي عبد اللّه (عليه السلام)، و رأت عيني أن اتي برأسه حتّى اقيم على قصبة في الموضع الّذي أشار إليه (عليه السلام). (1)
(6) غيبة الطوسي: من كتاب نصرة الواقفة لأبي محمّد عليّ بن أحمد العلوي (2)؛
قال: حدّثني أبو محمّد الصيرفي، عن عبد الكريم بن عمرو، عن أبي بصير؛
عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سمعته يقول: كأنّ بابني هذا- يعني أبا الحسن (عليه السلام)- قد أخذه بنو فلان (3) فمكث في أيديهم حينا و دهرا، ثمّ خرج من أيديهم، (الخبر). (4)
(7) أمالي الصدوق:- بالإسناد المتقدّم في عوالم العلوم: 21/ 41 ح 1 م-
عن عبد اللّه بن الفضل الهاشمي، قال: كنت عند أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق (عليهما السلام) فدخل عليه رجل من طوس- و ساق الحديث: إلى أن قال-: فدخل موسى بن جعفر فأجلسه على فخذه، و أقبل يقبّل ما بين عينيه- ثمّ التفت إليه فقال له: يا طوسي!- إنّه الإمام و الخليفة و الحجّة بعدي، و إنّه سيخرج من صلبه رجل يكون رضا للّه عزّ و جلّ في سمائه، و لعباده في الأرض، يقتل في أرضكم بالسمّ ظلما و عدوانا، و يدفن بها غريبا، (الخبر). (5)
____________
(1) 405 ح 336، عنه مدينة المعاجز: 415 ح 233.
(2) قال في الذريعة: 24/ 178 بعد ذكر الكتاب: و مؤلّفه:
هو غير أبي القاسم المعروف بعليّ بن أحمد الكوفي.
(3) أي بنو العبّاس.
(4) 37، عنه إثبات الهداة: 5/ 367 ح 56.
(5) يأتي في العوالم المذكور أربعة عشر حديثا في النصّ على إمامة موسى بن جعفر (عليه السلام). و كذلك في ص 330 ح 1 في باب فضل زيارة السيّدة فاطمة بنت موسى بن جعفر (عليها السلام) عن تاريخ قم ...
و إنّ لنا حرما و هو بلدة قم، و ستدفن فيها امرأة من أولادي تسمّى فاطمة فمن زارها وجبت له الجنّة.
و في ص 465، و في باب إخبار الصادق (عليه السلام) بشهادة ولده موسى (عليه السلام) ما يناسب المقام.
و يأتي أيضا في عوالم العلوم: 22/ 32 في باب نصّ الصادق (عليه السلام) على إمامة الرضا (عليه السلام) ثلاثة أحاديث بالإضافة إلى الحديث أعلاه. و في ص 468 في باب إخبار الصادق (عليه السلام) بشهادة الرضا (عليه السلام) ثلاثة أحاديث أيضا، و كذلك في عوالم الإمام الجواد و الهادي و العسكري و المهدي (عليهم السلام) أخبار كثيرة عن الصادق (عليه السلام) في إخباره بالنص على إمامتهم (عليهم السلام) أو بشهادتهم أو ... ما يناسب هذا الباب.
269
(8) المحاسن: القاسم بن يحيى، عن جدّه الحسن بن راشد، عن المفضّل بن عمر، قال: سرت مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) إلى مكّة، فصرنا إلى بعض الأودية، فقال:
انزلوا في هذا الموضع و لا تدخلوا الوادي.
فنزلنا فما لبثنا أن أظلّتنا سحابة، فهطلت علينا حتّى سال الوادي، فآذى من كان فيه. (1)
(9) دلائل الإمامة: حدّثني أبو عبد اللّه الحسين بن عبد اللّه الخرقي، قال: حدّثنا أبو محمّد هارون بن موسى التلعكبري، قال: حدّثنا أبو عليّ محمّد بن همام، قال: حدّثنا حبيب ابن الحسين، قال: حدّثنا أبو هاشم عبيد بن خارجة، عن عليّ بن عثمان؛
عن فرات بن الأحنف، قال: كنت مع أبي عبد اللّه و نحن نريد زيارة أمير المؤمنين- إلى أن قال-: ثمّ مضى و مضيت معه حتّى انتهى إلى موضع، فنزل و صلّى ركعتين و قال: هاهنا قبر أمير المؤمنين (عليه السلام)، أما إنّه لا تذهب الأيّام حتّى يبعث اللّه رجلا ممتحنا في نفسه بالقتل يبني عليه حصنا فيه سبعون طاقا.
سمعت هذا الحديث قبل أن يبنى على الموضع شيء، ثمّ إنّ محمّد بن زيد وجّه فبنى عليه، فلم تمض الأيّام حتّى امتحن محمّد في نفسه بالقتل. (2)
(10) رجال الكشّي: بإسناده الآتي عن أبي جعفر الأحول، قال:
قال لي ابن أبي العوجاء: أ ليس من صنع شيئا و أحدثه حتّى يعلم أنّه من صنعته فهو خالقه؟ قلت: بلى. قال: فأخلني شهرا أو شهرين، ثمّ تعال حتّى اريك.
قال: فحججت، فدخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال: أما إنّه قد هيّأ لك شاتين، و هو جاء معه بعدّة من أصحابه، ثمّ يخرج لك الشاتين قد امتلأتا دودا، و يقول لك: هذا الدود يحدث من فعلي، فقل له: إن كان من صنعك و أنت أحدثته، فميّز ذكوره من إناثه.
فأخرج إليّ الدود، فقلت له: ميّز الذكور من الإناث، فقال:
هذه- و اللّه- ليست من إبرازك، هذه الّتي حملتها الإبل من الحجاز (الحديث). (3)
____________
(1) 2/ 364 ح 106، عنه البحار: 76/ 279 ح 18، و الوسائل: 8/ 316 ح 5.
(2) 244، عنه مدينة المعاجز: 421 ح 248، و حلية الأبرار: 2/ 638.
(3) يأتي بتمامه و تخريجاته في ص 1078 ح 1.
270
(11) الثاقب في المناقب: عن داود بن كثير، قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقلت: يا ابن رسول اللّه! أسألك عن شيء يختلج في صدري، فقال:
يا داود! كأنّي بك قد كتفت بخدعة، فتدخل في صندوق، و لا يطلق عنك إلّا بألف درهم.
قال داود: فأضلّني الشيطان عمّا أردت سؤاله، فخرجت متفكّرا متحيّرا ممّا قال؛
فمررت ببعض سكك الكوفة، فإذا جارية مليحة، فتعلّقت بي، و قالت:
يا صاحب الحقّ! هل لك في الإلمام بنا، فتفيدنا ببعض ما خصصت به دوننا؟
فقلت: ما أكره ذلك. فقالت لي: ادخل. فدخلت، فإذا أنا بزوجها قد أقبل إليها؛
فقالت لي: ادخل الصندوق، فإنّي لا آمنه عليك إن رأى اجتماعنا.
فدخلت الصندوق، فأقفلت عليّ، ثمّ قالت: قد وقعت موقع سوء، فإن افتديت نفسك بألف درهم و إلّا غمزت (1) بك إلى السلطان. فأعطيتها ألف درهم و خلّت عنّي؛
فرجعت إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فلمّا بصر بي، قال: نجوت الآن، فاحمد اللّه تعالى. (2)
الكتب:
(12) الصواعق المحرقة: ... في آخر دولة بني اميّة و ضعفهم أراد بنو هاشم مبايعة محمّد و أخيه، و ارسل لجعفر ليبايعهما، فامتنع فاتّهم أنّه يحسدهما؛
فقال: و اللّه ليست لي و لا لهما، إنّها لصاحب القباء الأصفر، ليلعبنّ بها صبيانهم و غلمانهم. و كان المنصور العبّاسي يومئذ حاضرا و عليه قباء أصفر.
فما زالت كلمة جعفر تعمل فيه حتّى ملكوا. (3).
(13) ينابيع المودّة: و قد ذكر أهل السير أنّ عبد اللّه المحض بن الحسن المثنّى بن الحسن السبط رضي اللّه عنهم كان شيخ بني هاشم في زمانه، جمع المحاسن الكثيرة، و هو والد محمّد الملقّب ب [ذي] النفس الزكيّة. و والد إبراهيم أيضا؛
فلمّا كان في أواخر دولة بني مروان و ضعفهم، أراد بنو هاشم أن يبايعوا منهم من يقوم
____________
(1) غمز بالرجل و عليه: طعن عليه و سعى به شرّا.
(2) 404 ح 335، عنه مدينة المعاجز: 415 ح 232.
(3) 121، عنه ملحقات الإحقاق: 12/ 249.
271
بالأمر، فاتّفقوا على محمّد و إبراهيم ابني عبد اللّه المحض.
فلمّا اجتمعوا لذلك، أرسلوا إلى جعفر الصادق (عليه السلام)، فقال عبد اللّه: إنّه يفسد أمركم!
فلمّا دخل جعفر الصادق، سألهم عن سبب اجتماعهم، فأخبروه؛
فقال لعبد اللّه: يا ابن عمّي! إنّي لا أكتم خيريّة أحد من هذه الامّة إن استشارني، فكيف لا أدلّ على صلاحكم!؟ فقال عبد اللّه: مدّ يدك لنبايعك.
قال جعفر: و اللّه إنّها ليست لي و لا لابنيك، و إنّها لصاحب القباء الأصفر، و اللّه ليلعبنّ بها صبيانهم و غلمانهم، ثمّ نهض و خرج.
و كان المنصور العبّاسي يومئذ حاضرا، و عليه قباء أصفر، فكان كما قال. (1)
(14) الأنوار القدسيّة: و منها: أنّ ابن عمّه عبد اللّه المحض، كان شيخ بني هاشم، و هو والد محمّد و أخيه، أرسلوا لجعفر ليبايعهما، و قال: ليست لي و لا لهما، إنّها لصاحب القباء الأصفر، يلعب بها صبيانه.
و كان المنصور العبّاسي حاضرا و عليه قباء أصفر، فكان كذلك. (2)
*** 4- باب إخباره (عليه السلام) بالمغيّبات الماضية و الحاليّة معا
الأخبار، الأصحاب:
1- إعلام الورى: من كتاب نوادر الحكمة [عليّ بن الحكم] عن عروة بن موسى الجعفي، قال: قال لنا يوما- و نحن نتحدّث-:
الساعة انفقأت عين هشام في قبره. قلنا: و متى مات؟ قال: اليوم، الثالث.
قال: فحسبنا موته، و سألنا عنه، فكان كذلك.
المناقب لابن شهرآشوب: عن عروة (مثله). (3)
____________
(1) 332، عنه جامع كرامات الأولياء: 2/ 4، و ملحقات الإحقاق: 12/ 248.
(2) 36، عنه ملحقات الإحقاق: 19/ 511.
(3) تقدّم ص 242 ح 26 (مثله) و يأتي ص 384 ح 3.
273
و ذكر فيه أنّ طلحة و الزبير بايعاه، و غدرا به، و أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أمره بقتال الناكثين و القاسطين و المارقين (1).
فقالوا: لئن كان هذا عهد من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لقد ضلّ القوم جميعا!
فقال (عليه السلام): أ لم أقل لكم إنّكم ستكفرون إن أخبرتكم؟
أما إنّكم سترجعون إلى أصحابكم من أهل البصرة، فتخبروهم بما أخبرتكم، فيكفرون أعظم من كفركم! فكان كما قال. (2)
____________
(1) الناكثون: أهل الجمل لأنّهم نكثوا البيعة، أي نقضوها و استنزلوا عائشة، و ساروا بها إلى البصرة، و القاسطون: أهل صفّين لأنّهم جاروا في حكمهم و بغوا عليهم.
و المارقون: الخوارج لأنّهم مرقوا من الدين كما يمرق السهم من الرمية، و هذا التفسير مروي عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) (مجمع البحرين: نكث).
(2) 3/ 351، عنه البحار: 47/ 127 ضمن ح 175. و رواه في دلائل الإمامة: 120 بإسناده إلى سليمان بن خالد (مثله)، عنه مدينة المعاجز: 393 ح 120.
272
5- باب إخباره (عليه السلام) بالمغيّبات الماضية و الآتية معا
الأخبار، الأصحاب:
1- الخرائج و الجرائح: روي أنّ داود الرقّي، قال:
حججت بأبي عبد اللّه (عليه السلام) سنة ستّ و أربعين و مائة، فمررنا بواد من أودية تهامة (1)؛
فلمّا أنخنا، صاح: يا داود! ارحل، ارحل.
فما انتقلنا إلّا و قد جاء سيل، فذهب بكلّ شيء فيه.
و قال له: تؤتى بين الصلاتين حتّى تؤخذ من منزلك.
و قال: يا داود! إنّ أعمالكم عرضت عليّ يوم الخميس، فرأيت فيها صلتك لابن عمّك.
قال داود: و كان لي ابن عمّ ناصبيّ كثير العيال محتاج، فلمّا خرجت إلى مكّة أمرت له بصلة، فأخبرني بها أبو عبد اللّه (عليه السلام). (2)
6- باب إخباره (عليه السلام) بالمغيّبات الحاليّة و الآتية معا
الأخبار، الأصحاب:
1- المناقب لابن شهرآشوب: ابن مسكان، عن سليمان بن خالد- في خبر طويل- أنّه دخل على الصادق (عليه السلام) آذنه و آذن لقوم من أهل البصرة، فقال (عليه السلام): كم عدّتهم؟
فقال: لا أدري. فقال (عليه السلام): اثنا عشر رجلا؛
فلمّا دخلوا عليه، سألوا عن حرب عليّ و طلحة و الزبير و عائشة، قال:
و ما تريدون بذلك؟ قالوا: نريد أن نعلم علم ذلك؛
قال: إذا تكفرون يا أهل البصرة.
فقال: عليّ كان مؤمنا منذ بعث اللّه نبيّه إلى أن قبضه إليه؛
[ثمّ] لم يؤمّر عليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أحدا قطّ، و لم يكن في سريّة قطّ إلّا كان أميرها.
____________
(1) تهامة، بالكسر: تهامة تساير البحر، منها مكّة، و الحجاز ما حجز بين تهامة و العروض ... و إنّما سمّي الحجاز حجازا، لأنّه حجز بين تهامة و نجد. (مراصد الاطّلاع: 1/ 283).
(2) 2/ 612 ح 8، عنه البحار: 47/ 98 ح 114. و تقدّم ص 114 ح 16 عن بصائر الدرجات.
274
2- أبواب معجزاته (عليه السلام) في الأشجار و الأثمار
1- باب معجزته (عليه السلام) في النخلة و التمر و الرطب
الأخبار، الأصحاب:
1- بصائر الدرجات: موسى بن الحسن، عن أحمد بن الحسين، عن أحمد بن إبراهيم، عن عبد اللّه بن بكير، عن عمر بن توبة (1)، عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)
قال: كان أبو عبد اللّه البلخي معه، فانتهى إلى نخلة خاوية (2) فقال:
أيّتها النخلة السامعة المطيعة لربّها، أطعمينا ممّا جعل اللّه فيك.
قال: فتساقط علينا رطب مختلف ألوانه، فأكلنا حتّى تضلّعنا (3).
فقال البلخي: جعلت فداك، سنّة فيكم كسنّة مريم.
المناقب لابن شهرآشوب: سليمان (مثله). (4)
2- الخرائج و الجرائح: روي أنّ أبا مريم المدني، قال:
خرجت إلى الحجّ، فلمّا صرت قريبا من الشجرة (5)، خرجت على حمار لي، قلت:
أدرك الجماعة و اصلّي معهم، فنظرت إلى الجماعة يصلّون، فأتيتهم [فوجدتهم قد صلّوا] و إذا أبو عبد اللّه (عليه السلام) محتب (6) بردائه يسبّح، فقال: صلّيت يا أبا مريم؟ قلت: لا.
قال: صلّ. فصلّيت، ثمّ ارتحلنا، فسرت تحت محمله؛
____________
(1) «بويه» م، ب، تصحيف. راجع رجال النجاشي: 284 رقم 753، تنقيح المقال: 2/ 341.
(2) خوت الدار: تهدّمت، و المراد بالنخلة الخاوية هنا الّتي لم يبق منها إلّا بقايا من ساقها.
(3) «تضلّع: امتلأ شبعا حتّى بلغ الطعام أضلاعه» منه ره.
(4) 254 ح 5، 3/ 366، عنهما البحار: 47/ 76 ح 45؛ و أورده في الخرائج و الجرائح: 2/ 718 ح 20 (و التخريجات الّتي في هامشه).
(5) الشجرة- واحدة الشجر-: بذي حليفة على ستّة أميال من المدينة (مراصد الاطّلاع: 2/ 784).
(6) الاحتباء: ضمّ الساقين إلى البطن بالثوب أو اليدين، و منه «الاحتباء حيطان العرب» أي ليس في البراري حيطان، فإذا أرادوا أن يستندوا احتبوا.
275
فقلت في نفسي: قد خلوت به اليوم فأسأله عمّا بدا لي.
فقال: يا أبا مريم تسير تحت محملي؟ فقلت: نعم. و كان زميله غلاما له، يقال له «سالم» فرآني كثير الاختلاف (1) فقال: أراك كثير الاختلاف، أبك بطن (2)؟
قلت: نعم. قال: أكلت البارحة حيتانا (3)؟ قلت: نعم.
قال: فأتبعتها بتمرات؟ قلت: لا. قال: أما إنّك لو أتبعتها بتمرات ما ضرّك.
فسرنا حتّى إذا كان وقت الزوال، نزل فقال: يا غلام! هات ماء أتوضّأ به؛
فناوله فدخل إلى موضع يتوضّأ، فلمّا خرج إذا هو بجذع، فدنا منه، فقال:
يا جذع! أطعمنا ممّا خلق اللّه فيك.
قال: رأيت الجذع اهتزّ، ثمّ اخضرّ، ثمّ أطلع، ثمّ اصفرّ، ثم ذنّب (4)؛
فأكل منه و أطعمني، كلّ ذلك أسرع من طرفة عين. (5)
3- و منه: روي أنّ محمّد بن مسلم، قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) إذ دخل عليه المعلّى بن خنيس باكيا، فقال: و ما يبكيك؟
قال: بالباب قوم يزعمون أن ليس لكم عليهم فضل، و أنّكم و هم شيء واحد!
فسكت، ثمّ دعا بطبق من تمر، فأخذ منه تمرة فشقّها نصفين، و أكل التمر و غرس النوى في الأرض، فنبت و حمل بسرا (6)، فأخذ منها واحدة فشقّها [نصفين] و أكل، و أخرج منها رقّا و دفعه إلى المعلّى، و قال: اقرأ! فإذا فيه: بسم اللّه الرحمن الرحيم، لا إله إلّا اللّه، محمّد رسول اللّه، عليّ المرتضى، [و] الحسن و الحسين، و عليّ بن الحسين؛
____________
(1) اختلف من موضع إلى موضع: تردّد.
(2) البطن- محرّكة-: داء البطن، يقال: بطن بطنا: أصيب بوجع في بطنه.
(3) جمع الحوت: السمك، و قد غلب في الكبير منه.
(4) و المذنب- بكسر النون-: الّذي بدا فيه الأرطاب من قبل ذنبه، و يقال له أيضا: التنوب.
(5) 2/ 625 ح 26، عنه البحار: 47/ 102 ح 126.
(6) و البسر: تمر النخل قبل أن يرطب.
276
[و عدّهم] واحدا واحدا إلى الحسن بن عليّ و ابنه (عليهم السلام). (1)
4- غيبة النعماني: سلامة بن محمّد، عن عليّ بن عمر المعروف بالحاجي، عن ابن القاسم العلويّ العبّاسي، عن جعفر بن محمّد الحسني، عن محمّد (2) بن كثير، عن أبي أحمد بن موسى [الأسدي]، عن داود بن كثير، قال:
دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) بالمدينة، فقال [لي]: ما الّذي أبطأ بك يا داود عنّا؟
فقلت: حاجة عرضت بالكوفة. فقال: من خلّفت بها؟
فقلت: جعلت فداك خلّفت بها عمّك زيدا، تركته راكبا على فرس، متقلّدا سيفا، ينادي بأعلى صوته: سلوني [سلوني] قبل أن تفقدوني، فبين جوانحي علم جمّ، قد عرفت الناسخ من المنسوخ، و المثاني (3) و القرآن العظيم، و إنّي العلم بين اللّه و بينكم!
فقال (عليه السلام) لي: يا داود! لقد ذهبت بك المذاهب، ثمّ نادى: يا سماعة بن مهران! ائتني بسلّة الرطب، فأتاه بسلّة فيها رطب؛ فتناول منها رطبة، فأكلها و استخرج النواة من فيه، فغرسها في الأرض، ففلقت و أنبتت، و أطلعت و أعذقت، فضرب بيده إلى بسرة من عذق فشقّها، و استخرج منها رقّا أبيض، ففضّه و دفعه إليّ و قال: اقرأه.
فقرأته، و إذا فيه سطران: السطر الأوّل: لا إله إلّا اللّه، محمّد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).
و الثاني إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ (4):
أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، الحسن بن عليّ، الحسين بن عليّ، عليّ بن الحسين، محمّد بن عليّ، جعفر بن محمّد، موسى بن جعفر، عليّ بن موسى، محمّد بن
____________
(1) 2/ 624 ح 25، عنه البحار: 47/ 102 ح 125، و إثبات الهداة: 5/ 411 ح 146 و أورده في الصراط المستقيم: 2/ 188 ح 19 باختصار، عنه إثبات الهداة: 5/ 460 ح 256.
(2) «عبيد» م.
(3) المثاني: قوله تعالى «و لقد آتيناك سبعا من المثاني و القرآن العظيم»: يعني سورة الحمد إذ هي سبع آيات اتّفاقا. و قيل: المراد بالتسمية مطلق التكرير لأنّها تتكرر كلّ يوم عشر مرّات فصاعدا. و قيل: سمّي القرآن مثاني لأنّ الأنباء و القصص تثنى فيه أو لاقتران آية الرحمة بآية العذاب (مجمع البحرين للطريحي مادّة «ثنا»).
(4) التوبة: 36.
278
فقال لي: التقط، و كل. فالتقطت و أكلت.
فقال: ضمّ كلّ ما سقط من هذا الرطب، و اهده إلى مخلصي شيعتنا، الّذين أوجب اللّه لهم الجنّة، فلا يحلّ هذا الرطب إلّا لهم، فاهد إلى كلّ نفس منهم واحدة.
قال المفضّل: فضممت ذلك الرطب، و ظننت أنّي لا اطيق حمله، فخفّ حتّى حملته إلى منزلي، و فرّقته فيمن أمرني به ممّن هو بالكوفة،
فخرج بأعدادهم، لا يزيد رطبة و لا ينقص رطبة.
فرجعت إليه، فقال لي: اعلم يا مفضّل! إنّ هذه النخلة تطاولت و انبسطت في هذه الدنيا، فلم يبق مؤمن و لا مؤمنة من شيعتنا بالكوفة و غيرها بمقدار مضيّك إلى منزلك و رجوعك إلينا إلّا و قد وصل إليهم منها، فهذا فضل من اللّه أعظم إلى جدّنا محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)،
و إنّ الكتب من شيعتنا سترد إلينا و إليك من طول رطبة.
قال المفضّل: فلم تزل الكتب ترد عليه من سائر الشيعة من سائر الدنيا بذلك؛
فعرفت عددهم من كتبهم. (1)
(2) الخرائج و الجرائح: يأتي ص 374 ضمن حديث 2، و فيه:
ثمّ سار (عليه السلام) حتّى انتهى إلى موضع فيه نخلة يابسة فدنا منها، فقال: أيّتها النخلة! أطعمينا ممّا جعل اللّه فيك. فانتثرت رطبا جنيّا. (2)
2- باب معجزته (عليه السلام) في العنب
الأخبار، الأصحاب:
1- كشف الغمّة: عن محمّد بن طلحة، قال: قال ليث بن سعد:
حججت سنة ثلاث عشرة و مائة (3)، فأتيت مكّة، فلمّا صلّيت العصر، رقيت أبا قبيس، و إذا أنا برجل جالس، و هو يدعو، فقال: يا ربّ يا ربّ، حتّى انقطع نفسه؛
____________
(1) 255، عنه إثبات الهداة: 5/ 452 ح 224، و مدينة المعاجز: 422 ح 255.
(2) يأتي ص 372، و ص 375 ضمن ح 1 ما يناسب المقام.
(3) ذكره في سير أعلام النبلاء: 8/ 137.
277
عليّ، عليّ بن محمّد، الحسن بن عليّ، الخلف الحجّة.
ثمّ قال: يا داود أ تدري متى كتب هذا في هذا؟ قلت: اللّه أعلم و رسوله و أنتم.
فقال: قبل أن يخلق اللّه آدم بألفي عام. (1)
استدراك (1) الهداية الكبرى: بإسناده عن المفضّل بن عمر الجعفي، عن سيّدنا أبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام)، و هو جالس على بساط أحمر في وسط داره؛
و أنا أقول: إن كان داود اوتي ملكا عظيما، فالّذي أوتيه محمّد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أهل بيته (عليهم السلام) أعظم و أجلّ، و قلت في نفسي:
اللهمّ إنّي ما أشكّ في حجّتك على خلقك، و أمّا جعفر فبيّن لي فيه آية تزيدني ثباتا و يقينا.
فرفع رأسه إليّ و قال: قد اوتيت سؤلك يا موسى (2)؛
يا مفضّل! ناولني النواة، و أشار بيده إلى نواة في جانب الدار، فأخذتها و ناولته إيّاها؛ فجمع سبّابته عليها، و غمرها في الأرض، فغيّبها و دعا بدعوات، سمعته يقول:
«اللهمّ فالق الحبّ و النوى» و لم أسمع الباقي، و إذا تلك النواة نبتت نخلة، و أخذت تعلو حتّى صارت بإزاء علوّ الدار، ثمّ حملت حملا حسنا، و تهدّلت و نارت (3) و رطبت، و أنا أنظر إليها، فقال لي: يا مفضّل! اهززها. فهززتها، فنثرت علينا في الدار رطبا جنيّا، ليس ممّا رأى الناس و لا عرفوه، و لا أكلوا أصفى منه، و هو أصفى من الجوهر، و أعطر من روائح المسك و العنبر توري [الرطبة مثل ما توري] المرآة.
____________
(1) 87 ح 18، عنه البحار: 24/ 243 ح 4، و ج 47/ 141 ح 193، و البرهان: 2/ 123 ح 2، و مدينة المعاجز: 167 ح 47 و 383 ح 84 و رواه في تأويل الآيات: 1/ 203 ح 12، عنه البحار: 36/ 400 ح 10، و إثبات الهداة: 5/ 449 ح 217 و رواه في مقتضب الأثر: 30، بإسناده إلى داود بن كثير الرقّي، عنه الصراط المستقيم: 2/ 157.
(2) إشارة إلى قوله تعالى في سورة طه: 36 قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى.
(3) «بسرت» مدينة المعاجز.
279
ثمّ قال: ربّ ربّ، حتّى انقطع نفسه؛
ثمّ قال: يا اللّه يا اللّه، حتّى انقطع نفسه؛
ثمّ قال: يا حيّ يا حيّ، حتّى انقطع نفسه؛
ثمّ قال: يا رحيم يا رحيم، حتّى انقطع نفسه؛
ثمّ قال: يا أرحم الراحمين- حتّى انقطع نفسه- سبع مرّات؛
ثمّ قال: اللهمّ إنّي أشتهي من هذا العنب فأطعمنيه، اللهمّ و إنّ برديّ قد أخلقا (1).
قال الليث: فو اللّه ما استتمّ كلامه حتّى نظرت إلى سلّة مملوّة عنبا- و ليس على الأرض يومئذ عنب- و بردين جديدين موضوعين، فأراد أن يأكل فقلت له: أنا شريكك.
فقال لي: و لم؟ فقلت: لأنّك كنت تدعو، و أنا أؤمّن؛
فقال لي: تقدّم فكل و لا تخبّأ شيئا. فتقدّمت فأكلت شيئا لم آكل مثله قطّ، و إذا عنب لا عجم (2) له فأكلت حتّى شبعت، و السلّة لم تنقص.
ثمّ قال لي: خذ أحد البردين إليك. فقلت: أمّا البردان، فإنّي غنيّ عنهما.
فقال لي: توار عنّي حتّى ألبسهما، فتواريت عنه فاتّزر بالواحد، و ارتدى بالآخر، ثمّ أخذ البردين الّذين كانا عليه، فجعلهما على يده و نزل، فاتّبعته، حتّى إذا كان بالمسعى لقيه رجل، فقال: اكسني كساك اللّه. فدفعهما إليه؛ فلحقت الرجل، فقلت: من هذا؟
قال: هذا جعفر بن محمّد. قال الليث: فطلبته لأسمع منه، فلم أجده؛
فيا لهذه الكرامة ما أسناها! و يا لهذه المنقبة ما أعظم صورتها و معناها. (3)
____________
(1) البرد: ثوب مخطط. أيضا: كساء من الصوف يلتحف به، و أخلق الثوب: بلي.
(2) العجم: نوى التمر، كلّ ما كان في جوف مأكول كالزبيب، يقال: ليس لهذا العنب عجم.
(3) 2/ 160 و 202، عنه البحار: 47/ 141 ح 194، و إثبات الهداة: 5/ 426 ح 171، و أخرجه في البحار: 95/ 158 ح 9، عن مناقب آل أبي طالب: 3/ 359. و أخرجه في ملحقات إحقاق الحقّ:
12/ 238 و ص 239 عن مناقب ابن المغازلي، و مطالب السئول: 83، و جامع كرامات الأولياء:
2/ 5، و مفتاح النجا: 168 و إسعاف الراغبين: 250، و الصواعق المحرقة: 121، و التذكرة لابن الجوزي: 354، و صفة الصفوة: 2/ 173، و المختار لابن الأثير: 18، و وسيلة النجاة: 355، و وسيلة المآل: 10 بألفاظ و أسانيد شتّى.
280
أقول: ثمّ قال عليّ بن عيسى:
حديث الليث مشهور، و قد ذكره جماعة من الرواة و نقلة الحديث؛
و أوّل ما رأيته في كتاب المستغيثين تأليف الفقيه العالم أبي القاسم خلف بن عبد الملك ابن مسعود بن بشكوال (1) (رحمه اللّه)، و هذا الكتاب قرأته على الشيخ العدل رشيد الدين أبي عبد اللّه محمّد بن أبي القاسم بن عمر بن أبي القاسم، و هو قرأه على الشيخ العالم محيي الدين استاذ دار الخلافة أبي محمّد يوسف بن الشيخ أبي الفرج ابن الجوزي، و هو يرويه عن مؤلّفه، إجازة و كانت قراءتي في شعبان من سنة ستّ و ثمانين و ستّمائة، بداري المطلّة على دجلة ببغداد، عمّرها اللّه تعالى؛
و قد أورد هذا الحديث جماعة من الأعيان، و ذكره الشيخ الحافظ أبو الفرج ابن الجوزيّ (رحمه اللّه) في كتابه صفة الصفوة، و كلّهم يرويه عن الليث، و كان ثقة معتبرا. (2)
3- باب معجزته (عليه السلام) في العنب و الرمّان
الأخبار، الأصحاب:
1- المناقب لابن شهرآشوب، و الخرائج و الجرائح:
روي أنّ داود بن كثير الرقّي، قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فدخل عليه موسى ابنه، و هو ينتفض [من البرد]؛
فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): كيف أصبحت؟ قال: أصبحت في كنف (3) اللّه، متقلّبا في نعم (رحمة، خ) اللّه، أشتهي عنقود عنب جرشي (4) و رمّانة [خضراء].
____________
(1) في كتاب هداية العارفين: 349: خلف بن عبد الملك بن مسعود بن بشكوال الخزرجي الإمام أبو القاسم القرطبي الأندلسي المالكي الفقيه المؤرّخ، ولد سنة 494، و توفّي سنة 578، صنّف من الكتب أخبار ابن عيينة ... المستغيثين باللّه عند الحاجات و المهمّات و المتضرّعين إليه سبحانه و تعالى بالرغبات و الدعوات.
(2) 2/ 160، عنه البحار: 47/ 142، و إثبات الهداة: 5/ 427.
(3) الكنف- بالتحريك-: الحرز.
(4) و الظاهر أنّه منسوب إلى «جرش» بالفتح: موضع، و بالتحريك بلدة بالاردن. و جرش، بالضمّ، ثمّ الفتح و الشين معجمة: من مخاليف اليمن من جهة مكّة (مراصد الاطّلاع: 1/ 326).
281
قلت: سبحان اللّه هذا الشتاء!!
فقال: يا داود! إنّ اللّه قادر على كلّ شيء، ادخل البستان.
[فدخلته] فإذا شجرة عليها عنقود من عنب جرشي و رمّانة [خضراء]، فقلت:
آمنت بسرّكم و علانيتكم [فقطعتهما] و أخرجتهما إلى موسى، فقعد يأكل، فقال:
يا داود! و اللّه لهذا أفضل من رزق قديم، خصّ اللّه به مريم بنت عمران من الافق الأعلى. (1)
4- باب معجزته (عليه السلام) في العنب و الرطب [باجابته دعائه (عليه السلام)]
الأخبار، الأصحاب:
1- المزار الكبير لمحمّد بن المشهدي: بإسناده، عن سفيان الثوري، قال:
سمعت الصادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام) و هو بعرفة، يقول:
«اللهمّ اجعل خطواتي هذه الّتي خطوتها في طاعتك، كفّارة لما خطوتها في معصيتك» و ساق الدعاء إلى قوله:
«و أنا ضيفك فاجعل قراي (2) الجنّة، و أطعمني عنبا و رطبا».
قال سفيان: فو اللّه لقد هممت أن أنزل و أشتري له تمرا و موزا، و أقول له: هذا عوض العنب و الرطب، فإذا أنا بسلّتين مملوءتين قد وضعتا بين يديه و إحداهما رطب، و الاخرى عنب، (تمام الخبر). (3)
____________
(1) ...، 2/ 617 ح 16، عنهما البحار: 47/ 100 ح 119.
و أورده في «الثاقب في المناقب: 420 ح 3».
(2) القرى: الضيافة.
(3) 194، عنه البحار: 47/ 161.
و أخرجه في إثبات الهداة: 5/ 409 ح 142، و مدينة المعاجز: 406 ح 182 عن الخرائج.
282
3- أبواب معجزاته (عليه السلام) في الجبال
1- باب معجزته (عليه السلام) في الجبال و إقبالها عليه
الأخبار، الأصحاب:
1- الاختصاص: الحسن بن عليّ الزيتوني، و محمّد بن أحمد بن أبي قتادة، عن أحمد بن هلال، عن ابن محبوب، عن الحسن بن عطيّة، قال:
كان أبو عبد اللّه (عليه السلام) واقفا على الصفا، فقال له عبّاد البصري (1): حديث يروى عنك.
قال: و ما هو؟ قال: قلت: حرمة المؤمن أعظم من حرمة هذه البنيّة.
قال: قد قلت ذلك، إنّ المؤمن لو قال لهذه الجبال: أقبلي، أقبلت.
قال: فنظرت إلى الجبال قد أقبلت.
فقال لها: على رسلك، إنّي لم اردك. (2)
2- باب آخر [في إطاعة الجبال لأمره (عليه السلام)]
الأخبار، الأصحاب:
1- الخرائج و الجرائح: روي أنّ عبد الرحمن بن الحجّاج، قال:
كنت مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) بين مكّة و المدينة، و هو على بغلة و أنا على حمار، و ليس معنا أحد، فقلت: يا سيّدي! ما علامة الإمام؟
قال: يا عبد الرحمن! لو قال لهذا الجبل: سر، لسار.
فنظرت- و اللّه- إلى الجبل يسير، فنظر إليه، فقال: إنّي لم أعنك. (3)
____________
(1) الظاهر أنّه عبّاد بن كثير الثقفي البصري نزيل مكة (سير أعلام النبلاء: 7/ 106).
(2) 320، عنه البحار: 47/ 89 ح 95.
(3) 2/ 621 ح 20، و عنه البحار: 47/ 101 ح 123، و إثبات الهداة: 5/ 410 ح 144، و أورده في الصراط المستقيم: 2/ 188 ح 17 مرسلا باختصار، عنه إثبات الهداة: 5/ 460 ح 25.
283
3- باب آخر، على وجه آخر [في معرفته (عليه السلام) بحال الجبال]
الأخبار، الأصحاب:
1- المناقب لابن شهرآشوب: محمّد بن الفيض، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال أبو جعفر الدوانيقي للصادق (عليه السلام): تدري ما هذا؟ قال: و ما هو؟
قال: جبل هناك يقطر منه في السنة قطرات فتجمد، فهو جيّد للبياض يكون في العين، يكحّل به فيذهب بإذن اللّه.
قال: نعم أعرفه، و إن شئت أخبرتك باسمه و حاله، هذا جبل كان عليه نبيّ من أنبياء بني إسرائيل هاربا من قومه، فعبد اللّه عليه، فعلم قومه فقتلوه، فهو يبكي على ذلك النبيّ، و هذه القطرات من بكائه له، و من الجانب الآخر عين تنبع من ذلك الماء بالليل و النهار، و لا يوصل إلى تلك العين. (1)
____________
(1) 3/ 362، عنه البحار: 47/ 136 ح 186، و ج 60/ 238 ح 77.
284
4- أبواب معجزاته (عليه السلام) في البحار و الجبّ و الأنهار
1- باب معجزته (عليه السلام) في البحر
الأخبار، الأصحاب:
1- بصائر الدرجات: أحمد بن محمّد، عن جعفر بن محمّد بن مالك الكوفيّ، عن محمّد بن عمّار، عن أبي بصير، قال:
كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فركض (1) برجله الأرض، فإذا بحر فيه سفن من فضّة، فركب و ركبت معه، حتّى انتهى إلى موضع فيه خيام من فضّة، فدخلها ثمّ خرج؛
فقال: رأيت الخيمة الّتي دخلتها أوّلا؟ فقلت: نعم.
قال: تلك خيمة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و الاخرى خيمة أمير المؤمنين (عليه السلام)، و الثالثة خيمة فاطمة (عليها السلام)، و الرابعة خيمة خديجة (عليها السلام)، و الخامسة خيمة الحسن (عليه السلام)، و السادسة خيمة الحسين (عليه السلام)، و السابعة خيمة عليّ بن الحسين (عليه السلام)، و الثامنة خيمة أبي (عليه السلام)، و التاسعة خيمتي، و ليس أحد منّا يموت إلّا و له خيمة يسكن فيها. (2)
2- باب آخر، و هو من الأوّل
الأخبار، الأصحاب:
1- عيون المعجزات المنسوب إلى السيّد المرتضى (3) رضي اللّه عنه: عن عليّ بن مهران، عن داود بن كثير الرقّي، قال:
كنّا في منزل أبي عبد اللّه (عليه السلام) و نحن نتذاكر فضائل الأنبياء (عليهم السلام) فقال (عليه السلام) مجيبا لنا:
و اللّه ما خلق اللّه نبيّا إلّا و محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أفضل منه، ثمّ خلع خاتمه، و وضعه على الأرض
____________
(1) الركض: الضرب بالرجل و الإصابة بها.
(2) 405 ح 5، عنه البحار: 47/ 91 ح 97، و ج 57/ 328 ح 8.
و رواه في دلائل الإمامة: 135 بإسناده إلى أبي بصير، عنه مدينة المعاجز: 391 ح 135.
(3) كذا، و مؤلّفه الحسين بن عبد الوهّاب.
285
و تكلّم بشيء، فانصدعت الأرض و انفرجت بقدرة اللّه عزّ و جلّ؛
فإذا نحن ببحر عجّاج (1)، في وسطه سفينة خضراء من زبرجدة خضراء، في وسطها قبّة من درّة بيضاء، حولها دار خضراء، مكتوب عليها «لا إله إلّا اللّه، محمّد رسول اللّه، عليّ أمير المؤمنين، بشّر القائم فإنّه يقاتل الأعداء، و يغيث المؤمنين، و ينصره عزّ و جلّ بالملائكة في عدد نجوم السماء».
ثمّ تكلّم (صلوات اللّه عليه) بكلام، فثار ماء البحر، و ارتفع مع السفينة، فقال:
ادخلوها، فدخلنا القبّة الّتي في السفينة، فإذا فيها أربعة كراسي من ألوان الجواهر، فجلس هو على أحدها، و أجلسني على واحد، و أجلس موسى و إسماعيل (عليهما السلام) كلّ واحد منهما على كرسي، ثمّ قال (عليه السلام) للسفينة:
سيري بقدرة اللّه تعالى. فسارت في بحر عجّاج بين جبال الدرّ و اليواقيت.
ثمّ أدخل يده في البحر، و أخرج دررا و ياقوتا، فقال:
يا داود! إن كنت تريد الدنيا فخذ حاجتك.
فقلت: يا مولاي! لا حاجة لي في الدنيا. فرمى به في البحر، و غمس يده في البحر و أخرج مسكا و عنبرا، فشمّه و شمّمني، و شمّم موسى و إسماعيل (عليهما السلام)؛
ثمّ رمى به في البحر، و سارت السفينة حتّى انتهينا إلى جزيرة عظيمة [فيما] بين ذلك البحر، و إذا فيها قباب من الدرّ الأبيض، مفروشة بالسندس و الاستبرق (2)، عليها ستور الارجوان (3)، محفوفة بالملائكة؛
فلمّا نظروا إلينا، أقبلوا مذعنين له بالطاعة، مقرّين له بالولاية؛
فقلت: مولاي! لمن هذه القباب؟ فقال: للأئمّة من ذريّة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)؛
كلّما قبض إمام صار إلى هذا الموضع، إلى الوقت المعلوم، الّذي ذكره اللّه تعالى.
ثمّ قال (عليه السلام): قوموا بنا حتّى نسلّم على أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقمنا و قام، و وقفنا بباب
____________
(1) أي كثير الماء، كأنّه يعجّ من كثرته و صوت تدفّقه.
(2) السندس: ما رقّ من الديباج. و الاستبرق: هو ثخين الديباج.
(3) الارجوان- بضمّ الهمزة و سكون الجيم-: ورد أحمر شديد الحمرة يصبغ به.
287
به، فوثبت و فتحت عيني و أنا على شاطئ الجال (1) مسيرة أربعة أيّام من مدينة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فصلّى (عليه السلام) و تفل في البحر، فتشقّقت أمواجه، فضجّ بالشهادتين و الإقرار بعليّ و أولاده الأئمّة، و خرج شيء رافع رأسه كالجبل، و قال: أنا «زاليخا» حوت يونس.
فقال (عليه السلام): لأيّ شيء حبس يونس فيك؟ فقال: عرضت ولايتكم عليه، فقال: لا أقدر على حملها، فحبس فيّ، و كان يسبّح بحقّ محمّد و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين.
فقال (عليه السلام): يا رقّي! ثب. فقمت و تركت الرجل، فدخل عليه بعد أربعة أيّام، و قال:
لم يكن خلق أبغض إليّ منك، و الآن فما خلق أحبّ إليّ منك، فهل من توبة؟
فقال (عليه السلام): من تاب، تاب اللّه عليه. (2)
(3) الثاقب في المناقب: عن داود الرقّي، قال:
خرجت مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) حاجّا إلى مكّة، و نحن نتساير ذات يوم في أرض سبخة إذ دخل علينا وقت الصلاة، فقال: هلمّ بنا إلى هذا الجانب لنتطهّر و نصلّي.
فقلت: إنّها أرض سبخة لا ماء فيها! فقال: أطع إمامك! فملت، و سرنا ما شاء اللّه؛
فإذا نحن بعين فوّارة، و ماء بارد عذب، و أشجار خضر، فنزلنا و تطهّرنا و صلّينا و شربنا، و أروينا رواحلنا، و ملأنا سقاءنا، و قمنا و مضينا، فلمّا سرنا غير بعيد قال لي:
يا داود! هل تعرف الموضع الّذي كنّا فيه؟ قلت: نعم، يا ابن رسول اللّه.
قال: فاذهب و جئني بسيفي فقد علّقته على الشجرة فوق العين و نسيته.
فمضيت إليه، فوجدت السيف معلّقا على الشجرة، و ما رأيت أثرا من العين، و لا من الأشجار الخضر، و إنّما هي أرض سبخة لا عهد للماء فيها. (3)
***
____________
(1) الجول: ناحية البئر و البحر و الجبل و جانبها كالجيل و الجال، قاله الفيروزآبادي في «جال».
(2) 2/ 133، عنه إثبات الهداة: 5/ 459 ح 250. يأتي ص 310.
(3) 420 ح 354، عنه مدينة المعاجز: 415 ح 234.
و يأتي في ص 311 ح 1 ما يناسب المقام، و كذلك ص 313 ح 1 عن الاختصاص.
286
احدى القباب المزيّنة، و هي أجلّها و أعظمها، و سلّمنا على أمير المؤمنين (عليه السلام) و هو قاعد فيها، ثمّ عدل إلى قبّة اخرى، و عدلنا معه، فسلّم على الحسن بن عليّ (عليهما السلام)، و عدلنا منها إلى قبّة بإزائها فسلّمنا على الحسين بن عليّ (عليهما السلام)، ثمّ على عليّ بن الحسين (عليهما السلام)، ثمّ على محمّد بن عليّ (عليه السلام)، كلّ واحد منهم في قبّة مزيّنة مزخرفة.
ثمّ عدل إلى بنيّة بالجزيرة، و عدلنا معه، و إذا فيها قبّة عظيمة من درّة بيضاء مزيّنة بفنون الفرش و الستور، و إذا فيها سرير من ذهب مرصّع بأنواع الجوهر؛
فقلت: يا مولاي! لمن هذه القبّة؟
فقال: للقائم منّا أهل البيت، صاحب الزمان.
ثمّ أومأ بيده، و تكلّم بشيء، و إذا نحن فوق الأرض بالمدينة في منزل أبي عبد اللّه جعفر ابن محمّد الصادق (عليه السلام) و أخرج خاتمه و ختم الأرض بين يديه فلم أر فيها صدعا و لا فرجة. (1)
استدراك (1) دلائل الإمامة: قال أبو جعفر: و حدّثنا أبو محمّد، قال: حدّثنا عمارة بن زيد، قال: حدّثنا إبراهيم بن سعيد، قال:
رأيت الصادق (عليه السلام) و قد جيء إليه بسمك مملوح، فمسح يده على سمكة، فمشت بين يديه، ثمّ ضرب بيده إلى الأرض، فإذا دجلة و الفرات تحت قدميه، ثمّ أرانا سفن البحر؛
ثمّ أرانا مطلع الشمس و مغربها بأسرع من لمح البصر. (2)
(2) الصراط المستقيم: أسند النيشابوري في أماليه إلى الرقّي أنّه دخل على الصادق (عليه السلام) رجل و قال: ما أكذبكم!
تقولون: عرض اللّه ولايتكم على يونس، فلمّا استثقلها حبسه في بطن الحوت.
فقال (عليه السلام): يا رقّي! خذ بيد الرجل وضع يدك على عينيه، و الاخرى على عينيك، وثب
____________
(1) 92، عنه البحار: 47/ 159 ح 227، و مدينة المعاجز: 373 ح 42.
و أورده في الصراط المستقيم: 2/ 133، عنه إثبات الهداة: 5/ 459 ح 251.
(2) 113، عنه إثبات الهداة: 5/ 453 ح 228، و مدينة المعاجز: 357 ح 6. يأتي ص 355 ح 1.
288
3- باب معجزته (عليه السلام) في الجبّ
الأخبار، الأصحاب:
1- بصائر الدرجات: موسى بن الحسن (1)، عن أحمد بن الحسن، عن أحمد بن إبراهيم، عن عبد اللّه بن بكير، عن عمر بن توبة (2)، عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: كان معه أبو عبد اللّه البلخي في سفر، فقال له:
انظر هل ترى هاهنا جبّا؟ فنظر البلخي يمنة و يسرة، ثمّ انصرف، فقال: ما رأيت شيئا.
قال: بلى، انظر. فعاد أيضا، ثمّ رجع إليه.
ثمّ قال (عليه السلام) بأعلى صوته: ألا يا أيّها الجبّ الزاخر السامع المطيع لربّه اسقنا ممّا جعل اللّه فيك. قال: فنبع منه أعذب ماء، و أطيبه و أرقّه و أحلاه.
فقال له البلخيّ: جعلت فداك، سنّة فيكم كسنّة موسى. (3)
4- باب آخر، معجزته (عليه السلام) في إخراج الماء من الأرض
الأخبار، الأصحاب:
1- فرحة الغريّ: عبد الرحمن بن أحمد الحربي، عن عبد العزيز بن الأخضر، عن أبي الفضل بن ناصر، عن محمّد بن عليّ بن ميمون، عن محمّد بن عليّ بن الحسين العلوي، عن محمّد بن عبد اللّه بن الحسين الجعفي، و محمّد بن الحسين بن غزال، عن عليّ بن الحسن (4) بن قاسم، عن محمّد بن معروف الهلالي، قال:
____________
(1) هو الخشّاب الذي يروي عنه الصفّار، و هذا السند برواية موسى، و كما يروي عن أحمد بن الحسن ابن عليّ بن فضّال، و في البصائر وحيد.
(2) «يزيد» م، كلاهما وارد؛
و ذكر في معجم رجال الحديث: 10/ 131 في ترجمة عبد اللّه بن بكير أنّه يروي عن عمر بن يزيد.
(3) 512 ح 28، عنه البحار: 47/ 93 ح 104؛
و أورده في الخرائج و الجرائح: 2/ 777 ح 100، عنه إثبات الهداة: 5/ 393 ح 13.
(4) «الحسين م، ع، ب، و ما أثبتناه في رجال الشيخ: 481 فيمن لم يرو عنهم المعجم: 11/ 343.
289
مضيت الى الحيرة إلى جعفر بن محمّد (عليه السلام)، فما كان لي فيه حيلة من كثرة الناس، فلمّا كان اليوم الرابع رآني، فأدناني، و تفرّق الناس عنه، و مضى يريد قبر أمير المؤمنين (عليه السلام) فتبعته، و كنت أسمع كلامه و أنا معه أمشي، فحيث صار في بعض الطريق غمزه البول، فتنحّى عن الطريق، فحفر الرمل و بال، ثمّ نبش الرمل فحفر، فخرج له ماء فتطهّر للصلاة، و قام فصلّى ركعتين، فكان فيما كنت أسمعه يدعو، يقول:
«اللهمّ لا تجعلني ممّن تقدّم فمرق، و لا ممّن تخلّف فمحق، و اجعلني من النمط الأوسط (1)» ثمّ قال: يا غلام! لا تحدّث بما رأيت.
المناقب لابن شهرآشوب: عمر بن حمزة العلوي (بإسناده) عن محمّد بن معروف (2) الهلالي (مثله). (3)
____________
(1) قال ابن الأثير في النهاية: 5/ 119، في حديث عليّ (عليه السلام) «خير هذه الامّة النمط الأوسط».
النمط: الطريقة من الطرائق و الضرب من الضروب، يقال: ليس هذا من النمط: أي من ذلك الضرب، و النمط: الجماعة من الناس أمرهم واحد. كره عليّ الغلوّ و التقصير في الدين.
(2) «ميمون» م، ع، ب، و هو تصحيف للسند الأوّل و الهامش (راجع تنقيح المقال: 3/ 189).
(3) 58، 3/ 363، عنهما البحار: 47/ 93 ح 105؛
و رواه عليّ بن أسباط في نوادره ص 121 بأسناده إلى محمّد بن معروف الهلالي.
و رواه في دلائل الإمامة: 115 باسناده إلى محمّد بن معروف الهلالي (مثله).
عنه مدينة المعاجز: 365 و عن المناقب لابن شهرآشوب، و عن الثاقب في المناقب: 158 ح 8.
290
5- أبواب معجزاته (عليه السلام) في الطيور، و علمه بمنطق الطير
استدراك
(1) باب علمه (عليه السلام) بمنطق الطير
(1) بصائر الدرجات: حدّثنا عليّ بن إسماعيل، عن محمّد بن عمرو الزيّات، عن أبيه [، عن] الفيض بن المختار، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول:
إنّ سليمان بن داود، قال: «علّمنا منطق الطير و اوتينا من كلّ شيء»؛
و قد- و اللّه- علّمنا منطق الطير، و علم كلّ شيء. (1)
*** 2- باب جوامع معجزاته (عليه السلام) في الطيور، و إراءته إحياء أربعة من الطير
الأخبار، الأصحاب:
1- الخرائج و الجرائح: روي عن يونس بن ظبيان، قال: كنت عند الصادق (عليه السلام) مع جماعة، فقلت: قول اللّه تعالى لإبراهيم: فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ (2)؛
أ كانت أربعة من أجناس مختلفة، أو من جنس [واحد]؟.
قال: أ تحبّون أن اريكم مثله؟ قلنا: بلى.
قال: يا طاوس! فإذا طاوس طار إلى حضرته، ثمّ قال: يا غراب! فإذا غراب بين يديه، ثمّ قال: يا بازي! فإذا بازي بين يديه، ثمّ قال: يا حمامة! فإذا حمامة بين يديه؛
ثمّ أمر بذبحها كلّها، و تقطيعها و نتف ريشها، و أن يخلط ذلك كلّه بعضه ببعض؛
ثمّ أخذ برأس الطاوس، [فقال: يا طاوس] فرأينا لحمه و عظامه و ريشه يتميّز من غيرها حتّى التزق ذلك كلّه برأسه، و قام الطاوس بين يديه حيّا.
____________
(1) 344 ح 17، عنه البحار: 27/ 264 ح 11 و عن الاختصاص: 287.
تقدّم في عوالم الإمامة (المجلّد: 18) في أبواب علومهم (عليهم السلام) و ما عندهم ... ما يناسب المقام.
(2) البقرة: 260.
291
ثمّ صاح بالغراب كذلك، و بالبازي و الحمامة مثل ذلك؛
فقامت كلّها أحياء بين يديه. (1)
استدراك (1) الخرائج و الجرائح: الحسين بن زيد، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):
أخبرني عن قوله تعالى لإبراهيم أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ (2) قال: أ تحبّ أن اريك مثل ذلك.
قلت: نعم. فأخذ السكّين و قام، فذبح حمامة و غرابا و طاوسا و بازا، ثم قطّعهنّ و خلطهنّ ثمّ ناداهنّ، فرأيت بعضها تصير إلى [بعض] حتّى عادت كهيئتها. (3)
(2) الصراط المستقيم: قال له جماعة: أحيى إبراهيم (عليه السلام) الطيور؟!
قال (عليه السلام): أ فتحبّون أن اريكم مثله؟ قالوا: بلى.
فدعا طاوسا و غرابا و بازا و حمامة، فطارت بين يديه، فأمرهم بذبحها و تقطيعها و خلطها، ففعلوا، ثمّ أخذ برءوسها و دعاها، فقامت أحياء. (4)
*** 3- باب معجزته (عليه السلام) في الحمام بخصوصه
الأخبار، الأصحاب:
1- بصائر الدرجات: أحمد بن محمّد، عن أحمد بن يوسف، عن [عليّ بن] داود الحدّاد (5)، عن فضيل بن يسار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:
كنت عنده إذ نظرت إلى زوج حمام عنده فهدر (6) الذكر على الانثى؛
____________
(1) 1/ 297 ح 4، و في هامشه تخريجات الحديث.
(2) البقرة: 260.
(3) 2/ 622 ح 22.
(4) 2/ 186 ح 4، و أورد نحوه في ملحقات إحقاق الحقّ: 12/ 257 عن وسيلة النجاة: 357 مرسلا.
(5) ترجم له في تنقيح المقال: 2/ 288 و جامع الرواة: 1/ 578.
(6) هدر الحمام: قرقر و كرّر صوته في حنجرته.
292
فقال لي: أ تدري ما يقول؟ قلت: لا. قال: يقول:
يا سكني و عرسي! ما خلق أحبّ إليّ منك، إلّا أن يكون مولاي جعفر بن محمّد (عليهما السلام). (1)
2- المناقب لابن شهرآشوب: معتّب (2) قال لأبي عبد اللّه (عليه السلام)- و رآه يضحك في بيته-:
جعلت فداك لست أدري بأيّهما أنا أشدّ سرورا، بجلوسك في بيتي أو بضحكك؟
قال: إنّه هدر الحمام الذكر على الانثى، فقال: أنت سكني و عرسي، و الجالس على الفراش أحبّ إليّ منك، فضحكت من قوله.
و هذا المعنى رواه الفضيل بن يسار (3) في حديث برد الإسكاف، أنّ الطير قال:
يا سكني و عرسي ما خلق اللّه خلقا أحبّ إليّ منك؛
و ما حرصي عليك هذا الحرص إلّا طمعا أن يرزقني اللّه ولدا منك يحبّون أهل البيت. (4)
استدراك (1) الكافي: عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن الجاموراني، عن ابن أبي حمزة، عن صندل، عن داود بن فرقد، قال:
كنت جالسا في بيت أبي عبد اللّه (عليه السلام) فنظرت إلى حمام راعبي (5) يقرقر طويلا؛
فنظر إليّ أبو عبد اللّه (عليه السلام) فقال: يا داود! تدري ما يقول هذا الطير؟
قلت: لا و اللّه، جعلت فداك.
____________
(1) 342 ح 4، عنه البحار: 47/ 85 ح 80؛
و رواه في دلائل الإمامة: 134 بإسناده إلى الفضيل بن يسار (مثله)، و الاختصاص: 286، عنه البحار: 27/ 269 ح 21، و أخرجه في مدينة المعاجز: 390 ح 102، عن المصادر أعلاه.
(2) «مغيث» م، ب. و معتّب هو مولى أبي عبد اللّه (عليه السلام) عدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق (عليه السلام) ترجم له في تنقيح المقال: 3/ 227، و جامع الرواة: 2/ 246.
(3) «الفضل بن بشّار» ع، ب و هو تصحيف.
(4) 3/ 346، عنه البحار: 47/ 124 ح 174، و مدينة المعاجز: 411 ح 206.
(5) الراعبي: جنس من الحمام و الانثى راعبيّة.
و قيل: متولّد بين الورشان و الحمام، و قيل: طائر متولّد بين الفاختة و الحمام.
293
قال: يدعو على قتلة الحسين (عليه السلام) فاتّخذوه في منازلكم. (1)
*** 4- باب معجزته (عليه السلام) في الغراب
الأخبار، الأصحاب:
1- بصائر الدرجات: أحمد بن محمّد، عن الأهوازي، و البرقي (2)، عن النضر، عن يحيى الحلبي، عن ابن مسكان، عن عبد اللّه بن فرقد، قال: خرجنا مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) متوجّهين إلى مكّة، حتّى إذا كنّا بسرف (3) استقبله غراب ينعق في وجهه، فقال:
مت جوعا، ما تعلم شيئا إلّا و نحن نعلمه، إلّا أنا أعلم باللّه منك.
فقلنا: هل كان في وجهه شيء؟ قال: نعم، سقطت ناقة بعرفات (4).
و منه: محمّد بن الحسين، عن داود بن فرقد، عن عبد اللّه (مثله) إلى قوله «باللّه منك».
المناقب لابن شهرآشوب: ابن فرقد (مثله). (5)
5- باب معجزته (عليه السلام) في الورشان (6)
الأخبار: م:
1- المناقب لابن شهرآشوب: و روي أنّه (عليه السلام) قال:
____________
(1) 6/ 547 ح 10، عنه الوسائل: 8/ 379 ح 1، و تقدّم في عوالم الإمام الحسين (عليه السلام): 17/ 491 ح 5 عن كامل الزيارات.
(2) «عن البرقي» خ ل. يأتي نظير السند ص 296 ح 3.
(3) سرف: موضع على ستة أميال من مكّة (مراصد الاطلاع: 2/ 708).
(4) «بقرب الفرات» خ ل.
(5) 345 ح 21، 343 ح 10، 3/ 346، عنها البحار: 47/ 85 ح 81؛
و رواه في دلائل الامامة: 135، باسناده عن ابن مسكان (مثله)؛
و أورده في الخرائج و الجرائح: 2/ 834 ضمن ح 50 بالإسناد عن الصفّار (مثله).
(6) الورشان: نوع من الحمام البري أكدر اللون، فيه بياض فوق ذنبه.
294
يقول الورشان: قدّستم، قدّستم. (1)
استدراك (1) بصائر الدرجات: يأتي الحديث في معجزته (عليه السلام) في الفاختة (ص 296 ح 4) و فيه: و أمّا الورشان فيقول: قدّستم، قدّستم، فوهبه لبعض أصحابه ... (الخبر).
*** 6- باب معجزته (عليه السلام) في الفاختة
الأخبار الأصحاب:
1- بصائر الدرجات ... (2)
____________
(1) 3/ 346، عنه البحار: 47/ 125 ضمن ح 174.
(2) 344 ح 15، أورده المصنّف هنا، و هو يتضمّن معجزة للإمام الباقر (عليه السلام) دون الصادق (عليه السلام)، كما أورد (مثله) بهذا السند باختلاف في ج 19/ 96 ح 1، عن الكافي، و بما أنّ الحديث كيف كان لا يرتبط بمعجزة للإمام الصادق (عليه السلام)، فالأولى إلحاقه بما تقدّم، و لكن نورده هنا حفظا للأمانة.
و سنورد لفظ البصائر أوّلا و ما يقابله في الكافي مشيرين إلى الاختلاف و صحيحه:
( «أحمد بن محمّد، عن سعيد بن جناح، عن ابن أبي عمير، عن حفص بن البختري، عن بعض أصحابنا، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمع (سمعت/ خ) فاختة تصيح من دار أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال:
أ تدرون ما تقول هذه الفاختة؟ قال: قلت: لا.
قال: تقول «فقدتكم» أما إنّا لنفقدنّها قبل أن تفقدنا. قال: فأمر بها، فذبحت».
و اللفظ في الكافي: 6/ 551 ح 1، هكذا: «... عن حفص بن البختري، عن رجل، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: كانت في دار أبي جعفر (عليه السلام) فاختة، فسمعها يوما و هي تصيح، فقال ...».
أقول: و ظنّي أنّ نسخة البصائر لا تخلو من شيء، فإنّ قوله «عن أبي جعفر، قال» يرجع ضمير «قال» ابتداء إلى أبي جعفر (عليه السلام) و لكن يقتضي سياق الكلام أن يقول بعد ذلك «فقلت».
و أمّا إن رجع الضمير إلى «بعض أصحابنا» بقرينة ما ذكر، فالكلام صحيح و موافق للكافي؛
و المعنى أنّ الراوي يقول:
إنّ أبا جعفر سمع من داره أو دار أبي عبد اللّه (عليهما السلام) فقال ...، و يأتي في الحديث التالي عن حفص بن البختري، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (مثله) بإجمال من غير ذكر أبي جعفر (عليه السلام).
295
2- المناقب لابن شهرآشوب: داود بن فرقد، و عبد اللّه بن سنان، و حفص بن البختري (1)، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه سمع فاختة تصيح في داره؛
فقال: تدرون ما تقول هذه الفاختة؟ قلنا: لا.
قال: تقول: فقدتكم فقدتكم، فافقدوها قبل أن تفقدكم.
و روى عمر (2) الأصفهاني عنه (عليه السلام) مثل ذلك في صوت الصلصل (3). (4)
استدراك (1) الكافي: عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن بكر بن صالح، عن محمّد بن أبي حمزة، عن عثمان الأصفهاني، قال: أهديت إلى إسماعيل بن أبي عبد اللّه (عليه السلام) صلصلا، فدخل أبو عبد اللّه (عليه السلام) فلمّا رآها، قال: هذا الطير المشؤوم أخرجوه، فإنّه يقول:
فقدتكم فقدتكم، فافقدوه قبل أن يفقدكم.
بصائر الدرجات: عن أحمد بن محمّد (مثله). (5)
(2) الكافي: عنه، عن الجاموراني، عن ابن أبي حمزة، عن سيف بن عميرة، عن إسحاق بن عمّار، عن أبي بصير، قال:
دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال لي: يا أبا محمّد اذهب بنا إلى إسماعيل نعوده- و كان شاكيا-. فقمنا و دخلنا على إسماعيل، فإذا في منزله فاختة في قفص تصيح؛
____________
(1) تقدّمت روايته في الحديث السابق- المذكور في الهامش- عن رجل، عن أبي جعفر (عليه السلام)؛ فهل تكون الرواية واحدة رواها البختري مرّتين؟
أو رواها مرّة مشاهدة عن الصادق (عليه السلام)، و اخرى سماعا عن رجل، عن الباقر (عليه السلام)؟.
(2) أقول: الظاهر هو عثمان- و ليس عمر- راجع تنقيح المقال: 2/ 244 رقم 7759، و معجم رجال الحديث: 11/ 112، و قاموس الرجال: 6/ 241؛
و انظر إلى الحديث الآتي في المستدركات برواية الكليني في الكافي.
(3) الصلصل، بالضمّ: الفاختة. «أوردنا مثله بأسانيد في كتاب أحوال الحيوان» منه ره.
(4) 3/ 346، عنه البحار: 47/ 125 ضمن ح 174.
(5) 6/ 551 ح 2، 245 ح 22، عنهما الوسائل: 8/ 387 ح 1، و البحار: 65/ 16 ح 13.
296
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): يا بنيّ! ما يدعوك إلى إمساك هذه الفاختة!؟ أو ما علمت أنّها مشئومة؟ أو ما تدري ما تقول؟ قال إسماعيل: لا.
قال: إنّما تدعو على أربابها، فتقول: فقدتكم فقدتكم، فاخرجوها. (1)
(3) بصائر الدرجات: حدّثنا أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، و البرقي، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن عبد اللّه بن مسكان، عن داود بن فرقد، و عبد اللّه بن سنان (2) قال كنّا عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فسمع صوت [فاختة] في الدار، فقال:
أين هذه الّتي أسمع صوتها؟ قلنا: هي في الدار، اهديت لبعضهم.
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): أما لنفقدنّك قبل أن تفقدينا.
قال: ثمّ أمر بها، فاخرجت من الدار. (3)
(4) و منه: حدّثنا أحمد بن محمّد، عن [عن عليّ بن أحمد، عن] (4) بعض أصحابنا، قال: اهدى إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) فاختة و ورشان و طير راعبيّ، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): أمّا الفاختة فتقول: فقدتكم فقدتكم، فافقدوها قبل أن تفقدكم (5). فأمر بها فذبحت.
و أمّا الورشان، فيقول: قدّستم، قدّستم، فوهبه لبعض أصحابه.
و الطير الراعبي يكون عندي أسرّ (6) به. (7)
____________
(1) 6/ 551 ح 3، عنه الوسائل: 8/ 386 ح 2؛ و عن الخرائج و الجرائح: 2/ 609 ح 3، عن أبي بصير، و في هامشه تخريجات الحديث.
(2) «عن عليّ بن سنان، سيّار/ خ» م، ب، و الوسائل؛ و ما أثبتناه كما في سند المناقب لابن شهرآشوب المتقدّم في ح 2؛ ذلك أنّنا لم نقف فيما بين أيدينا من كتب الرجال على ترجمة له و أنّه من أصحاب الصادق (عليه السلام).
و أمّا داود بن فرقد، و عبد اللّه بن سنان، فكلاهما من أصحابه (عليه السلام).
(3) 346 ح 23، عنه البحار: 65/ 14 ح 6، و الوسائل: 8/ 386 ح 3.
(4) «أحمد بن محمّد، عن البزنطي» ب.
(5) «تفقدنا» خ.
(6) «أئنس» خ.
(7) 343 ح 7، عنه البحار: 65/ 13 ح 3، عن الاختصاص: 287.
297
7- باب معجزته (عليه السلام) في العصفور
الأخبار، الأصحاب:
1- بصائر الدرجات: أحمد بن محمّد، عن ابن فضّال، عن ثعلبة، عن سالم مولى أبان بيّاع الزطّي، قال:
كنّا في حائط لأبي عبد اللّه (عليه السلام) و نفر معي؛
قال: فصاحت العصافير، فقال: أ تدري ما تقول؟
قال: فقلنا: جعلنا اللّه فداك لا و اللّه ما ندري ما تقول.
قال: تقول: اللهمّ إنّا خلق من خلقك لا بدّ لنا من رزقك، فأطعمنا و اسقنا [و أشبعنا]. (1)
____________
(1) 345 ح 20، عنه البحار: 47/ 86 ح 85، و ج 85/ 303 ح 5، و أورده في الخرائج و الجرائح:
2/ 834 ضمن ح 50، و في المناقب لابن شهرآشوب: 3/ 346 (مثله).
298
6- أبواب معجزاته (عليه السلام) في الحيوانات و السبع
1- باب معجزته (عليه السلام) في الظبي
الأخبار، الأصحاب:
1- بصائر الدرجات: (1) أحمد بن الحسن، عن أحمد بن إبراهيم، عن عبد اللّه بن بكير، عن عمر بن توبة (2)، عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:
بينا أبو عبد اللّه البلخي معه إذ هو بظبي يثغو (3) و يحرّك ذنبه؛
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): أفعل إن شاء اللّه. قال: ثمّ أقبل علينا، فقال: علمتم ما قال الظبي؟
قلنا: اللّه و رسوله و ابن رسوله أعلم.
فقال: إنّه أتاني فأخبرني أنّ بعض أهل المدينة نصب شبكة لانثاه، فأخذها و لها خشفان (4) لم ينهضا، و لم يقويا للرعي، قال:
فيسألني أن أسألهم أن يطلقوها، و ضمن لي أن إذا رضعت خشفيها حتّى يقويا أن يردّها عليهم؛ قال: فاستحلفته، فقال:
«برئت من ولايتكم أهل البيت إن لم أف» و أنا فاعل ذلك به إن شاء اللّه.
فقال البلخي: سنّة فيكم كسنّة سليمان (5) (عليه السلام).
المناقب لابن شهرآشوب: عن سليمان (مثله). (6)
____________
(1) تقدّم ص 288 ح 1، بالإسناد إلى «موسى بن الحسن» عن أحمد بن الحسن.
(2) تقدّمت ترجمته في ص 274 ح 1.
(3) ثغت الشاة و نحوها، ثغاء: صاحت.
(4) الخشف: ولد الظبي أوّل ما يولد.
(5) «مريم (عليها السلام)» خ، و الظاهر أنّه تصحيف، قال اللّه تعالى في سليمان، «علّمناه منطق الطير».
(6) 349 ح 8، 3/ 346، عنهما البحار: 47/ 86 ح 86، 87؛
و رواه في الاختصاص: 291 بإسناده إلى سليمان بن خالد، عنه مدينة المعاجز: 401 ح 162.
300
قال: فرجعت إلى الكوفة، فأخبرت ابن عمّي بمقالة أبي عبد اللّه (عليهم السلام) ففرح فرحا شديدا، و سرّ به، و ما زال مستبصرا بذلك إلى أن مات.
كشف الغمّة: من دلائل الحميري، عن الكاهلي (مثله). (1)
2- المناقب لابن شهرآشوب: أمالي أبي الفضل (2):
قال أبو حازم عبد الغفّار بن الحسن:
قدم إبراهيم بن أدهم (3) الكوفة و أنا معه، و ذلك على عهد المنصور، و قدمها جعفر بن محمّد العلوي، فخرج جعفر (عليه السلام) يريد الرجوع إلى المدينة، فشيّعه العلماء و أهل الفضل من [أهل] الكوفة، و كان فيمن شيّعه سفيان الثوري، و إبراهيم بن أدهم، فتقدّم المشيّعون له، فإذا هم بأسد على الطريق؛
فقال لهم إبراهيم بن أدهم: قفوا حتّى يأتي جعفر (عليه السلام) فننظر ما يصنع، فجاء جعفر (عليه السلام) فذكروا له الأسد، فأقبل حتّى دنا من الأسد، فأخذ باذنه فنحّاه عن الطريق.
ثمّ أقبل عليهم، فقال: أما إنّ الناس لو أطاعوا اللّه حقّ طاعته لحملوا عليه أثقالهم. (4)
استدراك (1) دلائل الإمامة: أخبرني أبو الحسين محمّد بن هارون بن موسى، قال:
حدّثنا أبي، قال: حدّثنا أبو عليّ محمّد بن همام، قال:
حدّثني أحمد بن الحسين- المعروف بابن أبي القاسم- عن أبيه، عن بعض رجاله، عن
____________
(1) 3/ 350، 2/ 607 ح 2- و في هامشه تخريجات الحديث-؛ 2/ 188، عنهما البحار: 47/ 95 ح 108، 109.
(2) «المفضّل» ع، ب. راجع كشف الظنون: 1/ 163.
(3) هو إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر، القدوة الإمام العارف، سيّد الزهّاد، أبو إسحاق العجلي، و قيل: التميمي الخراساني البلخي (سير أعلام النبلاء: 7/ 387).
(4) 3/ 366، عنه البحار: 47/ 139 ضمن ح 188، و مدينة المعاجز: 415 ح 230؛ و أورده في عدّة الداعي: 86 (مثله)، عنه إثبات الهداة: 5/ 451 ح 221.
299
2- باب معجزته (عليه السلام) في الأسد [و السبع]
الأخبار، الأصحاب:
1- المناقب لابن شهرآشوب، و الخرائج و الجرائح: روي عن عبد اللّه بن يحيى الكاهلي [قال:] قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): إذا لقيت السبع ما تقول له؟ قلت: لا أدري.
قال: إذا لقيته فاقرأ في وجهه آية الكرسي، و قل:
عزمت عليك بعزيمة اللّه، و عزيمة محمّد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و عزيمة سليمان بن داود (عليه السلام)، و عزيمة عليّ أمير المؤمنين، و الأئمّة من بعده (عليهما السلام) [إلّا تنحّيت عن طريقنا، و لم تؤذنا، فإنّا لا نؤذيك.] فإنّه ينصرف عنك.
قال عبد اللّه الكاهلي: فقدمت إلى الكوفة، فخرجت مع ابن عمّ لي إلى قرية، فإذا سبع قد اعترض لنا في الطريق، فقرأت في وجهه آية الكرسي، و قلت:
عزمت عليك بعزيمة اللّه، و عزيمة محمّد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و عزيمة سليمان بن داود (عليه السلام)، و عزيمة أمير المؤمنين، و الأئمّة من بعده (عليهم السلام) إلّا تنحّيت عن طريقنا، و لم تؤذنا، فإنّا لا نؤذيك.
قال: فنظرت إليه و قد طأطأ رأسه، و أدخل ذنبه بين رجليه، و ركب الطريق (1) راجعا من حيث جاء.
فقال ابن عمّي: ما سمعت كلاما أحسن من كلامك هذا الّذي سمعته منك.
فقلت: أيّ شيء سمعت؟ هذا كلام جعفر بن محمّد (عليهما السلام).
فقال: أنا أشهد أنّه إمام فرض اللّه طاعته. و ما كان ابن عمّي يعرف قليلا و لا كثيرا.
قال: فدخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) من قابل فأخبرته الخبر، فقال: ترى أنّي لم أشهدكم؟! بئس ما رأيت.
ثمّ قال: إنّ لي مع كلّ وليّ اذنا سامعة، و عينا ناظرة، و لسانا ناطقا.
ثمّ قال: يا عبد اللّه! أنا- و اللّه- صرفته عنكما، و علامة ذلك أنّكما كنتما في البريّة على شاطئ النهر، و اسم ابن عمّك لمثبت عندنا، و ما كان اللّه ليميته حتّى يعرف هذا الأمر.
____________
(1) ركب الطريق: مشى عليها.
301
الحسن بن عليّ بن يقطين، عن سعدان بن مسلم، عن المفضّل بن عمر، قال:
كان المنصور قد وفد بأبي عبد اللّه (عليه السلام) إلى الكوفة، فلمّا أذن له، قال لي:
يا مفضّل! هل لك في مرافقتي؟ فقلت: نعم، جعلت فداك.
قال: إذا كانت الليلة، فصر إليّ. فلمّا كان في نصف الليل خرج، و خرجت معه، فإذا أنا بأسدين مسرّجين ملجمين، قال: فخرجت فضرب بيده إلى عينيّ فشدّها، ثمّ حملني رديفا فأصبح بالمدينة و أنا معه، فلم يزل في منزله حتّى قدم عياله. (1)
(2) و منه: بإسناده عن أحمد بن الحسين، عن أبيه (2)، عن بعض رجاله، عن عبد اللّه بن محمّد بن منصور بن بزرج (3)، عن إسماعيل بن جابر، عن أبي خالد الكابلي، قال:
دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال لي: يا أبا خالد!
خذ رقعتي فأت غيضة (4)- قد سمّاها- فانشرها، فأيّ سبع جاء معك فجئني به.
قال: فقلت: اعفني من ذلك جعلت فداك. قال: فقال لي: اذهب يا أبا خالد.
قال: فقلت في نفسي: يا أبا خالد لو أمرك جبّار عنيف، ثمّ خالفته إذا كيف كان حالك؟
قال: ففعلت ذلك حتّى إذا صرت إلى الغيضة، و نشرت الرقعة، جاء معي واحد منها، فلمّا صار بين يدي أبي عبد اللّه (عليه السلام) نظرت إليه واقفا، ما يحرّك من شعره شعرة، فأومأ بكلام لم أفهمه، قال: فلبثت عنده و أنا متعجّب من سكون السبع بين يديه.
قال: فقال لي: يا أبا خالد! ما لك تفكّر؟ قال: قلت: افكّر في إعظام السبع.
قال: ثمّ مضى السبع، فما لبثت إلّا وقتا [قليلا] حتّى طلع السبع و معه كيس في فيه؛
قال: قلت: جعلت فداك إنّ هذا لشيء عجيب!
قال: يا أبا خالد! هذا كيس وجّه به إليّ «فلان بن فلان» مع المفضّل بن عمر،
____________
(1) 125، عنه البحار: 65/ 73 ح 5، و إثبات الهداة: 5/ 455 ح 240 و مدينة المعاجز: 394.
(2) في الأصل: أخيه، و في جميع الموارد المذكورة، فلعلّه تصحيف في الأصل: عن أبيه.
(3) كذا في مدينة المعاجز، و في «م» «بزج» عن منصور (بن يونس) «بزرج» راجع فهرست رجالنا و معجم رجال الحديث: 18/ 354.
(4) الغيضة: الأجمة، و الموضع يكثر فيه الشجر و يلتف.
302
و احتجت إلى ما فيه، و كان الطريق مخوفا، فبعثت بهذا السبع، فجاء به.
فقلت في نفسي: و اللّه لا أبرح حتّى يقدم المفضّل بن عمر و أعلم ذلك.
قال: فضحك أبو عبد اللّه، ثمّ قال لي: نعم يا أبا خالد لا تبرح حتّى يأتي المفضّل!
قال: فتداخلني- و اللّه- من ذلك حيرة، ثمّ قلت: أقلني جعلت فداك.
و أقمت أيّاما، ثمّ قدم المفضّل، و بعث إليّ أبو عبد اللّه (عليه السلام) فقال المفضّل: جعلني اللّه فداك، إنّ فلانا بعث معي كيسا فيه مال، فلمّا صرت في موضع كذا و كذا، جاء سبع و حال بيننا و بين رحالنا، فلمّا مضى السبع، طلبت الكيس في الرحل فلم أجده.
قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): يا مفضّل! أ تعرف الكيس؟ قال: نعم جعلني اللّه فداك.
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): يا جارية! هاتي الكيس. فأتت به الجارية، فلمّا نظر إليه المفضّل قال: نعم هذا هو الكيس. ثمّ قال: يا مفضّل! تعرف السبع؟
قال: جعلني اللّه فداك كان في قلبي في ذلك الوقت رعب.
فقال له (عليه السلام): ادن منّي، فدنا منه، ثمّ وضع يده عليه، ثمّ قال لأبي خالد: امض برقعتي إلى الغيضة، فأتنا بالسبع فلمّا صرت إلى الغيضة، فعلت مثل الفعل الأوّل، فجاء السبع معي، فلمّا صار بين يدي أبي عبد اللّه (عليه السلام) نظرت إلى إعظامه إيّاه، فاستغفرت في نفسي؛
ثمّ قال: يا مفضّل! هذا هو؟ قال: نعم، جعلني اللّه فداك.
فقال (عليه السلام): يا مفضّل! أبشر فأنت معنا. (1)
(3) و منه: (بإسناده) عن أبي عليّ بن همام، قال: حدّثنا أبو عبد اللّه جعفر بن محمّد الحميري، عن أحمد بن محمّد بن خالد البرقي، عن محمّد بن هذيل، عن محمّد بن سنان، قال: وجّه المنصور إلى سبعين رجلا من أهل كابل (2)، فدعاهم فقال لهم:
و يحكم! انّكم تزعمون أنّكم ورثتم السحر عن آبائكم أيّام موسى (عليه السلام) و أنّكم تفرّقون بين المرء و زوجته، و أنّ أبا عبد اللّه جعفر بن محمّد ساحر مثلكم، فاعملوا شيئا من السحر، فإنّكم إن أبهتّموه (3) أعطيتكم الجائزة العظيمة و المال الجزيل.
____________
(1) 128، عنه البحار: 65/ 74 ح 6، و إثبات الهداة: 5/ 456 ح 241، و مدينة المعاجز: 376 ح 53.
(2) كابل: عاصمة أفغانستان اليوم.
(3) بهت الرجل: دهش، مأخوذا بالحجّة.
303
فقاموا إلى المجلس الّذي فيه المنصور، و صوّروا له سبعين صورة من صور السباع- لا يأكلون و لا يشربون، و إنّما كانت صورا- و جلس كلّ واحد منهم تحت صورته؛
و جلس المنصور على سريره، و وضع إكليله على رأسه؛
ثمّ قال لحاجبه! ابعث إلى أبي عبد اللّه. فقام فدخل عليه، فلمّا أن نظر إليه و إليهم و بما قد استعدّوا له، رفع بيده إلى السماء، ثمّ تكلّم بكلام بعضه جهرا و بعضه خفيّا، ثمّ قال:
و يحكم! أنا الّذي أبطل سحركم، ثمّ نادى برفيع صوته: قسورة خذهم.
فوثب كلّ سبع منها على صاحبه و افترسه في مكانه؛
و وقع المنصور من سريره، و هو يقول: يا أبا عبد اللّه أقلني، فو اللّه لاعدت إلى مثلها أبدا!
فقال له: قد أقلتك. قال: يا سيّدي! فردّ السباع إلى ما كانت (1).
قال: هيهات إن عادت عصا موسى، فستعود السباع. (2)
(3) باب معجزته (عليه السلام) في الذئب
(1) دلائل الإمامة: عن الحسين، قال: أخبرنا أحمد بن محمّد، عن محمّد بن علي، عن محمّد بن عمرو (3) بن ميثم، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام):
أنّه خرج إلى ضيعة له مع بعض أصحابنا، فبيناهم يسيرون إذا ذئب قد أقبل إليه؛
فلمّا رأوه غلمانه أقبلوا إليه، قال: دعوه فإنّ له حاجة.
فدنا منه حتّى وضع كفّه على دابّته، و تطاول بخطمه (4) و طأطأ رأسه أبو عبد اللّه (عليه السلام) فكلّمه الذئب بكلام لا يعرف، فردّ عليه أبو عبد اللّه (عليه السلام) مثل كلامه، فرجع يعوي؛
فقال أصحابه: قد رأينا عجبا! فقال: إنّه أخبرني:
____________
(1) «إليّ ما أكلوا» م، و المدينة، و ما أثبتناه من الاختصاص.
(2) 144، عنه إثبات الهداة: 5/ 457 ح 246 عن الربيع، نحوه مختصرا، 362 ح 23 و رواه في الاختصاص: 240. عنه مدينة المعاجز.
(3) «عمر» مدينة المعاجز.
(4) «بخرطمه» م. و الخطم للدابّة: مقدّمة الأنف و الفم.
و الخرطم: الأنف، و يستعمل للفيل خاصّة.
305
فقال: يا ابن رسول اللّه! إنّي تائب عمّا كنت فيه، فاستغفر اللّه لي.
فقال للشّاة: أيّتها الشاة، ارجعي إلى قطيعك و مرعاك، فإنّه قد ضمن أن لا يعود إلى ما كان فيه إن شاء اللّه. فمرّت الشاة و هي تقول: أشهد أن لا إله إلا اللّه، و أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه، و أنّك حجّة اللّه على خلقه، و لعن اللّه من ظلمكم و جحد ولايتكم. (1)
*** 5- باب جوامع معجزاته (عليه السلام) في الطيور و الحيوانات معا
الأخبار، الأصحاب:
1- الخرائج و الجرائح: روي أنّ العلاء بن سيّابة، قال: جاء رجل إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) و هو يصلّي فجاء هدهد، فوقع عند رأسه حتّى سلّم، و التفت إليه، فقال:
قلت له: جئت لأسألك، فرأيت ما هو أعجب!
قال (عليه السلام): ما هو؟ قلت: ما صنع الهدهد!
قال: [نعم] جاءني فشكا إليّ حيّة تأكل فراخه، فدعوت اللّه عليها، فأماتها.
فقلت: يا مولاي! إنّي لا يعيش لي ولد، و كلّما ولدت امرأتي مات ولدها.
قال: هذا ليس من ذلك الجنس، و لكن إذا رجعت إلى أهلك فإنّه ستدخل كلبة إليك، فتريد امرأتك أن تطعمها، فمرها أن لا تطعمها، و قل للكلبة: إنّ أبا عبد اللّه (عليه السلام) أمرني أن أقول: أميطي (2) عنّا، لعنك اللّه، فإنّه يعيش ولدك إن شاء اللّه.
فعاش أولادي، و خلّفت غلمانا ثلاثة. (3)
2- و منه: روي عن صفوان بن يحيى، عن جابر، قال:
كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) [فبرزنا معه] فإذا نحن برجل قد أضجع جديا (4) ليذبحه،
____________
(1) 425 ح 360، عنه مدينة المعاجز: 16 ح 237.
(2) أميطي: تنحّي و ابتعدي.
(3) 2/ 643 ح 51، عنه البحار: 47/ 108 ح 141؛ و أورد قطعة منه في الصراط المستقيم: 2/ 189 ح 24 مرسلا و باختصار، عنه إثبات الهداة: 5/ 461 ح 258.
(4) الجدي: ولد المعز في السنة الاولى.
304
أنّه خلّف زوجته خلف هذا الجبل في كهف، و قد ضربها الطلق و خاف عليها، فسألني الدعاء لها بالخلاص، و أن يرزقها اللّه ذكرا يكون لنا ولّيا و محبّا، فضمنت له ذلك.
قال: فانطلق أبو عبد اللّه، و انطلقنا معه إلى ضيعته، و قال:
إنّ الذئب قد ولد له جرو ذكرا.
قال: و مكثنا في ضيعته معه شهرا، ثمّ رجع مع أصحابه فبيناهم راجعون، إذا هم- بالذئب و زوجته و جروه- فعووا في وجه أبي عبد اللّه (عليه السلام) فأجابهم، و رأى أصحاب أبي عبد اللّه (عليه السلام) الجرو، و علموا أنّه قد قال لهم الحقّ.
و قال لهم أبو عبد اللّه (عليه السلام): تدرون ما قالوا؟ قالوا: لا، قال: كانوا يدعون اللّه لي و لكم بحسن الصحابة، و دعوت لهم بمثله، و أمرتهم أن لا يؤذون لي [وليّا] و لا لأهل بيتي، فضمنوا لي ذلك. (1)
(4) باب معجزته (عليه السلام) في الشاة
(1) الثاقب في المناقب: عن سدير الصيرفي، قال:
مرّ أبو عبد اللّه (عليه السلام) على حمار له يريد المدينة، فمرّ بقطيع من الغنم، فتخلّفت شاة من القطيع و اتّبعت حماره، فتعبت الشاة، فحبس (عليه السلام) الحمار عليها حتّى دنت منه الشاة، فأومى برأسه نحوها، فقالت له: يا ابن رسول اللّه! أنصفني من راعيي هذا. قال:
ويحك! ما بالك تريدين الإنصاف من راعيك؟! قالت: يا ابن رسول اللّه! يفجربي.
فوقف عليها حتّى دنا منه الراعي، ثمّ قال له: ويلك، تفجر بها!!.
قال: فالتفت الراعي إليه يقول: أمن الشياطين أنت، أو من الجنّ، أو من الملائكة، أو من النبيّين، أو من المرسلين؟
فقال: ويلك! ما أنا بشيطان، و لا جنّي، و لا ملك مقرّب، و لا نبيّ مرسل، و لكنّي ابن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و إن تبت استغفرت لك، و إن أبيت دعوت اللّه عليك بالسخط و اللعنة في ساعتك هذه.
____________
(1) 119، عنه البحار: 65/ 72 ح 4، و مدينة المعاجز: 392 ح 117.
306
فصاح الجدي، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): كم ثمن هذا الجدي؟
فقال: أربعة دراهم. فحلّها من كمّه، و دفعها، و قال: خلّ سبيله.
قال: فسرنا، فإذا بصقر قد انقضّ على درّاجة (1) فصاحت الدرّاجة،
فأومأ أبو عبد اللّه إلى الصقر بكمّه، فرجع عن الدرّاجة.
فقلت: لقد رأيت عجبا من أمرك!
قال: نعم، إنّ الجدي لمّا أضجعه الرجل [ليذبحه] و بصر بي، قال:
أستجير باللّه و بكم أهل البيت ممّا يراد بي، و كذلك قالت الدرّاجة؛
و لو أنّ شيعتنا استقامت لأسمعتهم منطق الطير. (2)
استدراك (1) دلائل الإمامة: قال أبو جعفر:
و حدّثنا أبو محمّد سفيان، عن أبيه، عن الأعمش، عن إبراهيم بن وهب، قال:
اتي أبو عبد اللّه (عليه السلام) بشاة عجفاء حائل، فمسح ضرعها، فدرّت لبنا و استوت. (3)
***
____________
(1) الدرّاج: طائر شبيه بالحجل، و أكبر منه، أرقط بسواد و بياض، قصير المنقار، يطلق على الذكر و الانثى، جمعها دراريج، و واحدتها درّاجة، و التاء للوحدة لا للتأنيث.
(2) 2/ 616 ح 15 (و التخريجات الّتي في هامشه).
(3) 113، عنه إثبات الهداة: 5/ 454 ح 213، و مدينة المعاجز: 357 ح 9.
307
7- أبواب معجزاته (عليه السلام) في طيّ الأرض و نحوه
1- باب فيما فعل (عليه السلام) بمعلّى بن خنيس من نحو طيّ الأرض و إخباره (عليه السلام) بشهادته
الأخبار، الأصحاب:
1- الاختصاص: ابن أبي الخطّاب، عن موسى بن سعدان، عن عبد اللّه بن القاسم، عن حفص الأبيض التمّار، قال:
دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) أيّام قتل المعلّى بن خنيس، و صلبه (رحمه اللّه) قال: فقال لي:
يا حفص! إنّي أمرت المعلّى بن خنيس بأمر فخالفني، فابتلي بالحديد، إنّي نظرت إليه يوما و هو كئيب حزين، فقلت له:
مالك يا معلّى؟ كأنّك ذكرت أهلك و مالك (و ولدك) و عيالك؟ قال: أجل.
قلت: ادن منّي. فدنا منّي، فمسحت وجهه، فقلت: أين تراك؟
قال: أراني في بيتي، هذه زوجتي، و هؤلاء ولدي.
فتركته حتّى يملأ منهم، و استترت منهم، حتّى نال منها ما ينال الرجل من أهله.
ثمّ قلت [له]: ادن منّي. فدنا منّي، فمسحت وجهه، فقلت: أين تراك؟
فقال: أراني معك في المدينة، هذا بيتك.
قال: قلت له: يا معلّى! إنّ لنا حديثا من حفظه علينا، حفظ اللّه عليه دينه و دنياه.
يا معلّى! لا تكونوا أسرى في أيدي الناس بحديثنا، إن شاءوا أمنوا عليكم، و إن شاءوا قتلوكم.
يا معلّى! إنّه من كتم الصعب من حديثنا، جعله اللّه نورا بين عينيه، و رزقه اللّه العزّة في الناس، و من أذاع الصعب من حديثنا لم يمت حتّى يعضّه السلاح أو يموت كبلا (1).
يا معلّى بن خنيس! و أنت مقتول فاستعدّ.
رجال الكشّي: إبراهيم بن محمّد بن العبّاس، عن أحمد بن إدريس، عن الأشعري،
____________
(1) الكبل: القيد أو أعظم ما يكون من القيود.
309
إنّ رجلا منّا (1) أتى قوم موسى في شيء كان بينهم [فأصلح بينهم] و رجع و لم يقعد، فمرّ بنطفكم فشرب منها، و مرّ على بابك، فدقّ عليك حلقة بابك؛
ثمّ رجع إلى منزله، و لم يقعد. (2)
4- باب آخر [في طيّ الأرض له (عليه السلام) و معرفته ما في الضمير]
الأخبار، الأصحاب:
1- كشف الغمّة: من كتاب الدلائل للحميري، عن مالك الجهني، قال:
كنّا بالمدينة حين اجليت الشيعة، و صاروا فرقا، فتنحّينا عن المدينة ناحية، ثمّ خلونا
____________
(1) أقول: الظاهر أنّ الحديث لا ربط له بالباب، حيث إنّ المؤلّف ذكره، في ص 116 في أحوال أبي جعفر الباقر (عليه السلام) مرّة، ثمّ ذكره في أبي عبد اللّه (عليه السلام) هنا كما ذكره في كتاب الإمامة «شئون و غرائب أحوال الأئمّة» مرّة ثالثة، و ذلك لأنّ قوله: «إنّ رجلا منّا» فيه إبهام يحتمل الإمامين؛
و لكنّا استقصينا الروايات الخاصّة الّتي تشير إلى هذه القصّة فبلغت «تسعة» و في بعضها تصريح بأنّ الرجل هو عالم أهل المدينة، أبو جعفر (عليه السلام)، و بما أنّ المجلّد الخاصّ بأبي جعفر (عليه السلام) قد طبعناه، فلنستدرك مجموعها بتخريجاتها و توضيحاتها في كتاب الإمامة باب «شئون و غرائب أحوال الأئمّة» و نشير إليه في كتاب الإمام الباقر (عليه السلام).
و ملخّصها: أنّ أبا جعفر (عليه السلام) قال- أوّلا- لسدير: يا أبا الفضل! إنّي لأعرف رجلا من أهل المدينة أخذ قبل مطلع الشمس ... فمرّ بنطفكم فشرب منها.
و في رواية اخرى قال: قال لسدير: فلمّا انصرف من فراتكم، قال سدير: فراتنا الكوفة؟! قال:
نعم، فراتكم فرات الكوفة.
و بعد أبي جعفر قال الصادق (عليه السلام)- كما في الحديث أعلاه- ليونس بن يعقوب: إنّ رجلا منّا ... و مرّ على بابك فدقّ عليك حلقة بابك ... كما قال أيضا لمحمّد بن مسلم: «إنّي لأعرف رجلا من أهل المدينة ... و قال لسدير: «و مرّ على بابك فدقّ عليك حلقة بابك ثمّ رجع». و في الاخرى: و لو لا أنّي كرهت أن اشهرك دققت عليك بابك ... و كيف كان يظهر أنّ المراد بالرجل هو أبو جعفر (عليه السلام)، و أنّ المراد «بنطفكم» الماء الخالص في فرات الكوفة، و أنّ يونس بن يعقوب و كذلك سدير لم يحسّا بدقّ الباب، أو لم يعرفا من دقّه، لأنّ الإمام (عليه السلام) أراد أن لا يشهرهما بما لا يصلح لهما.
(2) 311، 399 ح 10 (و اللفظ له) عنهما البحار: 47/ 92 ح 99.
و أخرجه في البحار: 25/ 380 ح 32 عن الاختصاص، و أورده في الخرائج: 2/ 780 ح 104.
308
عن ابن أبي الخطّاب (مثله). (1)
2- باب آخر، و هو من الأوّل
1- الاختصاص، و بصائر الدرجات: أحمد بن الحسين، عن أبيه، عن محمّد بن سنان، عن حمّاد بن عثمان، عن المعلّى بن خنيس، قال:
كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) في بعض حوائجي، قال: فقال لي: ما لي أراك كئيبا حزينا؟
قال: فقلت: ما بلغني عن العراق من هذا الوباء [و] أذكر عيالي.
[قال: فيسرّك أنّك تراهم: قلت: وددت و اللّه جعلت فداك.]
قال: فاصرف وجهك.
فصرفت وجهي [ثمّ قال: أقبل بوجهك.
قال: فأقبلت بوجهي، فإذا داري ممثّلة نصب عيني!] قال: ثمّ قال: ادخل دارك.
قال: فدخلت، فإذا أنا لا أفقد من عيالي صغيرا و لا كبيرا، إلّا و هو لي في داري بما فيها!
[قال:] ثمّ خرجت، فقال لي: اصرف وجهك. فصرفته، فنظرت فلم أر شيئا. (2)
3- باب آخر [في طيّ الأرض للإصلاح بين قوم موسى (عليه السلام)]
الأخبار، الأئمّة، الصادق (عليه السلام):
1- الاختصاص، و بصائر الدرجات: أحمد بن محمّد، عن البرقي، عن بعض أصحابنا، عن يونس بن يعقوب، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:
____________
(1) 315، 378 ح 709، عنهما البحار: 47/ 87 ح 91، 92، و ج 25/ 380 ح 34 عن الاختصاص.
و رواه في بصائر الدرجات: 403 ح 2، عنه البحار المذكور ح 91؛
و في دلائل الإمامة: 136 بإسناده إلى حفص الأبيض (مثله) عنه مدينة المعاجز: 359 ح 16، و عن الاختصاص و الكشّي. تقدّم ص 265 ح 36.
(2) 318، 406 ح 8 (و اللفظ له)، عنهما البحار: 47/ 91 ح 98؛
و رواه في دلائل الإمامة: 138 باسناده إلى المعلّى بن خنيس (مثله)، مدينة المعاجز: 360؛
و أخرجه في إثبات الهداة: 5/ 392 ح 109 عن البصائر.
310
فجعلنا نذكر فضائلهم، و ما قالت الشيعة، إلى أن خطر ببالنا الربوبيّة؛
فما شعرنا بشيء إذا نحن بأبي عبد اللّه (عليه السلام) واقف على حمار، فلم ندر من أين جاء، فقال: يا مالك! و يا خالد! متى أحدثتما الكلام في الربوبيّة؟
فقلنا: ما خطر ببالنا إلّا الساعة.
فقال: اعلما أنّ لنا ربّا يكلأنا بالليل و النهار نعبده.
يا مالك! و يا خالد! قولوا، فينا ما شئتم و اجعلونا مخلوقين.
فكرّرها علينا مرارا، و هو واقف على حماره. (1)
استدراك (1) دلائل الإمامة: قال أبو جعفر: حدّثنا عمارة بن يزيد، قال:
حدّثنا إبراهيم بن سعيد، قال: حدّثنا الليث بن إبراهيم، قال:
صحبت جعفر بن محمّد (عليهم السلام) حتّى أتى الغريّ في ليلة من المدينة، و أتى الكوفة فمشى على الماء، و عاد إلى المدينة، و لم ينقص من الليلة شيء. (2)
(2) الصراط المستقيم: تقدّم ص 286 ح 2، و فيه: فقال (عليه السلام):
يا رقّي! خذ بيد الرجل وضع يدك على عينيه، و الاخرى على عينيك وثب به، فوثبت و فتحت عيني و أنا على شاطئ الجال مسيرة أربعة أيّام من مدينة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فصلّى (عليه السلام)؛ فقال (عليه السلام): يا رقّي! ثب. فقمت و تركت الرجل، فدخل عليه بعد أربع أيّام ...
***
____________
(1) 2/ 197، عنه البحار: 25/ 289 ح 45 و ج 47/ 148، و إثبات الهداة: 7/ 480 ح 75.
(2) 114، عنه إثبات الهداة: 5/ 454 ح 235، و مدينة المعاجز: 357 ح 13.
311
8- أبواب إراءته (عليه السلام) العجائب
1- باب إراءته (عليه السلام) الحوض و الجنّة
الأخبار، الأئمّة، الصادق (عليه السلام)
1- الاختصاص، و بصائر الدرجات: الحسن بن أحمد بن (1) سلمة عن الحسن بن عليّ بن بقّاح، عن ابن جبلّة، عن عبد اللّه بن سنان، قال:
سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) [عن الحوض] فقال لي: [هو] حوض ما بين بصرى (2) إلى صنعاء (3)، أ تحبّ أن تراه؟ قلت: نعم جعلت فداك.
قال: فأخذ بيدي، و أخرجني إلى ظهر المدينة، ثمّ ضرب برجله، فنظرت إلى نهر يجري لا يدرك حافتاه، إلّا الموضع الّذي أنا فيه قائم، فإنّه شبيه بالجزيرة؛
فكنت أنا و هو وقوفا، فنظرت إلى نهر يجري جانبه ماء أبيض من الثلج، و من جانبه هذا لبن أبيض من الثلج، و في وسطه خمر أحسن من الياقوت، فما رأيت شيئا أحسن من تلك الخمر بين اللبن و الماء.
فقلت له: جعلت فداك من أين مخرج هذا و مجراه؟.
فقال: هذه العيون الّتي ذكرها اللّه في كتابه أنهار في الجنّة: عين من ماء، و عين من لبن، و عين من خمر، تجري في هذا النهر.
و رأيت حافّتيه عليها شجر، فيهنّ حور معلّقات، برءوسهنّ شعر ما رأيت شيئا أحسن
____________
(1) «عن» بصائر الدرجات، ع، ب، تصحيف (راجع معجم رجال الحديث: 4/ 284 و روى في التهذيب، عن الصفّار، عن الحسن بن أحمد بن سلمة).
(2) بصرى- بالضمّ و القصر-: في موضعين: احداهما بالشام، و هي الّتي وصلها النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) للتجارة و هي المشهورة عند العرب، قال: هي قصبة كورة حوران؛
و الاخرى من قرى بغداد قرب عكبرى (مراصد الاطلاع: 1/ 201).
(3) صنعاء: و هي في موضعين:
إحداهما باليمن و هي العظمى، و الاخرى قرية بغوطة دمشق. (مراصد الاطلاع: 2/ 853).
312
منهنّ، و بأيديهنّ آنية ما رأيت آنية أحسن منها، ليست من آنية الدنيا.
فدنا من احداهنّ، فأومى بيده لتسقيه، فنظرت إليها، و قد مالت لتغرف من النهر، فمالت الشجرة معها، فاغترفت ثمّ ناولته فشرب.
ثمّ ناولها و أومى إليها، فمالت لتغرف فمالت الشجرة معها، ثمّ ناولته فناولني فشربت، فما رأيت شرابا كان ألين منه، و لا ألذّ منه، و كانت رائحته رائحة المسك؛
فنظرت في الكأس، فإذا فيه ثلاثة ألوان من الشراب، فقلت له: جعلت فداك، ما رأيت كاليوم قطّ، و لا كنت أرى أنّ الأمر هكذا.
فقال لي: هذا أقلّ ما أعدّه اللّه لشيعتنا، إنّ المؤمن إذا توفّي صارت روحه إلى هذا النهر، ورعت في رياضه، و شربت من شرابه؛
و إنّ عدوّنا إذا توفّي صارت روحه إلى وادي برهوت، فأخلدت في عذابه، و اطعمت من زقّومه، و اسقيت من حميمه، فاستعيذوا باللّه من ذلك الوادي. (1)
استدراك (1) دلائل الإمامة: أخبرني أبو الحسين محمّد بن هارون، عن أبيه، قال: حدّثني أحمد بن الحسين المعروف بابن أبي القاسم، قال: حدّثني أبي، عن الحسن بن عليّ الحرّاني، عن محمّد بن حمران، عن داود بن كثير الرقّي، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):
حدّثني عن القوم. فقال: الحديث أحبّ إليك أم المعاينة؟ فقلت: المعاينة.
فقال لأبي الحسن موسى (عليه السلام): انطلق فائتني بالقصبة. فأتى بها، فضرب بها الأرض ضربة فانشقّت عن بحر أسود، فضربها فانفتحت عن باب، فإذا بهم وجوههم مسودّة، و أعينهم مزرقّة، و كلّ واحد منهم مشدود إلى جنب صخرة، موكّل بكلّ واحد منهم ملك؛
و هم ينادون، و الملائكة تضرب وجوههم، و يقولون: كذبتم ليس لكم محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).
____________
(1) 316، 403 ح 3 (و اللفظ له)، عنهما البحار: 46/ 287 ح 9، و ج 47/ 318 ح 35، و مدينة المعاجز: 391 ح 110.
و أخرجه في البحار: 57/ 342 ح 33، و إثبات الهداة: 5/ 386 ح 96 عن البصائر.
314
(4) باب تأثير غضبه، و هدوئه (عليه السلام) في هيجان ريح سوداء، و هدوئها
(1) دلائل الإمامة: قال أبو جعفر: و حدّثنا سفيان، عن وكيع، عن عبد اللّه بن قيس، عن أبي قباقب الصدوحي، قال:
رأيت أبا عبد اللّه جعفر بن محمّد (عليهما السلام) و قد سئل عن مسألة، فغضب فامتلأ منه مسجد الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و بلغ افق السماء، و هاجت لغضبه ريح سوداء حتّى كادت تقلع المدينة؛
فلمّا هدأ هدأت لهدوئه؛
فقال (عليه السلام): لو شئت لقلّبتها على من عليها، و لكن رحمة اللّه وسعت كلّ شيء. (1)
(5) باب تحيّة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و آبائه له (عليهم السلام) و لشيعته بعذق رطب
(1) دلائل الإمامة: قال أبو جعفر: و حدّثنا أبو محمّد، عن وكيع، عن الأعمش، عن قبيصة بن وائل، قال:
كنت مع الصادق (عليه السلام) فغاب عنّي، ثمّ رجع و معه عذق من رطب، و قال:
كانت رجلي اليمنى على كفّ جبرئيل، و اليسرى على كفّ ميكائيل، فصرت إلى النبيّ و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين و عليّ و أبي (عليهم السلام) فحيّوني بهذا لي و لشيعتي. (2)
(6) باب انقياد الشمس له (عليه السلام)
(1) دلائل الإمامة: قال أبو جعفر (عليه السلام): و حدّثنا عبد اللّه، قال: حدّثنا عمارة بن زيد، قال: حدّثنا إبراهيم بن سعيد، قال:
قلت للصادق (عليه السلام): أ تقدر أن تمسك الشمس بيدك؟
فقال: لو شئت لحجبتها عنك، فقلت: افعل. فرأيته قد جرّها كما يجرّ الدابّة بعنانها، فاسودّت و انكسفت، و ذلك بعين أهل المدينة كلّهم، حتّى ردّها. (3)
____________
(1) 113، عنه إثبات الهداة: 5/ 453 ح 229. و مدينة المعاجز: 357 ح 7.
(2) 113، عنه إثبات الهداة: 5/ 454 ح 232، و مدينة المعاجز: 357 ح 10.
(3) 113، عنه إثبات الهداة: 5/ 453 ح 230، و مدينة المعاجز: 357 ح 8.
313
فقلت: جعلت فداك، من هؤلاء؟
فقال: ابن الجمل و زفر و نعثل و اللعين، ثمّ قال: انطبق عليهم إلى الوقت. (1)
*** 2- باب إراءته (عليه السلام) أصحاب القائم (عليه السلام)
الأخبار، الأصحاب:
1- [الاختصاص]: جعفر بن محمّد بن مالك، عن أحمد بن المؤدّب- من ولد الأشتر- عن محمّد بن عمّار الشعراني، عن أبيه، عن أبي بصير، قال:
كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) [و عنده رجل من أهل خراسان و هو يكلّمه بلسان لا أفهمه، ثمّ رجع إلى شيء فهمته، فسمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام)] يقول: اركض برجلك الأرض، فإذا بحر تلك الأرض، على حافّتيها فرسان، قد وضعوا رقابهم على قرابيس (2) سروجهم.
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): هؤلاء من أصحاب القائم (عليه السلام). (3)
استدراك
(3) باب تحويله (عليه السلام) الحائط ذهبا، و إيراقه الأسطوانة
(1) دلائل الإمامة: قال أبو جعفر: و حدّثنا أحمد بن منصور الرشادي، قال:
حدّثنا عبد الرزّاق، قال: حدّثنا مهلّب بن قيس، قال للصادق (عليه السلام):
بأيّ شيء نعرف إمامة الإمام؟ قال (عليه السلام): أن يفعل كذا، و وضع يده على حائط فإذا الحائط ذهب، ثمّ وضع يده على أسطوانة، فأورقت لساعتها.
ثمّ قال: بهذا يعرف الإمام. (4)
____________
(1) 142.
(2) القربوس: حنو السرج أي قسمه المقوّس المرتفع من قدّام المقعد و من مؤخّره.
(3) 319، عنه البحار: 47/ 89 ح 94؛
و رواه في دلائل الإمامة: 245، عنه مدينة المعاجز: 421 ح 249.
(4) 114، عنه إثبات الهداة: 5/ 454 ح 235، و مدينة المعاجز: 357 ح 12.
315
(7) باب إظهاره (عليه السلام) الثلج و العسل و النهر
(1) دلائل الإمامة: قال أبو جعفر:
حدّثنا أبو محمّد، قال: حدّثني عمارة، عن ابن سعيد، قال: كنت عند أبي عبد اللّه جعفر ابن محمّد الصادق (عليه السلام) و قد أظلّتنا هاجرة (1) صعبة، فأظهر لنا ثلجا و عسلا و نهرا يجري في داره بالمدينة من غير حفر، حين لا ثلج، و لا عسل، و لا ماء جاريا. (2)
(8) باب رفعه (عليه السلام) منارة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و حيطان القبر
(1) دلائل الإمامة: قال أبو جعفر: حدّثنا سفيان، عن وكيع، عن الأعمش، عن قيس بن خالد، قال: رأيت الصادق (عليه السلام) و قد رفع منارة النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بيده اليسرى، و حيطان القبر بيده اليمنى، ثمّ بلغ بهما عنان السماء، و قال:
أنا جعفر، أنا النهر الأزخر (3)، أنا صاحب الآيات الأقمر، أنا ابن «شبير و شبر». (4)
(9) باب إراءته (عليه السلام) أصحابه كأس الملكوت
(1) دلائل الإمامة: قال أبو جعفر: حدّثنا أبو محمّد عبد اللّه، قال: قال لي عبد اللّه ابن بشر: سمعت الأحوص يقول: كنت مع الصادق (عليه السلام) فسأله قوم عن كأس الملكوت؛
فرأيته و قد تحدّر نورا، ثمّ علا حتّى أنزل تلك الكأس فأدارها على أصحابه، و هي كأس مثل البيت العظيم أخفّ من الريش، من نور محصور (5) مملوء شرابا؛
ثمّ قال (عليه السلام): لو علمتم بنور اللّه لعاينتم هذا في الآخرة. (6)
***
____________
(1) الهاجرة: شدّة الحرّ.
(2) 113، عنه إثبات الهداة: 5/ 454 ح 233، و مدينة المعاجز: 357 ح 11.
(3) زخر النهر: طما و فاض، و هو كناية عن علوّ شرفه، و كرمه و عطائه، و في المدينة «الأغور».
(4) 112، عنه إثبات الهداة: 5/ 453 ح 227، و مدينة المعاجز: 356 ح 5.
(5) «محضور» مدينة العاجز.
(6) 112، عنه مدينة المعاجز: 356 ح 4.
316
9- أبواب إراءته (عليه السلام) سبائك الذهب و الدنانير و غيرها
1- باب إراءته (عليه السلام) سبائك الذهب
الأخبار، الأصحاب:
1- الاختصاص، و بصائر الدرجات:
أحمد بن محمّد، عن عمر بن عبد العزيز، عن الخيبري (1) عن يونس بن ظبيان، و المفضّل بن عمر، و أبي سلمة السرّاج، و الحسين بن ثوير بن أبي فاختة، قالوا:
كنّا عند أبي عبد اللّه (عليه السلام): فقال:
لنا خزائن الأرض و مفاتيحها، و لو شئت أن أقول بإحدى رجليّ أخرجي ما فيك من الذهب، لأخرجت. قال: فقال بإحدى رجليه، فخطّها في الأرض خطّا؛
فانفجرت الأرض، ثمّ قال بيده، فأخرج سبيكة ذهب قدر شبر فتناولها، فقال:
انظروا فيها حسنا حسنا، حتّى لا تشكّو؛
ثمّ قال: انظروا في الأرض.
فإذا سبائك في الأرض كثيرة، بعضها على بعض يتلألأ.
فقال له بعضنا: جعلت فداك، اعطيتم كلّ هذا (2) و شيعتكم محتاجون؟!
فقال: إنّ اللّه سيجمع لنا و لشيعتنا الدنيا و الآخرة، و يدخلهم جنّات النعيم،
و يدخل عدوّنا الجحيم.
الكافي: محمّد بن يحيى، عن أحمد (مثله).
المناقب لابن شهرآشوب: عنهم (مثله). (3)
____________
(1) «الحميري» البصائر، ع، ب و في الاختصاص «رجل، عن الحسين بن أحمد الخيبري». و ما أثبتناه كما في الكافي.
(2) «اعطيتم ما اعطيتم» الكافي و الاختصاص.
(3) 263، 374 ح 1، 1/ 474 ح 4، 3/ 369، عنهما البحار: 47/ 87 ح 88 و 89 و 90.
و أورده في الخرائج و الجرائح: 2/ 737 ح 52 (و في هامشه بقيّة التخريجات).
317
2- باب إراءته (عليه السلام) الدنانير [الّتي انحدرت] من الطشت
الأخبار، الأصحاب:
1- الخرائج و الجرائح: روي عن بعض أصحابه، قال:
حملت مالا إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) فاستكثرته في نفسي، فلمّا دخلت عليه، دعا بغلام، و إذا طشت في آخر الدار، فأمره أن يأتي به، ثمّ تكلّم بكلام- لمّا اتي بالطشت- فانحدرت الدنانير من الطشت، حتّى حالت بيني و بين الغلام، ثمّ التفت إليّ و قال:
أ ترى نحتاج إلى ما في أيديكم!؟ إنّما نأخذ منكم ما نأخذ لنطهّركم [به]. (1)
3- باب إراءته (عليه السلام) الصفائح من الذهب
الأخبار، الأصحاب:
1- الخرائج و الجرائح: روي أنّ داود الرقّي، قال:
كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال لي: مالي أرى لونك متغيّرا؟
قلت: غيّره دين فادح (2) عظيم، و قد هممت بركوب البحر إلى السند (3) لإتيان أخي فلان.
قال: إذا شئت [فافعل]. قلت: يرو عني عنه أهوال البحر و زلازله.
فقال: [يا داود] إنّ الّذي يحفظك في البرّ هو حافظك في البحر يا داود! لو لا اسمي و روحي لما اطّردت الأنهار، و لا أينعت الثمار، و لا اخضرّت الأشجار.
قال داود: فركبت البحر حتّى [إذا] كنت بحيث ما شاء اللّه من ساحل البحر- بعد مسيرة مائة و عشرين يوما- خرجت قبل الزوال يوم الجمعة، فإذا السماء متغيّمة، و إذا نور ساطع من قرن السماء إلى جدد (4) الأرض، و إذا صوت خفيّ:
____________
(1) 2/ 614 ح 12، (و التخريجات الّتي في هامشه).
(2) «فاضح» ع، ب.
(3) السند، بالكسر، ثمّ السكون و آخره دال مهملة: بلاد بين الهند و كرمان و سجستان قصبتها المنصورة. و السند من أعمال طلبيرة، و مدينة في إقليم فريش، و هما بالاندلس. و السند من إقليم باجه بالاندلس (مراصد الاطلاع: 2/ 746).
(4) الجدد- بالتحريك-: المستوي من الأرض، و منه «أسألك باسمك الّذي يمشى به على جدد الأرض (قاله الطريحي في مادة جدد).
318
يا داود! هذا أوان قضاء دينك، فارفع رأسك، قد سلمت.
قال: فرفعت رأسي [انظر النور] و نوديت: عليك بما وراء الأكمة (1) [الحمراء] فأتيتها، فإذا بصفائح من ذهب أحمر، ممسوح أحد جانبيه، و في الجانب الآخر مكتوب هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ (2)، و لها قيمة لا تحصى، فقلت: لا احدث فيها، حتّى آتي المدينة. فقدمتها فدخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فقال:
يا داود! إنّما عطاؤنا النور الّذي سطع لك، لا ما ذهبت إليه من الذهب و الفضّة، و لكن هو لك هنيئا مريئا، عطاء من ربّ كريم، فاحمد اللّه.
قال داود: فسألت معتّبا خادمه، فقال:
كان في ذلك الوقت [الّذي تصفه] يحدّث أصحابه منهم: خيثمة، و حمران، و عبد الأعلى، مقبلا [عليهم بوجهه] يحدّثهم بمثل ما ذكرت؛
فلمّا حضرت الصلاة، قام فصلّى بهم.
[قال داود:] فسألت هؤلاء جميعا، فحكوا لي حكاية معتّب. (3)
استدراك (1) الخرائج و الجرائح: يونس بن عبد الرحمن، و المغيرة بن ثور، قالا:
سمعنا داود الرقّي يقول: كنت بإرمينية (4)، و عليّ دين فادح، فبينا أنا كذلك في بعض طرق أرمينية، فإذا بهاتف بي، فنظرت يمنة و يسرة فلم أر شيئا؛
فرفعت رأسي، فإذا أنا بأبي عبد اللّه (عليه السلام) على الريح، تخفضه مرّة و ترفعه اخرى، فهبته، قال لي: يا داود! لن تقضي دينك حتّى تحفظ القرآن.
قلت: ما أتى بك هاهنا؟
____________
(1) الأكمة: التلّ.
(2) سورة ص: 39.
(3) 2/ 622 ح 23، عنه البحار: 47/ 100 ح 120، و إثبات الهداة: 7/ 410 ح 145، و مدينة المعاجز: 405 ح 180.
(4) أرمينية: اسم لصقع واسع عظيم في جهة الشمال، و حدّها من برذعة إلى باب الأبواب، و من الجهة الاخرى إلى بلاد الروم و جبل القبق ... (مراصد الاطلاع: 1/ 60).
319
قال: كانت لي حاجة بناحية الخزر (1) و الصين، فسألت ربّي أن يحملني على الريح فحملني، فرأيتك على حزنك، فأردت أن اطيّب قلبك.
قال: فاكتتبت القرآن حتّى حفظته، فقضى اللّه ديني. (2)
*** 4- باب آخر [في تحويله (عليه السلام) الرمل ذهبا]
الأخبار، م:
1- مشارق الأنوار للبرسي: روي أنّ المنصور يوما دعاه، فركب معه إلى بعض النواحي، فجلس المنصور على تلّ هناك، و إلى جانبه أبو عبد اللّه (عليه السلام)
فجاء رجل و همّ أن يسأل المنصور، ثمّ أعرض عنه و سأل الصادق (عليه السلام) فحثى له من رمل هناك ملء يده، ثلاث مرّات، و قال له: اذهب، و أغل (3).
فقال له بعض حاشية المنصور: أعرضت عن الملك، و سألت فقيرا لا يملك شيئا!؟
فقال الرجل- و قد عرق وجهه خجلا ممّا أعطاه-: إنّي سألت من أنا واثق بعطائه.
ثمّ جاء بالتراب إلى بيته، فقالت له زوجته: من أعطاك هذا؟ فقال: جعفر.
فقالت: و ما قال لك؟ قال: قال لي: أغل.
فقالت: إنّه صادق، فاذهب بقليل منه إلى أهل المعرفة، فإنّي أشمّ منه رائحة الغنا.
فأخذ الرجل منه جزءا، و مرّ به إلى بعض اليهود، فأعطاه فيما حمل منه إليه عشرة آلاف درهم، و قال له: ائتني بباقيه على هذه القيمة. (4)
____________
(1) الخزر- بالتحريك و آخره راء-: بلاد الترك، خلف باب الأبواب، و هم صنف من الترك، و هو إقليم من قصبة تسمّى «إتل»، و إتل: اسم نهر يجري إليهم بين الروس و بلغار.
و الخزر: اسم المملكة، و مدينتها إتل ... (مراصد الاطلاع: 1/ 465).
(2) 2/ 624 ح 24، و أورده في الصراط المستقيم: 2/ 188 ح 18 مختصرا عن داود الرقّي، عنه إثبات الهداة: 5/ 460 ح 255.
(3) أغلى السعر: جعله غاليا.
(4) 93، عنه البحار: 47/ 156.
320
10- أبواب إراءته (عليه السلام) الأشخاص بحيث لا يراهم الناس
1- باب إراءته نفسه (عليه السلام) بحيث لا يرونه
الأخبار، الأصحاب:
1- بصائر الدرجات: محمّد بن عيسى- رفعه- إلى المفضّل بن عمر، قال:
قال المفضّل: كان بين أبي عبد اللّه (عليه السلام) و بين بعض بني اميّة شيء، فدخل أبو عبد اللّه (عليه السلام) على الديوان؛
فقام إلى البوّابين، فقال: من أدخل عليّ هذا؟ قالوا: لا و اللّه ما رأينا أحدا. (1)
2- باب آخر، و هو من الأوّل
الأخبار، الأصحاب:
1- الخرائج و الجرائح: روي عن معاوية بن وهب، قال: كنت مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) بالمدينة و هو راكب على حمار له، فنزلنا- و قد كنّا صرنا إلى السوق- فسجد سجدة طويلة، و أنا أنتظره (2)، ثمّ رفع رأسه، فسألته عن ذلك، فقال:
إنّي ذكرت نعمة اللّه عليّ؛ فقلت: ففي السوق، و الناس يجيئون و يذهبون؟!
فقال: إنّه لم يرني أحد منهم غيرك. (3)
2- منتخب البصائر (4)، و بصائر الدرجات: أحمد بن محمّد، عن الحسن (5) بن عليّ،
____________
(1) 495 ح 3، عنه البحار: 47/ 92، و إثبات الهداة: 51/ 393 ح 112.
(2) «أنظر إليه» ع، ب.
(3) 2/ 774 ح 97 «و التخريجات الّتي في هامشه».
(4) «الاختصاص» ع. تصحيف، سببه تشابه رمزي الاختصاص «ختص» و منتخب البصائر «خص» في كتاب البحار.
(5) «الحسين» ع، ب و بصائر الدرجات. تصحيف. هو الحسن بن عليّ الوشّاء كما صرّح به في منتخب البصائر، راجع معجم رجال الحديث: 5/ 7.
321
عن عليّ بن ميسر (1)، قال:
لمّا قدم أبو عبد اللّه (عليه السلام) على أبي جعفر، أقام أبو جعفر مولى له على رأسه و قال له:
إذا دخل عليّ فاضرب عنقه.
فلمّا دخل أبو عبد اللّه (عليه السلام) نظر إلى أبي جعفر، و أسرّ شيئا بينه و بين نفسه لا يدرى ما هو، ثمّ أظهر «يا من يكفي خلقه كلّهم و لا يكفيه أحد، اكفني شرّ عبد اللّه [بن محمّد] بن علي» (2) فصار أبو جعفر لا يبصر مولاه، و [صار مولاه] (3) لا يبصره.
قال: فقال أبو جعفر: يا جعفر بن محمّد! لقد أتعبتك في هذا الحرّ فانصرف
فخرج أبو عبد اللّه (عليه السلام) من عنده، فقال أبو جعفر لمولاه: ما منعك أن تفعل ما أمرتك به؟!
[قال:] فقال: لا و اللّه ما أبصرته، و لقد جاء شيء حال بيني و بينه.
فقال أبو جعفر: و اللّه لئن حدّثت بهذا الحديث لأقتلنّك.
الخرائج و الجرائح: عن عليّ بن ميسرة (مثله). (4)
____________
(1) كذا، و يأتي تباعا عن الخرائج «ميسرة». كلاهما وارد، راجع جامع الرواة: 1/ 605، و تنقيح المقال: 2/ 312.
(2) هو أبو جعفر عبد اللّه بن محمّد بن عليّ بن عبد اللّه بن العبّاس بن عبد المطّلب، الخليفة العبّاسي الثاني الّذي بويع بالخلافة بعهد من أخيه السفّاح.
(3) من الكافي: 2/ 559 ح 12.
(4) 8، 494 ح 1، 2/ 773 ح 96 و في هامشه تخريجات الحديث. و يأتي ص 448 ح 1.
322
11- أبواب إحضاره (عليه السلام) المغيّبات عنده
1- باب إحضاره (عليه السلام) البردة
الأخبار، الأصحاب:
1- كشف الغمّة: من كتاب الدلائل، عن إبراهيم بن عبد الحميد، قال:
اشتريت من مكّة بردة، و آليت على نفسي أن لا تخرج عن ملكي حتّى تكون كفني، فخرجت فيها إلى عرفة، فوقفت فيها الموقف، ثمّ انصرفت إلى جمع، فقمت إليها في وقت الصلاة، فرفعتها و طويتها شفقة منّي عليها، و قمت لأتوضّأ، ثمّ عدت فلم أرها، فاغتممت غمّا شديدا؛
فلمّا أصبحت- و قمت لأتوضّأ- أفضت مع الناس إلى منى فإنّي- و اللّه- لفي مسجد الخيف إذ أتاني رسول أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال لي: يقول لك أبو عبد اللّه (عليه السلام): أقبل إلينا الساعة.
فقمت مسرعا حتّى دخلت إليه و هو في فسطاط، فسلّمت و جلست؛
فالتفت إليّ- أو رفع رأسه إليّ- فقال: يا إبراهيم! أ تحبّ أن نعطيك بردة تكون كفنك؟
قال: قلت: و الّذي يحلف به إبراهيم لقد ضاعت بردتي؛
فنادى غلامه، فأتى ببردة، فإذا هي- و اللّه- بردتي بعينها، و طيّي [و اللّه] بيدي.
قال: فقال: خذها يا إبراهيم و احمد اللّه. (1)
2- باب إحضاره (عليه السلام) الرقعة عنده
الأخبار، الأصحاب:
1- كشف الغمّة: عن هشام بن أحمر، قال: كتب أبو عبد اللّه (عليه السلام) رقعة في حوائج لأشتريها، و كتب إذا قرأت الرقعة خرّقها. فاشتريت الحوائج [و أخذت الرقعة، فأدخلتها في
____________
(1) تقدّم مثله ص 216 ح 21، و عن الخرائج و الجرائح ص 215 ح 20، مع بياناته، و أخرجه في ملحقات إحقاق الحقّ: 12/ 256 عن الفصول المهمّة: 229، و عن نور الأبصار للشبلنجيّ: 162.
323
زنفيلجتي (1) و قلت: أتبرّك بها. قال: و قدمت عليه، فقال:
يا هشام! اشتريت الحوائج؟] قلت: نعم. قال: و خرّقت الرقعة؟ قلت:
أدخلتها زنفيلجتي و أقفلت عليها الباب، أطلب البركة، و هو ذا المفتاح في تكتّي.
قال: فرفع جانب مصلّاه و طرحها إليّ، فقال: خرّقها. فخرّقتها، و رجعت ففتّشت الزنفيلجيّة، فلم أجد فيها شيئا. (2)
3- باب إحضاره (عليه السلام) الصرّة عنده
الأخبار، الأصحاب:
1- مشارق الأنوار: عن محمّد بن سنان أنّ رجلا قدم إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) من خراسان، و معه صرر من الصدقات، معدودة مختومة، و عليها أسماء أصحابها مكتوبة.
فلمّا دخل الرجل جعل أبو عبد اللّه (عليه السلام) يسمّي أصحاب الصرر، و يقول: أخرج صرّة فلان، فإنّ فيها كذا و كذا.
ثمّ قال: أين صرّة المرأة الّتي بعثتها من غزل يدها؟ أخرجها، فقد قبلناها.
ثمّ قال للرجل: أين الكيس الأزرق؟ [و كان فيما حمل إليه كيس أزرق] فيه ألف درهم، و كان الرجل قد فقده في بعض طريقه، فلمّا ذكره الإمام (عليه السلام) استحيا الرجل فقال:
يا مولاي! في بعض الطريق قد فقد، فقال له الإمام: تعرفه إذا رأيته؟ فقال: [نعم فقال:] يا غلام! أخرج الكيس الأزرق. فأخرجه، فلمّا رآه الرجل عرفه،
فقال له الإمام (عليه السلام): إنّا احتجنا إلى ما فيه، فأحضرناه قبل وصولك إلينا.
فقال الرجل: يا مولاي! إنّي ألتمس الجواب بوصول ما حملته إلى حضرتك.
فقال له: إنّ الجواب كتبناه و أنت في الطريق. (3)
____________
(1) الزنفيلجة- بكسر الزاي و الفاء و فتح اللام: شبيه بالكنف، و هو معرّب. أصله بالفارسيّة: زينبيله (لسان العرب: 2/ 291).
(2) 2/ 195، عنه البحار: 47/ 147 ضمن ح 203، و إثبات الهداة: 5/ 434 ح 187.
(3) تقدّم ص 224 ح 38 (مثله).
324
12- أبواب معجزاته (عليه السلام) في المنامات و غيرها
1- باب ما وقع من معجزته (عليه السلام) في المنام لعبد اللّه بن عليّ بن الحسين (عليهما السلام)، عمّه
الأخبار، الأصحاب:
1- المناقب لابن شهرآشوب، و الخرائج و الجرائح: روي أنّ الوليد بن صبيح قال: كنّا عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) في ليلة، إذ طرق الباب طارق، فقال للجارية:
انظري من هذا؟ فخرجت ثمّ دخلت، فقالت: هذا عمّك عبد اللّه بن عليّ (عليه السلام).
فقال: أدخليه، و قال لنا: ادخلوا البيت. فدخلنا بيتا [آخر] فسمعنا منه حسّا ظننّا أنّ الداخل بعض نسائه، فلصق بعضنا ببعض، فلمّا دخل أقبل على أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فلم يدع شيئا من القبيح إلّا قاله في أبي عبد اللّه (عليه السلام)، ثمّ خرج و خرجنا، فأقبل يحدّثنا من الموضع الّذي قطع كلامه [عند دخول الرجل]. فقال بعضنا: لقد استقبلك هذا بشيء ما ظننّا أنّ أحدا يستقبل به أحدا، حتّى لقد همّ بعضنا أن يخرج إليه فيوقع به.
فقال: مه، لا تدخلوا فيما بيننا. فلمّا مضى من الليل ما مضى، طرق الباب طارق، فقال للجارية: انظري من هذا؟ فخرجت، ثمّ عادت، فقالت: هذا عمّك عبد اللّه بن عليّ (عليه السلام) قال لنا: عودوا إلى مواضعكم. ثمّ أذن له، فدخل بشهيق و نحيب و بكاء، و هو يقول:
يا ابن أخي اغفر لي، غفر اللّه لك، اصفح عنّي، صفح اللّه عنك.
فقال: غفر اللّه لك يا عمّ، ما الّذي أحوجك إلى هذا؟
قال: إنّي لمّا أويت إلى فراشي، أتاني رجلان أسودان [غليظان] فشدّا وثاقي، ثمّ قال أحدهما للآخر: انطلق به إلى النار، فانطلق بي، فمررت برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فقلت:
يا رسول اللّه! [أ ما ترى ما يفعل بي؟ قال: أ و لست الّذي أسمعت ابني ما أسمعت؟
فقلت: يا رسول اللّه] لا أعود، فأمره، فخلّى عنّي، و إنّي لأجد ألم الوثاق.
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): أوص.
قال: بم أوصي؟ فمالي [من] مال، و إنّ لي عيالا كثيرا، و عليّ دين.
325
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): دينك عليّ، و عيالك إلى عيالي. فأوصى، فما خرجنا من المدينة حتّى مات، و ضمّ أبو عبد اللّه (عليه السلام) عياله إليه، و قضى دينه، و زوّج ابنه ابنته. (1)
2- باب ما وقع من معجزته (عليه السلام) في المنام لزيد بن عليّ بن الحسين (عليهما السلام)، عمّه
الأخبار، الأصحاب:
1- المناقب لابن شهرآشوب: معتّب، قال: قرع باب مولاي الصادق (عليه السلام) فخرجت، فإذا بزيد بن عليّ (عليه السلام)، فقال الصادق (عليه السلام) لجلسائه:
ادخلوا هذا البيت، و ردّوا الباب، و لا يتكلّم منكم أحد.
فلمّا دخل، قام إليه فاعتنقا، و جلسا طويلا يتشاوران، ثمّ علا الكلام بينهما؛
فقال زيد: دع ذا عنك يا جعفر! فو اللّه لئن لم تمدّ يدك حتّى أبايعك، أو هذه يدي فبايعني، لأتعبنّك و لاكلّفنّك ما لا تطيق، فقد تركت الجهاد، و أخلدت (2) إلى الخفض، و أرخيت الستر، و احتويت على مال الشرق و الغرب!
فقال الصادق (عليه السلام): يرحمك اللّه يا عمّ، يغفر لك اللّه يا عمّ، و زيد يسمعه (3) و يقول:
موعدنا الصبح أ ليس الصبح بقريب، و مضى، فتكلّم الناس في ذلك.
فقال: مه! لا تقولوا لعمّي زيد إلّا خيرا، رحم اللّه عمّي، فلو ظفر لوفى.
فلمّا كان في السحر قرع الباب، ففتحت له الباب، فدخل يشهق و يبكي و يقول:
ارحمني يا جعفر، يرحمك اللّه، ارض عنّي يا جعفر، رضي اللّه عنك؛
للّه اغفر لي يا جعفر، غفر اللّه لك.
فقال الصادق (عليه السلام): غفر اللّه لك، و رحمك و رضي عنك، فما الخبر يا عمّ؟
قال: نمت فرأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و عليّ (عليه السلام) أمامه، و بيده حربة تلتهب التهابا كأنّها نار و هو يقول: إيها يا زيد آذيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في جعفر، فو اللّه لئن لم يرحمك، و يغفر لك،
____________
(1) يأتي ص 901 ح 1 بتخريجاته.
(2) «أخلد إلى المكان: أقام» منه ره.
(3) «يسمعه: يشتمه» منه ره.
326
و يرضى عنك، لأرمينّك بهذه الحربة، فلأضعها بين كتفيك، ثمّ لاخرجها من صدرك.
فانتبهت فزعا مرعوبا، فصرت إليك، فارحمني يرحمك اللّه، فقال:
رضي اللّه عنك، و غفر [اللّه] لك، أوصني، فإنّك مقتول مصلوب محروق بالنار فوصّى زيد بعياله، و أولاده، و قضاء الدين عنه. (1)
3- باب آخر [في تأويله (عليه السلام) رؤيا إسماعيل بن عبد اللّه
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: إسماعيل بن عبد اللّه القرشي، قال:
أتى إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) رجل فقال [له]: يا ابن رسول اللّه! رأيت في منامي كأنّي خارج من مدينة الكوفة في موضع أعرفه، و كأنّ شبحا من خشب، أو رجلا منحوتا من خشب، على فرس من خشب، يلوّح بسيفه، و أنا اشاهده فزعا مرعوبا.
فقال له (عليه السلام): أنت رجل تريد اغتيال رجل في معيشته، فاتّق اللّه الّذي خلقك ثمّ يميتك.
فقال الرجل: أشهد أنّك قد اوتيت علما، و استنبطته من معدنه؛
اخبرك يا ابن رسول اللّه عمّا قد فسّرت لي: أنّ رجلا من جيراني جاءني و عرض عليّ ضيعته، فهممت أن أملكها بوكس (2) كثير لمّا عرفت أنّه ليس لها طالب غيري.
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): و صاحبك يتولّانا، و يبرأ من عدوّنا؟ فقال:
نعم يا ابن رسول اللّه [رجل جيّد البصيرة، مستحكم الدين، و أنا تائب إلى اللّه عزّ و جلّ و إليك ممّا هممت به و نويته، فأخبرني يا ابن رسول اللّه] لو كان ناصبا حلّ لي اغتياله؟
فقال: أدّ الأمانة لمن ائتمنك، و أراد منك النصيحة و لو إلى قاتل الحسين (عليه السلام). (3)
____________
(1) يأتي ص 902 ح 1 بتخريجاته.
(2) «الوكس: النقص، و وكس فلان على المجهول أي خسر» منه ره.
(3) 8/ 293 ح 448، عنه البحار: 47/ 155 ح 218، و الوسائل: 12/ 331 ح 1؛
أقول: يأتي- في المجلّد الخاص من موسوعة العوالم في حقيقة الرؤيا و تعبيرها- ما يناسب هذا الباب عن الصّادق (عليه السلام) منه ره.
327
13- أبواب معجزاته (عليه السلام) في إبراء الأكمه
1- باب إراءته (عليه السلام) السماء لأبي بصير
الأخبار، الأصحاب:
1- بصائر الدرجات: أحمد بن محمّد، عن العبّاس، عن حمّاد بن عيسى، عن الحسين بن المختار، عن أبي بصير، قال: قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام): تريد أن تنظر بعينك إلى السماء؟ قلت: نعم. [قال:]، فمسح يده على عيني، فنظرت إلى السماء. (1)
2- باب آخر، و هو من الأوّل [معجزته (عليه السلام) بإراءة أبي بصير الناس على صورة القردة و الخنازير]
الأخبار، الأصحاب:
1- بصائر الدرجات: محمّد بن الحسين، عن عبد اللّه بن جبلّة، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير: حججت مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) فلمّا كنّا في الطواف، قلت له:
جعلت فداك يا ابن رسول اللّه، يغفر اللّه لهذا الخلق؟
فقال: يا أبا بصير! إنّ أكثر من ترى قردة و خنازير.
قال: قلت له: أرنيهم.
قال: فتكلّم بكلمات، ثمّ أمرّ يده على بصري، فرأيتهم قردة و خنازير، فهالني ذلك، ثمّ أمرّ يده على بصري، فرأيتهم كما كانوا في المرّة الاولى.
ثمّ قال: يا أبا محمّد! أنتم في الجنّة تحبرون (2)، و بين أطباق النار تطلبون فلا توجدون، و اللّه لا يجتمع في النار منكم ثلاثة، لا و اللّه و لا اثنان، لا و اللّه و لا واحد. (3)
____________
(1) 270 ح 5، عنه البحار: 47/ 78 ح 57. و رواه في دلائل الإمامة: 134 بإسناده إلى أبي بصير (مثله).
(2) «الحبر- بالفتح-: السرور و النعمة» منه ره.
(3) 270 ح 4، عنه البحار: 47/ 79 ح 58.
و أورده في الخرائج و الجرائح: 2/ 827 ح 40 عن الصفّار (مثله) (و فيه تخريجاته).
328
3- باب آخر [في إراءته (عليه السلام) نفسه لأبي بصير]
الأخبار، الأصحاب:
1- بصائر الدرجات: محمّد بن الحسين، عن موسى بن سعدان، عن أبيه، عن أبي بصير، قال: تجسّست جسد أبي عبد اللّه و مناكبه؛
قال: فقال: يا أبا محمّد! تحبّ أن تراني؟ فقلت: نعم جعلت فداك.
قال: فمسح يده على عيني، فإذا أنا أنظر إليه، [قال:] فقال:
يا أبا محمّد! لو لا شهرة الناس لتركتك بصيرا على حالك، و لكن لا تستقيم.
قال: ثمّ مسح يده على عيني، فإذا أنا كما كنت.
المناقب لابن شهرآشوب: عن موسى (مثله). (1)
استدراك
(4) باب آخر في معجزته (عليه السلام) لأبي هارون المكفوف
(1) الهداية الكبرى: بالإسناد إلى حمران بن أعين، عن أبي هارون المكفوف، عن أبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام)، قال أبو هارون:
خرجت اريده فلقيني بعض أعدائه، فقال:
أعمى يسعى إلى عند أعمى، فمصير كما إلى النار يا سحرة يا كفرة!
فدخلت على مولاي الصادق (صلوات اللّه عليه) حزينا باكي العين، و عرّفته ما جرى، فاسترجع و قال: يا أبا هارون! لا يحزنك ما قاله عدوّنا؛
فو اللّه ما اجترأ إلّا على اللّه، و قد نزلت به في الوقت عقوبة أندرت ناظريه من عينيه، و جعلت أنت من بعده بصيرا، و من علامة ذلك، خذ هذا الكتاب فاقرأه.
قال أبو هارون: فأخذت الكتاب ففضضته، و قرأته إلى آخر حرف منه.
ثمّ قال: لا تنظر في أمر يهمّك إلّا رأيته، لا تحجب بعد يومك هذا إلّا عن ما لا يهمّك.
____________
(1) 271 ح 7، 3/ 364، عنهما البحار: 47/ 79 ح 59 و 60؛
و رواه في دلائل الإمامة: 134 بإسناده إلى أبي بصير (مثله)، عنه مدينة المعاجز: 383 ح 83.
329
قال أبو هارون: فصرفت قائدي من الباب، و جئت إلى بيتي أنظر إلى طريقي و إلى ما يهمّني، و قرأت سكك الدراهم و الدنانير، و نقش الفصوص، و تزويق السقوف؛
و لم أحجب إلّا عمّا لا يعنيني، فإنّي لم أكن أراه.
و سألت عن الرجل، فوجدته لم يبلغ بعض طريقه إلى داره حتّى فقد ناظريه من عينيه، و افتقر و كان ذا مال، فكان يسأل الناس عن الطريق. (1)
***
____________
(1) 257، عنه إثبات الهداة: 5/ 452 ح 226.
330
14- أبواب معجزاته (عليه السلام) في استجابة دعواته في دفع الأمراض و الآفات و العاهات و البليّات
1- باب معجزته (عليه السلام) و استجابة دعائه في الإفاقة (1)
الأخبار، الأصحاب:
1- قرب الإسناد: محمّد بن عيسى، عن بكر بن محمّد الأزدي، قال:
عرض [عارض] لقرابة لي و نحن في طريق مكّة- و أحسبه قال: بالربذة (2)- فلمّا صرنا إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) ذكرنا ذلك له، و سألناه الدعاء له، ففعل.
قال بكر: فرأيت الرجل حيث عرض له، و رأيته حيث أفاق. (3)
2- باب معجزته (عليه السلام) و إجابة دعائه في دفع الوضح
الأخبار، الأصحاب:
1- أمالي الطوسي: أبو القاسم بن شبل، عن ظفر بن حمدون، عن إبراهيم بن إسحاق، عن ابن أبي عمير، عن سدير الصيرفي، قال: جاءت امرأة إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فقالت له: جعلت فداك، إنّي و أبي و أهل بيتي نتولّاكم.
فقال لها أبو عبد اللّه (عليه السلام): صدقت، فما الّذي تريدين؟ قالت له المرأة:
جعلت فداك يا ابن رسول اللّه، أصابني وضح (4) في عضدي، فادع اللّه أن يذهب به عنّي.
قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): اللهمّ إنّك تبرئ الأكمه و الأبرص، و تحيي العظام و هي رميم، ألبسها من عفوك و عافيتك ما ترى أثر إجابة دعائي.
____________
(1) أفاق فلان: عاد إلى طبيعته من غشية لحقته.
(2) الربذة: من قرى المدينة على ثلاث أميال منها، قريبة من ذات عرق، على طريق الحجاز إذا رحلت من فيد تريد مكّة، بها قبر أبي ذرّ (رض) ... (مراصد الاطلاع: 2/ 601).
(3) 9، عنه البحار: 47/ 63 ح 1.
(4) الوضح، بالتحريك: البرص، البياض من كلّ شيء.
331
فقالت المرأة: و اللّه لقد قمت، و ما بي منه قليل و لا كثير. (1)
3- باب في معجزته (عليه السلام) و إجابة دعائه في دفع البياض عن الوجه
الأخبار، الأصحاب:
1- المناقب لابن شهرآشوب: إسحاق، و إسماعيل، و يونس، بنو عمّار:
أنّه استحال وجه يونس إلى البياض، فنظر الصادق (عليه السلام) إلى جبهته فصلّى ركعتين، ثمّ حمد اللّه و أثنى عليه و صلّى على النبيّ و آله، ثمّ قال: قل:
«يا اللّه يا اللّه يا اللّه، يا رحمن يا رحمن يا رحمن، يا رحيم يا رحيم يا رحيم، يا أرحم الراحمين، يا سميع الدعوات، يا معطي الخيرات، صلّ على محمّد و على أهل بيته الطاهرين الطيّبين، و اصرف عنّي شرّ الدنيا و شرّ الآخرة، و اذهب عنّي شرّ الدنيا و شرّ الآخرة، و أذهب عنّي ما بي، فقد غاظني ذلك و أحزنني».
قال: فو اللّه ما خرجنا من المدينة حتّى تناثر عن وجهه مثل النخالة، و ذهب.
قال الحكم (2) بن مسكين: و رأيت البياض بوجهه، ثمّ انصرف و ليس في وجهه شيء. (3)
4- باب معجزته (عليه السلام) و دعائه في دفع الصداع
الأخبار، الأصحاب:
1- المناقب لابن شهرآشوب: معاوية بن وهب قال:
____________
(1) 2/ 21، عنه المناقب لابن شهرآشوب: 3/ 359، و البحار: 47/ 64 ح 4، و مدينة المعاجز: 399 ح 148.
(2) الحكم بن مسكين، أبو محمّد الكوفي، مولى ثقيف، المكفوف، روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)؛ و يظهر هنا أنّ بصره كفّ في آخر عمره.
(3) 3/ 358، عنه البحار: 47/ 133 ح 182، و مدينة المعاجز: 413 ح 220؛
و روى نحوه في طبّ الأئمّة: 109، عن إبراهيم بن سرحان المتطبّب، عن عليّ بن أسباط، عن حكيم بن مسكين، عن إسحاق بن إسماعيل و بشر بن عمّار قالا:
أتينا أبا عبد اللّه (عليه السلام) و قد خرج بيونس من الداء الخبيث ...، عنه مدينة المعاجز: 399 ح 152.
332
صدع ابن لرجل من أهل مرو (1) فشكا ذلك إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فقال: أدنه منّي.
قال: فمسح على رأسه، ثمّ قال إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَ لَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ (2) فبرئ بإذن اللّه. (3)
5- باب معجزته (عليه السلام)، و إجابة دعوته لحبابة الوالبيّة في دفع ما بها
الأخبار، الأصحاب:
1- طبّ الأئمّة: أحمد بن منذر، عن عمر بن عبد العزيز، عن داود الرقّي، قال:
كنت عند أبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام) فدخلت عليه حبابة الوالبيّة، و كانت خيّرة، فسألته عن مسائل في الحلال و الحرام، فتعجّبنا من حسن تلك المسائل، إذ قال لنا:
أ رأيتم مسائل أحسن من مسائل حبابة الوالبيّة؟
فقلنا: جعلنا فداك، لقد وقّرت ذلك في عيوننا و قلوبنا.
قال: فسألت دموعها، فقال الصادق (عليه السلام): مالي أرى عينيك قد سالتا؟
قالت: يا ابن رسول اللّه! داء قد ظهر بي من الأدواء الخبيثة الّتي كانت تصيب الأنبياء (عليه السلام) و الأولياء، و إنّ قرابتي و أهل بيتي يقولون قد أصابتها الخبيثة؛
و لو كان صاحبها كما قالت مفروض الطاعة لدعا لها، فكان اللّه تعالى يذهب عنها،
و أنا و اللّه سررت بذلك و علمت أنّه تمحيص (4)، و كفّارات، و أنّه داء الصالحين.
فقال لها الصادق (عليه السلام): و قد قالوا ذلك، قد أصابتك الخبيثة؟
قالت: نعم يا ابن رسول اللّه.
قال: فحرّك الصادق (عليه السلام) شفتيه بشيء ما أدري أيّ دعاء كان؛
فقال: ادخلي دار النساء حتّى تنظرين إلى جسدك. قال: فدخلت، فكشفت عن ثيابها، ثمّ قامت و لم يبق في صدرها، و لا في جسدها شيء؛
____________
(1) مرو- بالفتح-: بلدة من بلاد خراسان.
(2) فاطر: 41.
(3) 3/ 359، عنه البحار: 47/ 134 ذ ح 182، و مدينة المعاجز: 414 ح 221.
(4) التمحيص: الابتلاء و الاختبار.
333
فقال: اذهبي الآن إليهم و قولي لهم: هذا الّذي يتقرّب إلى اللّه تعالى بإمامته. (1)
6- باب معجزته (عليه السلام) بإجابة دعائه في دفع البلاء و الآفات لرجل
الكتب:
1- دعوات الراوندي: كان الصادق (عليه السلام) تحت الميزاب و معه جماعة إذ جاءه شيخ فسلّم، ثمّ قال:
يا ابن رسول اللّه! إنّي لاحبّكم أهل البيت، و أبرأ من عدوّكم، و إنّي بليت ببلاء شديد، و قد أتيت البيت متعوّذا به ممّا أجد [و تعلّقت بأستاره، ثمّ أقبلت إليك و أنا أرجو أن يكون سبب عافيتي ممّا أجد].
ثمّ بكى و أكبّ على أبي عبد اللّه (عليه السلام) يقبّل رأسه و رجليه، و جعل أبو عبد اللّه (عليه السلام) يتنحّى عنه، فرحمه و بكى، ثمّ قال: هذا أخوكم و قد أتاكم متعوّذا بكم، فارفعوا أيديكم.
فرفع أبو عبد اللّه (عليه السلام) يديه، و رفعنا أيدينا، ثمّ قال (عليه السلام):
اللهمّ إنّك خلقت هذه النفس من طينة أخلصتها، و جعلت منها أولياءك، و أولياء أولياءك، و إن شئت أن تنحّي عنّا الآفات فعلت [اللهمّ و قد تعوّذنا ببيتك الحرام الّذي يأمن به كلّ شيء] اللّهم و قد تعوّذ بنا، و أنا أسألك يا من احتجب بنوره عن خلقه، أسألك ب [حقّ] محمّد و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام)، يا غاية كلّ محزون و ملهوف و مكروب و مضطرّ و مبتل، أن تؤمنه بأماننا ممّا يجد، و أن تمحو من طينته ما قدّر عليها من البلاء، و أن تفرّج كربته يا أرحم الراحمين».
فلمّا فرغ من الدعاء انطلق الرجل، فلمّا بلغ باب المسجد رجع و بكى، ثمّ قال:
اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ (2)؛
و اللّه ما بلغت باب المسجد و بي ممّا أجد قليل و لا كثير، ثمّ ولّى. (3)
____________
(1) 110، عنه البحار: 47/ 121 ح 169، و إثبات الهداة: 5/ 438 ح 197 و مدينة المعاجز: 400 ح 153.
(2) الأنعام: 124.
(3) 204 ح 557، عنه البحار: 47/ 122 ح 170، و ج 94/ 40 ذ ح 24.
334
7- باب معجزته (عليه السلام) في تعليم القرآن كلّه لمن لا يحسنه في ليلة
الأخبار، م:
1- الخرائج و الجرائح: روي أنّه كان لأبي عبد اللّه (عليه السلام) مولى يقال له «مسلم» و كان لا يحسن القرآن، فعلّمه في ليلة، فلمّا أصبح، أصبح و قد أحكم القرآن. (1)
[الأخبار: الأئمّة: الرضا (عليهم السلام)]
2- رجال الكشّي: محمّد بن مسعود، عن عليّ بن الحسن، عن محمّد بن الوليد، عن العبّاس بن هلال، عن أبي الحسن (عليه السلام)، قال:
ذكر أنّ «مسلم» مولى جعفر بن محمّد (عليهم السلام) سنديّ، و أنّ جعفرا (عليه السلام) قال له:
أرجو أن تكون قد وافقت الاسم (2)، و أنّه علّم القرآن في النوم، فأصبح و قد علمه.
محمّد بن مسعود عن عبد اللّه بن محمّد بن خالد عن الوشّاء، عن الرضا (عليه السلام) (مثله). (3)
8- باب معجزته (عليه السلام) بإجابة الدعاء في ردّ الضالّة
الأخبار، الأصحاب:
1- الخرائج و الجرائح: روي أنّ الطيالسي قال: جئت من مكّة إلى المدينة، فلمّا كنت على ليلتين من المدينة، ذهبت راحلتي و عليها نفقتي و متاعي و أشياء كانت للناس معي، فأتيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) فشكوت إليه، فقال: ادخل المسجد، فقل:
«اللهمّ إنّي أتيتك زائرا لبيتك الحرام، و إنّ راحلتي قد ذهبت، فردّها عليّ»
فجعلت أدعو، فإذا مناد ينادي على باب المسجد: يا صاحب الراحلة! اخرج، فخذ راحلتك، فقد آذيتنا منذ الليلة! فأخذتها و ما فقدت منها خيطا واحدا. (4)
____________
(1) 2/ 613 ح 10، عنه البحار: 47/ 101 ح 121.
(2) و المعنى أن تكون مسلما حقّا في عقيدتك كاسمك.
(3) 338 ح 624، عنه البحار: 47/ 153 ح 213، و مدينة المعاجز: 409 ح 200.
(4) تقدّم ص 250 ح 10.
335
9- باب معجزته بإجابة دعائه (عليه السلام) في المال و الولد
الأخبار، الأصحاب:
1- رجال الكشّي: حمدويه و إبراهيم ابنا نصير، عن محمّد بن عيسى، عن الوشّاء عن بشر بن طرخان، قال:
لمّا قدم أبو عبد اللّه (عليه السلام) [الحيرة] أتيته، فسألني عن صناعتي، فقلت: نخّاس.
فقال: نخّاس الدوابّ؟ فقلت: نعم، و كنت رثّ الحال.
فقال: اطلب لي بغلة فضحاء (1)، بيضاء الأعفاج (2) بيضاء البطن.
فقلت: ما رأيت هذّه الصفة قطّ! [فقال: بلى.] فخرجت من عنده، فلقيت غلاما تحته بغلة بهذه الصفة، فسألته عنها، فدلّني على مولاه، فأتيته فلم أبرح حتّى اشتريتها، ثمّ أتيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) [بها]، فقال: نعم، [هذه] الصفة طلبت.
ثمّ دعا لي، فقال: أنمى اللّه ولدك، و كثّر مالك.
فرزقت من ذلك ببركة دعائه، و قنيت (3) من الأولاد ما قصرت عنه الامنيّة. (4)
10- باب معجزته (عليه السلام) بإجابة دعائه في الإخراج من الحبس
الأخبار، الأصحاب:
1- كشف الغمّة: من كتاب الدلائل للحميري، عن عبد الحميد بن أبي العلا-
____________
(1) «الأفضح: الأبيض لا شديدا» منه ره.
(2) الأعفاج، جمع العفج: و هو ما ينتقل إليه الطعام بعد المعدة» منه ره.
و في رواية الكافي ما لفظه: «أصب لي بغلة فضحاء، قلت: جعلت فداك و ما الفضحاء؟ قال: دهماء بيضاء البطن، بيضاء الافحاح- و في البحار الافجاج- بيضاء الجحفلة ...».
(3) «قنيت- بفتح النون-: أي اكتسبت و جمعت» منه ره.
(4) 311 ح 563، عنه البحار: 47/ 152 ح 211، و ج 64/ 198 ح 45، و إثبات الهداة: 5/ 444 ح 209. و رواه في الكافي: 6/ 537 ح 3 بإسناده إلى طرخان النخّاس (مثله)؛
عنه البحار: 64/ 199 ح 46، و الوسائل: 8/ 348 ح 6.
336
و كان صديقا لمحمّد بن عبد اللّه [بن عليّ] بن الحسين [بن عليّ (عليهم السلام)]، و كان به خاصّا-
فأخذه أبو جعفر (1) فحبسه في المضيق (2) زمانا، ثمّ إنّه وافى الموسم، فلمّا كان يوم عرفة لقيه أبو عبد اللّه (عليه السلام) في الموقف، فقال:
يا محمّد (3)! ما فعل صديقك عبد الحميد؟
فقال: أخذه أبو جعفر فحبسه في المضيق زمانا، فرفع أبو عبد اللّه (عليه السلام) يده ساعة، ثمّ التفت إلى محمّد بن عبد اللّه، فقال: يا محمّد! قد- و اللّه- خلّي سبيل صاحبك، قال محمّد:
فسألت عبد الحميد، أيّ ساعة أخرجك أبو جعفر؟
قال: أخرجني يوم عرفة بعد العصر.
المناقب لابن شهرآشوب: من كتاب الدلالات عن حنان، قال:
حبس أبو جعفر عبد الحميد، و ذكر (مثله). (4)
11- باب آخر، و هو من الأوّل على وجه آخر
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن يحيى بن إبراهيم بن مهاجر، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):
فلان يقرئك السلام، و فلان، و فلان، فقال: و (عليهم السلام).
قلت: يسألونك الدعاء، فقال: و مالهم؟ قلت: حبسهم أبو جعفر؛
____________
(1) أي المنصور الدوانيقي.
(2) المضيق: قرية في لحف آرة، بين مكّة و المدينة. و قيل: المضيق، موضع بين مدينة الزبّاء بنت عمرو، و بين بلاد الخانوقة و قرقيسيا على الفرات (مراصد الاطّلاع: 3/ 1282).
(3) «يا أبا محمّد» ع، ب، م، تصحيف واضح بقرينة ما قبله و ما بعده.
(4) 2/ 190، 3/ 361، عنهما البحار: 47/ 143 ح 197 و 198؛ و رواه في دلائل الإمامة: 118 باسناده إلى عبد الحميد (مثله)، عنه مدينة المعاجز: 391 ح 115 و عن المناقب، و أخرجه في إثبات الهداة: 5/ 431 ح 179 عن كشف الغمّة.
338
قال: فرحلت، فأتيت مدينة (1) ابن هبيرة، فصادفت أبا جعفر راكبا، فصحت إليه: أبي أبو بكر الحضرمي شيخ كبير! فقال: إنّ ابنه لا يحفظ لسانه، خلّوا سبيله. (2)
استدراك (1) الثاقب في المناقب: عن بكير بن أعين، قال: حبس عبد اللّه بن عبّاس (3) بالكوفة، فحمّلني رسالة إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) يسأله الدعاء بتخليته؛
فلمّا أن كان في يوم عرفة على الموقف، قلت له:
اذكر أمر مولاك عبد اللّه بن عبّاس، فرفع يده و حرّك شفتيه، ثمّ قال: أطلق عنه.
قال بكير: فرجعت إلى الكوفة، فسألت عن اليوم الّذي خلّي عن عبد اللّه بن عبّاس، فوجدت تخليته في الوقت الّذي دعا له أبو عبد اللّه (عليه السلام) بالتخلية. (4)
13- باب [معجزته] باستجابة جوامع دعواته (عليه السلام) لحمّاد بن عيسى
الأخبار، م:
1- المناقب لابن شهرآشوب، و الخرائج و الجرائح: روي أنّ حمّاد بن عيسى؛
سأل الصادق (عليه السلام) أن يدعو له ليرزقه اللّه ما يحجّ به كثيرا، و أن يرزقه ضياعا حسنة، و دارا حسناء، و زوجة من أهل البيوتات صالحة، و أولادا أبرارا.
فقال الصادق (عليه السلام): اللهمّ ارزق حمّاد بن عيسى ما يحجّ به خمسين حجّة؛
و ارزقه ضياعا، و دارا حسناء، و زوجة صالحة من قوم كرام، و أولادا أبرارا.
____________
(1) «قصر ابن هبيرة ينسب إلى يزيد بن عمر بن هبيرة و الي العراق لمروان بن محمّد، بناه بالقرب من جسر سورا، نزله السفّاح لمّا ولّي و استتمّ تسقيف مقاصير فيه، و زاد في بنائه و سمّاه الهاشمية، و لم يزل اسم ابن هبيرة عنه فرفضه، و بنى حياله مدينة ...» (مراصد الاطّلاع: 3/ 1101).
(2) 2/ 193، عنه البحار: 47/ 145 ضمن ح 199، و إثبات الهداة: 5/ 433 ح 186.
(3) كذا، و لم نقف على ترجمته، و هو حتما غير عبد اللّه بن العبّاس بن عبد المطّلب الصحابي.
(4) 404 ح 1.
337
فقال: و مالهم؟ و ماله؟ قلت: استعملهم فحبسهم.
فقال: و مالهم؟ و ماله؟ أ لم أنههم؟ أ لم أنههم؟ أ لم أنههم؟ هم النار، هم النار [هم النار].
ثمّ قال: اللهمّ لخدع عنهم سلطانهم (1).
قال: فانصرفت من مكّة، فسألت عنهم، فإذا هم قد اخرجوا بعد الكلام بثلاثة أيّام. (2)
2- المناقب لابن شهرآشوب: يحيى بن [إبراهيم بن] مهاجر، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): فلان يقرأ عليك السلام، و فلان و فلان، فقال: و (عليهم السلام).
قلت: يسألونك الدعاء. فقال: مالهم؟ قلت: حبسهم أبو جعفر المنصور.
فقال: و مالهم و ماله؟ قلت: استعملهم فحبسهم.
فقال: و مالهم و ماله؟ أ لم أنههم؟ أ لم أنههم (3)؟ هم النار، هم النار.
ثمّ قال: اللهمّ اخدع عنهم سلطانهم.
قال: فانصرفنا، فإذا هم قد اخرجوا. (4)
12- باب آخر [في استجابة دعائه (عليه السلام) في الإخراج من الحبس أيضا]
الأخبار، الأصحاب:
1- كشف الغمّة: من كتاب الدلائل للحميري، عن بكر بن أبي بكر الحضرمي قال:
حبس أبو جعفر أبي، فخرجت إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) فأعلمته ذلك، فقال:
إنّي مشغول بابني إسماعيل، و لكن سأدعو له، قال: فمكثت أيّاما بالمدينة، فأرسل إليّ أن ارحل، فإنّ اللّه قد كفاك أمر أبيك، فأمّا إسماعيل فقد أبي اللّه إلّا قبضه.
____________
(1) كناية عن تحويل قلبه عن ضررهم، و اشتغاله بما يصير سببا عنهم، و ربّما يقرأ- بالجيم و الدال المهملة- بمعنى الحبس و القطع (مرآة العقول: 19/ 63).
(2) 5/ 107 ح 8، عنه البحار: 47/ 158 ح 225، و إثبات الهداة: 5/ 348 ح 24، و الوسائل:
12/ 135 ح 3، و مدينة المعاجز: 374 ح 44.
(3) في البحار: لم يكررها و كذا ما بعدها.
(4) 3/ 360، عنه البحار: 47/ 135 ح 185.
339
قال بعض من حضره: دخلت بعد سنين على حمّاد بن عيسى في داره بالبصرة؛
فقال لي: أتذكر دعاء الصادق (عليه السلام) لي؟ قلت: نعم.
قال: هذه داري ليس في البلد مثلها، و ضياعي أحسن الضياع، و زوجتي من تعرفها من كرام الناس، و أولادي [هم من] تعرفهم [من الأبرار] و قد حججت ثمانية و أربعين حجّة.
قال: فحجّ حمّاد حجّتين بعد ذلك؛
فلمّا خرج في الحجّة الحادية و الخمسين، و وصل إلى الجحفة (1)، و أراد أن يحرم، دخل واديا ليغتسل، فأخذه السيل، و مرّ به، فتبعه غلمانه، فأخرجوه من الماء ميّتا؛
فسمّي حمّاد غريق الجحفة. (2)
____________
(1) الجحفة: كانت قرية كبيرة، ذات منبر، على طريق مكّة على أربع مراحل، و هي ميقات أهل مصر و الشام، إن لم يمرّوا على المدينة؛ و كان اسمها مهيعة، و سمّيت الجحفة لأنّ السيل جحفها (مراصد الاطّلاع: 1/ 315).
(2) 3/ 422، 1/ 304 ح 8- و اللفظ منه- (و التخريجات الّتي في هامشه).
341
مات داود بن عليّ فجأة. (1)
(2) وسيلة النجاة: روي موت داود في سحر الليلة الّتي دعا الصادق (عليه السلام) عليه. (2)
(3) جامع كرامات الأولياء: إنّ بعض البغاة قتل مولاه، فلم يزل (عليه السلام) ليلته يصلّي ثمّ دعا عليه عند السحر، فسمعت الضجّة بموته. (3)
*** 2- باب دعائه (عليه السلام) على من منع غلامه من ماء زمزم
الأخبار، الأصحاب:
1- الخرائج و الجرائح: قال الميثمي (4): إنّ رجلا حدّثه، قال:
كنّا نتغدّى مع أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فقال لغلامه: انطلق و ائتنا بماء زمزم (5)؛
فانطلق الغلام، فما لبث أن جاء و ليس معه ماء، فقال:
إنّ غلاما من غلمان زمزم منعني الماء، و قال: تريد لإله العراق!
فتغيّر لون أبي عبد اللّه (عليه السلام) و رفع يده عن الطعام، و تحرّكت شفتاه، ثمّ قال للغلام: ارجع فجئنا بالماء. ثمّ أكل، فلم يلبث أن جاء الغلام بالماء، و هو متغيّر اللون، فقال: ما وراك؟
قال: سقط ذلك الغلام في بئر زمزم، فتقطّع، و هم يخرجونه. فحمد اللّه عليه. (6)
____________
(1) 226، عنه ملحقات إحقاق الحقّ: 12/ 258، و عن نور الأبصار: 161.
(2) 357، عنه ملحقات إحقاق الحقّ: 12/ 258.
(3) 2/ 4، عنه ملحقات إحقاق الحقّ: 12/ 248.
(4) لعلّه عليّ بن إسماعيل بن شعيب بن ميثم بن يحيى التمّار، أبو الحسن مولى بني أسد، كوفي، سكن البصرة، و كان من وجوه المتكلّمين من أصحابنا، قاله النجاشي في رجاله: 251؛ أو أحمد بن الحسن بن إسماعيل بن شعيب بن ميثم التمّار، الذي كان واقفا، كما في رجال النجاشي: 74.
(5) زمزم: اسم بئر بمكّة، سميّت به لكثرة مائها، و قيل: لزمّ هاجر مائها حين انفجرت؛ و قيل: لزمزمة جبرئيل (عليه السلام) و كلامه (مجمع البحرين: مادة زمم).
(6) 2/ 613 ح 9، عنه البحار: 47/ 98 ح 115.
340
15- أبواب معجزاته و استجابة دعواته (عليه السلام) فيمن دعا عليه
1- باب إجابة دعائه (عليه السلام) على داود بن عليّ في قتل المعلّى بن خنيس
الأخبار، م:
1- الخرائج و الجرائح: روي أنّ داود بن عليّ قتل المعلّى بن خنيس؛
فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): قتلت قيّمي (1) في مالي و عيالي، ثمّ قال: لأدعونّ اللّه عليك.
قال داود: اصنع ما شئت.
فلمّا جنّ الليل، قال (عليه السلام): اللهمّ ارمه بسهم من سهامك، فافلق به قلبه.
فأصبح و قد مات داود [و الناس يهنّئونه بموته].
فقال (عليه السلام): لقد مات على دين أبي لهب، و قد دعوت اللّه فأجاب فيه الدعوة، و بعث إليه ملكا معه مرزبة (2) من حديد، فضربه ضربة فما كانت إلّا صيحة.
قال: فسألنا الخدم، قالوا: صاح في فراشه، فدنونا منه فإذا هو ميّت. (3)
استدراك (1) الفصول المهمّة: روي أنّ داود بن عليّ بن العبّاس قتل المعلّى بن خنيس- مولى كان لجعفر الصادق (عليه السلام)- فأخذ ماله، فبلغ ذلك جعفرا، فدخل إلى داره و لم يزل ليله كلّه قائما إلى الصباح، و لمّا كان وقت السحر سمع منه و هو يقول في مناجاته:
«يا ذا القوّة القويّة، و يا ذا المحال الشديد، و يا ذا العزّة الّتي كلّ خلقك لها ذليل، اكفنا هذا الطاغية، و انتقم لنا منه». فما كان إلّا أن ارتفعت الأصوات بالصراخ و العويل، و قيل:
____________
(1) القيّم على الأمر: متولّيه.
(2) المرزبة- بالتخفيف-: المطرقة الكبيرة الّتي تكون للحدّاد.
و قيل: عصا كبيرة من حديد تتّخذ لتكسير المدر.
(3) 2/ 611 ح 7، و في هامشه تخريجات الحديث؛ و تقدّم نحوه ص 251 ح 13، و 257 ح 18 و يأتي ص 471 ح 6.
342
2- و منه: روي أنّ سماعة بن مهران، قال: كنّا عنده (عليه السلام) فقال:
يا غلام! ائتنا بماء زمزم. ثمّ سمعته يقول: «اللهمّ أعم بصره، اللهمّ أخرس لسانه، اللهمّ اصمّ سمعه». قال: فرجع الغلام يبكي، فقال: مالك؟
قال: إنّ فلان القرشي ضربني، و منعني من السقاء. قال: ارجع فقد كفيته.
فرجع و قد عمي و صمّ و خرس، و قد اجتمع عليه الناس. (1)
3- باب إجابة دعائه (عليه السلام) على الحكيم بن العبّاس الكلبي لشماتته بقتل زيد بن عليّ و صلبه، و ترجيحه عثمان على عليّ (عليه السلام)
الكتب:
1- المناقب لابن شهرآشوب:
و بلغ الصادق (عليه السلام) قول الحكيم (2) بن العبّاس الكلبي:
صلبنا لكم زيدا على جذع نخلة * * * و لم أر مهديّا على الجذع يصلب
و قستم بعثمان عليّا سفاهة * * * و عثمان خير من عليّ و أطيب (3)
____________
(1) 2/ 639 ح 46، عنه البحار: 47/ 108 ح 139.
(2) هو شاعر، و من أولياء بني اميّة، ترجم له في تنقيح المقال تحت الرقم 3262.
(3) قال عليّ بن عيسى في كشف الغمّة: 2/ 203: هذا الحكم- أبعده اللّه- جار في حكمه، و نادى على نفسه بكذبه و ظلمه، و الأمر بخلاف ما قال على رغمه.
و بيان ذلك أنّ زيدا رضي اللّه عنه لم يكن مهديّا، و لو كان، لم يكن ذلك مانعا من صلبه، فإنّ الأنبياء (عليه السلام) قد نيل منهم أمور عظيمة، و كفى أمر يحيى و زكريّا (عليهما السلام) و في قتلات جرجيس (عليه السلام) المتعدّدة كفاية، و قتل الأنبياء و الأوصياء و صلبهم و إحراقهم إنّما يكون طعنا فيهم لو كان من قبل اللّه تعالى، فأمّا إذا كان من الناس فلا بأس، فالنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) شجّ جبينه، و كسرت رباعيّته، و مات بأكلة خيبر مسموما، فليكن ذلك قدحا في نبوّته.
و أمّا قوله: «و قستم بعثمان عليّا» فهذا كذب بحت، و زور صريح، فإنّا لم نقسه به ساعة قطّ.
و أمّا قوله: «و عثمان خير من عليّ و أطيب» فإنّا لا نزاحمه في اعتقاده، و يكفيه ذلك ذخيرة لمعاده، فهو أدرى بما اختاره من مذهبه، و قد جنى معجّلا ثمرة كذبه، و اللّه يتولّى مجازاته يوم منقلبه.
فدام لي و لهم ما بي و ما بهم * * * و مات أكثرنا غيظا بما يجد
344
16- أبواب معجزاته و استجابة دعواته (عليه السلام) في إحياء اللّه تعالى الأموات
1- باب معجزته و استجابة دعائه (عليه السلام) في إحياء اللّه تعالى ابن امرأة
الأخبار، الأصحاب:
1- بصائر الدرجات: أحمد بن محمّد، عن عمر بن عبد العزيز، عن جميل بن درّاج قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فدخلت عليه امرأة، فذكرت أنّها تركت ابنها بالملحفة على وجهه ميّتا، قال لها: لعلّه لم يمت، فقومي فاذهبي إلى بيتك، و اغتسلي و صلّى ركعتين، و ادعي و قولي: «يا من وهبه لي و لم يك شيئا، جدّد لي هبته»
ثمّ حرّكيه، و لا تخبري بذلك أحدا.
قال: ففعلت، فجاءت فحرّكته، فإذا هو قد بكى!
الكافي: محمّد بن يحيى، عن أحمد (مثله).
المناقب لابن شهرآشوب: عن جميل (مثله). (1)
2- باب معجزته (عليه السلام) في إحياء اللّه تعالى زوجة رجل
الأخبار، الأصحاب:
1- بصائر الدرجات: عبد اللّه بن محمّد، عن محمّد بن إبراهيم، عن أبي محمّد بريد (2)، عن داود بن كثير الرقّي، قال: حجّ رجل من أصحابنا، فدخل على أبي عبد اللّه (عليه السلام)؛
فقال: فداك أبي و امّي إنّ أهلي قد توفّيت و بقيت وحيدا.
____________
(1) 272 ح 1، 3/ 479 ح 11، 3/ 365، عنها البحار: 47/ 79 ح 61، 62، 63. و أورده في دلائل الإمامة: 131، و في «الثاقب في المناقب»: 395 ح 1، عن جميل بن درّاج (مثله)؛
و أخرجه في إثبات الهداة: 5/ 341 ح 13، و الوسائل: 5/ 263 ح 2 عن الكافي؛
و في مدينة المعاجز: 383 ح 85 عن البصائر و دلائل الإمامة.
(2) كذا، و في خ «يزيد» و في دلائل الإمامة، و مدينة المعاجز: هكذا «أبو محمّد عن (بن) يزيد».
343
فرفع الصادق (عليه السلام) يديه إلى السماء و هما يرعشان، فقال: اللهمّ إن كان عبدك كاذبا فسلّط عليه كلبك.
فبعثه بنو اميّة إلى الكوفة، فبينما هو يدور في سككها إذ افترسه الأسد، و اتّصل خبره بجعفر فخرّ ساجدا، ثمّ قال:
الحمد للّه الّذي أنجزنا ما وعدنا. (1)
____________
و إذا كان القتل و الصلب و أمثالهما عنده موجبا للنقيصة، و قادحا في الإمامة، فكيف اختار عثمان و قال بإمامته و قد كان من قتله ما كان!؟ و باللّه المستعان على أمثال هذا الهذيان؛ فقد ظهر لك- أيّدك اللّه- ميل الحكيم و بعده من الرشد حين حكم، و تعدّيه الحقّ في النظم الّذي نظم، فليته كالصاغاني حين وصل إلى بكم.
أقول: و قد ردّ على أبياته تلك بردود كثيرة، منها:
ألا إنّكم في صلب زيد كأنّكم * * * يهود على صلب المسيح تألّبوا
و من قاس مولانا عليّا أخا الهدى * * * بضليلكم عثمان فهو مكذوب
.
(1) 3/ 360، عنه البحار: 47/ 136 ذ ح 185؛
و روى في دلائل الإمامة: 115 بإسناده إلى ثمامة بن أشرس عن محمّد بن راشد، عن أبيه (نحوه).
و أخرجه في كشف الغمّة: 2/ 201- 203 عن صفوة الصفوة لابن الجوزي، و في إحقاق الحقّ:
12/ 259، عن الفصول المهمّة لابن الصبّاغ: 208، و فرائد السمطين: 1/ 392، و نور الأبصار:
198، و وسيلة النجاة: 361، و في ج 19/ 510، عن الأنوار القدسيّة: 36.
345
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): أ فكنت تحبّها؟ قال: نعم جعلت فداك.
قال: ارجع إلى منزلك، فإنّك سترجع إلى المنزل و هي تأكل [شيئا].
قال: فلمّا رجعت من حجّتي، و دخلت منزلي، رأيتها قاعدة و هي تأكل.
المناقب لابن شهرآشوب: بصائر الدرجات، عن سعد القمّي بإسناده عن داود (مثله)، و زاد في آخره: و بين يديها طبق عليه تمر و زبيب. (1)
3- باب آخر [في استجابة دعائه (عليه السلام) في إحياء اللّه تعالى أمّ غلام]
الأخبار، الأصحاب:
1- المناقب لابن شهرآشوب، و الخرائج و الجرائح: روي عن صفوان، قال:
كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فأتاه غلام، فقال: ماتت امّي.
فقال له (عليه السلام): لم تمت! قال: تركتها مسجّى عليها! فقام أبو عبد اللّه (عليه السلام) و دخل عليها، فإذا هي قاعدة، فقال لابنها: ادخل إلى امّك، فشهّها من الطعام ما شاءت فأطعمها.
فقال الغلام: يا امّاه! ما تشتهين؟ قالت: أشتهي زبيبا مطبوخا.
فقال له: ائتها بغضارة (2) مملوءة زبيبا. فأكلت منها حاجتها، و قال [له: قل] لها:
إنّ ابن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بالباب يأمرك أن توصي، فأوصت، ثمّ توفّيت.
قال: فما خرجنا حتّى صلّى عليها أبو عبد اللّه (عليه السلام) و دفنت. (3)
استدراك (1) دلائل الإمامة: أخبرني أبو الحسين محمّد بن هارون بن موسى، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا أبو عليّ محمّد بن همام، قال:
____________
(1) 274 ح 5، 3/ 365، عنهما البحار: 47/ 80 ح 64 و 65؛ و رواه في دلائل الإمامة: 132 بإسناده إلى داود بن كثير الرقّي (مثله) و أخرجه في مدينة المعاجز: 384 ح 86 عن المصادر المتقدّمة، و الثاقب في المناقب: 396.
(2) الغضارة: القصعة الكبيرة (فارسيّة).
(3) ...، 2/ 614 ح 13، عنه البحار: 47/ 98 ح 116.
و أورده في الصراط المستقيم: 2/ 187 ح 13، عنه إثبات الهداة: 5/ 460 ح 253.
346
حدّثني أحمد بن الحسين المعروف بابن أبي القاسم، عن أبيه، عن بعض رجاله، عن محمّد بن سلمقان (1)، عمّن حدّثه، عن جابر بن يزيد، قال:
كنت مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) جالسا إذ دخل عليه رجل من أهل خراسان؛
فقال: جعلت فداك، إنّي قدمت أنا و امّي قاضيين لحقّك، و إنّ امّي ماتت دونك.
قال: اذهب فائت بامّك.
قال جابر: فما رأيت أشدّ تسليما منه، ما ردّ على أبي عبد اللّه (عليه السلام) حتّى مضى فجاء بامّه؛ فلمّا رأت أبا عبد اللّه (عليه السلام) قالت: هذا الّذي أمر ملك الموت بتركي.
ثمّ قالت: يا سيّدي! أوصني.
قال (عليه السلام): عليك بالبرّ للمؤمنين، فإنّ الإنسان يكون عمره ثلاثين سنة فيكون بارّا، فيجعلها ثلاثة و ستّين سنة، و إنّ الإنسان يكون عمره ثلاثة و ستّين، فيكون غير بارّ فيبتّر اللّه عمره، فيجعلها ثلاثين سنة. (2)
*** 4- باب آخر [في استجابة دعائه (عليه السلام) في إحياء اللّه تعالى زوجه عيسى بن مهران]
الأخبار، م:
1- الخرائج و الجرائح: روي أنّ عيسى بن مهران، قال:
كان رجل من أهل خراسان من وراء النهر (3)، و كان موسرا، و كان محبّا لأهل البيت، و كان يحجّ في كلّ سنة، و قد وظّف على نفسه لأبي عبد اللّه (عليه السلام) في كلّ سنة ألف دينار من
____________
(1) كذا و لم نعثر له على ترجمة، و في مدينة المعاجز «محمّد بن سفيان» و الظاهر أنّه هو الصواب (راجع معجم رجال الحديث: 16/ 131).
(2) 125، عنه إثبات الهداة: 5/ 455 ح 239 مختصرا، و مدينة المعاجز: 385 ح 89.
(3) ما وراء النهر: يراد به جيحون بخراسان، و ما كان منها شرقية، يقال له: بلاد الهياطلة؛ و في الإسلام سمّوه: ما وراء النهر (مراصد الاطلاع: 3/ 1223).
347
ماله، و كانت تحته ابنة عمّ له [تساويه] في اليسار و الديانة.
فقالت في بعض السنين: يا ابن عمّ حجّ بي في هذه السنة. فأجابها إلى ذلك، فتجهّزت للحجّ، و حملت لعيال أبي عبد اللّه (عليه السلام) و بناته من فواخر ثياب خراسان، و من الجواهر و غيره أشياء كثيرة خطيرة، و صيّر زوجها ألف دينار في كيس كعادته لأبي عبد اللّه (عليه السلام)، و صيّر الكيس في ربعة (1) فيها حليّ [بنت عمّه] و طيب، و شخص يريد المدينة؛
فلمّا وردها صار إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) فسلّم عليه، و أعلمه أنّه حجّ بأهله، و سأله الإذن لها في المصير إلى منزله للتسليم على أهله و بناته؛
فأذن لها أبو عبد اللّه (عليه السلام) في ذلك، فصارت إليهم، و فرّقت ما حملت عليهم، و أقامت يوما عندهم و انصرفت، فلمّا كان من الغد، قال لها زوجها:
أخرجي تلك الربعة لتسليم الألف دينار إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام).
فقالت: [هي] في موضع كذا. فأخذها و فتح القفل، فلم يجد الدنانير، و كان فيها حليّها و ثيابها، فاستقرض ألف دينار من أهل بلده، و رهن الحلّي عندهم على ذلك، و صار إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام). فقال: قد وصلت إلينا الألف.
قال: يا مولاي! و كيف ذلك، و ما علم بمكانها غيري و غير بنت عمّي؟
فقال: مسّتنا ضيقة، فوجّهنا من أتى بها من شيعتي من الجنّ، فإنّي كلّما اريد أمرا بعجلة أبعث واحدا منهم.
فزاد [ذلك] في بصيرة الرجل و سرّ به، و استرجع [الحليّ] ممّن أرهنه.
ثمّ انصرف إلى منزله فوجد امرأته تجود بنفسها، فسأل عن خبرها، فقالت خادمتها:
أصابها و جع في فؤادها، فهي على هذه الحالة.
فغمّضها و سجّاها، و شدّ حنكها، و تقدّم في إصلاح ما تحتاج إليه من الكفن و الكافور و حفر قبرها، و صار إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) فأخبره، و سأله أن يتفضّل بالصلاة عليها.
فقام (عليه السلام) و صلّى ركعتين و دعا، ثمّ قال للرجل: انصرف إلى رحلك، فإنّ أهلك لم تمت، و ستجدها في رحلك تأمر و تنهى، و هي في حال سلامة.
____________
(1) «قال الجزري [في النهاية: 2/ 189]: الربعة: إناء مربّع كالجونة» منه ره.
349
هذا بيت اللّه. ففعل ما كان ينبغي، فلمّا طلع الفجر، قام فأذّن و أقام، و أقامني عن يمينه، و قرأ في أوّل الركعة «الحمد، و الضحى» (1) و في الثانية «الحمد، و قل هو اللّه أحد» ثمّ قنت، ثمّ سلّم و جلس، فلمّا طلعت الشمس، مرّ الشابّ و معه المرأة، فقالت لزوجها:
هذا الّذي شفع إلى اللّه في إحيائي. (2)
6- باب آخر [في استجابة دعائه (عليه السلام) في إحياء اللّه تعالى زوجة العبدي]
الأخبار، م:
1- الخرائج و الجرائح: روي أنّ صفوان بن يحيى، قال: قال لي العبدي (3):
قالت أهلي: قد طال عهدنا بالصادق (عليه السلام) فلو حججنا، و جدّدنا به العهد.
فقلت لها: و اللّه ما عندي شيء أحجّ به. فقالت: عندنا كسوة و حليّ، فبع ذلك و تجهّز به. ففعلت، فلمّا صرنا قرب المدينة مرضت مرضا شديدا حتّى أشرفت على الموت، فلمّا دخلنا المدينة، خرجت من عندها و أنا آيس منها، فأتيت الصادق (عليه السلام) و عليه ثوبان ممصّران (4)
فسلّمت عليه، فأجابني و سألني عنها، فعرّفته خبرها و قلت: إنّي خرجت و قد أيست منها.
فأطرق مليّا، ثمّ قال: يا عبدي! أنت حزين بسببها؟ قلت: نعم.
[قال:] لا بأس عليها، فقد دعوت اللّه لها بالعافية، فارجع إليها، فإنّك تجدها [قد فاقت و هي] قاعدة، و الخادمة تلقمها الطبرزد (5).
____________
(1) لم تذكر سورة الانشراح مع الضحى باعتبار أنّه أمر مفروغ منه، أو لعلّه سقط.
(2) 2/ 629 ح 29، عنه البحار: 47/ 104 ح 129.
(3) لعلّه سفيان بن سعيد العبدي، أو سفيان بن مصعب العبدي الشاعر (راجع معجم رجال الحديث: 8/ 157، 161).
(4) «الفيروزآبادي: الممصّر- بالكسر-: الطين الأحمر، و الممصّر، كمعظّم: المصبوغ به» منه ره.
(5) طبرزد، على وزن سفرجل: معرّب، و منه حديث «السكر الطبرزد يأكل الداء أكلا»؛
قيل: الطبرزد: هو السكّر الأبلوج، و به سمّي نوع من التمر لحلاوته، و عن أبي حاتم: الطبرزد:
بسرتها صفراء مستديرة.
348
فرجع الرجل، فأصابها كما وصف أبو عبد اللّه (عليه السلام)، ثمّ خرج يريد مكّة، و خرج أبو عبد اللّه (عليه السلام) للحجّ أيضا، فبينما المرأة تطوف بالبيت إذ رأت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يطوف، و الناس قد حفّوا به، فقالت لزوجها: من هذا الرجل؟ قال: [هذا] أبو عبد اللّه. قالت: هذا- و اللّه- الرجل الّذي رأيته يشفع إلى اللّه حتّى ردّ روحي في جسدي. [و لم تكن رأته قبل]. (1)
5- باب آخر [في استجابة دعائه (عليه السلام) في إحياء اللّه تعالى زوجة شابّ]
الأخبار، م
1- الخرائج و الجرائح: روي أنّ داود الرقّي، قال:
كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) إذ دخل شاب يبكي و يقول:
نذرت على أن أحجّ بأهلي، فلمّا أن دخلت المدينة ماتت زوجتي.
قال: اذهب، فإنّها لم تمت. قال: ماتت و سجّيتها!! قال: فهي حيّة.
فخرج و رجع ضاحكا، قال: دخلت عليها و هي جالسة.
قال: يا داود! أ و لم تؤمن؟! قلت: بلى، و لكن ليطمئنّ قلبي. فلمّا كان يوم التروية (2) قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام): [يا داود!] قد اشتقت إلى بيت ربّي.
قلت: يا سيّدي! غدا عرفات.
قال: إذا صلّيت العشاء الآخرة فارحل (3) ناقتي، و شدّ زمامها. ففعلت، فخرج و قرأ «قل هو اللّه أحد، و يس» ثمّ استوى عليها، و أردفني خلفه، فسرنا هويّا من (4) الليل، و فعل في مواضع ما كان ينبغي، ثمّ قال:
____________
(1) 2/ 627 ح 28، تخريجات الحديث في هامشه.
(2) هو الثامن من ذي الحجّة، سمّي بذلك، لأنّهم كانوا يرتوون من الماء لما بعد.
(3) الرحل: ما يجعل على ظهر البعير كالسرج. و ترحّل البعير: شدّ عليه الرحل.
(4) «هونا في» ع، ب. قال ابن الأثير في النهاية: 5/ 285: و فيه «كنت أسمعه الهويّ من الليل» الهويّ بالفتح: الحين الطويل من الزمان. و قيل: هو مختصّ بالليل، انتهى.
و قيل: «مضى هويّ أو هويّ من الليل» أي هزيع أو قسم منه.
350
قال: فرجعت إليها مبادرا، فوجدتها قد أفاقت و هي قاعدة، و الخادمة تلقمها الطبرزد؛ فقلت: ما حالك؟ قالت: قد صبّ اللّه عليّ العافية صبّا، و قد اشتهيت هذا السكّر.
فقلت: خرجت من عندك آيسا، فسألني الصادق (عليه السلام) عنك فأخبرته بحالك،
فقال: لا بأس عليها، ارجع إليها فهي تأكل السكّر.
قالت: خرجت من عندي و أنا أجود بنفسي، فدخل عليّ رجل عليه ثوبان ممصّران، قال: مالك؟ قلت: أنا ميّتة، و هذا ملك الموت قد جاء لقبض روحي، فقال: يا ملك الموت! قال: لبّيك أيّها الإمام. قال: أ لست امرت بالسمع و الطاعة لنا؟ قال: بلى.
قال: فإنّي آمرك أن تؤخّر أمرها عشرين سنة. قال: السمع و الطاعة.
قالت: فخرج هو و ملك الموت [من عندي] فأفقت من ساعتي. (1)
7- باب آخر [في استجابة دعائه (عليه السلام) في إحياء اللّه تعالى رجلا]
الأخبار، الأصحاب:
1- الخرائج و الجرائح: روى محمّد بن راشد، عن جدّه، قال:
قصدت إلى جعفر بن محمّد (عليهما السلام) أسأله عن مسألة، فقالوا: مات السيّد الحميري الشاعر، و هو في جنازته، فمضيت إلى المقابر فاستفتيته، فأفتاني؛
فلمّا أن قمت أخذ بثوبي، فجذبه إليه، ثمّ قال: إنّكم معاشر الأحداث تركتم العلم.
فقلت: أنت إمام هذا الزمان؟ قال: نعم.
قلت: فدليل أو علامة؟ فقال: سلني عمّا شئت اخبرك به إن شاء اللّه.
قال: إنّي اصبت بأخ لي و [قد] دفنته في هذه المقابر، فأحيه لي بإذن اللّه.
قال: ما أنت بأهل لذلك، و لكن أخاك كان مؤمنا، و اسمه عندنا «أحمد».
ثمّ دنا من قبره [و دعا، قال:] فانشقّ عنه قبره، و خرج إليّ و هو يقول:
____________
(1) 1/ 294 ح 2، عنه البحار: 47/ 115 ح 152، و إثبات الهداة: 5/ 401 ح 133، و مدينة المعاجز: 386 ح 92، و أورد قطعة منه في الصراط المستقيم: 2/ 185 ح 2.
352
ثمّ قال له: ناد صاحب برهوت باسمه- ثلاث مرّات- فإنّه سيجيبك.
فأتى برهوت، فنادى صاحبه باسمه ثلاث مرّات، فأجابه في الثالثة بلبّيك، و ظهر له، فناوله الطينة، فأخذها و قبّلها و وضعها على عينيه، ثمّ قال له: جئت من عند من فضّله اللّه و أمر بطاعته، [قال] ما حاجتك؟
قال الرجل: فأخبرته، فقال له: إنّه يجيئك في غير صورته. فتخيّل لي في صورة خبيثة فما شعرت إذ هو جاءني و السلاسل في عنقه، فقال:
يا بنيّ! و بكى فعرفته حين تكلّم، قلت له: قد كنت أقول لك و أنهاك عمّا كنت فيه.
فقال: إنّي حصلت على الشقاء، ثمّ قال لي: ما حاجتك؟
قلت: حاجتي المال الّذي خلّفته. قال: في المسجد الّذي كنت تراني أصلّي فيه، احفر حتّى تبلغ قدر ذراعين أو ثلاثة، فإنّ فيه أربعة آلاف دينار.
قلت له: لعلّك تكذّبني. فقال لي:
هيهات! لقد جئت من عند من مسلكه اللّه، و أمره عظيم، و أعظم ممّا تذهب إليه.
فقال الرجل: قال لي صاحب برهوت: أ توصيني بشيء؛
قلت: اوصيك أن تضاعف عليه العذاب.
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): أما لو رققت عليه لنفعه اللّه به، و خفّف عنه العذاب. (1)
*** 8- باب آخر في إحياء اللّه تعالى البقرة بدعائه (عليه السلام)
الأخبار، الأصحاب:
1- الخرائج و الجرائح (2): روي عن المفضّل بن عمر، قال:
كنت أمشي مع أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد (عليهم السلام) بمكّة [أو منى] إذا مررنا بامرأة بين يديها بقرة ميّتة، و هي مع صبيّة لها تبكيان. فقال (عليه السلام): ما شأنك؟
____________
(1) 127، عنه مدينة المعاجز: 385 ح 90.
(2) «المناقب لابن شهرآشوب، و الخرائج و الجرائح» ع، و لم نعثر عليه في المناقب.
351
يا أخي! اتّبعه و لا تفارقه، ثمّ عاد إلى قبره، و استحلفني على أن لا اخبر أحدا به. (1)
2- المناقب لابن شهرآشوب: بصائر الدرجات، عن سعد القمّي:
قال أبو الفضل بن دكين: حدّثني محمّد بن راشد، عن أبيه، عن جدّه، قال:
سألت جعفر بن محمّد (عليهما السلام) علامة، فقال: سلني ما شئت اخبرك إن شاء اللّه.
فقلت: أخا لي مات في هذه المقابر، فتأمره أن يجيئني؟ قال: فما كان اسمه؟
قلت: أحمد، قال: يا أحمد! قم بإذن اللّه، و بإذن جعفر بن محمّد.
فقام- و اللّه- و هو يقول: أتيته. (2)
استدراك (1) دلائل الإمامة: حدّثنا أبو المفضّل محمّد بن عبد اللّه، قال: حدّثني عبد اللّه بن العلاء، قال: حدّثنا محمّد بن الحسين، عن عبد اللّه بن يزيد، عن حمّاد، عن أبيه، عن عمر ابن بكر، عن ابن أمّ بكر، عن شيخ من أصحابنا، قال: إنّي لعند أبي عبد اللّه (عليه السلام) إذ دخل رجل، فقال له: جعلت فداك، إنّ أبي مات و كان من أنصب الناس، فبلغ من بغضه و عداوته أن كتم ماله منّي في حياته و بعد وفاته، و لست أشكّ أنّه قد ترك مالا كثيرا.
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): أمّا أنت و اللّه مهنّئ لنا، و إنّي اريد سفرا.
فقال له: جعلت فداك، كلّ مالي لك.
فقال له: لا، لك ذلك و لكن هيّئ لنا سفرة- قال: و كان صاحب هذا الحديث يعرف بصاحب السفرة-. فختم له أبو عبد اللّه (عليه السلام) خاتما، و قال له: اذهب بهذا الخاتم إلى برهوت فإنّ روحه صارت إلى برهوت (3) و سمّي له صاحب برهوت.
____________
(1) 2/ 742 ح 60، عنه البحار: 47/ 118 ح 160، و إثبات الهداة: 5/ 418 ح 156، و مدينة المعاجز: 409 ح 99 و أورده في الثاقب في المناقب: 397 ح 4، عنه مدينة المعاجز: 390 ح 108
(2) 3/ 365، عنه البحار: 47/ 137 ح 188، و إثبات الهداة: 5/ 462 ح 264.
(3) واد باليمن: قيل: هو بقرب حضرموت، جاء أن فيه أرواح الكفّار، و قيل: بئر بحضرموت، و قيل: هو اسم البلد الّذي فيه البئر، رائحتها منتنة فظيعة جدا (مراصد الاطلاع: 1/ 190).
353
قالت: كنت أنا و صبياني نعيش من هذه البقرة و قد ماتت، لقد تحيّرت في أمري.
قال: أ فتحبّين أن يحييها اللّه لك؟ قالت: أو تسخر منّي مع مصيبتي؟!
قال (عليه السلام): كلّا! ما أردت ذلك. ثمّ دعا بدعاء، ثمّ ركضها (1) برجله، و صاح بها، فقامت البقرة مسرعة سويّة، فقالت: عيسى ابن مريم و ربّ الكعبة.
فدخل الصادق (عليه السلام) بين الناس، فلم تعرفه المرأة. (2)
استدراك 2- مدينة المعاجز: البرسي: (بالإسناد) يرفعه عن جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) قال: مررت بامرأة تبكي بمنى و حولها صبيان يبكون،
فقلت لها: يا أمة اللّه ما يبكيك؟ قالت: يا عبد اللّه إنّ لي صبية أيتاما و كانت لي بقرة (و قد) ماتت، و قد كانت لنا كالامّ الشفيقة نعمل عليها، و نأكل منها و قد بقيت بعدها مقطوعا بي و بأولادي لا حيلة لنا عليها، فقال: يا أمة اللّه أ تحبّين أن أحييها (لك) فألهمها اللّه تعالى (أن) قالت: نعم يا عبد اللّه!
قال: فتنحّى عنها و صلّى ركعتين، ثمّ رفع يده هنيئة و حرّك شفتيه، ثمّ قام فمرّ بالبقرة فنخسها نخسة برجله، و قال لها:
قومي باذن اللّه تعالى فاستوت قائمة [باذن اللّه تعالى] على الأرض؛
فلمّا نظرت المرأة إلى البقرة قامت و صاحت وا عجبا (من ذلك) من تكون يا عبد اللّه؟
قال: فجاء الناس فاختلط بينهم و مضى (عليه السلام). (3)
____________
(1) ركضها: ضربها، يقال: ركضت الدابّة: إذا ضربتها برجلك لتستحثها.
(2) 1/ 294، عنه كشف الغمّة: 2/ 199، و البحار: 47/ 115 ح 151، و مدينة المعاجز: 5/ 393 ح 164، و أشار إليه في إثبات الهداة: 5/ 401، و أخرجه في إثبات الهداة: 5/ 365 ح 53 عن الروضة في الفضائل (المنسوب إلى ابن بابويه/ كذا) بل هو لابن شاذان ص 160 (مخطوط).
و أورده ابن شاذان أيضا في الفضائل: 173. و رواه جماعة من أعلام القوم، منهم العلّامة عبد الفتاح الحنفي الهندي في مفتاح العارف: 71 على ما ذكره في ملحقات الإحقاق: 19/ 512.
(3) 387 ح 94. و رواه ابن شاذان في الفضائل: 173، و الروضة: 43.
354
(9) باب آخر في إحياء اللّه تعالى الحمار بدعائه (عليه السلام)
(1) الهداية الكبرى: بإسناده عن المفضّل بن عمر، قال:
خرج أبو عبد اللّه الصادق (صلوات اللّه عليه) و أنا معه إلى بعض قرى سواد الكوفة، فلمّا رجعنا رأينا على الطريق رجلا يلطم رأسه، و يدعو بالويل و العويل، و بين يديه حمار قد نفق كان عليه رحله و زاده، فنظرت إليه فرحمته، فقلت:
لو أدركت يا مولاي هذا البائس برحمتك، و دعوت له أن يحيي حماره.
قال: يا مفضّل! إنّي أفعل هذا به، فأسأل اللّه تعالى فيحييه له، فإذا أحياه له، سألنا من نحن، فنعرّفه أنفسنا، فيدخل الكوفة فينادي علينا فيها، و يقول للناس: هاهنا رجل يعرف بجعفر بن محمّد و هو ساحر كذّاب، فيقولون له:
ما رأيت من سحره؟ فيحدّثهم بالّذي كان؛
فإذا سمعوه فرحت شيعتنا، و اغتمّ أعداؤنا، و ينسبوننا إلى السحر و الكهانة، و أنّ الجنّ تحدّثنا (1) و تطيعنا، و يكذبون علينا [في السحر و الكهانة]؛
فادن منه و خذ عليه العهد إن أحيينا له حماره لا يشنّع علينا، فإنّه يعطيك و لا يفي، و ما تشنيعه علينا بضارّ، بل يشنّع علينا أكثر أهل الكوفة من أعدائنا.
قال المفضّل: فدنوت منه، فقلت له:
إن أحيى سيّدنا لك حمارك، تكتم عليه و لا تشنّع به؟ قال: نعم، فقلت: أعطني عهد اللّه و ميثاقه على ذلك. فحلف، و دنا سيّدنا أبو عبد اللّه الصادق (صلوات اللّه عليه) من حماره و تكلّم بكلمات، و قال لصاحب الحمار: امدد برسنه (2).
فمدّه، فنهض حيّا، و حمل عليه رحله، و دخل الكوفة و نادى و شنّع في الناس و الطرق، و قال: إنّ هاهنا ساحر يعرف بجعفر بن محمّد! مرّ بحماري و هو ميّت، فتكلّم عليه بسحره فأحياه، فشنّع أكثر المخالفين من أهل الكوفة.
____________
(1) «تخدمنا» خ ل.
(2) «رأسه» خ ل. و الرسن: الحبل الّذي يقاد به البعير و غيره.
355
و قال لي من قابل: اخرج يا مفضّل، فإنّك تلقى صاحب الحمار سائل العينين، أصمّ الاذنين، مقطوع اليدين و الرجلين، أخرس اللسان على ظهر ذلك الحمار يطاف به.
[قال المفضّل: فخرجت، فإذا الرجل فوق الحمار بتلك الصفة ينادى عليه].
فكان كما قال (صلوات اللّه عليه). (1)
(10) باب آخر في إحياء اللّه تعالى السمكة له (عليه السلام)
(1) دلائل الإمامة: تقدّم ص 286 ح 1 و فيه: قال:
رأيت الصادق (عليه السلام) و قد جيء إليه بسمك مملوح فمسح يده على سمكة، فمشت بين يديه.
***
____________
(1) 256، عنه إثبات الهداة: 5/ 452 ح 225، و مدينة المعاجز: 422 ح 256.
356
17- أبواب معجزاته (عليه السلام) في عدم الحرق بالنار و القتل بالسيف
1- باب معجزته (عليه السلام) في عدم الحرق من دخول النار
الأخبار، الأصحاب:
1- المناقب لابن شهرآشوب: المفضّل بن عمر، قال:
وجّه المنصور إلى حسن بن زيد- و هو واليه على الحرمين- أن أحرق على جعفر بن محمّد داره. فألقى النار في دار أبي عبد اللّه (عليه السلام) فأخذت النار في الباب و الدهليز (1)
فخرج أبو عبد اللّه (عليه السلام) يتخطّى النار و يمشي فيها و يقول:
أنا ابن أعراق الثرى (2) أنا ابن إبراهيم خليل اللّه. (3)
2- باب آخر في معجزته (عليه السلام) في عدم الحرق بالنار
الأخبار، الأصحاب:
1- المناقب لابن شهرآشوب: حدّث إبراهيم، عن أبي حمزة، عن داود (4) الرقّي؛
قال: كنت عند سيّدي الصادق (عليه السلام) إذ دخل سهل بن الحسن الخراساني فسلّم عليه، ثمّ جلس، فقال له:
____________
(1) الدهليز: ما بين الباب و الدار.
(2) «رأيت في بعض الكتب أن أعراق الثرى كناية عن إسماعيل (عليه السلام)، و لعلّه إنّما كنّي عنه بذلك لأنّ أولاده انتشروا في البراري» منه ره.
قال الطريحي في مادة «عرق»: و في حديث أبي عبد اللّه (عليه السلام): أنا ابن أعراق الثرى:
أي أصول الأرض و أركانها من الأئمّة و الأنبياء كإبراهيم و إسماعيل (عليهم السلام).
و ذكر في الثاقب في المناقب: «عرق الثرى»: لقب ابراهيم (عليه السلام).
(3) 3/ 362، عنه البحار: 47/ 136 ذ ح 186، و رواه في الكافي: 1/ 473 ح 2 باسناده إلى المفضّل بن عمر (مثله)، عنه إثبات الهداة: 5/ 335 ح 6، و مدينة المعاجز: 372 ح 39.
و أورده في الثاقب في المناقب: 137.
(4) «مأمون» م، ب و هو تصحيف.
357
يا ابن رسول اللّه لكم الرأفة و الرحمة، و أنتم أهل بيت الإمامة، ما الّذي يمنعك أن يكون لك حقّ تقعد عنه، و أنت تجد من شيعتك مائة ألف يضربون بين يديك بالسيف!؟
فقال له (عليه السلام): اجلس يا خراساني رعى اللّه حقّك، [ثمّ] قال: يا حنيفة اسجري (1) التنّور.
فسجرته حتّى صار كالجمرة، و ابيضّ علوّه ثمّ قال: يا خراساني! قم فاجلس في التنّور.
فقال الخراساني: يا سيّدي، يا ابن رسول اللّه! لا تعذّبني بالنار، أقلني أقالك اللّه.
قال: قد أقلتك.
فبينما نحن كذلك إذ أقبل هارون المكّي (2)، و نعله في سبّابته.
فقال: السلام عليك يا ابن رسول اللّه. فقال له الصادق (عليه السلام): ألق النعل من يدك، و اجلس في التنّور.
قال: فألقى النعل من سبّابته، ثمّ جلس في التنّور، و أقبل الإمام (عليه السلام) يحدّث الخراساني بحديث خراسان، حتّى كأنّه شاهد لها. ثمّ قال (عليه السلام): قم يا خراساني، و انظر ما في التنّور.
قال: فقمت إليه فرأيته متربّعا (3) فخرج إلينا و سلّم علينا، فقال له الإمام (عليه السلام):
كم تجد بخراسان مثل هذا؟ فقلت: [لا] و اللّه و لا واحدا. فقال (عليه السلام): لا و اللّه و لا واحدا، أما إنّا لا نخرج في زمان لا نجد فيه خمسة معاضدين لنا، نحن أعلم بالوقت. (4)
3- باب معجزته (عليه السلام) في عدم القتل بالسيف
الأخبار، الأصحاب:
1- الخرائج و الجرائح: روي أنّ أبا خديجة (5) روى عن رجل من كندة، و كان سيّاف بني العبّاس، قال: لمّا جاء أبو الدوانيق بأبي عبد اللّه (عليه السلام) و إسماعيل، أمر بقتلهما، و هما محبوسان في بيت، فأتى عليه اللعنة [إلى] أبي عبد اللّه (عليه السلام) ليلا فأخرجه و ضربه بسيفه حتّى
____________
(1) «سجر التنور: أحماه» منه ره.
(2) ذكره في معجم رجال الحديث: 19/ 291 و أورد الرواية.
(3) تربّع في جلوسه: ثنّى قدميه تحت فخذيه مخالفا لهما.
(4) 3/ 362، عنه البحار: 47/ 123 ح 172، و مدينة المعاجز: 414 ح 225.
(5) هو سالم بن سلمة، أبو خديجة الرواجني، مولى من أصحاب الصادق (عليه السلام).
358
قتله، ثمّ أخذ إسماعيل ليقتله، فقاتله ساعة، ثمّ قتله.
ثمّ جاء إليه، فقال: ما صنعت؟ قال: لقد قتلتهما و أرحتك منهما.
فلمّا أصبح إذا أبو عبد اللّه (عليه السلام) و إسماعيل جالسان، فاستأذنا، فقال أبو الدوانيق للرجل:
أ لست زعمت أنّك قتلتهما؟ قال: بلى لقد عرفتهما كما أعرفك.
قال: فاذهب إلى الموضع الّذي قتلتهما فيه، فانظر، فجاء، فإذا بجزورين منحورين.
قال: فبهت و رجع، فأخبره [و عرّفه ما رأى] فنكس رأسه، و قال:
لا يسمعنّ منك هذا أحد.
فكان كقوله تعالى في عيسى (عليه السلام): وَ ما قَتَلُوهُ وَ ما صَلَبُوهُ وَ لكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ (1). (2)
استدراك (1) دلائل الإمامة: حدّثنا أبو المفضّل محمّد بن عبد اللّه، عن محمّد بن جعفر الزيّات، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب، عن الحسن بن محبوب، عن محمّد بن سنان، عن المفضّل بن عمر، قال: كنت مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) و هو راكب و أنا أمشي معه؛
فمررنا بعبد اللّه بن الحسن و هو راكب، فلمّا بصر بنا شال المقرعة ليضرب بها فخذ أبي عبد اللّه (عليه السلام) فأومأ إليها الصادق، فجفّت يمينه و المقرعة فيها، فقال له:
يا أبا عبد اللّه! بالرحم إلّا عفوت عنّي. فأومأ إليه بيده، فرجعت يده، الخبر. (3)
***
____________
(1) النساء: 157.
(2) 2/ 626 ح 27 (و التخريجات الّتي في هامشه). يأتي ص 449 ح 1؛
«أقول: سيأتي ما يناسب هذا الباب [ص 446 ب 9] في إرسال المنصور القائد إلى المدينة لقتل الصادق و ابنه موسى (عليهما السلام)» منه ره.
(3) 144، عنه إثبات الهداة: 5/ 457 ح 247، و مدينة المعاجز: 397 ح 144.
359
18- أبواب معجزاته (عليه السلام) في معرفته بجميع اللغات
1- باب معرفته (عليه السلام) بجميع اللغات
الأخبار، الأصحاب:
1- بصائر الدرجات: أحمد بن محمّد، عن أبي القاسم (1)، و عبد اللّه بن عمران، عن محمّد بن بشير، عن رجل، عن عمّار الساباطي، قال: قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام):
يا عمّار! أبو مسلم (2) «فظلّله، و كساه فكسّحه بساطورا» (3).
قلت: جعلت فداك، ما رأيت نبطيّا أفصح منك!! فقال: يا عمّار! و بكلّ لسان. (4)
2- و منه: أحمد بن محمّد، عن الأهوازي، عن النضر، عن يحيى الحلبي، عن أخي مليح، عن فرقد، قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) و قد بعث غلاما أعجميّا؛
فرجع إليه، فجعل يغيّر الرسالة فلا يخبرها (5) حتّى ظننت أنّه سيغضب؛
فقال له: تكلّم بأيّ لسان شئت، فإنّي أفهم عنك. (6)
3- الخرائج و الجرائح: روى أحمد بن قابوس (7)، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)
قال: دخل عليه قوم من أهل خراسان، فقال- ابتداء [قبل أن يسأل]-: من جمع مالا يحرسه عذّبه اللّه على مقداره. فقالوا له- بالفارسيّة-: لا نفهم بالعربيّة.
____________
(1) «ابن أبي قاسم» تصحيف. هو عبد الرحمن بن حمّاد (راجع جامع الرواة: 1/ 442).
(2) المروزي أو غيره.
(3) في الاختصاص هكذا «يا عمّار أبو مسلم فطلّله و كسا و كسيحه بساطور» و في المناقب: «مظ اللّه و كسا و كسحه بساطورا».
(4) 333 ح 4، عنه البحار: 47/ 80 ح 67، و مدينة المعاجز: 411 ح 208.
و رواه في الاختصاص: 283 (مثله)، عنه البحار: 26/ 191 ح 4، و أورده في المناقب لابن شهرآشوب: 3/ 347 عن عمّار بن موسى الساباطي (مختصرا).
(5) «فلا يخبرنا» م. و في الاختصاص «فلا يحيرها».
(6) 338 ح 3، عنه البحار: 47/ 85 ح 79. و رواه في الاختصاص: 225 (مثله).
(7) «فارس» ع، ب. ذكره النمازي في رجاله: 1/ 401 كما في المتن، بينما ذكره في الجامع في الرجال ص 147 كما في الهامش، فلاحظ.
360
فقال: «هر كه درم اندوزد جزايش دوزخ باشد»
و قال: إنّ للّه مدينتين إحداهما بالمشرق و الاخرى بالمغرب، على كلّ مدينة سور من حديد، فيها ألف ألف باب من ذهب، كلّ باب بمصراعين، و في كلّ مدينة سبعون ألف إنسان (1) مختلفات اللغات، و أنا أعرف جميع تلك اللغات؛
و ما فيهما و ما بينهما حجّة غيري و غير آبائي و غير أبنائي بعدي. (2)
4- و منه: روي عن عليّ بن أبي حمزة، قال:
دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) مع أبي بصير، فبينما نحن قعود إذ تكلّم أبو عبد اللّه (عليه السلام)، فقلت في نفسي: هذا و اللّه ممّا أحمله إلى الشيعة، هذا حديث لم أسمع بمثله قطّ.
[قال:] فنظر في وجهي، ثمّ قال لي: إنّي أتكلّم بالحرف الواحد [لي] فيه سبعون وجها إن شئت أحدّث كذا، و إن شئت احدّث كذا. (3)
5- و منه: روي أنّ أبان بن تغلب، قال: غدوت من منزلي بالمدينة و أنا اريد أبا عبد اللّه (عليه السلام) فلمّا صرت بالباب، خرج عليّ قوم من عنده لم أعرفهم، و لم أر قوما أحسن زيّا منهم، و لا أحسن سيماء منهم، كأنّ الطير على رءوسهم (4)، ثمّ دخلنا على أبي عبد اللّه (عليه السلام).
فجعل يحدّثنا بحديث، فخرجنا من عنده، و قد فهمه خمسة نفر منّا متفرّقي الألسن:
منها اللسان العربي، و الفارسي، و النبطي (5)، و الحبشي، و السقلبي (6).
فقال بعضنا لبعض: ما هذا الحديث الّذي حدّثنا به؟
____________
(1) «لسان» م.
(2) 2/ 753 ح 70، عنه البحار: 47/ 119 ح 162، و مدينة المعاجز: 409 ح 201.
(3) 2/ 761 ح 81، عنه البحار: 47/ 119 ح 164. تقدّم ص 239 ح 19. و في الحديث دلالة على سعة علمه و اطّلاعه (عليه السلام)، و ليس فيه ما يشير إلى معرفته باللغات، فلاحظ.
(4) «قال الجزري [النهاية: 3/ 150] في صفة الصحابة: و كأنّما على رءوسهم الطير و صفهم بالسكون و الوقار، و أنّهم لم يكن فيهم طيش و لا خفّة، لأنّ الطير لا تكاد تقع إلّا على شيء ساكن» منه ره.
(5) النبط: قوم من العجم كانوا ينزلون بين العراقيين، سمّوا نبطا لاستنباطهم ما يخرج من الأرض، ثمّ استعمل في أخلاط الناس و عوامهم، و منه يقال: كلمة نبطيّة أي عاميّة.
(6) السقلب: جيل من الناس كانوا يتاخمون الخزر، ثمّ انتشروا من هناك إلى أقطار متعدّدة من أوربا، الواحد: سقلبي، و جمعها: سقالبة.
361
فقال من لسانه عربيّ: حدّثنا كذا بالعربيّة.
و قال الفارسي: ما فهمت إنّما حدّث بكذا و كذا بالفارسيّة، و قال الحبشي: ما حدّثنا إلّا بالحبشيّة. و قال السقلبي: ما حدّثنا إلّا بالسقلبيّة.
فرجعوا إليه [فأخبروه] فقال (عليه السلام):
الحديث واحد، و لكنّه فسّر لكم بألسنتكم. (1)
2- باب معرفته (عليه السلام) بالنبطيّة
الأخبار، الأصحاب:
1- بصائر الدرجات: أحمد بن الحسين، عن الحسن بن برا، عن أحمد بن محمّد ابن أبي نصر قال: حدّثني رجل من أهل جسر بابل، قال:
كان في القرية رجل يؤذيني، و يقول: يا رافضي، و يشتمني، و كان يلقّب بقرد القرية، قال: فحججت سنة [من ذلك اليوم]، فدخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فقال- ابتداء-: «قوفه مانا مات»، [قال:] فقلت: جعلت فداك متى؟ قال لي: الساعة.
فكتبت اليوم و الساعة، فلمّا قدمت الكوفة تلقّاني أخي، فسألته عمّن بقي و عمّن مات؛ فقال لي: «قوفه مانا مات».
و هي بالنبطيّة: قرد القرية مات. فقلت له: متى؟
فقال لي: يوم كذا و كذا، و كان في الوقت الّذي أخبرني به أبو عبد اللّه (عليه السلام). (2)
2- الاختصاص، و بصائر الدرجات: [أحمد بن محمّد بن عيسى، و] محمّد بن عبد الجبّار، عن أبي عبد اللّه البرقي، عن فضالة، عن مسمع كردين، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:
دخلت عليه و عنده إسماعيل، قال: و نحن إذ ذاك نأتمّ به بعد أبيه، فذكر- في حديث
____________
(1) 2/ 615 ح 14، عنه البحار: 47/ 99 ح 117.
و أورده في الصراط المستقيم: 2/ 187 ح 14 مختصرا.
(2) 334 ح 7، عنه البحار: 47/ 81 ح 71، و أورده في الخرائج و الجرائح: 2/ 752 ح 69 (و التخريجات الّتي في هامشه).
362
طويل- أنّه سمع [رجل] أبا عبد اللّه (عليه السلام) خلاف ما ظنّ فيه (1).
قال: فأتيت رجلين من أهل الكوفة كانا يقولان به فأخبرتهما، فقال واحد منهما:
سمعت و أطعت و رضيت و سلّمت. و قال الآخر، و أهوى بيده إلى جيبه، فشقّه، ثمّ قال: لا و اللّه، لا سمعت، و لا أطعت، و لا رضيت حتّى أسمعه منه.
قال: ثمّ خرج متوجّها إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام)؛
قال: و تبعته، فلمّا كنّا بالباب، فاستأذنّا فأذن لي، فدخلت قبله، ثمّ أذن له فدخل؛
فلمّا دخل، قال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): يا فلان! أ يريد كلّ امرئ منكم أن يؤتى صحفا منشّرة؟ إنّ الّذي أخبرك به فلان الحقّ.
قلت: جعلت فداك، إنّي أشتهي أن أسمعه منك.
قال: إنّ فلانا إمامك و صاحبك من بعدي- يعني أبا الحسن (عليه السلام)- فلا يدّعيها فيما بيني و بينه إلّا كاذب مفتر، فالتفتّ إلى الكوفيّ، و كان يحسن كلام النبطيّة، و كان صاحب قبالات (2) فقال لي: «درفه» (3). فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام):
إنّ «درفه» بالنبطيّة: خذها، أجل فخذها، فخرجنا من عنده. (4)
3- بصائر الدرجات: محمّد بن عبد الجبّار، عن اللؤلؤي، عن أحمد بن الحسن، عن الفيض بن المختار- في حديث له طويل في أمر أبي الحسن (عليه السلام) حتّى قال له-: هو صاحبك الّذي سألت عنه، فقم فأقرّ له بحقّه. فقمت حتّى قبّلت رأسه و يده، و دعوت اللّه له.
قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): أما إنّه لم يؤذن له في ذلك.
فقلت [له]: جعلت فداك، فاخبر به أحدا؟ فقال: نعم، أهلك و ولدك و رفقاءك.
و كان معي أهلي و ولدي، و كان يونس بن ظبيان من رفقائي؛
فلمّا أخبرتهم حمدوا اللّه على ذلك، و قال يونس: لا و اللّه، حتّى نسمع ذلك منه.
و كانت به عجلة، فخرج فاتّبعته، فلمّا انتهيت إلى الباب سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول له- و قد
____________
(1) أي في إسماعيل ابن الإمام (عليه السلام).
(2) القبالة: اسم لما يلتزمه الإنسان من عمل و دين و غير ذلك.
(3) «درقة» الاختصاص «ذرقه» ب، و كذا ما بعدها.
(4) 284، 339 ح 7 (و اللفظ له) عنهما البحار: 47/ 82 ح 72. تقدّم ص 244 ح 7 عن الخرائج و الجرائح نحوه، فراجع.
363
سبقني-: يا يونس! الأمر كما قال لك فيض: (زرقه، زرقه)، قال: فقلت: قد فعلت.
و الزرقة بالنبطيّة: أي خذه إليك. (1)
4- و منه: الحسن بن عليّ، عن أحمد بن هلال، عن عثمان بن عيسى، عن ابن مسكان، عن يونس بن ظبيان، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول:
أوّل خارجة خرجت على موسى بن عمران (عليه السلام) بمرج دابق (2) و هو بالشام؛
و خرجت على المسيح بحرّان (3)، و خرجت على أمير المؤمنين بالنهروان (4)؛
و يخرج على القائم (عليه السلام) بالدسكرة، دسكرة الملك (5).
ثمّ قال لي: «كيف مالح ديربين (6) ماكي مالح» يعني عند قريتك، و هو بالنبطيّة؛
و ذاك أنّ يونس كان من قرية دير بين ما. فقال: الدسكرة، أي عند دير بين ما. (7)
5- و منه: النهدي، عن إسماعيل بن مهران، عن رجل من أهل «بيرما» قال:
كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فودّعته، و خرجت حتّى بلغت الأعوص (8)، ثمّ ذكرت حاجة لي، فرجعت إليه و البيت غاصّ بأهله؛ و كنت أردت أن أسأله عن بيوض ديوك الماء.
____________
(1) 336 ح 11، عنه البحار: 47/ 83 ح 75، و ج 48/ 14 ح 3، و عوالم العلوم: 21/ 54 ح 3 (و التخريجات الّتي في هامشه).
(2) دابق- بكسر الباء، و روي بالفتح-: قرية بحلب، من عزاز، بينها و بين حلب اربع فراسخ، عندها مرج معشب نزه، كان ينزله بنو مروان إذا غزوا الصائفة (مراصد الاطّلاع: 2/ 503).
(3) حرّان: مدينة قديمة، قصبة ديار مضر.- و حرّان: من قرى حلب.
و حرّان: قرية بغوطة دمشق (مراصد الاطّلاع: 1/ 389).
(4) النهروان: و هي ثلاث نهروانات: أعلى و أوسط و أسفل، و هو كورة واسعة أسفل من بغداد من شرقي تامرا منحدرا إلى واسط ... (مراصد الاطّلاع: 3/ 1407).
(5) قال في معجم البلدان: 2/ 455: ... و الدسكرة أيضا: قرية في طريق خراسان، قريبة من شهر ابان، و هي دسكرة الملك، كان هرمز بن سابور يكثر المقام بها فسمّيت بذلك ....
(6) «مايح ديربين» خ.
(7) 336 ح 12، عنه البحار: 47/ 84 ح 86.
(8) الأعوص: شعب لهذيل بتهامة (مراصد الاطلاع: 1/ 96).
364
فقال لي: (ياتب) (1) يعني البيض، (دعانا ميتا) يعني ديوك الماء، «بناحل» يعني لا تأكل. (2)
6- و منه: عبد اللّه بن جعفر، عن أحمد بن محمّد بن إسحاق الكرخي، عن عمّه محمّد ابن عبد اللّه بن جابر الكرخي- و كان رجلا خيّرا، كان كاتبا لإسحاق بن إبراهيم (3) ثمّ تاب من ذلك- عن إبراهيم الكرخي، قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال:
يا إبراهيم! أين تنزل من الكرخ؟ قلت: في موضع يقال له: شادروان.
قال: فقال لي: تعرف قطفتا (4)؟
[قال: قلت: نعم، ما ظننت أنّ أحدا من أهل المدينة يعرف قطفتا]
قال: إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) حين أتى أهل النهروان، نزل قطفتا، فاجتمع إليه أهل بادوريا (5)، فشكو إليه ثقل خراجهم، و كلّموه بالنبطيّة، و أنّ لهم جيرانا أوسع أرضا و أقلّ خراجا، فأجابهم بالنبطيّة: (زعرزوطا (6) من عوديا).
قال: فمعناه: ربّ رجز (7) صغير خير من رجز كبير. (8)
____________
(1) «يابت» ع، ب.
(2) 334 ح 6، عنه البحار: 47/ 81 ح 69، و أورده في الخرائج و الجرائح: 2/ 752 ح 68 (و التخريجات في هامشه).
(3) «عمّار» خ ل، ع، ب، ذكره في معجم رجال الحديث: 2/ 140، عند ترجمته لأحمد بن عبد اللّه الكرخي كما في المتن، و في ج 16/ 258، عند ترجمته لمحمّد بن عبد اللّه بن جابر كما في الهامش.
(4) محلّة كبيرة ذات أسواق، بالجانب الغربي من بغداد ... (مراصد الاطلاع: 3/ 1107).
(5) بادوريا: طسّوج من كورة الاستان بالجانب الغربي من بغداد ... (مراصد الاطّلاع: 1/ 149).
(6) «و غرزطا» م، «رعرروضا» ب 41، «رعرروظا» ع، ب 47، و ما أثبتناه من خ ل.
(7) «الرجز: نوع من الشعر معروف، و لعلّه (عليه السلام) ذكره على وجه التمثيل، و يحتمل أن يكون مثلا معروفا» منه ره.
(8) 335 ح 10، عنه البحار: 40/ 170، و ج 41/ 289 ح 13، و ج 47/ 83 ح 74، و أورده في إثبات الوصيّة: 150 (مرسلا) و في المناقب لابن شهرآشوب: 1/ 332، عن سعد بن عبد اللّه (نحوه).
365
3- باب معرفته (عليه السلام) بالسريانيّة (1)
الأخبار، الأصحاب:
1- بصائر الدرجات: محمّد بن هارون، عن ابن أبي نجران، عن أبي هارون العبدي (2)، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:
قال لبعض غلمانه في شيء جرى:
لئن انتهيت و إلّا ضربتك ضرب الحمار.
قال: جعلت فداك، و ما ضرب الحمار؟
قال: إنّ نوحا (عليه السلام) لمّا أدخل السفينة من كلّ زوجين اثنين، جاء إلى الحمار فأبى أن يدخل، فأخذ جريدة من نخل، فضربه ضربة واحدة، و قال له:
(عبسا شاطانا) أي ادخل يا شيطان. (3)
4- باب معرفته (عليه السلام) بلغة أهل الكتاب
الأخبار، الأصحاب:
1- بصائر الدرجات: الحسن بن محمّد، عن أبيه محمّد بن عليّ بن شريف، عن عليّ بن أسباط، عن إسماعيل بن عبّاد، عن عامر بن عليّ الجامعي، قال:
قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): جعلت فداك، إنّا نأكل ذبائح أهل الكتاب، و لا ندري يسمّون عليها أم لا؟
فقال: إذا سمعتم قد سمّوا فكلوا، أ تدري ما يقولون على ذبائحهم؟ فقلت: لا.
____________
(1) اللغة السريانيّة: لغة القسّ و الجاثليق.
(2) كذا، راجع معجمنا في الكنى، و معجم رجال الحديث: 22/ 270- 272، و قاموس الرجال:
10/ 212، فإنّه يحتمل أن يكون هو و أبو هارون المكفوف، و أبو هارون مولى آل جعدة واحدا، و من أصحاب الصادق بل و الباقر (عليهما السلام) أيضا.
(3) 335 ح 9، عنه البحار: 11/ 329 ح 50، و ج 47/ 82 ح 73.
366
فقرأ كأنّه يشبه بيهوديّ قد هذّها (1). ثمّ قال: بهذا امروا.
فقلت: جعلت فداك، إن رأيت أن نكتبها؟
قال: اكتب: نوح أيوا أدينوا يلهيز مالحوا عالم أشرسوا أورضوا بنوا يوسعه [موسق] دغال أسطحوا (2). (3)
5- باب معرفته (عليه السلام) بالفارسيّة
الأخبار، الأصحاب:
1- المناقب لابن شهرآشوب، و بصائر الدرجات: محمّد بن أحمد [عن إبراهيم ابن إسحاق، عن عبد اللّه بن أحمد، عن رجل ذكره، عن أحمد بن قابوس، عن أبيه] عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: دخل عليه قوم من أهل خراسان، فقال- ابتداء من غير مسألة-:
من جمع مالا من مهاوش، أذهبه اللّه في نهابر (4).
فقالوا: جعلنا فداك، لا نفهم هذا الكلام.
فقال (عليه السلام): « [هر مال كه] از باد آيد بدم شود».
إعلام الورى: من كتاب نوادر الحكمة، عن أحمد بن قابوس، عن أبيه، عنه (عليه السلام)
____________
(1) قال المجلسي ره: الهذّ سرعة القراءة «بهذا أمروا» أي من اللّه؛
و أقول: العبارة العبرانيّة- لغة اليهود- هكذا وجدتها في نسخ البصائر و فيه تصحيفات كثيرة من الرواة، لعدم معرفتهم بتلك اللغة، و الّذي سمعت من بعض المستبصرين العارف بلغتهم و كان من علمائهم أنّ الدعاء الّذي يتلوه اليهود عند الذبح هكذا، أوردناه مع شرحه:
«باروخ» تباركت «أتا» أنت «أدوناي» اللّه (الوهنو) إلهنا (ملخ ها عولام) ملك العالمين (أشر) الّذي (قد شانوا) قدسنا (بميصوتاو) بأوامره (و صيوانو) و امرنا (عل) على (هشحيطا) الذبح. (انتهى)
(2) و قال في المناقب: ما لفظه: إنّه قال (عليه السلام): أ تدري ما يقولون على ذبائحهم يعني اليهود؟ قلت: لا، قال: يقولون: نوح اودل أدموك يلهزبا يحول عالم اسر قدسوا و مضوا بنواصيهم و نيال استخفضوا.
(3) 333 ح 5، عنه البحار: 47/ 81 ح 68، و ج 66/ 27 ح 27، و الوسائل: 16/ 291 ح 45.
و أورده في مناقب ابن شهرآشوب: 3/ 347 عن عامر بن عليّ الجامعي مختصرا.
(4) «قال الفيروزآبادي: المهاوش: ما غصب و سرق. و قال: النهابر: المهالك» منه ره.
367
(مثله). (1)
2- الخرائج و الجرائح: روى أحمد بن قابوس (2)، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)
قال: دخل عليه قوم من أهل خراسان، فقال- ابتداء-: من جمع مالا يحرسه، عذّبه اللّه على مقداره. قالوا [له]- بالفارسيّة-: لا نفهم بالعربيّة.
فقال لهم: «هر كه درم اندوزد جزايش دوزخ باشد». (3)
6- باب معرفته (عليه السلام) بالتركيّة
الأخبار، الأصحاب:
1- الخرائج و الجرائح: قال ابن فرقد: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) و قد جاءه غلام أعجمي برسالة، فلم يزل يهذي (4) و لا يعبّر حتّى ظننت أنّه يضجره.
فقال له: تكلّم بأيّ لسان شئت [تحسنه] سوى العربيّة، فإنّك لا تحسنها، فإنّي أفهم.
فكلّمه بالتركيّة، فردّ عليه الجواب [بمثل لغته] فمضى الغلام متعجّبا. (5)
____________
(1) 3/ 347، 336 ح 14 (و اللفظ له)، 276، عنها البحار: 47/ 84 ح 77، 78.
(2) «فارس» ع، ب، تقدّم بيانه ص 359 ه- 7 فراجع.
(3) تقدّم ص 359 ح 3 بتخريجاته.
(4) هذى في منطقه: إذا تكلّم بكلام لا ربط له.
(5) 2/ 759 ح 77، عنه البحار: 47/ 119 ح 163، تقدّم نحوه ص 359 ح 2.
368
19- أبواب ما اشتمل على معجزتين منه (عليه السلام)
1- باب إخباره (عليه السلام) بأنّ القديد غير مذكّى و نطقه بذلك
الأخبار، الأصحاب:
1- المناقب لابن شهرآشوب، و الخرائج و الجرائح: عن سعد الإسكاف، قال:
كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) ذات يوم، إذ دخل عليه رجل من أهل الجبل بهدايا و ألطاف، و كان فيما أهدى إليه جراب فيه قديد وحش (1)؛
فنثره أبو عبد اللّه (عليه السلام) ثمّ قال: خذها فأطعمها الكلاب.
قال الرجل: لم؟ قال: ليس بذكيّ (2).
فقال الرجل: اشتريته من رجل مسلم ذكر أنّه ذكيّ.
فردّه أبو عبد اللّه (عليه السلام) في الجراب، و تكلّم عليه بكلام لم أدر ما هو؛
ثمّ قال للرجل: قم فأدخله ذلك البيت [وضعه في زاوية البيت]. ففعل؛
فسمع القديد يقول: «لا، يا عبد اللّه! ليس مثلي يأكله الإمام، و لا أولاد الأنبياء، لست بذكيّ». فحمل الرجل الجراب و خرج.
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): ما قال؟ قال: أخبرني بما أخبرتني به أنّه غير ذكيّ.
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): أ ما علمت يا أبا هارون أنّا نعلم ما لا يعلم الناس؟
قال: [بلى]. فخرج و ألقاه على كلب لقيه. (3)
____________
(1) أي قديد كان من لحوم الحيوانات الوحشيّة، و في بعض النسخ بالخاء المعجمة و هو الرديء من كلّ شيء» منه ره. و القديد اللحم المملوح المجفّف في الشمس.
(2) قال تعالى إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ ذكّيتم: ذبحتم، أي قطعتم الأوداج، و ذكرتم اسم اللّه عليه إذا ذبحتموه
(3) 3/ 350، 2/ 606 ح 1، عنهما البحار: 47/ 95 ح 107. و رواه في الهداية الكبرى: 250 بإسناده عن محمّد غلام سعد الإسكاف (مثله) و في دلائل الإمامة: 130 عن محمّد بن سعد، عن الإسكافي، عنها مدينة المعاجز: 395 ح 132. و أورده في الصراط المستقيم: 2/ 187 ح 9 مرسلا، و في الثاقب في المناقب: 415 ح 1، عن سعد بن ظريف (مثله).
369
2- باب إخباره (عليه السلام) بخيانة الهندي و إنكاره، و تكلّم ثيابه عليه
الأخبار، الأئمّة، الرضا (عليه السلام):
1- المناقب لابن شهرآشوب، و الخرائج و الجرائح: روي أنّ أبا الصلت الهروي روى عن الرضا (عليه السلام) أنّه قال: قال لي أبي، موسى (عليه السلام): كنت جالسا عند أبي (عليه السلام) إذ دخل عليه بعض أوليائنا، فقال: في الباب ركب كثير يريدون الدخول عليك، فقال لي:
انظر في الباب. فنظرت إلى جمال كثيرة عليها صناديق، و رجل راكب فرسا.
فقلت: من الرجل؟ فقال: رجل من السند و الهند، أردت الإمام جعفر بن محمّد (عليهما السلام).
فأعلمت والدي بذلك، فقال: لا تأذن للنجس الخائن.
فأقام بالباب مدّة مديدة، فلم يؤذن له حتّى شفع يزيد بن سليمان، و محمّد بن سليمان، فأذن له. فدخل الهندي و جثى بين يديه، فقال:
أصلح اللّه الإمام أنا رجل من [بلد] الهند من قبل ملكها، بعثني إليك بكتاب مختوم، ولي بالباب حول لم تأذن لي، فما ذنبي؟ أ هكذا يفعل [أولاد] الأنبياء؟!
قال: فطأطأ رأسه، ثمّ قال: وَ لَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (1)
[و ليس مثلك من يطأ مجالس الأنبياء].
قال موسى (عليه السلام): فأمرني أبي بأخذ الكتاب و فكّه، فإذا فيه: بسم اللّه الرحمن الرحيم، إلى جعفر بن محمّد [الصادق] الطاهر من كلّ نجس، من ملك الهند:
أمّا بعد، فقد هداني اللّه على يديك، و أنّه اهدي إليّ جارية لم أر أحسن منها، و لم أجد أحدا يستأهلها غيرك، فبعثتها إليك مع شيء من الحليّ و الجواهر و الطيب، ثمّ جمعت وزرائي فاخترت منهم ألف رجل يصلحون للأمانة، و اخترت من الألف مائة، و اخترت من المائة عشرة، و اخترت من العشرة واحدا، و هو «ميزاب بن حبّاب» لم أر أوثق منه، فبعثت على يده هذه [الجارية و الهديّة].
فقال جعفر (عليه السلام): ارجع أيّها الخائن، فما كنت بالّذي أقبلها، لأنّك خائن فيما ائتمنت
____________
(1) سورة ص: 88.
370
عليه. فحلف أنّه ما خان، فقال (عليه السلام): إن شهد [عليك] بعض ثيابك بما خنت تشهد أن لا إله إلّا اللّه، و أنّ محمّدا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)؟ قال: أو تعفيني من ذلك؟
قال (عليه السلام): أكتب إلى صاحبك بما فعلت؟ قال الهندي: إن علمت شيئا فاكتب.
و كان عليه فروة، فأمره بخلعها، ثمّ قام الإمام فركع ركعتين، ثمّ سجد.
قال موسى (عليه السلام): فسمعته في سجوده يقول:
اللهمّ إنّي أسألك بمعاقد العزّ من عرشك، و منتهى الرحمة من كتابك أن تصلّي على محمّد عبدك و رسولك و أمينك في خلقك و آله، و أن تأذن لفرو هذا الهندي أن يتكلّم (1) بلسان عربيّ مبين يسمعه من في المجلس من أوليائنا، ليكون ذلك عندهم آية من آيات أهل البيت، فيزدادوا إيمانا مع إيمانهم.
ثمّ رفع رأسه، فقال: أيّها الفرو تكلّم بما تعلم من الهندي.
قال موسى (عليه السلام): فانقبضت الفروة، و صارت كالكبش، و قالت:
يا ابن رسول اللّه! ائتمنه الملك على هذه الجارية و ما معها، و أوصاه بحفظها، حتّى صرنا إلى بعض الصحاري، فأصابنا المطر و ابتلّ جميع ما معنا، ثمّ احتبس المطر و طلعت الشمس، فنادى خادما كان مع الجارية يخدمها، يقال له «بشر» و قال [له]: لو دخلت هذه المدينة فأتيتنا بما فيها من الطعام. و دفع إليه دراهم، و دخل الخادم المدينة، فأمر الميزاب هذه الجارية أن تخرج من قبّتها إلى مضرب قد نصب [لها] في الشمس، فخرجت و كشفت عن ساقيها إذ كان في الأرض و حل، و نظر هذا الخائن إليها فراودها عن نفسها، فأجابته، و فجربها و خانك.
فخرّ الهندي [على الأرض] فقال: ارحمني فقد أخطأت.
و أقرّ بذلك، ثمّ صار فروة كما كانت، و أمره أن يلبسها، فلمّا لبسها انضمّت في حلقه و خنقته، حتّى اسودّ وجهه.
فقال الصادق (عليه السلام): أيّها الفرو! خلّ عنه، حتّى يرجع إلى صاحبه، فيكون هو أولى به منّا. فانحلّ الفرو، [و قال (عليه السلام): خذ هديتّك و ارجع إلى صاحبك].
فقال الهندي: اللّه اللّه [يا مولاي] فيّ، فإنّك إن رددت الهديّة خشيت أن ينكر ذلك عليّ،
____________
(1) «أن ينطق بفعله، و أن يحكم» ع، ب.
371
فإنّه شديد العقوبة.
فقال: أسلم اعطك الجارية. فأبى، فقبل الهديّة، و ردّ الجارية.
فلمّا رجع إلى الملك، رجع الجواب إلى أبي بعد أشهر فيه مكتوب:
بسم اللّه الرحمن الرحيم، إلى جعفر بن محمّد الإمام (عليه السلام) من ملك الهند:
أمّا بعد، فقد أهديت إليك جارية فقبلت منّي ما لا قيمة له، و رددت الجارية، فأنكر ذلك قلبي، و علمت أنّ الأنبياء و أولاد الأنبياء معهم فراسة (1)، فنظرت إلى الرسول بعين الخيانة، فاخترعت كتابا و أعلمته أنّه جاءني منك بخيانة، و حلفت أنّه لا ينجيه إلّا الصدق، فأقرّ بما فعل، و أقرّت الجارية بمثل ذلك، و أخبرت بما كان من [أمر] الفرو، فتعجّبت من ذلك، و ضربت عنقها و عنقه، و أنا أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، و أنّ محمّدا عبده و رسوله، و اعلم أنّي [واصل] على أثر الكتاب.
فما أقام إلّا مدّة يسيرة، حتّى ترك ملك الهند، و أسلم و حسن إسلامه. (2)
3- باب جعله (عليه السلام) المفتاح أسدا، و الأسد مفتاحا
الأخبار، الأصحاب:
1- الخرائج و الجرائح: روي عن أبي الصامت الحلواني، قال:
قلت للصادق (عليه السلام): أعطني شيئا ينفي الشكّ عن قلبي. قال (عليه السلام):
هات المفتاح الّذي في كمّك (3). فناولته، فإذا المفتاح [شبه] أسد، فخفت.
قال: خذ، و لا تخف. فأخذته، فعاد مفتاحا كما كان. (4)
____________
(1) فرس فراسة بالعين: ثبت النظر و أدرك الباطن من نظر الظاهر.
(2) 3/ 367، 1/ 299 ح 6- و اللفظ له- (و التخريجات في هامشه).
(3) الكمّ من الثوب: مدخل اليد و مخرجها.
(4) 1/ 306 ح 10، عنه البحار: 47/ 117 ح 154؛ و أورده في الثاقب في المناقب: 422 ح 8، عنه مدينة المعاجز: 416 ح 237.
372
20- أبواب جوامع معجزاته (عليه السلام)
1- باب معجزته (عليه السلام) في إطعام النخلة اليابسة الرطب، و نسبة الأعرابي السحر إليه، و صيرورته كلبا و عوده أعرابيّا
الأخبار، الأصحاب:
1- الخرائج و الجرائح: روي عن عليّ بن أبي حمزة، قال:
حججت مع الصادق (عليه السلام) فجلسنا في بعض الطريق تحت نخلة يابسة، فحرّك شفتيه بدعاء لم أفهمه، ثمّ قال: يا نخلة! أطعمينا ممّا جعل اللّه فيك من رزق عباده.
قال: فنظرت إلى النخلة و قد تمايلت نحو الصادق (عليه السلام) و عليها أعذاقها، و فيها الرطب، قال: ادن فسمّ و كل. فأكلنا منها رطبا أعذب رطب و أطيبه؛
فإذا نحن بأعرابيّ يقول: ما رأيت كاليوم سحرا أعظم من هذا!!
فقال الصادق (عليه السلام): نحن ورثة الأنبياء ليس فينا ساحر و لا كاهن، بل ندعو اللّه فيجيب؛
فإن أحببت أن أدعو اللّه فيمسخك كلبا تهتدي إلى منزلك، و تدخل عليهم، و تبصبص (1) لأهلك [فعلت]؟ قال الأعرابي- بجهله-: بلى.
فدعا اللّه، فصار كلبا في وقته، و مضى على وجهه. فقال لي الصادق (عليه السلام):
اتبعه، فاتّبعته، حتّى صار إلى [حيّه، فدخل إلى] منزله، فجعل يبصبص لأهله و ولده، فأخذوا له عصا حتّى أخرجوه، فانصرفت إلى الصادق (عليه السلام) فأخبرته بما كان [منه]؛
فبينما نحن في حديثه إذ أقبل حتّى وقف بين يدي الصادق (عليه السلام)، و جعلت دموعه تسيل، فأقبل يتمرّغ في التراب و يعوي، فرحمه فدعا اللّه [له] فعاد أعرابيّا.
فقال له الصادق (عليه السلام): هل آمنت يا أعرابيّ؟ قال: نعم، ألفا و ألفا. (2)
____________
(1) بصبص و تبصبص الكلب: حرّك ذنبه.
(2) 1/ 296 ح 3، عنه كشف الغمّة: 2/ 199، و إثبات الهداة: 5/ 403 ح 134، و البحار: 47/ 110 ح 147، و أورد قطعة منه في الصراط المستقيم: 2/ 185 ح 3، و أورده في الثاقب في المناقب: 198 ح 4، عنه مدينة المعاجز: 382 ح 78. و أخرجه في ملحقات إحقاق الحقّ: 12/ 260، عن وسيلة النجاة: 358.
373
2- باب آخر [في معجزاته (عليه السلام) مع البلخي]
الأخبار، الأصحاب:
1- الخرائج و الجرائح: روي عن داود بن كثير الرقّي، قال: كنت عند الصادق (عليه السلام) أنا و أبو الخطّاب، و المفضّل، و أبو عبد اللّه البلخي إذ دخل علينا كثير النواء فقال:
إنّ أبا الخطّاب هذا يشتم أبا بكر و عمر (1) و يظهر البراءة منهما (2).
فالتفت الصادق (عليه السلام) إلى أبي الخطّاب و قال: يا محمّد! ما تقول؟
قال: كذب، و اللّه ما سمع منّي قطّ شتمهما.
فقال الصادق (عليه السلام): قد حلف، و لا يحلف كاذبا.
فقال: صدق لم أسمع أنا منه، و لكن حدّثني الثقة به عنه.
قال الصادق (عليه السلام): و إنّ الثقة لا يبلّغ ذلك. فلمّا خرج كثير النواء، قال الصادق (عليه السلام):
أما و اللّه لئن كان أبو الخطّاب ذكر ما قال كثير، لقد علم من أمرهم ما لم يعلمه كثير؛
و اللّه لقد جلسا مجلس أمير المؤمنين (عليه السلام) غصبا، فلا غفر اللّه لهما، و لا عفا عنهما؛ فبهت أبو عبد اللّه البلخي، و نظر إلى الصادق (عليه السلام) متعجّبا ممّا قال فيهما.
فقال الصادق (عليه السلام): أنكرت ما سمعت [منّي] فيهما؟ قال: كان ذلك.
قال الصادق (عليه السلام): فهلّا كان [هذا] الإنكار منك، ليلة دفع إليك فلان بن فلان البلخي جاريته فلانة، لتبيعها [له] فلمّا عبرت النهر افترشتها في أصل شجرة؟! فقال البلخي:
قد مضى- و اللّه- لهذا الحديث أكثر من عشرين سنة، و لقد تبت إلى اللّه من ذلك.
فقال الصادق (عليه السلام): لقد تبت و ما تاب اللّه عليك، و لقد غضب اللّه لصاحب الجارية.
ثمّ ركب و سار، و البلخيّ معه، فلمّا برزا، قال الصادق (عليه السلام)- و قد سمع صوت حمار-:
إنّ أهل النار يتأذّون بهما و بأصواتهما، كما تتأذّون بصوت الحمار.
فلمّا برزنا إلى الصحراء، فإذا نحن بجبّ كبير، فالتفت الصادق (عليه السلام) إلى البلخي، فقال:
____________
(1) «و عمر و عثمان» ع، ب.
(2) «منهم» ع، ب. و كذا ما يأتي بعدها بصيغة الجمع.
374
اسقنا من هذا الجبّ. فدنا البلخي، ثمّ قال: هذا جبّ بعيد القعر، لا أرى ماء به.
فتقدّم الصادق (عليه السلام) فقال: أيّها الجبّ السامع المطيع لربّه! اسقنا ممّا جعل اللّه فيك من الماء بإذن اللّه. فنظرنا الماء يرتفع من الجبّ، فشربنا منه؛
ثمّ سار حتّى انتهى إلى موضع فيه نخلة يابسة، فدنا منها، فقال: أيّتها النخلة! أطعمينا ممّا جعل اللّه فيك. فانتثرت رطبا جنيّا، ثمّ جازها، فالتفتنا فلم نر فيها شيئا.
ثمّ سار، فإذا نحن بظبي قد أقبل فبصبص بذنبه إلى الصادق (عليه السلام) و تبغّم (1) فقال:
أفعل إن شاء اللّه، فانصرف الظبي.
فقال البلخي: لقد رأينا [شيئا] عجبا! فما سألك الظبي؟
[فقال: استجار بي] و أخبرني أنّ بعض من يصيد الظباء بالمدينة صاد زوجته، و أنّ لها خشفين (2) صغيرين، و سألني أن أشتريها، و اطلقها [للّه] إليه، فضمنت له ذلك.
و استقبل القبلة و دعا، و قال: الحمد للّه كثيرا كما هو أهله و مستحقّه، و تلا:
أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ (3).
ثمّ قال: نحن- و اللّه- المحسودون.
ثمّ انصرف و نحن معه، فاشترى الظبية و أطلقها، ثمّ قال:
لا تذيعوا سرّنا، و لا تحدّثوا به عند غير أهله، فإنّ المذيع سرّنا أشدّ علينا من عدوّنا. (4)
3- باب آخر: [في معجزاته (عليه السلام) مع داود النيلي]
الأخبار، الأصحاب:
1- المناقب لابن شهرآشوب: داود النيلي، قال:
____________
(1) تبغّمت الظبية: صوّتت بأرخم ما يكون من صوتها.
(2) الخشف ولد الضبي أوّل ما يولد.
(3) النساء: 54.
(4) 1/ 297 ح 5، عنه إثبات الهداة: 5/ 404 ح 136، و البحار: 8/ 251 (ط. حجر قطعة)، و ج 47/ 111 ح 149، و مدينة المعاجز: 407 ح 186، و أورده في الصراط المستقيم: 2/ 186 ح 5؛ و أخرجه في مدينة المعاجز: 381 ح 77 عن الثاقب في المناقب: 423 ح 9.
375
خرجت مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) إلى الحجّ، فلمّا كان أوان الظهر، قال لي:
يا داود! اعدل بنا عن الطريق، حتّى نأخذ اهبة الصلاة.
فقلت: جعلت فداك، أو لسنا نحن في أرض قفر لا ماء فيها؟
فقال لي: ما أنت و ذاك! قال: فسكتّ، و عدلنا عن الطريق؛ فنزلنا في أرض قفر لا ماء فيها، فركضها برجله، فنبع لنا عين ماء يسيب كأنّه قطع الثلج؛
فتوضّأ و توضّيت، ثمّ أدّينا ما علينا من الفرض، فلمّا هممنا بالمسير، التفت، فإذا بجذع نخل! فقال لي: يا داود! أ تحبّ أن اطعمك منه رطبا. فقلت: نعم.
قال: فضرب بيده إلى الجذع، فهزّه، فاخضرّ من أسفله إلى أعلاه.
قال: ثمّ اجتذبه الثانية، فأطعمنا اثنين و ثلاثين نوعا من أنواع الرطب، ثمّ مسح بيده عليه، فقال: عد نخلا بإذن اللّه تعالى. قال: فعاد كسيرته الاولى. (1)
استدراك
(4) باب آخر في معجزاته (عليه السلام) مع وفد خراسان
(1) الثاقب في المناقب: عن الحسن بن عليّ بن فضّال، قال:
قال موسى بن عطيّة النيسابوري: اجتمع وفد خراسان من أقطارها، كبارها و علماؤها، و قصدوا داري، و اجتمع علماء الشيعة و اختاروا أبا لبابة و طهمان و جماعة شتّى، و قالوا بأجمعهم: رضينا بكم أن تردوا المدينة، فتسألوا عن المستخلف فيها، لنقلّده أمرنا، فقد ذكر أنّ باقر العلم قد مضى، و لا ندري من نصبه اللّه بعده من آل الرسول من ولد عليّ و فاطمة (عليهما السلام)؛
و دفعوا إلينا مائة ألف درهم ذهبا و فضّة، و قالوا: لتأتونا بالخبر و تعرّفونا الإمام، فتطالبوه بسيف ذي الفقار، و القضيب، و الخاتم، و البردة، و اللوح الّذي فيه تثبيت الأئمّة من ولد عليّ و فاطمة، فإنّ ذلك لا يكون إلّا عند الإمام، فمن وجدتم ذلك عنده فسلّموا إليه المال
____________
(1) 3/ 366، عنه البحار: 47/ 139 ضمن ح 188، و مدينة المعاجز: 415 ح 229؛ و رواه في دلائل الإمامة: 143 بإسناده إلى داود بن كثير (مثله)، عنه مدينة العاجز: 397 ح 143؛ و أورده في عيون المعجزات: 86، عنه إثبات الهداة: 5/ 449 ح 218.
376
فحملناه، و تجهّزنا إلى المدينة، و حللنا بمسجد الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فصلّينا ركعتين، و سألنا:
من القائم بأمور الناس، و المستخلف فيها؟
فقالوا لنا: زيد بن عليّ، و ابن أخيه جعفر بن محمّد (عليهما السلام).
فقصدنا زيدا في مسجده، و سلّمنا عليه، فردّ علينا السلام و قال: من أين أقبلتم؟ قلنا:
أقبلنا من أرض خراسان لنعرف إمامنا، و من نقلّده امورنا. فقال: قوموا.
و مشى بين أيدينا حتّى دخل داره، فأخرج إلينا طعاما، فأكلنا، ثمّ قال: ما تريدون؟
فقلنا له: نريد أن ترينا ذا الفقار و القضيب و الخاتم و البرد و اللوح الّذي فيه تثبيت الأئمّة (عليهم السلام)، فإنّ ذلك لا يكون إلّا عند الإمام.
قال: فدعا بجارية له، [فدعا سفطا] فأخرجت إليه سفطا، فاستخرج منه سيفا في أديم أحمر، عليه سجف أخضر، فقال: هذا ذو الفقار. و أخرج إلينا قضيبا، و دعا بدرع (1) من فضّة، و استخرج منه خاتما و بردا، و لم يخرج اللوح الّذي فيه تثبيت الأئمّة (عليهم السلام)؛
فقام أبو لبابة من عنده [و قال:] قوموا بنا حتّى نرجع إلى مولانا غدا، فنستوفي ما نحتاج إليه، و نوفّيه ما عندنا و معنا.
[قال:] فمضينا نريد جعفر بن محمّد (عليهما السلام)، فقيل لنا:
إنّه مضى إلى حائط له، فما لبثنا إلّا ساعة حتّى أقبل و قال: يا موسى بن عطيّة النيسابوري! و يا أبا لبابة! و يا طهمان! و يا أيّها الوافدون من أرض خراسان! إليّ فأقبلوا.
ثم قال: يا موسى! ما أسوأ ظنّك بربّك و بإمامك، لم جعلت في الفضّة الّتي معك فضّة غيرها، و في الذهب ذهبا غيره؟ أردت أن تمتحن إمامك، و تعلم ما عنده في ذلك، و جملة المال مائة ألف درهم.
ثمّ قال: يا موسى بن عطيّة! إنّ الأرض و من عليها للّه و لرسوله و للإمام من بعد رسوله، أتيت عمّي زيدا، فأخرج إليكم من السفط ما رأيتم، و قمتم من عنده قاصدين إليّ.
ثمّ قال: يا موسى بن عطيّة! و يا أيّها الوافدون من خراسان! أرسلكم أهل بلدكم لتعرفوا الإمام و تطالبوه بسيف [اللّه] ذي الفقار الّذي فضّل به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و نصر به أمير المؤمنين
____________
(1) «بدرج». خ ل.
377
(عليه السلام) و أيّده، فأخرج إليكم زيد ما رأيتموه.
قال: ثمّ أومأ بيده إلى فصّ خاتم له، فقلعه، ثمّ قال:
سبحان اللّه، الّذي أودع الذخائر وليّه و النائب عنه في خليقته، ليريهم قدرته، و يكون الحجّة عليهم حتّى إذا عرضوا على النار بعد المخالفة لأمره، قال: أ ليس هذا بالحقّ؟
قالُوا بَلى وَ رَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ* (1).
قال: ثمّ أخرج لنا من وسط الخاتم البردة و القضيب و اللوح الّذي فيه تثبيت الأئمّة (عليه السلام)؛
ثمّ قال: سبحان الّذي سخّر للإمام كلّ شيء، و جعل له مقاليد السماوات و الأرض لينوب عن اللّه في خلقه، و يقيم فيهم حدوده [كما تقدّم إليه ليثبت حجّة اللّه على خلقه] فإنّ الإمام حجّة اللّه تعالى في خلقه.
ثمّ قال: ادخل الدار أنت و من معك بإخلاص و إيقان و إيمان.
قال: فدخلت أنا و من معي، فقال: يا موسى! ترى التور الّذي في زاوية البيت؟
فقلت: نعم. قال: ائتني به، فأتيته [به] و وضعته بين يديه؛
و جئت بمروحة و نقربها على التور، و تكلّم بكلام خفيّ؛
قال: فلم تزل الدنانير تخرج منه حتّى حالت بيني و بينه؛
ثمّ قال: يا موسى بن عطيّة! اقرأ: بسم اللّه الرحمن الرحيم
- لقد كفر- الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِياءُ (2) لم نرد مالكم، لأنّا فقراء، و ما أردنا إلّا لنفرّقه على أوليائنا من الفقراء و ننتزع حقّ اللّه من الأغنياء، فإنّها عقدة فرضها اللّه عليكم، قال اللّه عزّ و جلّ:
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (3).
و قال عزّ و جلّ: الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ* أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (4).
____________
(1) الاحقاف: 34.
(2) آل عمران: 181.
(3) التوبة: 111.
(4) البقرة: 156، 157.
378
قال: ثمّ رمق الدنانير بعينه، فتبادرت إلى كوّ (1) كان في المجلس.
ثمّ قال: أحسنوا إلى إخوانكم المؤمنين، وصلوهم و لا تقطعوهم؛
فإنّكم إن وصلتموهم كنتم منّا و معنا، و لنا، لا علينا، و إن قطعتموهم انقطعت العصمة بيننا و بينكم، لا موصلين و لا مفصلين (2).
فردّ المال إلى أصحابه، و أخذ الفضّة الّتي وضعت في الفضّة، و الذهب الّذي وضع في الذهب، و أمرهم أن يصلوا بذلك أولياءنا و شيعتنا الفقراء، فإنّه الواصل إلينا، و نحن المكافئون عليه.
قال: ثمّ قال: يا موسى بن عطيّة! أراك أصلع، ادن منّي.
فدنوت منه، فأمرّ يده على رأسي، فرجع الشعر قططا (3)، فقال: يكون معك ذا حجّة.
فقال: ادن منّي يا أبا لبابة! و كان في عينه كوكب (4)، فتفل في عينه، فسقط ذلك الكوكب.
و قال: هاتان حجّتان إذا سألكما سائل فقولا: إمامنا فعل ذلك بنا.
و ودّعنا و ودّعناه، و هو إمامنا إلى يوم البعث، و رجعنا إلى بلدنا بالذهب و الفضّة. (5)
***
____________
(1) الكوّ و الكوّة: الخرق في الحائط.
(2) «متصلين» خ.
(3) رجل قطّ و قطط: قصير الشعر جعده.
(4) الكوكب: نقطة بياض تحدث في العين.
(5) 416 ح 2، عنه مدينة المعاجز: 411 ح 212.
380
المنصور (1) احدى و عشرين سنة و أحد عشر شهرا و أيّاما، و بعد مضيّ سنتين من ملكه، قبض (عليه السلام) في شوّال سنة ثمان و أربعين و مائة، و قيل: يوم الإثنين النصف من رجب. (2)
2- باب آخر، و هو من الأوّل
الكتب:
1- إعلام الورى: ولد (عليه السلام) بالمدينة لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأوّل سنة ثلاث و ثمانين من الهجرة، و مضى (عليه السلام) في النصف من رجب.
و يقال: في شوّال سنة ثمان و أربعين و مائة، و له خمس و ستّون سنة.
أقام فيها مع جدّه و أبيه اثنتي عشرة سنة، و مع أبيه بعد جدّه تسع عشرة سنة، و بعد أبيه أيّام إمامته أربعا و ثلاثين سنة.
و كان في أيّام إمامته بقيّة ملك هشام بن عبد الملك (3)؛
و ملك الوليد بن يزيد بن عبد الملك (4)؛
و ملك يزيد بن الوليد بن عبد الملك الملقّب بالناقص (5)؛
____________
(1) هو أبو جعفر عبد اللّه بن محمّد بن عليّ ... بويع بالخلافة بعهد من أخيه السفّاح يوم الأحد ثالث عشر ذي الحجّة سنة ستّ و ثلاثين و مائة، و هو الّذي عمّر بغداد بالجانب الغربي، و كانت وفاته يوم السبت لليال خلت من ذي الحجّة سنة ثمان و خمسين و مائة (الجوهر الثمين: 113- 118).
(2) 3/ 399، عنه البحار: 47/ 4 ح 12، 13، 14، و عن روضة الواعظين: 253 (الحديث 12، 14).
(3) هو أبو الوليد هشام بن عبد الملك بن مروان بويع بالخلافة يوم الجمعة لخمس ليال بقين من شعبان سنة خمس و مائة، و كانت وفاته يوم الأربعاء لثلاث خلون من ربيع الآخر سنة خمس و عشرين و مائة بدمشق و هو ابن ثلاث و خمسين سنة، و كانت خلافته عشرين سنة إلّا شهرا (الجوهر الثمين: 98).
(4) هو أبو العبّاس الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان تولّى الخلافة بعد عمّه هشام، و بويع يوم الأربعاء لثلاث خلون من ربيع الآخر سنة خمس و عشرين و مائة، و كان فاسقا متهتّكا، لهجا بالشراب، أحضر المغنّين من الآفاق ... كانت خلافته سنة و شهرين. (المصدر السابق ص 102).
(5) هو أبو خالد يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان المعروف بيزيد الناقص، و إنّما سمّي الناقص لأنّه لمّا تولّى نقص من أرزاق الجند، و مات بدمشق لعشر بقين من ذي الحجّة سنة ستّ و عشرين و مائة، و كانت خلافته ستّة أشهر إلّا أيّاما (نفس المصدر ص 103).
379
9- أبواب جمل تواريخه و أحواله (عليه السلام) مع خلفاء زمانه
1- باب جمل تواريخه و أحواله (عليه السلام) معهم
الكتب:
1- المناقب لابن شهرآشوب:
ولد الصادق (عليه السلام) بالمدينة، يوم الجمعة، عند طلوع الفجر.
و يقال: يوم الإثنين، لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأوّل، سنة ثلاث و ثمانين.
و قالوا: سنة ستّ و ثمانين. فأقام مع جدّه اثنتي عشرة سنة، و مع أبيه تسع عشرة سنة، و بعد أبيه أيّام إمامته أربعا و ثلاثين سنة.
فكان في سنيّ إمامته، ملك إبراهيم بن الوليد (1)، و مروان الحمار (2).
ثمّ صارت المسوّدة (3) من أرض خراسان مع أبي مسلم، سنة اثنتين و ثلاثين و مائة؛
و انتزعوا الملك من بني اميّة، و قتلوا مروان الحمار.
ثمّ ملك أبو العبّاس السفّاح (4) أربع سنين و ستّة أشهر و أيّاما، ثمّ ملك أخوه أبو جعفر
____________
(1) هو أبو إسحاق إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك بن مروان، بويع بالخلافة بعد أخيه يزيد في ذي الحجّة سنة ستّ و عشرين و مائة ... و كانت خلافته شهرين و أيّاما.
أقول: و عليه فإنّ سنيّ إمامته (عليه السلام) الّتي دامت 34 سنة، لم تقتصر على خلافة هؤلاء فقط بل و من تقدّمهم أيضا ابتداء من خلافة هشام بن عبد الملك الّذي استمرّت خلافته من سنة 105- 125 و خلالها كانت شهادة الإمام الباقر (عليه السلام) سنة 114 و استلام الصادق (عليه السلام) للإمامة، و سيأتي تفصيلها في الحديث التالي.
(2) هو أبو عبد اللّه مروان بن محمّد بن مروان، نزل له إبراهيم عن الخلافة بعد دخوله إلى دمشق و بايعوه في سادس صفر، و هو آخر خلفاء بني اميّة ... و كانت خلافته خمس سنين و اشهرا (الجوهر الثمين في سيرة الملوك و السلاطين: 105، 106 و المصادر المذكورة في هامشه).
(3) المسوّدة: يعني أصحاب الدعوة العبّاسية لأنّهم كانوا يلبسون ثيابا سودا.
(4) هو أبو العبّاس عبد اللّه بن محمّد بن عليّ بن عبد اللّه بن العبّاس بن عبد المطّلب بن هاشم.
بويع بالخلافة يوم الجمعة رابع عشر ربيع الآخر سنة اثنتين و ثلاثين و مائة ....
و كانت خلافته أربع سنين و تسعة أشهر، و قيل: و ثمانية أشهر و يوما.
381
و ملك إبراهيم بن الوليد؛
و ملك مروان بن محمّد الحمار.
ثمّ صارت المسوّدة من أهل خراسان مع أبي مسلم سنة اثنتين و ثلاثين و مائة.
فملك أبو العبّاس عبد اللّه بن محمّد بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس الملقّب بالسفّاح، أربع سنين و ثمانية أشهر؛
ثمّ ملك أخوه أبو جعفر عبد اللّه الملقّب بالمنصور، إحدى و عشرين سنة و أحد عشر شهرا.
و توفّي الصادق (عليه السلام) بعد عشر سنين من ملكه (1)؛
و دفن بالبقيع، مع أبيه و جدّه و عمّه الحسن (عليهم السلام). (2)
3- باب آخر [في حاله (عليه السلام) مع الدوانيقي]
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: بإسناده الآتي في أبواب أحواله (عليه السلام) مع المنصور الدوانيقي (3)، عن معاوية بن عمّار، و العلاء بن سيّابة، و ظريف بن ناصح، قال:
لمّا بعث أبو الدوانيق إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام)، و ساق إلى إحضاره و جرى الكلام بينهما- إلى أن قال (عليه السلام)-:
يا أمير المؤمنين! إنّه لم ينل منّا أهل البيت أحد دما إلّا سلبه اللّه ملكه.
فغضب لذلك و استشاط (4)، فقال: على رسلك (5) يا أمير المؤمنين، إنّ هذا الملك كان في
____________
(1) كذا، و الصواب بعد اثنتي عشرة سنة من ملك المنصور حيث استلم الخلافة سنة 136 ه، و كانت شهادة الإمام الصادق (عليه السلام) سنة 148 ه.
(2) 271، عنه البحار: 47/ 6 ح 17.
(3) ص 428 ح 3.
(4) شاط به الغضب: اشتعل.
(5) أي على مهلك و تأنّ.
383
10- أبواب أحواله (عليه السلام) مع خلفاء بني مروان
1- باب أحواله (عليه السلام) مع هشام بن الوليد (1) و ما جرى بينهما
الأخبار، الأصحاب:
1- المناقب لابن شهرآشوب: موسى بن عبد اللّه بن حسن بن حسن، و معتّب و مصادف موليا الصادق (عليه السلام) في خبر: أنّه لمّا دخل هشام بن الوليد المدينة، أتاه بنو العبّاس و شكوا من الصادق (عليه السلام) أنّه أخذ تركات ماهر الخصيّ، دوننا.
فخطب أبو عبد اللّه (عليه السلام) فكان ممّا قال:
إنّ اللّه تعالى لمّا بعث رسوله محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان أبونا أبو طالب المواسي له بنفسه، و الناصر له، و أبوكم العبّاس و أبو لهب يكذّبانه، و يؤلّبان (2) عليه شياطين الكفر، و أبوكم يبغي له الغوائل (3)، و يقود إليه القبائل في بدر؛
و كان [في أوّل] رعيلها (4) و صاحب خيلها و رجلها، و المطعم يومئذ، و الناصب الحرب له.
ثمّ قال: فكان أبوكم طليقنا و عتيقنا، و أسلم كارها تحت سيوفنا، لم يهاجر إلى اللّه و رسوله هجرة قطّ، فقطع اللّه ولايته منّا بقول: وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ (5) في كلام له، ثمّ قال: هذا مولى لنا مات فحزنا تراثه، إذ كان مولانا؛
و لأنّا ولد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و امنّا فاطمة، أحرزت ميراثه. (6)
2- كشف الغمّة: من كتاب الدلائل للحميري، عن أبي حمزة الثمالي، قال:
____________
(1) كذا، و الظاهر هو هشام بن عبد الملك الّذي بويع بالخلافة سنة (105) و توفّي سنة (125).
(2) «ألّبت الجيش: أي جمعته، و التأليب: التحريض» منه ره.
(3) الغائلة: الشرّ. الحقد الباطن، جمعها: الغوائل. و الغوائل أيضا: الدواهي.
(4) «الرعيل: القطعة من الخيل» منه ره.
(5) الأنفال: 72.
(6) 1/ 224، عنه البحار: 47/ 176 ح 22، و ج 104/ 362 ح 13.
382
آل أبي سفيان؛
فلمّا قتل يزيد حسينا (عليه السلام) سلبه اللّه ملكه، فورثه آل مروان؛
فلمّا قتل هشام زيدا (1) سلبه اللّه ملكه، فورثه مروان بن محمّد؛
فلمّا قتل مروان إبراهيم (2) سلبه اللّه ملكه فأعطاكموه، فقال: صدقت، الخبر. (3)
____________
(1) أي زيد بن عليّ بن الحسين (عليهما السلام).
(2) الظاهر هو إبراهيم بن محمّد بن عليّ الإمام، ذكر ابن الأثير في الكامل في التاريخ: 5/ 422: ...
اختلف الناس في موته:
فقيل: إن مروان حبسه بحرّان ... فهلك في وباء وقع بحرّان.
و قيل: إنّ مروان هدم على إبراهيم بيتا فقتله ....
(3) تأتي تخريجاته ص 429 ه 2.
و يأتي نحوه أيضا عن ثواب الأعمال ص 384 ح 1.
384
كنت مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) بين مكّة و المدينة إذ التفت عن يساره، فرأى كلبا أسود، فقال:
مالك! قبّحك اللّه، ما أشدّ مسارعتك! و إذا هو شبيه الطائر، [فقلت: ما هذا؟ جعلت فداك]، قال: هذا «عثم» بريد الجنّ، مات هشام الساعة، و هو يطير ينعاه في كلّ بلد.
الكافي: محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن إسماعيل، عن عليّ بن الحكم، عن مالك بن عطيّة، عن الثمالي (مثله). (1)
3- إعلام الورى: عليّ بن الحكم، عن عروة بن موسى الجعفي، قال:
قال لنا يوما و نحن نتحدّث: الساعة انفقأت عين هشام في قبره.
قلنا: و متى مات؟ قال: اليوم الثالث، قال: فحسبنا موته، و سألنا عنه، فكان كذلك.
المناقب لابن شهرآشوب: عن عروة (مثله). (2)
2- باب أحواله (عليه السلام) مع الوليد
الأخبار، الأصحاب:
1- ثواب الأعمال: أبي، عن محمّد العطّار، عن الأشعري، عن عبد اللّه بن محمّد، عن عليّ بن زياد، عن محمّد الحلبي، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام):
إنّ آل أبي سفيان قتلوا الحسين بن عليّ (صلوات اللّه عليه) فنزع اللّه ملكهم؛
و قتل هشام زيد بن عليّ (عليه السلام) فنزع اللّه ملكه؛
و قتل الوليد يحيى بن زيد (رحمه اللّه) فنزع اللّه ملكه. (3)
2- الاحتجاج: عن عبد الكريم بن عتبة الهاشمي، قال:
____________
(1) تقدّم ص 80 ح 3 بتخريجاته و بياناته.
(2) تقدّم ص 271 ح 1؛
«أقول: قد مرّ في أبواب أحوال زيد بن عليّ بن الحسين (عليهما السلام) و شهادته [في عوالم العلوم: 18 و 19] بعض أحوال هشام و حزن الصادق (عليه السلام) بسبب شهادة زيد، لم أعيدها حذرا من الإكثار و الملال و روما للاختصار و الإجمال» منه ره.
(3) 261 ح 11، عنه البحار: 45/ 308 ح 9، و ج 46/ 182 ح 46؛ و تقدّم في ج 18/ 266 ح 11، و هنا ص 381 ح 1، و يأتي ص 386 ح 2، و ص 429 ضمن ح 3، و ص 910 ح 2.
385
كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) بمكّة إذ دخل عليه اناس من المعتزلة (1) فيهم عمرو بن عبيد، و واصل بن عطاء، و حفص بن سالم (2)، و اناس من رؤسائهم، و ذلك حين قتل الوليد (3)؛
و اختلف أهل الشام بينهم، فتكلّموا فأكثروا، و خطبوا فأطالوا؛
فقال لهم أبو عبد اللّه جعفر بن محمّد (عليهما السلام):
إنّكم قد أكثرتم عليّ فأطلتم، فأسندوا أمركم إلى رجل منكم، فليتكلّم بحجّتكم و ليوجز. فأسندوا أمرهم إلى عمرو بن عبيد فأبلغ و أطال، فكان فيما قال: أن قال:
قتل أهل الشام خليفتهم، و ضرب اللّه بعضهم ببعض، و تشتّت أمرهم، فنظرنا فوجدنا رجلا له دين و عقل و مروّة، و معدن للخلافة، و هو محمّد بن عبد اللّه بن الحسن، فأردنا أن نجتمع معه فنبايعه، ثمّ نظهر أمرنا معه، و ندعو الناس إليه، فمن بايعه كنّا معه، و كان منّا، و من اعتزلنا كففنا عنه، و من نصب لنا جاهدناه و نصبنا له على بغيه، و نردّه إلى الحقّ و أهله؛
و قد أحببنا أن نعرض ذلك عليك، فإنّه لا غنى بنا عن مثلك، لفضلك و كثرة شيعتك؛
فلمّا فرغ، قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): أ كلّكم على مثل ما قال عمرو؟ قالوا: نعم.
فحمد اللّه و أثنى عليه و صلّى على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و احتجّ عليهم بحجج- كما سيأتي في أبواب مناظراته (عليه السلام) مع المخالفين ص 506 ح 1-
____________
(1) قال ابن منظور في لسان العرب: 11/ 440:
المعتزلة: قوم من القدريّة يلقّبون بالمعتزلة زعموا أنّهم اعتزلوا فئتي الضلالة عندهم ...
و ذكر في كتاب المقالات و الفرق: 4، أنّ هؤلاء اعتزلوا عن عليّ (عليه السلام) و امتنعوا من محاربته و المحاربة معه بعد دخولهم في بيعته و الرضا به، فسمّوا المعتزلة و صاروا أسلاف المعتزلة إلى آخر الأبد. و ذكرهم الشهرستاني في الملل و النحل: 1/ 43. فراجع.
(2) أبو عثمان عمرو بن عبيد بن باب، مولى بني عقيل، ثمّ آل عرادة بن يربوع بن مالك، كان جدّه «باب» من سبي كابل من جبال السند. (وفيات الأعيان: 3/ 460).
واصل بن عطاء البليغ الأفوه، أبو حذيفة المخزومي، مولاهم البصري الغزّال و قيل: ولاؤه لبني ضبّة، مولده سنة ثمانين بالمدينة و كان يلثغ بالراء ... (سير أعلام النبلاء: 5/ 464).
و لم نعثر على ترجمة لحفص بن سالم المذكور.
(3) المراد به الوليد بن يزيد بن عبد الملك، قتل سنة ستّ و عشرين و مائة.
386
ثمّ أقبل على عمرو، و قال: اتّق اللّه يا عمرو، و أنتم أيّها الرهط، فاتّقوا اللّه؛
فإنّ أبي حدّثني و كان خير أهل الأرض و أعلمهم بكتاب اللّه و سنّة رسوله:
أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: «من ضرب الناس بسيفه و دعاهم إلى نفسه، و في المسلمين من هو أعلم منه فهو ضالّ متكلّف».
الكافي: عليّ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن اذينة، عن زرارة، عن عبد الكريم (مثله). (1)
3- باب حاله (عليه السلام) مع مروان
الأخبار، الأئمّة، الصادق (عليه السلام)
1- كشف الغمّة: عن يونس بن أبي يعفور، عن أخيه عبد اللّه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: مروان خاتم بني مروان، و إن خرج محمّد بن عبد اللّه، قتل. (2)
2- الكافي:- في حديث معاوية بن عمّار، و علاء بن سيّابة، و ظريف بن ناصح-
قال الصادق (عليه السلام) للمنصور: فلمّا قتل هشام زيدا سلبه اللّه ملكه، فورثه مروان بن محمّد فلمّا قتل مروان إبراهيم سلبه اللّه ملكه فأعطاكموه، الخبر. (3)
3- أمالي الطوسي: (المفيد، عن ابن الوليد، عن أبيه، عن الصفّار، عن ابن عيسى، عن ابن أبي حمزة) (4)، عن عبد اللّه بن الوليد، قال:
دخلنا على أبي عبد اللّه (عليه السلام) في زمن [بني] مروان، فقال: ممّن أنتم؟ قلنا: من الكوفة.
قال: ما من البلدان أكثر محبّا لنا من أهل الكوفة، لا سيّما هذه العصابة (5)؛
____________
(1) يأتي تمام الحديث بتخريجاته ص 506 ح 1.
«أقول: ذكروا في أنواع فرق الخوارج أنّ البهيسيّة أصحاب أبي بهيس هيصم بن جابر، و كان بالحجاز، قتل في زمن الوليد» منه ره.
(2) تقدّم ص 261 ح 29.
(3) 2/ 562 ح 23، عنه البحار: 47/ 209 ذ ح 51. تقدّم ص 381 ح 1، و ص 384 ح 1.
(4) «بإسناده» ع.
(5) أي الشيعة، فإنّها أخصّ: البحار: 68.
387
إنّ اللّه هداكم لأمر جهله الناس، فأجبتمونا و أبغضنا الناس، و بايعتمونا (1) و خالفنا الناس، و صدّقتمونا و كذّبنا الناس، فأحياكم اللّه محيانا، و أماتكم مماتنا.
فأشهد على أبي أنّه كان يقول: ما بين أحدكم و بين أن يرى ما تقرّبه عينه، أو يغتبط، إلّا أن يبلغ نفسه هكذا- و أهوى بيده إلى حلقه-
و قد قال اللّه عزّ و جلّ في كتابه: وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَ جَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَ ذُرِّيَّةً (2) فنحن ذريّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم). (3)
4- باب نادر في حال محمّد بن مروان
الكتب:
1- مجموعة ورّام: قيل للمنصور: في حبسك محمّد بن مروان، فلو أمرت بإحضاره و مسألته عمّا جرى بينه و بين ملك النوبة (4). [فأحضره، فسأله] فقال:
____________
(1) «و تابعتمونا» خ.
(2) الرعد: 38.
(3) 1/ 143، عنه تأويل الآيات: 1/ 237 ح 18، و البحار: 68/ 20 ح 34، و رواه أيضا في ج 2/ 291 (بإسناده) إلى ابن الوليد (مثله) عنه البحار: 27/ 165 ح 22، و ج 60/ 222 ح 53؛
و رواه في الكافي: 8/ 81 ح 38، و تفسير فرات: 216 ح 291 و بشارة المصطفى: 81 و ص 134 بإسنادهم إلى عبد اللّه بن الوليد (مثله).
«أقول: روي أنّ مروان بن محمّد- و هو آخر ملوك بني اميّة- قال: يحرم الزاب- لمّا شاهد عبد اللّه ابن محمّد بن عليّ بن عبد اللّه بن العبّاس [راجع كامل ابن الأثير: 5/ 424] بإزائه في صف خراسان- [و] لوددت أنّ عليّ بن أبي طالب تحت هذه الراية، بدلا عن هذا العيّ؛
و قيل: في فرق الخوارج الأباضيّة: أصحاب عبد اللّه بن أباض قتل في أيّام مروان بن محمّد» منه ره.
أقول: المراد بالزاب هنا الزاب الأعلى: و هو نهر بين الموصل و أربيل و المعنى أي يحرم عليّ أن أشرب من ماءه.
(4) النوبة- بالضمّ، ثمّ السكون و باء موحدة-: بلاد واسعة عريضة في جنوب مصر، و هم نصارى، أهل شدّة في العيش، أوّل بلادهم بعد أسوان ....
و اسم مدينة النوبة «دمقلة» و هي منزل الملك على ساحل النيل.
و نوبة أيضا: بلد صغير بإفريقيّة بين تونس و إقليبيا (مراصد الاطّلاع: 3/ 1394).
388
صرت إلى جزيرة النوبة في آخر أمرنا، فأمرت بالمضارب فضربت، فخرج النوب يتعجّبون، و أقبل ملكهم، رجل طويل أصلع، حاف عليه كساء، فسلّم و جلس على الأرض، فقلت: مالك لا تقعد على البساط؟
فقال: أنا ملك، و حقّ لمن رفعه اللّه أن يتواضع له إذا رفعه.
ثمّ قال: ما بالكم تطأون الزرع بدوابّكم، و الفساد محرّم عليكم في كتابكم؟
فقلت: عبيدنا فعلوه بجهلهم.
قال: فما بالكم تشربون الخمر، و هي محرّمة عليكم في دينكم!؟
قلت: أشياعنا فعلوه بجهلهم.
قال: فما بالكم تلبسون الديباج، و تتحلّون بالذهب، و هو محرّم عليكم على لسان نبيّكم؟
قلت: فعل ذلك أعاجم من خدمنا، كرهنا الخلاف عليهم.
فجعل [يكرّر معاذيري و] ينظر في وجهي، و يكرّر معاذيري على وجه الاستهزاء؛
ثمّ قال: ليس كما تقول يا ابن مروان، و لكنّكم قوم ملكتم فظلمتم، و تركتم ما امرتم، فأذاقكم اللّه وبال أمركم، و للّه فيكم نقم لم تبلغ؛
و إنّي أخشى أن تنزل بك و أنت في أرضي فتصيبني معك، فارتحل عنّي. (1)
____________
(1) 1/ 55، عنه البحار: 47/ 186 ح 34.
389
11- أبواب جمل أحواله (عليه السلام) مع خلفاء بني العبّاس و ولايتهم
1- باب شدّة عناد سلطان بني العبّاس و مكرهم
الأخبار، الأئمّة، الصادق (عليه السلام):
1- أمالي الطوسي: الحسين بن إبراهيم القزويني، عن محمّد بن وهبان، عن عليّ ابن حبشي، عن العبّاس بن محمّد بن الحسين، عن أبيه، عن صفوان [بن يحيى]، عن الحسين بن أبي غندر، عن أبي بصير، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول:
اتّقوا اللّه، و عليكم بالطاعة لأئمّتكم، قولوا ما يقولون، و اصمتوا عمّا صمتوا؛
فإنّكم في سلطان من قال اللّه تعالى: وَ إِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ (1)؛
يعني بذلك ولد العبّاس، فاتّقوا اللّه فإنّكم في هدنة، صلّوا في عشائرهم، و اشهدوا جنائزهم، و أدّوا الأمانة إليهم، الخبر. (2)
2- باب إخبار الباقر (عليه السلام) بخلفاء بني العبّاس
الأخبار، الأصحاب:
1- المناقب لابن شهرآشوب: أبو بصير، قال:
كنت مع أبي جعفر (عليه السلام) في المسجد إذ دخل عليه أبو الدوانيق، و داود بن عليّ، و سليمان بن مجالد (3)، حتّى قعدوا في جانب المسجد، فقال لهم: هذا أبو جعفر!
فأقبل إليه داود بن عليّ، و سليمان بن مجالد، فقال لهما:
ما منع جبّاركم أن يأتيني؟ فعذّروه عنده؛
____________
(1) إبراهيم: 46.
(2) 2/ 280، عنه البحار: 47/ 162، ح 1، و ج 74/ 167 ح 33، و ج 99/ 14 ح 43 قطعة، و البرهان: 2/ 322 ح 6.
(3) تقدّم العوالم: 19/ 299 ح 1 عن الكافي: 8/ 210 ح 56 (بن خالد)، و في الوافي: 2/ 449 و في بعض النسخ: (ابن خالد) مصحّفان، فإنّ ابن مجالد هذا مولى أبي جعفر المنصور (الطبقات الكبرى: 1/ 333، 489) و ابن خالد من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام).
390
فقال (عليه السلام): يا داود! أما [إنّه] لا تذهب الأيّام حتّى يليها و يطأ الرجال عقبه، و يملك شرقها و غربها، و تدين له الرجال، و تذلّ رقابها.
قال: فلها مدّة؟ قال: نعم، و اللّه ليتلقّفنّها الصبيان منكم، كما تتلقّف الكرة.
فانطلقا، فأخبرا أبا جعفر بالّذي سمعا من محمّد بن عليّ (عليهما السلام)، فبشّراه بذلك.
فلمّا ولّيا دعا سليمان بن مجالد، فقال:
يا سليمان بن مجالد! إنّهم لا يزالوا في فسحة من ملكهم ما لم يصيبوا دما- و أومأ بيده إلى صدره- فإذا أصابوا ذلك الدم، فبطنها خير لهم من ظهرها؛
فجاء أبو الدوانيق إليه و سأله عن مقالهما، فصدّقهما الخبر، فكان كما قال. (1)
3- باب آخر في جمل أحوال خلفاء بني العبّاس و بدو أمرهم
الكتب:
1- المناقب لابن شهرآشوب: أبو الفرج الأصفهاني في مقاتل الطالبيّين (2):
لمّا بويع محمّد بن عبد اللّه بن الحسن على أنّه مهديّ هذه الأمّة، جاء أبوه عبد اللّه إلى الصادق (عليه السلام) و قد كان ينهاه، و زعم أنّه يحسده، فضرب الصادق (عليه السلام) يده على كتف عبد اللّه، و قال: إيها! و اللّه ما هي إليك و لا إلى ابنك، و إنّما هي لهذا- يعني السفّاح- ثمّ لهذا- يعني المنصور- يقتله على «أحجار الزيت» (3)، ثمّ يقتل أخاه بالطفوف، و قوائم فرسه في الماء.
فتبعه المنصور، فقال: ما قلت يا أبا عبد اللّه؟ فقال: ما سمعته، و إنّه لكائن؛
قال: فحدّثني من سمع المنصور أنّه قال:
انصرفت من وقتي فهيّأت أمري، فكان كما قال.
و روي أنّه لمّا أكبر المنصور أمر ابني عبد اللّه، استطلع حالهما منه (عليه السلام)؟
____________
(1) 3/ 324، عنه البحار: 47/ 176 ح 23، و مدينة المعاجز: 347 ح 83؛
تقدّم في العوالم: 19/ 299 ح 1 عن الكافي: 8/ 210 ح 56 بتفصيل، و جامع تخريجاته.
(2) ص 172 بتفاوت.
(3) أحجار الزيت: موضع بالمدينة كان فيه أحجار غلب عليها الطريق و اندفنت (مراصد الاطلاع: 2/ 678).
391
فقال الصادق (عليه السلام): ما يؤول إليه حالهما، أتلو عليك آية فيها منتهى علمي، و تلا:
لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَ لَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَ لَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (1).
فخرّ المنصور ساجدا، و قال: حسبك أبا عبد اللّه.
ابن كادش العكبري (2) في مقاتل العصابة العلويّة كتابة:
لمّا بلغ أبا مسلم موت إبراهيم الإمام (3)، وجّه بكتبه إلى الحجاز: إلى جعفر بن محمّد (عليهما السلام)، و عبد اللّه بن الحسن، و محمّد بن عليّ بن الحسين، يدعو كلّ واحد منهم إلى الخلافة، فبدأ بجعفر (عليه السلام) فلمّا قرأ الكتاب أحرقه، و قال: هذا الجواب.
فأتى عبد اللّه بن الحسن، فلمّا قرأ الكتاب، قال: أنا شيخ، و لكنّ ابني محمّد مهديّ هذه الأمّة، فركب و أتى جعفرا (عليه السلام)، فخرج إليه و وضع يده على عنق حماره؛
و قال: يا أبا محمّد! ما جاء بك في هذه الساعة؟
فأخبره، فقال: لا تفعلوا، فإنّ الأمر لم يأت بعد، فغضب عبد اللّه بن الحسن، و قال:
لقد علمت خلاف ما تقول، و لكنّه يحملك على ذلك الحسد لابني.
فقال (عليه السلام): [لا] و اللّه ما ذلك يحملني، و لكنّ هذا و إخوته و أبناؤه دونك؛
و ضرب بيده على ظهر أبي العبّاس السفّاح، ثمّ نهض، فاتّبعه عبد الصمد بن عليّ، و أبو جعفر محمّد بن عليّ بن عبد اللّه بن العبّاس، فقالا له: أ تقول ذلك؟
قال: نعم و اللّه، أقول ذلك و أعلمه.
زكّار بن أبي زكّار (4) الواسطي، قال: قبّل رجل رأس أبي عبد اللّه (عليه السلام) فمسّ أبو عبد اللّه (عليه السلام) ثيابه، و قال: ما رأيت كاليوم أشدّ بياضا و لا أحسن منها!
فقال: جعلت فداك، هذه ثياب بلادنا، و جئتك منها بخير من هذه.
____________
(1) الحشر: 12.
(2) هو أبو العزّ أحمد بن عبيد اللّه بن محمّد بن عبيد اللّه ... السلمي العكبري المعروف بابن الكادش، أخو المحدّث أبي ياسر محمّد (سير أعلام النبلاء: 19/ 558).
(3) راجع حاله و وصيّته لأخيه أبي العبّاس السفّاح في مروج الذهب: 3/ 252.
(4) هو زكّار بن يحيى الواسطي، ترجم له في معجم رجال الحديث: 7/ 267.
392
قال: فقال: يا معتّب! اقبضها منه. ثمّ خرج الرجل، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): صدق الوصف، و قرب الوقت، هذا صاحب الرايات السود الّذي يأتي بها من خراسان؛
ثمّ قال: يا معتّب! الحقه، فسله ما اسمه؛
ثمّ قال: إن كان عبد الرحمن فهو- و اللّه- هو.
قال: فرجع معتّب، فقال: [قال]: اسمي عبد الرحمن.
قال: فلمّا ولّي ولد العبّاس، نظرت إليه فإذا هو عبد الرحمن، أبو مسلم.
و في رامشأفزاي: أنّ أبا سلمة (1) الخلّال، وزير آل محمّد، عرض الخلافة على الصادق (عليه السلام) قبل وصول الجند إليه، فأبى و أخبره أنّ إبراهيم الإمام لا يصل من الشام إلى العراق، و هذا الأمر لأخويه: الأصغر ثمّ الأكبر، و يبقى في أولاد الأكبر، و أنّ أبا مسلم يبقى بلا مقصود، فلمّا أقبلت الرايات كتب أيضا بقوله، و أخبره أنّ سبعين ألف مقاتل وصل إلينا، فننتظر أمرك، فقال: إنّ الجواب كما شافهتك.
فكان الأمر كما ذكر، فبقي إبراهيم الإمام في حبس مروان، و خطب باسم السفّاح.
و قرأت في بعض التواريخ: [أنّه] لمّا أتى كتاب أبي سلمة الخلّال إلى الصادق (عليه السلام) بالليل قرأه، ثمّ وضعه على المصباح فحرقه، فقال له الرسول- و ظنّ أنّ حرقه له تغطية و ستر و صيانة للأمر-: هل من جواب؟ قال: الجواب ما قد رأيت.
و قال أبو هريرة الأبّار صاحب الصادق (عليه السلام):
و لمّا دعى الداعون مولاي لم يكن * * * ليثني عليه عزمه بصواب
و لمّا دعوه بالكتاب أجابهم * * * بحرق كتاب دون ردّ جواب
و ما كان مولاي كمشري ضلالة * * * و لا ملبسا منها الردى بثواب
و لكنّه للّه في الأرض حجّة * * * دليل إلى خير و حسن مآب (2)
____________
(1) «أبا مسلم» م، ع، ب، تصحيف، هو أبو سلمة حفص بن سليمان الهمداني، مولاهم الكوفي و كان أبو مسلم تابعا له في الدعوة، ثمّ توهّم منه ميل إلى عليّ عند ما قتل مروان إبراهيم الإمام، فلمّا قام السفّاح و زر له ... يقال له: وزير آل محمّد، و كان ينزل درب الخلّالين فعرف بذلك (سير أعلام النبلاء: 6/ 7).
(2) 3/ 355، عنه البحار: 47/ 131 ح 181.
393
2- إعلام الورى: من كتاب نوادر الحكمة، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن أبي محمّد الحميريّ، عن الوليد بن العلاء بن سيّابة، عن زكّار بن أبي زكّار الواسطي، قال:
كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) إذ أقبل رجل، فسلّم ثمّ قبّل رأس أبي عبد اللّه (عليه السلام)؛
قال: فمسّ أبو عبد اللّه (عليه السلام) ثيابه و قال: ما رأيت كاليوم ثيابا أشدّ بياضا و لا أحسن منها.
فقال: جعلت فداك، هذه ثياب بلادنا، و جئتك منها بخير من هذه.
قال: فقال: يا معتّب! اقبضها منه. ثمّ خرج الرجل، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام):
صدق الوصف و قرب الوقت، هذا صاحب الرايات السود الّتي يأتي بها من خراسان.
ثمّ قال: يا معتّب! الحقه فسله ما اسمه.
ثمّ قال: [لي]: إن كان عبد الرحمن فهو- و اللّه- هو.
قال: فرجع معتّب، فقال: قال: اسمي عبد الرحمن.
قال زكّار بن أبي زكّار: فمكثت زمانا، فلمّا ولّي ولد العبّاس نظرت إليه و هو يعطي الجند، فقلت لأصحابه: من هذا الرجل؟ فقالوا: هذا عبد الرحمن أبو مسلم. (1)
3- الكافي: محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن عبد الرحمن بن أبي هاشم، عن الفضل الكاتب، قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فأتاه كتاب أبي مسلم؛
فقال: ليس لكتابك جواب، اخرج عنّا، فجعلنا يسارّ بعضنا بعضا.
فقال: أيّ شيء تسارّون يا فضل؟ إنّ اللّه عزّ ذكره لا يعجل لعجلة العباد، و لإزالة جبل عن موضعه أيسر من زوال ملك لم ينقض أجله.
ثمّ قال: إنّ فلان بن فلان، حتّى بلغ السابع من ولد فلان (2).
قلت: فما العلامة فيما بيننا و بينك جعلت فداك؟
قال: لا تبرح الأرض يا فضل حتّى يخرج السفياني، فإذا خرج السفياني فأجيبوا إلينا-
____________
(1) 279، عنه البحار: 47/ 274 ح 15، تقدّم ضمن الحديث السابق (مثله).
«أقول: ذكر في الخرائج [2/ 654 ح 54] أيضا هذه الحكاية، و قد مضت في أبواب معجزاته (عليه السلام) [ص 250 ح 12] عن الخرائج» منه ره.
(2) قوله (عليه السلام): السابع من ولد فلان أي الحجّة بن الحسن (عليهما السلام).
394
يقولها ثلاثا- و هو من المحتوم. (1)
4- و منه: حميد بن زياد، عن أبي العبّاس عبيد اللّه بن أحمد الدهقان، عن عليّ بن الحسن الطاطري، عن محمّد بن زياد، بيّاع السابري، عن أبان، عن صباح بن سيّابة، عن المعلّى بن خنيس، قال:
ذهبت بكتاب عبد السلام بن نعيم و سدير و كتب غير واحد إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام)- حين ظهرت المسوّدة، قبل أن يظهر ولد العبّاس- بأنّا قد قدّرنا أن يؤول هذا الأمر إليك فما ترى؟
قال: فضرب بالكتب الأرض؛
ثمّ قال: افّ افّ، ما أنا لهؤلاء بإمام، أ ما يعلمون أنّه إنّما يقتل السفياني. (2)
5- أمالي الطوسي: الحسين بن إبراهيم القزويني، عن محمّد بن وهبان، عن أحمد ابن إبراهيم، عن الحسن بن عليّ الزعفراني، عن البرقي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:
لمّا خرج طالب الحقّ (3) قيل لأبي عبد اللّه (عليه السلام): نرجو أن يكون هذا اليماني.
فقال: لا، اليماني يوالي عليّا، و هذا يبرأ منه. (4)
6- مقاتل الطالبيّين: بإسناده عن ابن داحة (5): أنّ جعفر بن محمّد (عليهما السلام) قال لعبد اللّه ابن الحسن: إنّ هذا الأمر- و اللّه- ليس إليك، و لا إلى ابنيك؛
و إنّما هو لهذا- يعني السفّاح- ثمّ لهذا- يعني المنصور- ثمّ لولده [من] بعده لا يزال فيهم حتّى يؤمّروا الصبيان، و يشاوروا النساء.
____________
(1) 8/ 274 ح 412، عنه البحار: 47/ 297 ح 20، و الوسائل: 11/ 37 ح 5.
(2) 8/ 331 ح 509، عنه البحار: 47/ 297 ح 22، و ج 52/ 266 ح 153، و الوسائل: 11/ 37 ح 8
(3) هو عبد اللّه بن يحيى الكندي، و كان قد سمّى نفسه بطالب الحقّ، و خوطب بأمير المؤمنين؛
و كان أباضي المذهب من رؤساء الخوارج، قاله المسعودي في مروج الذهب: 3/ 242؛
و ذكره ابن الأثير في الكامل في التاريخ: 5/ 351 و ص 373 و ص 391؛
و الشهرستاني في الملل و النحل: 1/ 134، و غيرهم.
(4) 2/ 275، عنه البحار: 47/ 297 ح 21.
(5) هو إبراهيم بن سليمان بن (أبي) داحة.
395
فقال عبد اللّه: و اللّه يا جعفر ما أطلعك اللّه على غيبه، و ما قلت هذا إلّا حسدا لا بنيّ!
فقال (عليه السلام): لا و اللّه ما حسدت ابنيك، و إنّ هذا- يعني أبا جعفر- يقتله على أحجار الزيت، ثمّ يقتل أخاه بعده بالطفوف، و قوائم فرسه في الماء.
ثمّ قام مغضبا يجرّ رداءه، فتبعه أبو جعفر، فقال:
أ تدري ما قلت يا أبا عبد اللّه؟ قال: إي و اللّه أدريه، و إنّه لكائن.
قال: فحدّثني من سمع أبا جعفر يقول:
فانصرفت لوقتي فرتّبت عمّالي، و ميّزت أموري، تمييز مالك لها.
قال: فلمّا ولّي أبو جعفر الخلافة سمّى جعفر (عليه السلام) الصادق، و كان إذا ذكره، قال:
قال لي الصادق جعفر بن محمّد كذا و كذا، فبقيت عليه. (1)
7- الخرائج و الجرائح: روي أنّ جماعة من بني هاشم اجتمعوا بالأبواء، منهم إبراهيم بن محمّد بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس، و أبو جعفر المنصور، و عبد اللّه بن الحسن، و ابناه محمّد و إبراهيم، و أرادوا أن يعقدوا لرجل منهم.
فقال عبد اللّه: هذا ابني هو المهدي. و أرسلوا إلى جعفر (عليه السلام) فجاء، فقال:
لما ذا اجتمعتم؟ قالوا: نبايع محمّد بن عبد اللّه، فهو المهدي.
قال جعفر (عليه السلام): لا تفعلوا [فإنّ هذا الأمر لم يأت بعد، و هو ليس بالمهدي.
فقال عبد اللّه: يحملك على هذا الحسد لابني، فقال: (عليه السلام): و اللّه لا يحملني ذلك] و لكن هذا و إخوته و أبناءهم دونكم، و ضرب بيده على ظهر أبي العبّاس؛
ثمّ قال لعبد اللّه: ما هي إليك و لا إلى ابنيك، و لكنّها لبني العبّاس، و إنّ ابنيك لمقتولان.
ثمّ نهض و قال: إنّ صاحب الرداء الأصفر- يعني أبا جعفر- يقتله-؛
قال عبد العزيز بن عليّ: و اللّه ما خرجت من الدنيا حتّى رأيته قتله- و انفضّ القوم.
فقال أبو جعفر [لجعفر (عليه السلام)]: تتمّ الخلافة لي؟ فقال: نعم، أقوله حقّا. (2)
____________
(1) تقدّم ص 265 ح 39 بتخريجاته.
(2) تقدّم ص 252 ح 14 بتخريجاته و بياناته.
396
12- أبواب أحواله (عليه السلام) مع أبي العبّاس عبد اللّه بن محمّد ابن عليّ بن عبد اللّه بن العبّاس الملقّب بالسفّاح و ما جرى بينهما
1- باب شدّة التقيّة في زمانه
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: محمّد بن يحيى، عن محمّد بن أحمد، عن أيّوب بن نوح، عن العبّاس ابن عامر، عن داود بن الحصين، عن رجل من أصحابنا، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام):
أنّه قال- و هو بالحيرة في زمان أبي العبّاس-: إنّي دخلت عليه- و قد شكّ الناس في الصوم، و هو- و اللّه- من شهر رمضان- فسلّمت عليه- فقال: يا أبا عبد اللّه! أصمت اليوم؟
فقلت: لا، و المائدة بين يديه. قال: فادن فكل. [قال:] فدنوت، فأكلت.
قال: و قلت: الصوم معك، و الفطر معك.
فقال الرجل لأبي عبد اللّه (عليه السلام): تفطر يوما من شهر رمضان؟!
فقال: إي و اللّه [أن] افطر يوما من شهر رمضان، أحبّ إليّ من أن يضرب عنقي. (1)
2- و منه: العدّة، عن سهل، عن عليّ بن الحكم، عن رفاعة، عن رجل، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:
دخلت على أبي العبّاس بالحيرة، فقال: يا أبا عبد اللّه! ما تقول في الصيام اليوم؟
فقلت: ذاك إلى الإمام، إن صمت صمنا، و إن أفطرت أفطرنا.
فقال: يا غلام! عليّ بالمائدة. فأكلت معه، و أنا أعلم- و اللّه- أنّه يوم من شهر رمضان، فكان إفطاري يوما، و قضاؤه أيسر عليّ من أن يضرب عنقي، و لا يعبد اللّه. (2)
استدراك (1) التهذيب: بإسناده عن محمّد، عن الهيثم ابن أبي مسروق النهدي، عن أحمد بن
____________
(1) 4/ 83 ح 9، عنه البحار: 47/ 210 ح 53، و الوسائل: 7/ 95 ح 4، و حلية الأبرار: 2/ 166.
(2) 4/ 82 ح 7، عنه البحار: 47/ 210، و الوسائل: 7/ 95 ح 5، و حلية الأبرار: 2/ 168.
397
محمّد بن أبي نصر، عن خلّاد بن عمارة، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): دخلت على أبي العبّاس في يوم شكّ- و أنا أعلم أنّه من شهر رمضان و هو يتغدّى- فقال: يا أبا عبد اللّه! ليس هذا من أيّامك، فقلت: لم يا أمير المؤمنين؟! ما صومي إلّا بصومك، و لا إفطاري إلّا بإفطارك.
قال: فقال: ادن. قال: فدنوت فأكلت، و أنا- و اللّه- أعلم أنّه من شهر رمضان. (1)
*** 2- باب آخر، و هو من الأوّل أيضا
الأخبار، الأصحاب:
1- الخرائج و الجرائح: روي عن هارون بن خارجة، قال: كان رجل من أصحابنا طلّق امرأته ثلاثا، فسأل أصحابنا، فقالوا: ليس بشيء. فقالت امرأته:
لا أرضى حتّى تسأل أبا عبد اللّه (عليه السلام)- و كان بالحيرة إذ ذاك أيّام أبي العبّاس- قال:
فذهبت إلى الحيرة و لم أقدر على كلامه، إذ منع الخليفة الناس من الدخول على أبي عبد اللّه (عليه السلام) و أنا أنظر كيف ألتمس لقاءه، فإذا سواديّ (2) عليه جبّة صوف يبيع خيارا؛
فقلت له: بكم خيارك هذا كلّه؟ قال: بدرهم. فأعطيته درهما، و قلت له: أعطني جبّتك هذه، فأخذتها و لبستها، و ناديت: من يشتري خيارا؟ و دنوت منه؛ فإذا غلام من ناحية ينادي: يا صاحب الخيار!
فقال (عليه السلام) لي- لمّا دنوت منه-: ما أجود ما احتلت! أيّ حاجتك؟
قلت: إنّي ابتليت، فطلّقت أهلي ثلاثا في دفعة، فسألت أصحابنا، فقالوا:
ليس بشيء، و إنّ المرأة قالت: لا أرضى حتّى تسأل أبا عبد اللّه (عليه السلام).
فقال: ارجع إلى أهلك، فليس عليك شيء. (3)
____________
(1) 4/ 317 ح 33، عنه الوسائل: 7/ 95 ح 6، و الوافي: 11/ 158 ح 2، و حلية الأبرار: 2/ 167.
(2) سوادي: الظاهر نسبة إلى السواد ... و يراد به رستاق من رساتيق العراق و ضياعها، سمّي سوادا لخضرته بالنخل و الزرع. أو إلى «السواديّة» بالفتح: قرية بالكوفة (مراصد الاطلاع: 2/ 750).
(3) 2/ 642 ح 49، عنه البحار: 47/ 171 ح 6، و ج 104/ 154 ح 62، و الوسائل: 15/ 319 ح 19.
398
3- باب آخر [في تقيّته (عليه السلام) من السفّاح]
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: أبو عليّ الأشعري، عن بعض أصحابه، عن محمّد بن سنان، عن حذيفة ابن منصور، قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) بالحيرة، فأتاه رسول اللّه أبي العبّاس (1) الخليفة يدعوه، فدعى بممطر (2) أحد وجهيه اسود و الآخر أبيض، فلبسه، ثمّ قال أبو عبد اللّه (عليه السلام):
أما إنّي ألبسه، و أنا أعلم أنّه لباس أهل النار (3). (4)
4- باب آخر في مناظرته (عليه السلام) مع المنصور في زمان أبي العبّاس
الأخبار، الأصحاب:
1- كتاب صفات الشيعة للصدوق: (محمّد بن عليّ ما جيلويه (ره) بإسناد يرفعه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال له أبو جعفر الدوانيقي بالحيرة أيّام أبي العبّاس) (5):
يا أبا عبد اللّه! ما بال (6) الرجل من شيعتكم يستخرج ما في جوفه في مجلس واحد، حتّى يعرف مذهبه؟!
فقال (عليه السلام): ذلك لحلاوة الإيمان في صدورهم، من حلاوته يبدونه تبدّيا. (7)
____________
(1) «أبي جعفر» خ ل.
(2) الممطر و الممطرة: ما يلبس في المطر يتوقّى به.
(3) قال الصدوق (ره) في العلل: لبسه للتقيّة، و إنّما أخبر حذيفة بن منصور بأنّه لباس أهل النار، لأنّه ائتمنه، و قد دخل إليه قوم من الشيعة يسألونه عن السواد و لم يثق إليهم في كتمان السرّ فاتّقاهم فيه.
(4) 6/ 449 ح 2، عنه البحار: 47/ 45 ح 61، و الوسائل: 3/ 279 ح 7، و حلية الأبرار: 2/ 197.
و رواه الصدوق في الفقيه: 1/ 252 ح 771، و علل الشرائع: 347 ح 4 بإسناده إلى حذيفة (مثله).
(5) «بإسناده قال أبو جعفر الدوانيقي بالحيرة أيّام أبي العبّاس للصادق (عليه السلام)» ع، البحار: 47.
(6) البال: الحال و الشأن.
(7) 93 ح 27، عنه البحار: 47/ 166، و ج 68/ 64 ح 117.
399
13- أبواب أحواله (عليه السلام) مع أبي جعفر عبد اللّه الملقّب بالمنصور، و ما أراد الملعون من قتله (عليه السلام) مرارا، و شخوصه إلى الكوفة (1) و بغداد
1- باب حجّ المنصور، و ما جرى بينه و بين الصادق (عليه السلام)
الأخبار، الأصحاب:
1- مهج الدعوات: روينا بإسنادنا إلى هارون بن موسى التلعكبري، [عن محمّد بن همام، عن عبد اللّه بن كثير التمّار] عن محمّد بن عليّ الصيرفي، عن ابن أبي نجران، عن ياسر مولى الربيع (2) قال:
سمعت الربيع يقول: لمّا حجّ المنصور و صار بالمدينة سهر ليلة فدعاني، فقال:
يا ربيع! انطلق في وقتك هذا على أخفض جناح (3) و ألين مسير، فإن استطعت أن تكون وحدك فافعل، حتّى تأتي أبا عبد اللّه جعفر بن محمّد، فقل له:
هذا ابن عمّك يقرأ عليك السلام، و يقول لك: إنّ الدار و إن نأت (4) و الحال و إن اختلفت، فإنّا نرجع إلى رحم أمسّ من يمين بشمال، و نعل بقبال (5)؛
و هو يسألك المصير إليه في وقتك هذا، فإن سمح بالمصير معك فأوطه خدّك؛
و إن امتنع بعذر أو غيره، فاردد الأمر إليه في ذلك؛
فإن أمرك بالمصير إليه في تأنّ، فيسّر و لا تعسّر، و اقبل العفو، و لا تعنّف في قول و لا فعل.
____________
(1) «الكعبة» خ ل. و هو تصحيف.
(2) هو أبو الفضل الربيع بن يونس بن محمّد بن عبد اللّه بن أبي فروة- و اسمه كيسان- مولى الحارث الحفّار، مولى عثمان بن عفّان، كان الربيع المذكور حاجب أبي جعفر المنصور، ثمّ وزر له بعد أبي أيّوب المورياني ... (راجع وفيات الأعيان: 2/ 294- 299).
(3) خافض الجناح: أي و قور ساكن.
(4) نأت: بعدت.
(5) «قبال النعل، ككتاب: زمام بين الإصبع الوسطى و الّتي تليها» منه ره.
400
قال الربيع: فصرت إلى بابه، فوجدته في دار خلوته، فدخلت عليه من غير استيذان؛
فوجدته معفّرا خدّيه، مبتهلا بظهر يديه، قد أثّر التراب في وجهه و خدّيه؛
فأكبرت أن أقول شيئا حتّى فرغ من صلاته و دعائه، ثمّ انصرف بوجهه؛
فقلت: السلام عليك يا أبا عبد اللّه. فقال: و عليك السلام يا أخي، ما جاء بك؟
فقلت: ابن عمّك يقرأ عليك السلام، و يقول [كذا و كذا]- حتّى بلغت آخر الكلام-.
فقال: [ويحك] يا ربيع! أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَ ما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَ لا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ (1).
ويحك يا ربيع! أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَ هُمْ نائِمُونَ* أَ وَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَ هُمْ يَلْعَبُونَ* أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ (2) فاقرأ و بلّغ على أمير المؤمنين السلام و رحمة اللّه و بركاته.
ثمّ أقبل على صلاته، و انصرف إليّ بوجهه.
فقلت: هل بعد السلام من مستعتب عليه؟ أو إجابة؟ فقال: نعم، قل له:
أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى* وَ أَعْطى قَلِيلًا وَ أَكْدى* أَ عِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى* أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى* وَ إِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى* أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى* وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى* وَ أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى (3)؛
[و] إنّا و اللّه يا أمير المؤمنين! قد خفناك، و خافت لخوفنا النسوة اللاتي أنت أعلم بهنّ، و لا بدّ لنا من الإيضاح به.
فإن كففت و إلّا أجرينا اسمك على اللّه عزّ و جلّ في كلّ يوم خمس مرّات.
و أنت حدّثتنا عن أبيك، عن جدّك: أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: «أربع دعوات لا يحجبنّ عن اللّه تعالى: دعاء الوالد لولده، و الأخ بظهر الغيب لأخيه، و المظلوم، و المخلص».
قال الربيع: فما استتمّ الكلام حتّى أتت رسل المنصور تقفو أثري، و تعلم خبري، فرجعت و أخبرته بما كان، فبكى.
ثمّ قال: ارجع إليه و قل له: الأمر في لقائك إليك و الجلوس عنّا؛
____________
(1) الحديد: 16.
(2) الأعراف: 97- 99.
(3) النجم: 33- 40.
401
و أمّا النسوة اللاتي ذكرتهنّ فعليهنّ السلام، فقد آمن اللّه روعهنّ و جلا همّهنّ.
قال: فرجعت إليه، فأخبرته بما قال المنصور؛
فقال: قل له: وصلت رحما، و جزيت خيرا.
ثمّ اغرورقت عيناه حتّى قطر من الدمع في حجره قطرات، ثمّ قال:
يا ربيع! إنّ هذه الدنيا و إن أمتعت ببهجتها، و غرّت بزبرجها (1) فإنّ آخرها لا بدّ و أن يكون كآخر الربيع الّذي يروق (2) بخضرته، ثمّ يهيج (3) عند انتهاء مدّته؛
و على من نصح لنفسه و عرف حقّ ما عليه و له، أن لا ينظر إليها نظر من غفل (4) عن ربّه جلّ و علا، و حذر سوء منقلبه، فإنّ هذه الدنيا قد خدعت قوما فارقوها، أسرع ما كانوا إليها، و أكثر ما كانوا اغتباطا بها، طرقتهم آجالهم بياتا و هم نائمون، أو ضحى و هم يلعبون؛
فكيف اخرجوا عنها، و إلى ما صاروا بعدها، أعقبتهم الألم، و أورثتهم الندم، و جرّعتهم مرّ المذاق، و غصّصتهم بكأس الفراق، فيا ويح من رضي عنها، أو أقرّ عينا [بها]، أ ما رأى مصرع آبائه، و من سلف من أعدائه و أوليائه!؟
يا ربيع! أطول بها حسرة، و أقبح بها كثرة، و أخسر بها صفقة، و أكبر بها ترحة (5)، إذا عاين المغرور بها أجله، و قطع (6) بالأمانيّ أمله، و ليعمل على أنّه اعطي أطول الأعمار و أمدّها، و بلغ فيها جميع الآمال، هل قصارة إلّا الهرم؟ أو غايته إلّا الوخم (7)؟
نسأل اللّه لنا و لك عملا صالحا بطاعته، و مآبا إلى رحمته، و نزوعا عن معصيته، و بصيرة في حقّه، فإنّما ذلك له، و به.
فقلت: يا أبا عبد اللّه! أسألك بكلّ حقّ بينك و بين اللّه جلّ و علا إلّا ما عرّفتني ما ابتهلت به إلى ربّك تعالى، و جعلته حاجزا بينك و بين حذرك و خوفك، لعلّ اللّه يجبر بدوائك كسيرا،
____________
(1) «الزبرج- بالكسر-: الزينة».
(2) «راقه: أعجبه».
(3) «هاج النبت: يبس» منه ره.
(4) «أن ينظر إليها نظر من عقل» ع، ب.
(5) «الترح- محرّكة-: الهمّ».
(6) «ينبغي أن يقرأ على بناء المجهول، أي قطع أمله مع الأماني الّتي كان يأمل حصولها».
(7) «طعام و خم: أي غير موافق» منه ره. و في م «الرجم»، الرجم- بالتحريك-: و هو القبر.
402
و يغني به فقيرا، و اللّه ما أعني غير نفسي.
قال الربيع: فرفع يده، و أقبل على مسجده كارها أن يتلو الدعاء صحفا، و لا يحضر ذلك بنيّة، فقال: [قل:] «اللهمّ إنّي أسألك يا مدرك الهاربين ...».
إلى آخر ما سيأتي في كتاب الدعاء إن شاء اللّه تعالى. (1)
2- باب استدعاء المنصور الصادق (عليه السلام) مرّة ثانية بعد عوده من مكّة إلى المدينة و ما جرى بينهما
الأخبار، الأصحاب:
1- مهج الدعوات: و من ذلك دعاء الصادق (عليه السلام) لمّا استدعاه المنصور مرّة ثانية بعد عوده من مكّة إلى المدينة؛ حدّثنا أبو محمّد الحسن بن محمّد النوفلي، قال:
حدّثني الربيع صاحب أبي جعفر المنصور، قال:
حججت مع أبي جعفر المنصور، فلمّا صرت (2) في بعض الطريق، قال لي المنصور:
يا ربيع! إذا نزلت المدينة فاذكر لي جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ، فو اللّه العظيم لا يقتله أحد غيري، احذر أن تدع أن تذكّرني به.
قال: فلمّا صرنا إلى المدينة، أنساني اللّه عزّ و جلّ ذكره. قال: فلمّا صرنا إلى مكّة؛
قال لي: يا ربيع! أ لم آمرك أن تذكّرني بجعفر بن محمّد إذا دخلت المدينة؟
قال: فقلت: نسيت ذلك يا مولاي يا أمير المؤمنين! قال: فقال لي:
إذا رجعت إلى المدينة فاذكرني به، فلا بدّ من قتله، فإن لم تفعل لأضربنّ عنقك.
فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، ثمّ قلت لغلماني و أصحابي:
اذكروني بجعفر بن محمّد إذا دخلنا المدينة إن شاء اللّه تعالى.
[قال:] فلم يزل غلماني و أصحابي يذكّروني به في كلّ وقت و منزل ندخله و ننزله فيه، حتّى قدمنا المدينة، فلمّا نزلنا بها، دخلت إلى المنصور، فوقفت بين يديه؛
فقلت له: يا أمير المؤمنين! جعفر بن محمّد.
____________
(1) 175، عنه البحار: 47/ 188 ح 36.
(2) «كان» ع، ب.
403
قال: فضجّ، و قال لي: نعم، اذهب يا ربيع فائتني به، و لا تأتني به إلّا مسحوبا.
قال: فقلت له: يا مولاي! يا أمير المؤمنين! حبّا و كرامة، و أنا أفعل ذلك طاعة لأمرك.
قال: ثمّ نهضت و أنا في حال عظيم من ارتكابي ذلك.
قال: فأتيت الإمام الصادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام) و هو جالس في وسط داره، فقلت له: جعلت فداك، إنّ أمير المؤمنين يدعوك إليه.
فقال لي: السمع و الطاعة. ثمّ نهض و هو معي يمشي.
قال: فقلت [له]: يا ابن رسول اللّه! إنّه أمرني أن لا آتيه بك إلّا مسحوبا.
قال: فقال الصادق (عليه السلام): امتثل يا ربيع! ما أمرك به.
قال: فأخذت بطرف كمّه أسوقه إليه، فلمّا أدخلته إليه، رأيته و هو جالس على سريره، و في يده عمود من حديد يريد أن يقتله به، و نظرت إلى جعفر (عليه السلام) و هو يحرّك شفتيه [فلا أشكّ أنّه قاتله، و لم أفهم الكلام الّذي كان جعفر (عليه السلام) يحرّك شفتيه] به، فوقفت أنظر إليهما.
قال الربيع: فلمّا قرب منه جعفر بن محمّد (عليهما السلام)، قال له المنصور:
ادن منّي يا ابن عمّي! و تهلّل وجهه، و قرّبه منه، حتّى أجلسه معه على السرير، ثمّ قال:
يا غلام! ائتني بالحقّة (1)، فأتاه بالحقّة، فإذا فيها قدح الغالية، فغلّفه (2) منها بيده، ثمّ حمله على بغلة، و أمر له ببدرة و خلعة (3)، ثمّ أمره بالانصراف.
قال: فلمّا نهض من عنده، خرجت بين يديه حتّى وصل إلى منزله، فقلت له:
بأبي أنت و أمّي يا ابن رسول اللّه! إنّي لم أشكّ فيه [أنّه] ساعة تدخل عليه يقتلك، و رأيتك تحرّك شفتيك في وقت دخولك عليه، فما قلت؟
قال لي: نعم يا ربيع! اعلم أنّي قلت: «حسبي الربّ من المربوبين ...».
و سيأتي في كتاب الدعاء إن شاء اللّه تعالى.
____________
(1) الحقّة: الوعاء الصغير.
(2) «قال الجزري [النهاية: 3/ 379]: فيه: كنت اغلف لحية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بالغالية: أي ألطخها به و أكثر، و الغالية: ضرب مركّب من الطيب» منه ره.
(3) البدرة: عشرة آلاف درهم. و الخلعة: ما يعطيه الإنسان غيره من الثياب منحة.
404
كتاب العتيق الغروي: الحسن بن محمّد النوفلي، عن الربيع (مثله). (1)
استدراك (2) مهج الدعوات: قال عليّ بن موسى (ره): رأيت في كتاب عتيق من وقف أمّ الخليفة الناصر، أوّله أخبار وقعة الحرّة بإسناده عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:
قرأت إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ حين دخلت على أبي جعفر و هو يريد قتلي، فحال اللّه بينه و بين ذلك، فلمّا قرأها حين نظر إليه لم يخرج إليه حتّى ألطفه، و قيل له: بم احترست؟
قال: باللّه و بقراءة إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ فقلت:
يا اللّه يا اللّه- سبعا- إنّي أتشفّع إليك بمحمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أن تقلبه (2) لي.
فمن ابتلي بمثل ذلك فليصنع مثل صنعي، و لو لا أنّنا نقرأها و نأمر بقراءتها شيعتنا لتخطّفهم الناس، و لكن هي- و اللّه- لهم كهف. (3)
*** 3- كشف الغمّة: من كتاب محمّد بن طلحة، قال: حدّث عبد اللّه بن الفضل بن الربيع عن أبيه، قال: حجّ المنصور سنة سبع و أربعين و مائة، فقدم المدينة، و قال للربيع: ابعث إلى جعفر بن محمّد من يأتينا به متعبا، قتلني اللّه إن لم أقتله. فتغافل الربيع عنه لينساه.
ثمّ أعاد ذكره للربيع، و قال: ابعث من يأتي به متعبا، فتغافل عنه.
ثمّ أرسل إلى الربيع رسالة قبيحة أغلظ عليه فيها، و أمره أن يبعث من يحضر جعفرا، ففعل، فلمّا أتاه، قال له الربيع:
يا أبا عبد اللّه! اذكر اللّه، فإنّه قد أرسل إليك بما لا دافع له غير اللّه.
فقال جعفر (عليه السلام): لا حول و لا قوّة إلّا باللّه.
ثمّ إنّ الربيع أعلم المنصور بحضوره، فلمّا دخل جعفر (عليه السلام) أوعده و أغلظ [له] و قال:
____________
(1) 184، ...، عنهما البحار: 47/ 190 ح 37 و ج 94/ 279.
(2) «و أن تغلبه» م. «من أن تقلّبه» ب.
(3) 186، عنه الجنّة الواقية: 231، و البحار: 94/ 281 ح 2.
405
أي عدوّ اللّه! اتّخذك أهل العراق إماما، يجبون (1) إليك زكاة أموالهم، و تلحد في سلطاني، و تبغيه الغوائل (2)، قتلني اللّه إن لم أقتلك، فقال له (عليه السلام): يا أمير المؤمنين!
إنّ سليمان (عليه السلام) اعطي فشكر، و إنّ أيّوب (عليه السلام) ابتلي فصبر، و إنّ يوسف (عليه السلام) ظلم فغفر؛
[فهؤلاء أنبياء اللّه، و إليهم يرجع نسبك، و لك بهم أسوة حسنة.
فقال المنصور: أجل يا أبا عبد اللّه ارتفع إلى هنا عندي، ثمّ قال:
يا أبا عبد اللّه! إنّ فلانا أخبرني عنك بما قلت لك.
فقال: أحضره يا أمير المؤمنين لو وافقني على ذلك. فأحضر الرجل الّذي سعى به إلى المنصور، فقال له المنصور: أ حقّا ما حكيت لي عن جعفر؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين.
فقال جعفر: حلّفه بما تختار. فقال له جعفر (عليه السلام): قل برئت من حول اللّه و قوّته، و التجأت إلى حولي و قوّتي، لقد فعل جعفر كذا و كذا. فامتنع الرجل، فنظر إليه المنصور نظرة منكرة له، فحلف بها، فما كان بأسرع من أن ضرب برجله الأرض، و خرّ ميّتا مكانه.
فقال المنصور: جرّوا برجله و أخرجوه.
ثمّ قال: لا عليك] (3)، [يا] أبا عبد اللّه! أنت البريء الساحة، السليم الناحية، القليل الغائلة، جزاك اللّه من ذي رحم، أفضل ما جزى ذوي الأرحام أرحامهم.
ثمّ تناول يده فأجلسه معه على فراشه، ثمّ قال: عليّ بالطيب. فاتي بالغالية، فجعل يغلّف لحية جعفر (عليه السلام) بيده، حتّى تركها تقطر.
ثمّ قال: قم في حفظ اللّه و كلاءته، ثمّ قال: يا ربيع! ألحق أبا عبد اللّه جائزته، و كسوته، انصرف أبا عبد اللّه في حفظه و كنفه. فانصرف؛
قال الربيع: فلحقته، فقلت: إنّي قد رأيت قبلك ما لم تره، و رأيت بعدك ما لا رأيته؛ فما قلت يا أبا عبد اللّه حين دخلت؟
قال: قلت: «اللهمّ احرسني بعينك الّتي لا تنام، و اكنفني بركنك الّذي لا يرام، و اغفر لي
____________
(1) «يبعثون» ع، ب.
(2) الغائلة: الشرّ. الداهية، جمعها غوائل.
(3) أثبتناه ما بين المعقوفتين لملازمته السياق من كتاب الاعتصام بحبل الاسلام، و في الأصل «و أنت من ذلك السنخ فلمّا سمع ذلك المنصور منه قال له: إليّ و عندي».
406
بقدرتك عليّ، و لا أهلك و أنت رجائي.
اللهمّ أنت أكبر و أجلّ ممّا أخاف و أحذر.
اللهمّ بك أدفع في نحره، و أستعيذ بك من شرّه» ففعل اللّه بي ما رأيت. (1)
4- المناقب لابن شهرآشوب: في الترغيب و الترهيب عن أبي القاسم الأصفهاني و العقد (2) عن ابن عبد ربّه الاندلسي: أنّ المنصور قال لمّا رآه: قتلني اللّه إن لم أقتلك.
فقال له: إنّ سليمان اعطي فشكر، و إنّ أيّوب ابتلي فصبر، و إنّ يوسف ظلم فغفر، و أنت على إرث منهم، و أحقّ بمن تأسّى بهم.
فقال: إليّ يا أبا عبد اللّه، فأنت القريب القرابة، و ذو الرحم الواشجة (3)، السليم الناحية، القليل الغائلة. ثمّ صافحه بيمينه و عانقه بشماله، و أمر له بكسوة و جائزة.
و في خبر آخر عن الربيع: أنّه أجلسه إلى جانبه، فقال له: ارفع حوائجك.
فأخرج رقاعا لأقوام، فقال المنصور: ارفع حوائجك في نفسك.
فقال: لا تدعوني حتّى أجيئك (4). فقال: ما إلى ذلك [من] سبيل. (5)
استدراك (5) الأخبار الموفّقيّات: حدّثنا أحمد بن سعيد الدمشقي، قال: حدّثني الزبير، قال:
حدّثني عليّ بن صالح، عن عامر بن صالح: سمعت الفضل بن الربيع يحدّث، عن أبيه الربيع، قال: قدم المنصور المدينة فأتاه قوم، فوشوا بجعفر بن محمّد، و قالوا:
إنّه لا يرى الصلاة خلفك، و ينتقصك، و لا يرى التسليم عليك، فقال لهم:
و كيف أقف على صدق ما تقولون؟ قالوا: تمضي ثلاث ليال، فلا يصير إليك مسلّما.
____________
(1) 2/ 158، عنه البحار: 47/ 182 ح 28، و ج 95/ 223 ح 22.
و أورد نحوه في الاعتصام بحبل الاسلام، عنه ملحقات إحقاق الحقّ: 19/ 514.
(2) العقد الفريد: 2/ 28.
(3) «و شجت العروق و الأغصان: اشتبكت» منه ره.
(4) «اجيبك» م، و تأتي في ص 431 «أجيئك» ع، ب و في الهامش «آتيك» م.
(5) 3/ 358، عنه البحار: 47/ 178 ح 26، و مدينة المعاجز: 361 ذ ح 19.
407
قال: إن كان، ففي ذلك لدليلا. فلمّا كان في اليوم الرابع، قال:
يا ربيع! ائتني بجعفر بن محمّد، فقتلني اللّه إن لم أقتله.
قال الربيع: فأخذني ما قدّم و ما حدّث، فدافعت بإحضاره يومي ذلك؛
فلمّا كان من غد، قال: يا ربيع! أمرتك بإحضار جعفر بن محمّد فوريت عن ذلك، ائتني به، فقتلني اللّه إن لم أقتله، و قتلني اللّه إن لم أبدأ بك إن أنت لم تأتني به.
قال الربيع: فمضيت إلى أبي عبد اللّه، فوافيته يصلّي إلى جنب اسطوانة التوبة، فقلت:
يا أبا عبد اللّه! أجب أمير المؤمنين للّتي لا شوى (1) لها. فأوجز في صلاته و تشهّد و سلّم، و أخذ نعله و مضى معي، و جعل يهمس بشيء أفهم بعضه، و بعضا لم أفهم.
فلمّا أدخلته على أبي جعفر- إلى أن قال- فسري عن أبي جعفر، و زال عنه الغضب، و قال: أنا أشهد [يا] أبا عبد اللّه أنّك صادق، و أخذ بيده فرفعه، و قال: أنت أخي و ابن عمّي.
و أجلسه معه على السرير، و قال: سلني حاجتك، صغيرها و كبيرها.
قال: يا أمير المؤمنين! قد أذهلني ما كان من لقائك و كلامك عن حاجاتي، و لكنّي افكّر و أجمع حوائجي إن شاء اللّه. قال الربيع:
فلمّا خرجت، قلت له: يا أبا عبد اللّه! سمعتك همست (2) بكلام احبّ أن أعرفه.
قال: نعم، إنّ جدّي عليّ بن الحسين (عليهما السلام) يقول:
من خاف من سلطان ظلامة أو تغطرسا (3)، فليقل:
____________
(1) أقول: يظهر من الحديث أنّ الربيع بعد تأكّد المنصور بقوله «ائتني به فقتلني اللّه إن لم أقتله» أبلغ رسالته المشؤومة إلى الإمام (عليه السلام) لا تصريحا بما قال: بل «أجب أمير المؤمنين للّتي لا شوى لها» أي لأجل كلمته لا يبقى عمرك و هكذا أدرك الامام، فأوجز في صلاته، و جعل يهمس همسا بشيء في الطريق، و يدل عليه قوله (عليه السلام): إنّ جدّي عليّ بن الحسين (عليهما السلام) يقول: «من خاف سلطان ظلامة ...» و على كلّ فإنّ «شوى» واحدها شواة، فإن قيل- في النفي المطلق-: «لا شوي لها» فبالمعنى.
و إن قيل- في الاستثناء-: «ليس له إلّا شوى» فالباقي هيّن يسير، و قيل في القرآن الكريم: نَزَّاعَةً لِلشَّوى: بمعنى نزع جلدة الرأس، أو الأطراف و كلّ ما ليس بمقتل. و في الطير المشويّ: أي اللحم المكبوب.
(2) همس الصوت: أخفاه.
(3) غطرس: الغطرسة و التغطرس: التطاول على الأقران (لسان العرب: 6/ 155).
408
«اللهمّ احرسني بعينك الّتي لا تنام، و اكنفني بركنك الّذي لا يرام، و اغفر بقدرتك عليّ، فلا أهلكنّ و أنت رجائي، فكم من نعمة قد أنعمت عليّ قلّ عندها شكري، و كم من بليّة ابتليتني بها قلّ لك عندها صبري، فيا من قلّ عند نعمته شكري فلم يحرمني، و يا من قلّ عند نقمته صبري فلم يخذلني، و يا من رآني على الخطايا فلم يفضحني، و يا ذا النعماء الّتي لا تحصى، و يا ذا الأيادي الّتي لا تنقضي؛
بك أستدفع مكروه ما أنا فيه، و أعوذ بك من شرّه يا أرحم الراحمين». (1)
(6) سير أعلام النبلاء: أخبرنا عليّ بن أحمد في كتابه، أنبأنا عمر بن محمّد، أنبأنا محمّد بن عبد الباقي الأنصاري، أنبأنا أبو الحسين بن المهتدي باللّه، أنبأنا عبيد اللّه بن أحمد الصيدلاني، حدّثنا أبو طالب عليّ بن أحمد الكاتب، حدّثنا عيسى بن أبي حرب الصفّار، عن الفضل بن الربيع، عن أبيه، قال: دعاني المنصور، فقال:
إنّ جعفر بن محمّد يلحد في سلطاني، قتلني اللّه إن لم أقتله.
فأتيته، فقلت: أجب أمير المؤمنين. فتطهّر و لبس ثيابا- أحسبه قال: جددا-.
فأقبلت به، فاستأذنت له فقال: أدخله، قتلني اللّه إن لم أقتله. فلمّا نظر إليه مقبلا، قام من مجلسه فتلقّاه و قال: مرحبا بالنقيّ الساحة! البريء من الدغل و الخيانة، أخي و ابن عمّي.
فأقعده معه على سريره، و أقبل عليه بوجهه، و سأله عن حاله، ثمّ قال:
سلني عن حاجتك. فقال: أهل مكّة و المدينة قد تأخّر عطاؤهم فتأمر لهم به.
قال: أفعل، ثمّ قال: يا جارية! ائتني بالتحفة. فأتته بمدهن زجاج فيه غالية، فغلّفه بيده و انصرف.
فاتّبعته، فقلت: يا ابن رسول اللّه! أتيت بك و لا أشكّ أنّه قاتلك، فكان منه ما رأيت، و قد رأيتك تحرّك شفتيك بشيء عند الدخول، فما هو؟
قال: قلت: «اللهمّ احرسني بعينك الّتي لا تنام، و اكنفني بركنك الّذي لا يرام، و احفظني بقدرتك عليّ، و لا تهلكني و أنت رجائي.
____________
(1) 149، عنه الإحقاق: 12/ 250، و الصحيفة السجّاديّة الجامعة: 368/ 158.
و رواه ملخّصا في وسيلة النجاة: 359، عنه ملحقات الإحقاق المذكور.
409
ربّ كم من نعمة أنعمت بها عليّ قلّ لك عندها شكري، و كم من بليّة ابتليتني بها قلّ لها عندك صبري، فيا من قلّ عند نعمته شكري فلم يحرمني، و يا من قلّ عند بليّته صبري فلم يخذلني، و يا من رآني على المعاصي فلم يفضحني، و يا ذا النعم الّتي لا تحصى أبدا، و يا ذا المعروف الّذي لا ينقطع أبدا، أعنّي على ديني بدنيا، و على آخرتي بتقوى، و احفظني فيما غبت عنه، و لا تكلني إلى نفسي فيما خطرت، يا من لا تضرّه الذنوب، و لا تنقصه المغفرة، اغفر لي ما لا يضرّك، و أعطني ما لا ينقصك، يا وهّاب؛
أسألك فرجا قريبا، و صبرا جميلا، و العافية من جميع البلايا، و شكر العافية». (1)
(7) الآيات البيّنات: بإسناده عن الربيع حاجب المنصور، قال:
لمّا اسندت الخلافة لأبي جعفر- يعني المنصور العبّاسي- قال لي: يا ربيع! ابعث إليّ جعفر بن محمّد- يعني جعفر الصادق بن محمّد الباقر (عليهما السلام)-. قال: فقمت من بين يديه؛
فقلت: أيّ بليّة يريد أن يفعل، و أوهمته أنّي اريد أن أفعل، ثمّ أتيته بعد ساعة، فقال:
أ لم أقل لك: ابعث إليّ جعفر بن محمّد!؟ فو اللّه لتأتينّي به، أو لأقتلنّك شرّ قتلة.
قال: فذهبت إليه، فقلت: أبا عبد اللّه! أجب أمير المؤمنين. فقام معي، فلمّا دنونا من الباب، قام فحرّك شفتيه، ثمّ دخل فسلّم، فلم يردّ عليه، و وقف فلم يجلس؛
ثمّ رفع رأسه فقال: يا جعفر! أنت الّذي ألّبت و كثّرت، و حدّثني أبي، عن أبيه، عن جدّه أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: «ينصب للغادر يوم القيامة لواء يعرف به».
قال جعفر بن محمّد: حدّثني أبي، عن أبيه، عن جدّه، أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال:
«ينادي مناد يوم القيامة من بطنان العرش: ألا فليقم من كان أجره على اللّه.
فلا يقوم من عباده إلّا المتفضّلون»، ما زال يقول حتّى سكن ما به، و لان له.
فقال: اجلس أبا عبد اللّه، ارتفع أبا عبد اللّه.
____________
(1) 6/ 266، عنه ملحقات إحقاق الحقّ: 19/ 513. و رواه في الفرج بعد الشدّة: 70، عنه التذكرة لابن الجوزي: 353، و المختار للجزري: 18. و رواه في كفاية الطالب: 307، عنه مطالب السئول: 82، و نور الأبصار: 197 و الآيات البيّنات: 162. و رواه في صفة الصفوة: 2/ 176، و روض الرياحين: 58. عنها جميعا ملحقات الإحقاق: 12/ 243- 246.
410
ثمّ دعا بدهن فيه غالية، فأراقه عليه بيده، و الغالية تقطر من بين أصابع أمير المؤمنين؛
ثمّ قال: انصرف أبا عبد اللّه في حفظ اللّه تعالى، ثمّ قال: يا ربيع! أتبع أبا عبد اللّه جائزته و أضعفها، فخرجت، فقلت: أبا عبد اللّه! تعلم محبّتي لك. قال: أنت منّا؛
حدّثني أبي، عن أبيه، عن جدّه أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: «مولى القوم منهم».
فقلت: أبا عبد اللّه! شهدت ما لم تشهد، و علمت ما لم تعلم، و قد دخلت و رأيتك تحرّك شفتيك عند دخولك إليه. قال: دعاء كنت أدعو به.
فقلت له: دعاء حفظته عند دخولك، أم شيء تأثّرته عن آبائك الطاهرين؟
قال: بل حدّثني أبي، عن أبيه، عن جدّه: أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان إذا حزنه أمر دعا بهذا الدعاء؛
و كان يقول: إنّه دعاء الفرج، و هو:
«اللهمّ احرسني بعينك الّتي لا تنام، و اكنفني بكنفك الّذي لا يرام، و ارحمني بقدرتك عليّ، أنت ثقتي و رجائي، فكم من نعمة أنعمت بها عليّ قلّ لك بها شكري، و كم من بليّة ابتليتني بها قلّ لك عندها صبري، فيا من قلّ عند نعمته شكري فلم يحرمني، و يا من قلّ عند بلائه صبري فلم يخذلني، و يا من رآني على الخطايا فلم يفضحني؛
أسألك أن تصلّي على محمّد و على آل محمّد كما صلّيت و باركت و ترحّمت على إبراهيم إنّك حميد مجيد؛
اللهمّ أعنّي على ديني بدنياي، و على آخرتي بالتقوى، و احفظني فيما غبت عنه، و لا تكلني إلى نفسي فيما حضرت، يا من لا تضرّه الذنوب، و لا تنقصه المغفرة، هب لي ما لا يضرّك، و اغفر لي ما لا ينقصك؛
يا إلهي! أسألك فرجا قريبا، و صبرا جميلا، و أسألك العافية من كلّ بليّة، و أسألك الشكر على العافية، و أسألك دوام العافية.
و أسألك الغنى عن الناس، و لا حول و لا قوّة إلّا باللّه العليّ العظيم»
قال الربيع: فكتبته من جعفر (عليه السلام) و ها هو في جيبي. قال موسى: فكتبته من الربيع، و ها هو في جيبي، و هكذا قال كلّ واحد من الرواة إلى أن وصل إلى الشيخين حميد و أبي جيدة؛ فقال الأوّل منهما: فكتبته من أبي الحسن بن ظاهر، و ها هو في جيبي.
411
و قال ثانيهما: فكتبته من عبد الغنيّ: و ها هو في جيبي.
و أنا أقول: فكتبته منهما، و ها هو في جيبي.
هذا حديث جليل حسن غريب أخرجه ابن الطيلسان، و أبو عليّ بن أبي الأحوص و غيرهما من أرباب المسلسلات ببعض مخالفة. (1)
3- باب استدعاء المنصور الصادق (عليه السلام) مرّة ثالثة بالربذة
الأخبار، الأصحاب:
1- مهج الدعوات: و من ذلك دعاء الصادق (عليه السلام) لمّا استدعاه المنصور إليه مرّة ثالثة بالربذة، رويناه بإسنادنا إلى محمّد بن الحسن الصفّار بإسناده في كتاب فضل الدعاء، عن إبراهيم بن جبلة، عن مخرمة الكندي، قال:
لمّا نزل أبو جعفر المنصور الربذة- و جعفر بن محمّد (عليهما السلام) يومئذ بها- قال:
من يعذرني من جعفر هذا، قدّم رجلا و أخّر اخرى (2) يقول:
أتنحّى عن محمّد- أقول (3): يعني محمّد بن عبد اللّه بن الحسن-
فإن يظفر فإنّما الأمر لي، و إن تكن الاخرى فكنت قد أحرزت نفسي، أما و اللّه لأقتلنّه.
ثمّ التفت إلى إبراهيم بن جبلة، و قال:
يا ابن جبلة! قم إليه، فضع في عنقه ثيابه، ثمّ ائتني به سحبا.
قال إبراهيم: فخرجت حتّى أتيت منزله، فلم اصبه، فطلبته في مسجد أبي ذرّ، فوجدته في باب المسجد، قال: فاستحييت أن أفعل ما امرت به، فأخذت بكمّه، فقلت له:
____________
(1) 159، عنه عين الأدب و السياسة: 182. عنهما إحقاق الحقّ: 12/ 252.
(2) «قدّم رجلا و أخّر اخرى: أي وافق محمّد بن عبد اللّه في بعض الأمر، و حثّه على الخروج، و تنحّى عنه ظاهرا، أو حرّف الناس عن ناحيتنا و لم يوافقه الخروج.
(يقول) أي الصادق (عليه السلام): أتنحّى عن محمّد بن عبد اللّه بن الحسن فإن يظفر محمّد فالأمر لي لكثرة شيعتي، و علم الناس بأنّي أعلم و أصلح لذلك، و إن انهزم و قتل فقد نحّيت نفسي من القتل.
و يحتمل أن يكون قدّم رجلا و أخّر اخرى: بمعناه المعروف أي تنكّر و تردّد حتّى عزم على ذلك، و لكنّه بعيد عن السياق» منه ره.
(3) «قوله: «أقول: يعني محمّد بن عبد اللّه» من كلام السيّد» منه ره.
412
أجب أمير المؤمنين.
فقال: إنّا للّه و إنّا إليه راجعون، دعني حتّى اصلّي ركعتين، ثمّ بكى بكاء شديدا و أنا خلفه، ثمّ قال: اللهمّ أنت ثقتي (الدعاء)، ثمّ قال: اصنع ما امرت به. فقلت:
و اللّه لا أفعل و لو ظننت أنّي اقتل، فأخذت بيده فذهبت به، لا و اللّه ما أشكّ إلّا أنّه يقتله.
قال: فلمّا انتهيت إلى باب الستر، قال: يا إله جبرئيل (الدعاء).
ثمّ قال إبراهيم: فلمّا أدخلته عليه، قال: فاستوى جالسا، ثمّ أعاد عليه الكلام، فقال:
قدّمت رجلا و أخّرت اخرى، أما و اللّه لأقتلنّك.
فقال: يا أمير المؤمنين! ما فعلت، فارفق بي، فو اللّه لقلّما أصحبك.
فقال له أبو جعفر: انصرف؛
ثمّ التفت إلى عيسى بن عليّ، فقال: يا أبا العبّاس! الحقه، فسله أبي، أم به؟ قال:
فخرج يشتدّ حتّى لحقه، فقال: يا أبا عبد اللّه! إنّ أمير المؤمنين يقول لك: أبك، أم به؟.
فقال: لا، بل بي. فقال أبو جعفر: صدق (1).
قال إبراهيم: ثمّ خرجت فوجدته قاعدا ينتظرني يتشكّر لي صنعي به، و إذا به يحمد اللّه (و ذكر الدعاء). (2)
2- الخرائج و الجرائح: روي عن مخرمة (3) الكندي، قال: إنّ أبا الدوانيق نزل بالربذة، و جعفر الصادق (عليه السلام) بها، فقال: من يعذرني من جعفر، و اللّه لأقتلنّه فدعاه؛
فلمّا دخل عليه جعفر (عليه السلام)، قال: يا أمير المؤمنين! ارفق بي، فو اللّه لقلّما أصحبك.
فقال أبو الدوانيق: انصرف. ثمّ قال لعيسى بن عليّ: الحقه فسله أبي، أم به؟
فخرج يشتدّ حتّى لحقه؛
فقال: يا أبا عبد اللّه! إنّ أمير المؤمنين يقول: أبك، أم به؟ قال: لا، بل بي. (4)
____________
(1) كذا. أقول: و تصديقه هذا، ليس بمعنى أنّه كان يعرف الخبر من قبله، بل كان إقرارا بأنّه الملقّب «الصادق» صدق.
(2) 186، عنه البحار: 47/ 192 ح 38.
(3) «محزمة» م. تقدّم في الحديث السابق. و يأتي ص 1120 ح 2.
(4) 2/ 647 ح 56، عنه البحار: 47/ 171 ح 17. يأتي ص 1120 ح 2.
413
3- كشف الغمّة: من كتاب الدلائل للحميري، عن عبد اللّه بن أبي ليلى، قال:
كنت بالربذة مع المنصور، و كان قد وجّه إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) فاتي به، و بعث إليّ المنصور فدعاني، فلمّا انتهيت إلى الباب سمعته يقول:
عجّلوا عليّ به! قتلني اللّه إن لم أقتله، سقى اللّه الأرض من دمي إن لم أسق الأرض من دمه، فسألت الحاجب من يعني؟ قال: جعفر بن محمّد (عليهم السلام). فإذا هو قد اتي به مع عدّة جلاوزة (1)، فلمّا انتهى إلى الباب- قبل أن يرفع الستر- رأيته قد تململت شفتاه (2) عند رفع الستر، فدخل، فلمّا نظر إليه المنصور قال: مرحبا يا ابن عمّ، مرحبا يا ابن رسول اللّه.
فما زال يرفعه حتّى أجلسه على وسادته، ثمّ دعا بالطعام، فرفعت رأسي، و أقبلت أنظر إليه، و جعل يلقمه جيّدا (3) باردا، و قضى حوائجه، و أمره بالانصراف.
فلمّا خرج، قلت له: قد عرفت موالاتي لك، و ما قد ابتليت به في دخولي عليهم، و قد سمعت كلام الرجل و ما كان يقول، فلمّا صرت إلى الباب رأيتك قد تململت شفتاك، و ما أشكّ أنّه شيء قلته، و رأيت ما صنع بك، فإن رأيت أن تعلّمني ذلك، فأقوله إذا دخلت عليه.
قال: نعم، قلت: «ما شاء اللّه، ما شاء اللّه، لا يأتي بالخير إلّا اللّه، ما شاء اللّه؛
ما شاء اللّه، لا يصرف السوء إلّا اللّه، ما شاء اللّه، ما شاء اللّه، كلّ نعمة فمن اللّه؛
ما شاء اللّه [ما شاء اللّه] لا حول و لا قوّة إلا باللّه». (4)
استدراك (1) الكافي: عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): قال لي رجل: أيّ شيء قلت حين دخلت على أبي جعفر بالربذة؟
____________
(1) الجلاوزة: جمع الجلواز، و هو الشرطي الّذي يخفّ في الذهاب و المجيء بين يدي الأمير.
(2) تململت شفتاه: تقلّبت، تحرّكت.
(3) «عليه و يلقنه جدبا» م. و في ع، ب «جديا» بدل «جيدا» و ما أثبتناه من الخرائج.
(4) 2/ 195، عنه البحار: 47/ 183 ح 29.
و أورده في الخرائج و الجرائح: 2/ 641 ح 48 (مثله) عنه البحار: 95/ 218 ح 12 و 13.
414
قال: قلت: «اللهمّ إنّك تكفي من كلّ شيء و لا يكفي منك شيء؛
فاكفني بما شئت، و كيف شئت، و من حيث شئت، و أنّى شئت.» (1)
*** 4- باب استدعاء المنصور الصادق (عليه السلام) مرّة رابعة إلى الكوفة
الأخبار، الأصحاب:
1- مهج الدعوات:
و من ذلك دعاء الصادق (عليه السلام) لمّا استدعاه المنصور مرّة رابعة إلى الكوفة:
محمّد بن أبي القاسم الطبري، عن محمّد بن أحمد بن شهريار، عن محمّد بن محمّد [بن أحمد] بن عبد العزيز العكبري، عن محمّد بن عمر القطّان، عن عبد اللّه بن خلف، عن محمّد بن إبراهيم الهمداني، عن الحسن بن عليّ البصري، عن الهيثم بن عبد اللّه الرمّاني، و العبّاس بن عبد العظيم العنبري، عن الفضل بن الربيع، عن أبيه، قال:
بعث المنصور إبراهيم بن جبلة [إلى المدينة] ليشخص جعفر بن محمّد (عليه السلام)، فحدّثني إبراهيم بعد قدومه بجعفر أنّه لمّا دخل إليه فأخبره برسالة المنصور سمعه يقول: اللّهمّ أنت ثقتي (الدعاء).
قال الربيع: فلمّا وافى إلى حضرة المنصور، دخلت فأخبرته بقدوم جعفر بن محمّد و إبراهيم، فدعا المسيّب بن زهير الضبّي فدفع إليه سيفا، و قال له:
إذا دخل جعفر بن محمّد فخاطبته و أومأت إليك، فاضرب عنقه، و لا تستأمر.
فخرجت إليه و كان صديقا لي، الاقيه و اعاشره إذا حججت.
فقلت: يا ابن رسول اللّه! إنّ هذا الجبّار قد أمر فيك بأمر كرهت أن ألقاك به، و إن كان في نفسك شيء تقوله، أو توصيني به.
فقال: لا يروّعك ذلك، فلو قد رآني لزال ذلك كلّه.
ثمّ أخذ بمجامع الستر، فقال: يا إله جبرئيل (الدعاء).
____________
(1) 2/ 559 ح 11، عنه إثبات الهداة: 5/ 344 ح 19.
415
ثمّ دخل، فحرّك شفتيه بشيء لم أفهمه، فنظرت إلى المنصور؛
فما شبّهته إلّا بنار صبّ عليها ماء، فخمدت، ثمّ جعل يسكن غضبه، حتّى دنا منه جعفر ابن محمّد (عليهما السلام) و صار مع سريره، فوثب المنصور و أخذ بيده، و رفعه على سريره؛
ثمّ قال له: يا أبا عبد اللّه! يعزّ عليّ- و اللّه- تعبك، و إنّما أحضرتك لأشكو إليك أهلك قطعوا رحمي، و طعنوا في ديني، و ألّبوا (1) الناس عليّ؛
و لو ولّى هذا الأمر غيري ممّن هو أبعد رحما منّي، لسمعوا له و أطاعوا.
فقال له جعفر (عليه السلام): يا أمير المؤمنين! فأين يعدل بك عن سلفك الصالح، إنّ أيّوب (عليه السلام) ابتلي فصبر، و إنّ يوسف (عليه السلام) ظلم فغفر، و إنّ سليمان (عليه السلام) اعطي فشكر.
فقال المنصور: قد صبرت و غفرت و شكرت، ثمّ قال:
«من أحبّ أن ينسىء في أجله، و يعافى في بدنه فليصل رحمه». قال: ليس هو هذا.
يا أبا عبد اللّه! حدّثنا حديثا كنت سمعته منك في صلة الأرحام.
قال: نعم، حدّثني أبي، عن جدّي، أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال:
«البرّ، و صلة الأرحام عمارة الدنيا [و الآخرة]، و زيادة الأعمار». قال: ليس هذا هو.
قال: نعم، حدّثني أبي، عن جدّي: أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال:
«رأيت رحما متعلّقا بالعرش يشكو إلى اللّه تعالى عزّ و جلّ قاطعها؛
فقلت: يا جبرئيل! كم بينهم؟ فقال: سبعة آباء»، فقال: ليس هذا هو.
قال: نعم، حدّثني أبي، عن جدّي، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):
«احتضر رجل بارّ في جواره رجل عاقّ، قال اللّه عزّ و جلّ لملك الموت: يا ملك الموت! كم بقي من أجل العاقّ؟ قال: ثلاثون سنة. قال: حوّلها إلى هذا البارّ».
فقال المنصور: يا غلام! ائتني بالغالية. فأتاه بها، فجعل يغلّفه بيديه؛
ثمّ دفع إليه أربعة آلاف [دينار].
و دعا بدابّته، فاتي بها، فجعل يقول: قدّم قدّم إلى أن اتي بها إلى عند سريره.
____________
(1) ألّبوا: جمعوا.
416
فركب جعفر بن محمّد (عليهما السلام) و عدوت بين يديه، فسمعته يقول: الحمد للّه (الدعاء).
فقلت له: يا ابن رسول اللّه! إنّ هذا الجبّار يعرضني على السيف كلّ قليل (1)، و قد دعا المسيّب بن زهير، فدفع إليه سيفا و أمره أن يضرب عنقك، و إنّي رأيتك تحرّك شفتيك حين دخلت بشيء لم أفهمه عنك!
فقال: ليس هذا موضعه. فرحت إليه عشيّا، فعلّمني الدعاء. (2)
استدراك (1) تأريخ مدينة دمشق: قرأت بخطّ أبي الحسن دنتا بن نطيف، و أنبائه- أبو القاسم عليّ بن إبراهيم، و أبو الوحش سبيع بن مسلم- عنه؛
أنا أبو القاسم حمزة بن عبد اللّه بن الحسين الطرابلسي بها، نا أبو الحسن محمّد بن أحمد ابن طالب البغدادي، نا أبو بكر بن دريد، نا الحسن بن خضر، عن أبيه، حدّثني مولى له بجيلة من أهل الكوفة، حدّثني رزّام مولى خالد بن عبد اللّه القسري، قال:
بعث أبو [جعفر] المنصور إلى جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين (عليهم السلام)، و امّه أمّ فروة بنت قاسم بن محمّد بن أبي بكر، قال: فلمّا أقبلت به إليه- و المنصور بالحيرة- و علونا النجف، نزل جعفر بن محمّد عن راحلته؛
فأسبغ الوضوء، ثمّ استقبل القبلة، فصلّى ركعتين، ثمّ رفع يديه.
قال رزّام: فدنوت منه، فإذا هو يقول:
«اللهمّ بك أستفتح، و بك أستنجح، و بمحمّد عبدك و رسولك أتوسّل؛
اللهمّ سهّل حزونته، و ذلّل لي صعوبته، و أعطني من الخير أكثر ما أرجو، و اصرف عنّي من الشرّ أكثر ممّا أخاف».
ثمّ ركب راحلته، فلمّا وقف بباب المنصور، و اعلم بمكانه، فتحت الأبواب و رفعت
____________
(1) «يعرضني على السيف كلّ قليل: أي يأمرني بالقتل في كلّ زمان قليل، أو لكلّ أمر قليل، أو يأمر بقتلي كذلك، و الغرض بيان كونه سفّاكا لا يبالي بالقتل» منه ره.
(2) 188، عنه البحار: 47/ 193 ح 39، و ج 94/ 284. و مستدرك الوسائل: 13/ 176 ح 6.
417
الستور، فلمّا قرب من المنصور قام إليه فتلقّاه، و أخذ بيده و ما شاه حتّى انتهى به إلى مجلسه فأجلسه فيه، ثمّ أقبل إليه يسأله عن حاله، و جعل جعفر يدعو له؛
ثمّ قال: قد عرفت ما كان منّي في أمر هذين الرجلين- يعني محمّد و إبراهيم ابني عبد اللّه ابن الحسن- و برّي كان بهما، و قد استخفيا، و أخاف أن يشقّا العصا، و أن يلقيا بين أهل هذا البيت شرّا لا يصلح أبدا، فأخبرني عنهما.
فقال له جعفر (عليه السلام): و اللّه لقد نهيتهما فلم يقبلا، فتركتهما كراهة أن أطّلع على أمرهما؛
و ما زلت خاطبا في جعلك، مواظبا على طاعتك، قال: صدقت.
و لكنّك تعلم أنّني أعلم أنّ أمرهما لن يخفى عنك و لن تفارقني إلّا أن تخبرني به.
فقال له: يا أمير المؤمنين! أ فتأذن لي أن أتلو آية من كتاب اللّه عليك منتهى عملي و علمي. قال: هات على اسم اللّه. فقال جعفر (عليه السلام):
أعوذ باللّه السميع العليم من الشيطان الرجيم: لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَ لَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَ لَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (1).
قال: فخرّ أبو جعفر ساجدا، ثمّ رفع رأسه فقبّل بين عينيه، و قال: حسبك. (2)
(2) إثبات الوصيّة: أرسل المنصور العبّاسي خلف الإمام الصادق (عليه السلام) فأقدمه من المدينة حتّى إذا علا النجف، نزل فتأهّب للصلاة، ثمّ صلّى و رفع يديه، و قال:
«يا ناصر المظلوم المبغى عليه، يا حافظ الغلامين، لأبيهما (3) احفظني اليوم لآبائي محمّد و عليّ و الحسن و الحسين، اللهمّ اضرب بالذلّ بين عينيه.
ثمّ قال: باللّه استفتح و باللّه استنجح، و بمحمّد و آله أتوجّه،
اللهمّ إنّك تمحو ما تشاء و تثبت و عندك أمّ الكتاب (4)».
ثمّ أقبل حتّى انتهى إلى الباب، فاستقبله الربيع الحاجب، فقال له:
____________
(1) الحشر: 12.
(2) تاريخ مدينة دمشق (و النسخة مصوّرة من مخطوطة جامع السلطان أحمد في إسلامبول) عنه ملحقات إحقاق الحقّ: 19/ 516.
(3) يأتي بيانها ص 428 ه 3.
(4) إشارة إلى قوله تعالى في سورة الرعد الآية: 39.
418
ما أشدّ غيظ هذا الجبّار عليك! يعني ما قد همّ به أن يأتي على آخركم؛
ثمّ دخل إليه فاستأذن له، فأذن، فدخل فسلّم عليه؛
فروي أنّه (عليه السلام) صافحه و قال له: روينا عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه قال: «إنّ الرحم إذا تماسّت عطفت» فأجلسه المنصور إلى جنبه، ثمّ قال: إنّي قد انعطفت، و ليس عليك بأس.
فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): أجل ما عليّ بأس.
ثمّ قال المنصور: يا جعفر! يبلغنا عنك ما يبلغنا. فقال له أبو عبد اللّه:
و اللّه ما فعلت، و لا أردت، و لو كنت فعلت، فإنّ سليمان اعطي فشكر، و إنّ أيّوب ابتلي فصبر، و إنّ يوسف ظلم فغفر، و لا يأتي من ذلك النسل إلّا ما يشبهه.
فقال له أبو جعفر: صدقت يا أبا عبد اللّه. و أمر له بستّة آلاف درهم؛
و قال له: تعرض حوائجك. فقال: حاجتي الإذن لي في الرجوع إلى أهلي.
قال: هو في يديك. فودّعه و خرج؛
فقال له الربيع: فأمر بقبض المال [فقال (عليه السلام):] لا حاجة لي فيه، اصرفها حيث شئت.
فقال: إذن تغضبه، فأمر بقبض الدراهم، ثمّ وجّه بها إلى منزل الربيع فخرج. (1)
*** 5- باب استدعاء المنصور الصادق (عليه السلام) مرّة خامسة إلى بغداد قبل قتل محمّد و إبراهيم ابني عبد اللّه بن الحسن
الأخبار، الأصحاب:
1- مهج الدعوات: و من ذلك دعاء الصادق (عليه السلام) لمّا استدعاه المنصور مرّة خامسة إلى بغداد قبل قتل محمّد و إبراهيم ابني عبد اللّه بن الحسن، وجدتها في كتاب عتيق [في آخره: و كتب الحسين بن عليّ بن هند بخطّه في شوّال سنة ستّ و تسعين و ثلاثمائة، قال:]
حدّثنا محمّد بن أحمد بن عبد اللّه بن صفوة، عن محمّد بن العبّاس العاصمي، عن الحسن بن عليّ بن يقطين، عن أبيه، عن محمّد بن الربيع الحاجب، قال:
____________
(1) 183، و أخرج قطعة منه في مستدرك الوسائل: 12/ 14.
419
قعد المنصور يوما في قصره في القبّة الخضراء- و كانت قبل قتل محمّد و إبراهيم تدعى الحمراء- و كان له يوم يقعد فيه- يسمّى ذلك اليوم «يوم الذبح» و قد كان اشخص جعفر بن محمّد (عليهما السلام) من المدينة، فلم يزل في الحمراء نهاره كلّه حتّى جاء الليل، و مضى أكثره؛
قال: ثمّ دعا أبي الربيع، فقال: يا ربيع! إنّك تعرف موضعك منّي، و إنّه (1) يكون إليّ الخبر و لا تظهر عليه امّهات الأولاد، و تكون أنت المعالج له.
فقال: قلت [له]: يا أمير المؤمنين! ذلك من فضل اللّه عليّ، و فضل أمير المؤمنين، و ما فوقي في النصح غاية. قال: كذلك أنت، سر الساعة إلى جعفر بن محمّد بن فاطمة، فائتني [به] على الحال الّذي تجده عليه، لا تغيّر شيئا ممّا هو عليه.
فقلت: إنّا للّه و إنّا إليه راجعون، هذا و اللّه [هو] العطب (2)، إن أتيت به على ما أراه من غضبه قتله، و ذهبت الآخرة، و إن لم آت به و ادّهنت (3) في أمره قتلني، و قتل نسلي، و أخذ أموالي، فخيّرت (4) بين الدنيا و الآخرة، فمالت نفسي إلى الدنيا.
قال محمّد بن الربيع: فدعاني أبي- و كنت أفظّ ولده و أغلظهم قلبا- فقال لي:
امض إلى جعفر بن محمّد بن عليّ، فتسلّق (5) على حائطه، و لا تستفتح عليه بابا، فيغيّر بعض ما هو عليه، و لكن انزل عليه نزولا، فائت به على الحال الّتي هو فيها.
قال: فأتيته و قد ذهب الليل إلّا أقلّه، فأمرت بنصب السلاليم، و تسلّقت عليه الحائط، فنزلت عليه داره، فوجدته قائما يصلّي، و عليه قميص، و منديل قد اتّزر به؛
فلمّا سلّم من صلاته، قلت له: أجب أمير المؤمنين.
فقال: دعني، أدعو و ألبس ثيابي. فقلت له: ليس إلى تركك و ذلك سبيل.
قال: فأدخل المغتسل و اتطهّر.
قال: قلت: و ليس إلى ذلك سبيل، فلا تشغل نفسك، فإنّي لا أدعك تغيّر شيئا.
____________
(1) «و إنّي» ع، ب.
(2) العطب: الهلاك.
(3) الادهان: المقاربة في الكلام، و التليين في القول.
(4) «فميّزت» م.
(5) «تسلّق الجدار: تسوّره و علاه» منه ره.
420
قال: فأخرجته حافيا حاسرا في قميصه و منديله، و كأن (1) قد جاوز السبعين؛
فلمّا مضى بعض الطريق، ضعف الشيخ فرحمته، فقلت له: اركب؛
فركب بغل شاكري (2) كان معنا، ثمّ صرنا إلى الربيع، فسمعته و هو يقول له:
ويلك يا ربيع! قد أبطأ الرجل، و جعل يستحقّه استحثاثا شديدا؛
فلمّا أن وقعت عين الربيع على جعفر بن محمّد (عليهما السلام) و هو بتلك الحال بكى. و كان الربيع يتشيّع، فقال له جعفر (عليه السلام): يا ربيع! أنا أعلم ميلك إلينا، فدعني اصلّي ركعتين و أدعو.
قال: شأنك و ما تشاء، فصلّى ركعتين خفّفهما، ثمّ دعا بعدهما بدعاء لم أفهمه، إلّا أنّه دعاء طويل، و المنصور في ذلك كلّه يستحثّ الربيع، فلمّا فرغ من دعائه على طوله، أخذ الربيع بذراعيه، فأدخله على المنصور. فلمّا صار في صحن الإيوان، وقف ثمّ حرّك شفتيه بشيء، لم أدر ما هو، ثمّ أدخلته فوقف بين يديه؛
فلمّا نظر إليه قال: و أنت يا جعفر! ما تدع حسدك و بغيك، و إفسادك على أهل هذا البيت من بني العبّاس، و ما يزيدك اللّه بذلك إلّا شدّة حسد و نكد، ما تبلغ به ما تقدره.
فقال له: و اللّه يا أمير المؤمنين! ما فعلت شيئا من هذا، و لقد كنت في ولاية بني اميّة و أنت تعلم أنّهم أعدى الخلق لنا و لكم، و أنّهم لا حقّ لهم في هذا الأمر، فو اللّه ما بغيت عليهم، و لا بلغهم عنّي سوء، مع جفائهم الّذي كان لي.
فكيف يا أمير المؤمنين أصنع الآن هذا؟ و أنت ابن عمّي و أمسّ الخلق بي رحما، و أكثرهم عطاء و برّا، فكيف أفعل هذا؟!
فأطرق المنصور ساعة، و كان على لبد (3)، و عن يساره مرفقة (4) جرمقانيّة (5)، و تحت لبده سيف ذو فقار، كان لا يفارقه إذا قعد في القبّة.
____________
(1) كأنه كان يبدو على مظهره (عليه السلام) من كبر السنّ، بسبب إرهاق و إجحاف و ظلم بني اميّة و بني العبّاس، و ذلك لأنّ عمره الشريف لم يتجاوز «68» سنة، يوم شهادته على المشهور.
(2) «الشاكري: الأجير و المستخدم، معرب جاكر، قاله الفيروزآبادي» منه ره.
(3) اللبد: البساط.
(4) المرفقة: المخدّة.
(5) الجرامقة: قوم من العجم صاروا بالموصل في أوائل الإسلام، الواحد جرمقاني، و كساء جرمقي بالكسر.
421
قال: أبطلت و أثمت. ثمّ رفع ثني الوسادة، فأخرج منها إضبارة (1) كتب، فرمى بها إليه، و قال: هذه كتبك إلى أهل خراسان تدعوهم إلى نقض بيعتي، و أن يبايعوك دوني.
فقال: و اللّه يا أمير المؤمنين! ما فعلت، و لا أستحلّ ذلك، و لا هو من مذهبي، و إنّي لمن يعتقد طاعتك على كلّ حال، و قد بلغت من السنّ ما قد أضعفني عن ذلك لو أردته؛
فصيّرني في بعض جيوشك، حتّى يأتيني الموت فهو منّي قريب.
فقال: لا و لا كرامة، ثمّ أطرق و ضرب يده إلى السيف، فسلّ منه مقدار شبر، و أخذ بمقبضه، فقلت: «إنّا للّه» ذهب- و اللّه- الرجل. ثمّ ردّ السيف، ثمّ قال:
يا جعفر! أ ما تستحي مع هذه الشيبة و مع هذا [النسب] أن تنطق بالباطل، و تشقّ عصا المسلمين؟ تريد أن تريق الدماء، و تطرح الفتنة بين الرعيّة و الأولياء.
فقال: لا و اللّه يا أمير المؤمنين! ما فعلت، و لا هذه كتبي و لا خطّي، و لا خاتمي؛
فانتضى من السيف ذراعا؛
فقلت: «إنّا للّه» مضى الرجل، و جعلت في نفسي إن أمرني [فيه] بأمر أن أعصيه، لأنّني ظننت أنّه يأمرني أن آخذ السيف فأضرب به جعفرا؛
فقلت: إن أمرني ضربت المنصور، و إن أتى ذلك عليّ و على ولدي، و تبت إلى اللّه عزّ و جلّ ممّا كنت نويت فيه أوّلا.
فأقبل يعاتبه و جعفر يعتذر، ثمّ انتضى السيف (2) [كلّه إلّا شيئا يسيرا منه؛
فقلت: «إنا للّه» مضى- و اللّه- الرجل.
ثمّ أغمد السيف] و أطرق ساعة، ثمّ رفع رأسه، و قال: أظنّك صادقا، يا ربيع! هات العيبة (3)- من موضع كانت فيه في القبّة- فأتيته بها، فقال: أدخل يدك فيها- فكانت مملوءة غالية- وضعها في لحيته. و كانت بيضاء فاسودّت، و قال لي:
____________
(1) «الإضبارة- بالكسر و الفتح: الحزمة من الصحف» منه ره.
(2) انتضى السيف: استلّه من غمده.
(3) العيبة- بالفتح-: مستودع الثياب، أو مستودع أفضل الثياب.
422
احمله على فاره (1) من دوابّي الّتي أركبها، و أعطه عشرة آلاف درهم، و شيّعه إلى منزله مكرّما، و خيّره إذا أتيت به إلى المنزل، بين المقام عندنا فنكرمه، و الانصراف إلى مدينة جدّه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم). فخرجنا من عنده و أنا مسرور [فرح] بسلامة جعفر (عليه السلام)، و متعجّب ممّا أراد المنصور، و ما صار إليه من أمره.
فلمّا صرنا في الصحن، قلت له: يا ابن رسول اللّه! إنّي لاعجب ممّا عمد إليه هذا في شأنك (2)، و ما أصارك اللّه إليه من كفايته و دفاعه، و لاعجب من أمر اللّه عزّ و جلّ؛
و قد سمعتك تدعو عقيب الركعتين بشيء لم أدر ما هو، إلّا أنّه طويل؛
و رأيتك قد حرّكت شفتيك هاهنا- أعني الصحن- بشيء لم أدر ما هو؟ فقال لي:
أمّا الأوّل فدعاء الكرب و الشدائد، لم أدع به على أحد قبل يومئذ، جعلته عوضا من دعاء كثير أدعو به إذا قضيت صلاتي، لأنّي لم أترك أن أدعو ما كنت أدعو به.
و أمّا الّذي حرّكت به شفتي، فهو دعاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يوم الأحزاب (ثمّ ذكر الدعاء).
ثمّ قال: لو لا الخوف من أمير المؤمنين لدفعت إليك هذا المال، و لكن قد كنت طلبت منّي أرضي بالمدينة، و أعطيتني بها عشرة آلاف دينار، فلم أبعك و قد وهبتها لك.
قلت: يا ابن رسول اللّه! إنّما رغبتي في الدعاء الأوّل و الثاني، فإذا فعلت هذا فهو البرّ؛
و لا حاجة لي الآن في الأرض.
فقال: إنّا أهل بيت لا نرجع في معروفنا، نحن ننسخك الدعاء، و نسلّم إليك الأرض، صر معي إلى المنزل، فصرت معه كما تقدّم المنصور، و كتب لي بعهدة الأرض؛
و أملى عليّ دعاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و أملى عليّ الّذي دعا هو بعد الركعتين [الّذي أوّله:
اللهمّ إنّي أسألك يا مدرك الهاربين ...] قال: فقلت: يا ابن رسول اللّه! لقد كثر استحثاث المنصور [لي] و استعجاله إيّاي، و أنت تدعو بهذا الدعاء الطويل متمهّلا كأنّك لم تخشه؟!
قال: فقال لي: نعم، قد كنت أدعو به بعد صلاة الفجر، بدعاء لا بدّ منه؛
فأمّا الركعتان فهما: صلاة الغداة خفّفتهما، و دعوت بذلك الدعاء بعدهما.
فقلت له: أ ما خفت أبا جعفر و قد أعدّ لك ما أعدّ؟!
____________
(1) دابّة فارهة: أي نشيطة قويّة.
(2) «بابك» م، ع، ب و ما أثبتناه من خ ل.
423
قال: خيفة اللّه دون خيفته، و كان اللّه عزّ و جلّ في صدري أعظم منه.
قال الربيع: كان في قلبي ما رأيت من المنصور و من غضبه و حنقه (1) على جعفر (عليه السلام)، و من الجلالة له في ساعة، ما لم أظنّه يكون في بشر، فلمّا وجدت منه خلوة، و طيب نفس؛ قلت: يا أمير المؤمنين! رأيت منك عجبا. قال: ما هو؟
قلت: يا أمير المؤمنين! رأيت غضبك على جعفر غضبا لم أرك غضبته على أحد قطّ، و لا على عبد اللّه بن الحسن، و لا على غيره من كلّ الناس، حتّى بلغ بك الأمر أن تقتله بالسيف، و حتّى أنّك أخرجت من سيفك شبرا، ثمّ أغمدته، ثمّ عاتبته، ثمّ أخرجت [منه ذراعا، ثمّ عاتبته، ثمّ أخرجته] كلّه إلّا شيئا يسيرا، فلم أشكّ في قتلك له، ثمّ انجلى ذلك كلّه فعاد رضى، حتّى أمرتني فسوّدت لحيته بالغالية الّتي لا يتغلّف منها إلّا أنت، و لا يغلّف منها ولدك المهدي، و لا من ولّيته عهدك، و لا عمومتك، و أجزته و حملته، و أمرتني بتشييعه مكرّما!
فقال: ويحك يا ربيع! ليس هو ممّا ينبغي أن يحدّث به، و ستره أولى، و لا احبّ أن يبلغ ولد فاطمة (عليها السلام) فيفتخرون و يتباهون بذلك علينا، حسبنا ما نحن فيه.
و لكن لا أكتمك شيئا، انظر من في الدار فنحّهم. قال: فنحّيت كلّ من في الدار.
ثمّ قال لي: ارجع و لا تبق [أحدا]. ففعلت، ثمّ قال لي: ليس إلّا أنا و أنت، و اللّه لئن سمعت ما ألقيته إليك من أحد، لأقتلنّك و ولدك و أهلك أجمعين، و لآخذنّ مالك.
قال: قلت: يا أمير المؤمنين! اعيذك باللّه.
قال: يا ربيع! قد كنت مصرّا على قتل جعفر، و أن لا أسمع له قولا، و لا أقبل له عذرا، و كان أمره و إن كان ممّن لا يخرج بسيف أغلظ عندي، و أهمّ عليّ من أمر عبد اللّه بن الحسن، و قد كنت أعلم هذا منه و من آبائه على عهد بني اميّة.
فلمّا هممت به في المرّة الاولى، تمثّل لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فإذا هو حائل بيني و بينه، باسط كفّيه، حاسر عن ذراعيه، قد عبّس و قطّب في وجهي [فصرفت وجهي] عنه.
ثمّ هممت به في المرّة الثانية، و انتضيت من السيف أكثر ممّا انتضيت منه في المرّة الأولى، فإذا أنا برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قد قرب منّي و دنا شديدا، و همّ بي أن لو فعلت لفعل؛
____________
(1) الحنق: شدّة الاغتياظ.
424
فأمسكت، ثمّ تجاسرت و قلت: هذا بعض أفعال الرئيّ (1).
ثمّ انتضيت السيف في الثالثة، فتمثّل لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) باسط ذراعيه، قد تشمّر و احمرّ و عبس و قطّب حتّى كاد أن يضع يده عليّ، فخفت- و اللّه- لو فعلت لفعل، و كان منّي ما رأيت؛ و هؤلاء من بني فاطمة (صلوات اللّه عليهم) لا يجهل حقّهم إلّا جاهل لا حظّ له في الشريعة، فإيّاك أن يسمع هذا منك أحد.
قال محمّد بن الربيع: فما حدّثني به أبي حتّى مات المنصور (2)، و ما حدّثت أنا به حتّى مات المهدي، و موسى، و هارون، و قتل محمّد. (3)
6- باب استدعاء المنصور الصادق (عليه السلام) مرّة سادسة، و هي ثاني مرّة إلى بغداد بعد قتل محمّد و إبراهيم ابني عبد اللّه بن الحسن
الأخبار، الأصحاب:
1- مهج الدعوات: و من ذلك دعاء [مولانا] الصادق (عليه السلام)- لمّا استدعاه المنصور مرّة سادسة، و هي ثاني مرّة، إلى بغداد بعد قتل محمّد و إبراهيم ابني عبد اللّه بن الحسن- وجدته في الكتاب العتيق الّذي قدّمنا ذكره بخطّ الحسين بن عليّ بن هند، قال:
حدّثنا محمّد بن جعفر الرزّاز، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن بشير بن حمّاد، عن صفوان بن مهران الجمّال، قال:
رفع رجل من قريش المدينة من بني مخزوم إلى أبي جعفر المنصور- و ذلك بعد قتله لمحمّد و إبراهيم ابني عبد اللّه بن الحسن- أنّ جعفر بن محمّد بعث مولاه المعلّى بن خنيس بجباية الأموال من شيعته، و أنّه كان يمدّ بها محمّد بن عبد اللّه؛
____________
(1) «الرئيّ، على فعيل: التابع من الجنّ» منه ره.
(2) مات المنصور لستّ خلون من ذي الحجّة، سنة ثمان و خمسين و مائة ببئر ميمون.
و ذكر ابن الأثير في تاريخه: 6/ 95 في ذكر حوادث سنة سبعين و مائة: و فيها توفّي الربيع بن يونس حاجب المنصور.
(3) 192، عنه البحار: 47/ 195 ح 40، و ج 94/ 288.
425
فكاد المنصور أن يأكل كفّه على جعفر غيظا، و كتب إلى عمّه داود بن عليّ، و داود إذ ذاك أمير المدينة، أن يسيّر إليه جعفر بن محمّد، و لا يرخّص له في التلوّم (1) و المقام.
فبعث إليه داود بكتاب المنصور، و قال [له]:
اعمد على المسير إلى أمير المؤمنين في غد و لا تتأخّر.
قال صفوان: و كنت بالمدينة يومئذ، فأنفذ إليّ جعفر (عليه السلام)، فصرت إليه، فقال لي: تعهّد راحلتنا، فإنّا غادون في غد- إن شاء اللّه- إلى العراق.
و نهض من وقته- و أنا معه- إلى مسجد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و كان ذلك بين الاولى و العصر، فركع فيه ركعات، ثمّ رفع يديه، فحفظت يومئذ من دعائه:
يا من ليس له ابتداء ... (الدعاء).
قال صفوان: سألت أبا عبد اللّه الصادق (عليه السلام) بأن يعيد الدعاء عليّ، فأعاده و كتبته.
فلمّا أصبح أبو عبد اللّه (عليه السلام) رحلت له الناقة (2)، و سار متوجّها إلى العراق، حتّى قدم مدينة أبي جعفر (3)، و أقبل حتّى استأذن، فأذن له.
قال صفوان: فأخبرني بعض من شهده عند أبي جعفر، قال:
فلمّا رآه أبو جعفر قرّبه و أدناه. ثمّ أسند قصّة الرافع على أبي عبد اللّه (عليه السلام)، يقول في قصّته: إنّ معلّى بن خنيس مولى جعفر بن محمّد يجبي له الأموال [من جميع الآفاق، و إنّه مدّ بها محمّد بن عبد اللّه، فدفع إليه القصّة، فقرأها أبو عبد اللّه (عليه السلام)، فأقبل عليه المنصور، فقال:
يا جعفر بن محمّد! ما هذه الأموال الّتي يجبيها لك معلّى بن خنيس؟]
فقال أبو عبد اللّه: معاذ اللّه من ذلك يا أمير المؤمنين.
قال له: تحلف على براءتك [من ذلك]؟
قال: نعم، أحلف باللّه أنّه ما كان من ذلك شيء.
قال أبو جعفر: لا بل، تحلف بالطلاق و العتاق.
____________
(1) «تلوّم في الأمر: تمكّث و انتظر» منه ره.
(2) رحل الناقة: شدّ على ظهرها الرحل.
(3) يأتي ص 427 وجه التسمية بمدينة أبي جعفر المنصور.
426
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): أ ما ترضى يميني باللّه الّذي لا إله إلّا هو؟!
قال أبو جعفر: فلا تتفقّه عليّ!
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): فأين تذهب بالفقه منّي يا أمير المؤمنين؟!
قال له: دع عنك هذا، فإنّي أجمع الساعة بينك و بين الرجل الّذي رفع عنك حتّى يواجهك. فأتوا بالرجل، و سألوه بحضرة جعفر، فقال: نعم، هذا صحيح، و هذا جعفر بن محمّد، و الّذي قلت فيه كما قلت.
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): تحلف أيّها الرجل! أنّ هذا الّذي رفعته صحيح؟ قال: نعم.
ثمّ ابتدأ الرجل باليمين، فقال: و اللّه الّذي لا إله إلّا هو، الطالب الغالب، الحيّ القيّوم.
فقال له جعفر (عليه السلام): لا تعجل في يمينك، فإنّي أنا استحلف.
قال المنصور: و ما أنكرت من هذه اليمين؟ قال: إنّ اللّه تعالى حيّ كريم، يستحيي من عبده إذا أثنى عليه أن يعاجله بالعقوبة لمدحه له، و لكن قل يا أيّها الرجل:
أبرأ إلى اللّه من حوله و قوّته، و ألجأ إلى حولي و قوّتي، إنّي لصادق برّ فيما أقول.
فقال المنصور للقرشي: احلف بما استحلفك به أبو عبد اللّه.
فحلف الرجل بهذه اليمين، فلم يستتمّ الكلام، حتّى أجذم، و خرّ ميّتا.
فراع أبا جعفر ذلك، و ارتعدت فرائصه، فقال: يا أبا عبد اللّه! سر من غد إلى حرم جدّك إن اخترت ذلك، و إن اخترت المقام عندنا لم نأل (1) في إكرامك و برّك، فو اللّه لا قبلت عليك قول أحد بعدها أبدا. (2)
2- الكافي: عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن بعض أصحابه، عن صفوان الجمّال، قال:
حملت أبا عبد اللّه (عليه السلام) الحملة الثانية إلى الكوفة، و أبو جعفر المنصور بها؛
____________
(1) «لم نأل: أي لم نقصّر» منه ره.
(2) 198، عنه البحار: 47/ 200 ح 41 و ج 94/ 294، و أخرج قطعة منه في ملحقات إحقاق الحقّ:
19/ 510 عن الأنوار القدسيّة: 36.
427
فلمّا أشرف على الهاشميّة (1) مدينة أبي جعفر، أخرج رجله من غرز (2) الرحل، ثمّ نزل ودع ببغلة شهباء، و لبس ثيابا بيضا و كمّة بيضاء؛
فلمّا دخل عليه، قال له أبو جعفر: لقد تشبّهت بالأنبياء؟!
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): و أنّى تبعّدني من أبناء الأنبياء؟
قال: لقد هممت أن أبعث إلى المدينة من يعقر نخلها، و يسبي ذريّتها.
فقال: و لم ذاك يا أمير المؤمنين؟
فقال: رفع إليّ أنّ مولاك المعلّى بن خنيس يدعو إليك و يجمع لك الأموال.
فقال:- و اللّه- ما كان.
فقال: لست أرضى منك إلّا بالطلاق و العتاق و الهدي (3) و المشي. فقال:
أبا لأنداد من دون اللّه تأمرني أن أحلف؟ إنّه من لم يرض باللّه فليس من اللّه في شيء.
فقال: أ تتفقّه عليّ؟ فقال: و أنّى تبعّدني من الفقه (4)، و أنا ابن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)؟!
فقال: فإنّي أجمع بينك و بين من سعى بك. قال: فافعل.
فجاء الرجل الّذي سعى به، فقال [له] أبو عبد اللّه (عليه السلام): يا هذا! فقال: نعم، و اللّه الّذي لا إله إلّا هو، عالم الغيب و الشهادة، الرحمن الرحيم، لقد فعلت.
فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): ويلك تمجّد (5) اللّه فيستحي من تعذيبك، و لكن قل:
____________
(1) الهاشميّة: مدينة بناها السفّاح بالكوفة، و ذلك أنّه لمّا ولّى الخلافة نزل بقصر ابن هبيرة و استتمّ بناءه، و جعله مدينة، و سمّاها الهاشميّة: فكان الناس يسمّونها بابن هبيرة، فقال: ما أرى ذكر ابن هبيرة سقط عنها، فرفضها و بنى اخرى حيالها و سمّاها الهاشميّة، و نزلها، ثمّ انتقل إلى الأنبار و بنى مدينته المعروفة به إلى جانبها، فلمّا مات دفن بها و استخلف المنصور فنزلها و استتمّ بناء ما كان بقي فيها، ثمّ تحوّل عنها فبنى بغداد (مراصد الاطلاع: 3/ 1449).
أقول: الظاهر حسب ترتيب المؤلّف أن يوضع هذا الحديث في الباب الرابع (باب استدعاء المنصور الصادق (عليه السلام) إلى الكوفة ص 414).
(2) الغرز: كاب الرحل من جلد. و الكمّة: القلنسوة المدوّرة.
(3) الهدي و الهدي: هو ما يهدى إلى بيت اللّه الحرام من بدنة أو غيره.
(4) «التفقّه» ع، ب.
(5) «تجلّل» ع، ب.
428
برئت من حول اللّه و قوّته و التجأت (1) إلى حولي و قوّتي.
فحلف بها الرجل، فلم يستتمّها حتّى وقع ميّتا.
فقال له أبو جعفر: لا اصدّق بعدها عليك أبدا. و أحسن جائزته و ردّه. (2).
3- و منه: عليّ بن محمّد، عن إبراهيم بن إسحاق الأحمر، عن أبي القاسم الكوفي، عن محمّد بن إسماعيل، عن معاوية بن عمّار، و العلاء بن سيّابة، و ظريف بن ناصح، قال:
لمّا بعث أبو الدوانيق إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) رفع يده إلى السماء، ثمّ قال:
«اللهمّ إنّك حفظت الغلامين (3) لصلاح أبويهما، فاحفظني لصلاح آبائي، محمّد و عليّ و الحسن و الحسين، و عليّ بن الحسين، و محمّد بن عليّ (عليهم السلام).
اللّهمّ إنّي أدرأ (4) بك في نحره، و أعوذ بك من شرّه».
ثمّ قال للجمّال: سر. فلمّا استقبله الربيع بباب أبي الدوانيق، قال له:
يا أبا عبد اللّه! ما أشدّ باطنه عليك، لقد سمعته يقول: و اللّه لا تركت لهم نخلا إلّا عقرته، و لا مالا إلّا نهبته، و لا ذريّة إلّا سبيتها.
قال: فهمس بشيء خفيّ، و حرّك شفتيه، فلمّا دخل سلّم و قعد، فردّ (عليه السلام)؛ ثمّ قال: أما و اللّه لقد هممت أن لا أترك لك نخلا إلّا عقرته، و لا مالا إلّا أخذته.
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): يا أمير المؤمنين! إنّ اللّه عزّ و جلّ ابتلى أيّوب فصبر، و أعطى داود فشكر، و قدّر (5) يوسف فغفر، و أنت من ذلك النسل، و لا يأتي ذلك النسل إلّا بما يشبه.
فقال: صدقت، قد عفوت عنكم.
فقال له: يا أمير المؤمنين! إنّه لم ينل منّا أهل البيت أحد دما إلّا سلبه اللّه ملكه.
____________
(1) استظهرناها، و في م و بقيّة الموارد «ألجئت/ ألجأت».
(2) 6/ 445 ح 3، عنه البحار: 47/ 203 ح 44، و الوسائل: 3/ 355 ح 2، و مدينة المعاجز: 408 ح 189، و حلية الأبرار: 2/ 196.
(3) إشارة إلى قوله تعالى في سورة الكهف: 82:
وَ أَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَ كانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَ كانَ أَبُوهُما صالِحاً
....
(4) أدرأ: أدفع.
(5) أمكنه.
429
فغضب لذلك و استشاط (1)، فقال: على رسلك (2) يا أمير المؤمنين، إنّ هذا الملك كان في آل أبي سفيان، فلمّا قتل يزيد حسينا (عليه السلام) سلبه اللّه ملكه، فورثه آل مروان.
فلمّا قتل هشام زيدا سلبه اللّه ملكه، فورثه مروان بن محمّد.
فلمّا قتل مروان إبراهيم سلبه اللّه ملكه، فأعطاكموه.
فقال: صدقت، هات ارفع حوائجك. فقال: الإذن. فقال: هو في يدك متى شئت.
فخرج، فقال له الربيع: قد أمر لك بعشرة آلاف درهم.
قال: لا حاجة لي فيها. قال: إذن تغضبه، فخذها ثمّ تصدّق بها. (3).
4- الإرشاد للمفيد: روى نقلة الآثار أنّ المنصور لمّا أمر الربيع بإحضار أبي عبد اللّه (عليه السلام) فأحضره، فلمّا بصر به المنصور، قال له:
قتلني اللّه إن لم أقتلك، أ تلحد في سلطاني؟ و تبغيني الغوائل؟
فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): و اللّه ما فعلت، و لا أردت، فإن كان بلغك فمن كاذب؛ و لو كنت فعلت فقد ظلم يوسف فغفر، و ابتلي أيّوب فصبر، و اعطي سليمان فشكر، فهؤلاء أنبياء اللّه، و إليهم يرجع نسبك. فقال له المنصور: أجل، ارتفع هاهنا.
فارتفع، فقال [له]: إنّ فلان بن فلان أخبرني عنك بما ذكرت.
فقال: أحضره يا أمير المؤمنين! ليوافقني على ذلك. فأحضر الرجل المذكور، فقال له المنصور: أنت سمعت ما حكيت عن جعفر؟ قال: نعم.
فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): فاستحلفه على ذلك.
فقال له المنصور: أ تحلف؟ قال: نعم، و ابتدأ باليمين.
فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): دعني يا أمير المؤمنين أحلّفه أنا؟ فقال له: افعل.
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) للساعي (4): قل برئت من حول اللّه و قوّته، و التجأت إلى حولي
____________
(1) استشاط: التهب غضبا.
(2) «الرسل- بالكسر-: الرفق و التؤدة» منه ره.
(3) 2/ 562 ح 22، عنه البحار: 47/ 208 ح 51، إثبات الهداة: 5/ 345 ح 21، مدينة المعاجز:
361 ح 19، و حلية الأبرار: 2/ 167.
(4) سعى سعاية و سعيا بفلان عند الأمير: نمّ عليه، و وشى به.
430
و قوّتي، لقد فعل كذا و كذا جعفر [و قال كذا و كذا جعفر].
فامتنع منها هنيئة، ثمّ حلف بها، فما برح حتّى ضرب برجله.
فقال أبو جعفر: جرّوا برجله، فأخرجوه لعنه اللّه.
قال الربيع: و كنت رأيت جعفر بن محمّد (عليهما السلام) حين دخل على المنصور يحرّك شفتيه، و كلّما حرّكهما سكن غضب المنصور، حتّى أدناه منه، و قد رضي عنه؛
فلمّا خرج أبو عبد اللّه (عليه السلام) من عند أبي جعفر المنصور اتّبعته، فقلت له:
إنّ هذا الرجل كان من أشدّ الناس غضبا عليك، فلمّا دخلت عليه كنت (1) تحرّك شفتيك، و كلّما حرّكتهما سكن غضبه، فبأيّ شيء كنت تحرّكهما؟
قال: بدعاء جدّي الحسين بن عليّ (عليهما السلام).
قلت: جعلت فداك، و ما هذا الدعاء؟
قال: «يا عدّتي عند شدّتي، و يا غوثي عند كربتي، احرسني بعينك الّتي لا تنام، و اكنفني بركنك الّذي لا يرام».
قال الربيع: فحفظت هذا الدعاء، فما نزلت بي شدّة قطّ إلّا دعوت به، ففرّج [عنّي]؛
قال: و قلت لجعفر بن محمّد (عليهما السلام): لم منعت الساعي أن يحلف باللّه؟
قال: كرهت أن يراه اللّه يوحّده و يمجّده فيحلم عنه، و يؤخّر عقوبته؛
فاستحلفته بما سمعت، فأخذه اللّه أخذة رابية (2). (3)
5- أمالي الطوسي: جماعة، عن أبي المفضّل، عن أحمد بن محمّد بن عيسى
____________
(1) «و أنت» م، ع، ب. و ما أثبتناه من كشف الغمّة.
(2) «قال البيضاوي في تفسيره [2/ 217] في قوله تعالى (أخذة رابية) أي زائدة في الشدّة زيادة أعمالهم في القبح» منه ره.
(3) 305، عنه البحار: 47/ 174 ح 21. و أورده في إعلام الورى: 277، عنه حلية الأبرار: 2/ 169 و في روضة الواعظين: 250، و كشف الغمّة: 2/ 168، و في الألقاب الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و عترته: 61 مختصرا، و في مقصد الراغب: 156 (نحوه).
و أورد الدعاء في مصباح الكفعمي: 204 عن الإرشاد للمفيد، و فيه عن الكاظم (عليه السلام).
431
العرّاد، عن محمّد بن الحسن بن شمّون (1)، عن الحسن (2) بن الفضل بن الربيع حاجب المنصور، لقيته بمكّة، قال: حدّثني أبي، عن جدّي الربيع، قال:
دعاني المنصور يوما، فقال: يا ربيع! أحضر [لي] جعفر بن محمّد [الساعة] و اللّه لأقتلنّه. فوجّهت إليه، فلمّا وافى، قلت:
يا ابن رسول اللّه! إن كان لك وصيّة أو عهد تعهّده [إلى أحد] فافعل.
قال: استأذن لي عليه. فدخلت إلى المنصور، فأعلمته موضعه، فقال: أدخله.
فلمّا وقعت عين جعفر (عليه السلام) على المنصور، رأيته يحرّك شفتيه بشيء لم أفهمه و مضى.
فلمّا سلّم على المنصور، نهض إليه، فاعتنقه و أجلسه إلى جانبه، فقال له:
ارفع حوائجك. فأخرج رقاعا لأقوام، و سأل في آخرين، فقضيت حوائجه.
فقال المنصور: ارفع حوائجك في نفسك.
فقال له جعفر (عليه السلام): لا تدعني حتّى أجيئك (3). فقال له المنصور:
مالي إلى ذلك سبيل، و أنت تزعم للناس يا أبا عبد اللّه أنّك تعلم الغيب.
فقال جعفر (عليه السلام): من أخبرك بهذا؟ فأومأ المنصور إلى شيخ قاعد بين يديه.
فقال جعفر (عليه السلام) للشيخ: أنت سمعتني أقول هذا؟ قال الشيخ: نعم.
قال جعفر (عليه السلام) للمنصور: أ يحلف يا أمير المؤمنين؟!
فقال له المنصور: احلف. فلمّا بدأ الشيخ في اليمين، قال جعفر (عليه السلام) للمنصور:
حدّثني أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن (4) أمير المؤمنين (عليهم السلام):
«إنّ العبد إذا حلف باليمين الّتي ينزّه اللّه عزّ و جلّ فيها، و هو كاذب، امتنع اللّه عزّ و جلّ من عقوبته عليها في عاجلته لما نزّه اللّه عزّ و جلّ» و لكنّي أنا استحلفه.
فقال المنصور: ذلك لك.
____________
(1) «شمعون» م، تصحيف. (راجع معجم رجال الحديث: 15/ 246).
(2) «الحسين» م. تصحيف.
(3) «آتيك» م. و تقدم في ص 406 «اجيئك» و في هامشه «أجيبك» م.
(4) «عن» ساقط من نسخة المصدر، و قد حدّث الباقر (عليه السلام)، عن أبيه «السجّاد»، عن جدّه «الشهيد» عن أمير المؤمنين (عليهم السلام).
432
فقال جعفر (عليه السلام) للشيخ: قل: «أبرأ إلى اللّه من حوله و قوّته، و ألجأ إلى حولي و قوّتي إن لم أكن سمعتك تقول هذا القول». فتلكّأ (1) الشيخ؛
فرفع المنصور عمودا كان في يده، فقال: و اللّه لئن لم تحلف لأعلونّك بهذا العمود.
فحلف الشيخ؛
فما أتمّ اليمين حتّى دلع لسانه، كما يدلع الكلب، و مات لوقته، و نهض جعفر (عليه السلام).
قال الربيع: فقال لي المنصور: ويلك اكتمها الناس لا يفتتنون (2).
قال الربيع: فشيّعت جعفرا (عليه السلام)، و قلت له: يا ابن رسول اللّه! إنّ المنصور كان قد همّ بأمر عظيم، فلمّا وقعت عينك عليه، و عينه عليك، زال ذلك.
فقال: يا ربيع! إنّي رأيت البارحة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في النوم، فقال لي:
يا جعفر! خفته؟ فقلت: نعم، يا رسول اللّه. فقال لي: إذا وقعت عينك عليه فقل:
ببسم (3) اللّه أستفتح، و ببسم اللّه أستنجح، و بمحمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أتوجّه؛
اللهمّ ذلّل لي صعوبة أمري، و كلّ صعوبة، و سهّل لي حزونة أمري، و كلّ حزونة، و اكفني مئونة أمري، و كلّ مئونة». (4)
استدراك (1) التدوين: محمّد بن عبد اللّه بن عبد العزيز الرازي أبو بكر، يروي عن أبي بكر بن خلّاد، قدم قزوين و حدّث بها، رأيت بخطّ بعض الثقات السالفين؛
ثنا أبو بكر محمّد بن عبد اللّه بن عبد العزيز (قدس سره) قال: سمعت أبا بكر أحمد بن يوسف ابن خلّاد، سمعت موسى بن عبيدة السكري، يقول: سعى رجل بجعفر بن محمّد إلى أبي جعفر بأنّه نال منك و قال فيك. فاحضر جعفر، فقال جعفر: معاذ اللّه.
____________
(1) «تلكّأ عليه: اعتلّ، و عنه: أبطأ» منه ره.
(2) «لا يفتنون» م.
(3) «بسم» م. و كذا ما بعدها تصحيف.
(4) 2/ 76، عنه البحار: 47/ 164 ح 4، و ج 95/ 216 ح 9، و ج 104/ 206 ح 3، و إثبات الهداة:
5/ 373 ح 69، و ص 419 ح 245.
433
فقال الساعي: بلى، نلت من أمير المؤمنين، و قلت فيه كذا و كذا.
فقال جعفر (عليه السلام): حلّفه باللّه يا أمير المؤمنين! ثمّ افعل ما شئت. فحلف الرجل؛ فقال له جعفر (عليه السلام): إن حلفت كاذبا أخرج اللّه منك كلّ قوّة أعطاك. فقال: نعم.
فقام الرجل من ساعته أعمى أصمّ أشلّ أعرج، و خطا خطوتين و ارتعد، و سقط و مات. (1).
*** 6- أمالي ابن الشيخ: جماعة، عن أبي المفضّل، عن إبراهيم بن عبد الصمد بن موسى الهاشمي، عن أبيه عبد الصمد، قال: حدّثني عمّي عبد الوهّاب بن محمّد بن إبراهيم [عن أبيه محمّد بن إبراهيم] (2) قال:
بعث أبو جعفر المنصور إلى أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد (عليهما السلام) و أمر بفرش، فطرحت له إلى جانبه، فأجلسه عليها، ثمّ قال: عليّ بمحمّد، عليّ بالمهدي، يقول ذلك مرارا.
فقيل له: الساعة [الساعة] يأتي يا أمير المؤمنين! ما يحبسه إلّا أنّه يتبخّر.
فما لبث أن وافى، و قد سبقته رائحته، فأقبل المنصور على جعفر (عليه السلام) فقال:
يا أبا عبد اللّه! حديث حدّثتنيه في صلة الرحم، اذكره يسمعه المهدي.
قال: نعم، حدّثني أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ (عليه السلام) قال:
قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): إنّ الرجل ليصل رحمه، و قد بقي من عمره ثلاث سنين، فيصيّرها اللّه عزّ و جلّ ثلاثين سنة، و يقطعها و قد بقي من عمره ثلاثون سنة، فيصيّرها اللّه ثلاث سنين، ثمّ تلا (عليه السلام) يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ (3) الآية.
قال: هذا حسن يا أبا عبد اللّه! و ليس إيّاه أردت.
قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): نعم، حدّثني أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ (عليه السلام) قال:
قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): صلة الرحم تعمر الديار، و تزيد في الأعمار، و إن كان أهلها غير
____________
(1) التدوين: 1/ 151، عنه ملحقات احقاق الحق: 12/ 247.
(2) موجود في العوالم و البحار: 47/ 163 و 74/ 93، و البرهان و المستدرك، دون نسخة المصدر.
(3) الرعد: 39.
434
أخيار. قال: هذا حسن يا أبا عبد اللّه! و ليس هذا أردت.
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): نعم، حدّثني أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ (عليه السلام) قال:
قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): صلة الرحم تهوّن الحساب، و تقي ميتة السوء.
قال المنصور: نعم، إيّاه (هذا، خ) أردت. (1).
الأئمّة،
الصادق (عليه السلام)
7- مقاتل الطالبيّين: (حدّثنا عليّ بن الحسين، قال: حدّثني الحسين بن عليّ السلولي قال: حدّثنا أحمد بن زيد، قال: حدّثنا عمّي أبو المعمّر سعيد بن خيثم) قال:
حدّثنا يونس بن أبي يعقوب، قال: حدّثنا جعفر بن محمّد (عليهما السلام) من فيه إلى اذني، قال:
لمّا قتل إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن بباخمرا (2) و حسرنا (3) من المدينة، فلم يترك فيها منّا محتلم، حتّى قدمنا الكوفة فمكثنا فيها شهرا نتوقّع فيها القتل؛
ثمّ خرج إلينا الربيع الحاجب، فقال: أين هؤلاء العلويّة! أدخلوا على أمير المؤمنين رجلين منكم من ذوى الحجى (4).
قال: فدخلنا إليه أنا و الحسين (5) بن زيد.
فلمّا صرت بين يديه، قال لي أنت الّذي تعلم الغيب؟ قلت: لا يعلم الغيب إلّا اللّه.
قال: أنت الّذي يجبى إليك هذا الخراج؟
قلت: إليك يجبى- يا أمير المؤمنين- الخراج.
قال: أ تدرون لم دعوتكم؟ قلت: لا.
____________
(1) 2/ 94، عنه البحار: 47/ 163 ح 3، و ج 74/ 93 ح 21. و البرهان: 2/ 299 ح 7، و مستدرك الوسائل: 15/ 241 ح 28. و يأتي عن غوالي اللئالي ص 437 ح 10، و مثله ص 456 ح 1.
(2) باخمرا: موضع بين الكوفة و واسط، و هو إلى الكوفة أقرب، به قبر إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن، قتله بها أصحاب المنصور. (مراصد الاطّلاع: 1/ 148).
(3) «حشرنا» ع، ب، و كلاهما بمعنى.
(4) ذوي الحجى: ذوي العقل و الفطنة.
(5) «الحسن» م، ع، ب، تصحيف. راجع المجدي في أنساب الطالبييّن: 159.
435
قال: أردت أن أهدم رباعكم (1) و أروّع قلوبكم (2)، و أعقر نخلكم، و أنزلكم بالشراة (3)، لا يقربكم أحد من أهل الحجاز و أهل العراق، فإنّهم لكم مفسدة.
فقلت له: يا أمير المؤمنين! إنّ سليمان اعطي فشكر، و إنّ أيّوب ابتلي فصبر، و إنّ يوسف ظلم فغفر، و أنت من ذلك النسل (4).
قال: فتبسّم، و قال: أعد عليّ. فأعدت، فقال:
مثلك فليكن زعيم القوم، و قد عفوت عنكم، و وهبت لكم جرم أهل البصرة.
حدّثني الحديث الّذي حدّثتني، عن أبيك، عن آبائه، عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).
قلت: حدّثني أبي، عن آبائه، عن عليّ، عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، قال: صلة الرحم تعمّر الديار، و تطيل الأعمار [و تكثر العمّار] و إن كانوا كفّارا. فقال: ليس هذا.
فقلت: حدّثني أبي، عن آبائه، عن عليّ، عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: الأرحام معلّقة بالعرش، تنادي: [اللهمّ] صل من وصلني، و اقطع من قطعني. قال: ليس هذا.
قلت: حدّثني أبي، عن آبائه، عن عليّ، عن رسول اللّه (عليه السلام) قال:
إنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: أنا الرحمن خلقت الرحم، و شققت لها اسما من اسمي، فمن وصلها وصلته، و من قطعها بتتّه (5). قال: ليس هذا الحديث.
قلت: حدّثني أبي، عن آبائه، عن عليّ، عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): إنّ ملكا من ملوك الأرض (6) بقي من عمره ثلاث سنين فوصل رحمه، فجعلها اللّه ثلاثين سنة.
____________
(1) الربع: المنزل و دار الإقامة، و ربع القوم محلّتهم، و الرباع جمعه.
(2) «و أغوّر قليبكم» ع، ب. غور الماء: ذهب في الأرض. و القليب: البئر.
(3) «و أترككم بالسراة» م. و الشراة: جبل شامخ مرتفع من دون عسفان، تأويه القرود، لبني ليث، عن يسار عسفان، و به عقبة تذهب إلى ناحية الحجاز لمن سلك عسفان، يقال لها الخريطة، و الخريطة تلي الشراة: جبل صلد لا ينبت شيئا. و الشراة أيضا: صقع بالشام ... (مراصد الاطّلاع:
2/ 788). و سراة الطريق: ظهره. يأتي بيانها في ص 437 ح 10.
(4) تقدّم في ص 405 «نسبك» و في هامشها «السنخ» و في ص 429 «النسل» «نسبك»
(5) «قطعته» ب، كلاهما بمعنى واحد: أي قطعته.
(6) «من الملوك في الأرض كان» م.
436
فقال: هذا الحديث أردت، أيّ البلاد أحبّ إليك؟ فو اللّه لأصلنّ رحمي إليكم.
قلنا: المدينة. فسرّحنا إلى المدينة، و كفى اللّه مئونته. (1).
8- كشف الغمّة: قال الحافظ عبد العزيز: روي عن جعفر بن محمّد (عليهما السلام) قال: لمّا دفعت إلى أبي جعفر المنصور، انتهرني و كلّمني بكلام غليظ، ثمّ قال:
يا جعفر! قد علمت بفعل محمّد بن عبد اللّه الّذي يسمّونه النفس الزكيّة و ما نزل به، و إنّما أنتظر الآن أن يتحرّك منكم أحد فالحق الكبير بالصغير.
قال: فقلت: يا أمير المؤمنين! حدّثني محمّد بن عليّ، عن أبيه عليّ بن الحسين، عن الحسين بن عليّ، عن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام) أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: إنّ الرجل ليصل رحمه و قد بقي من عمره ثلاث سنين، فيمدّها اللّه إلى ثلاث و ثلاثين سنة، و إنّ الرجل ليقطع رحمه و قد بقي من عمره ثلاث و ثلاثون سنة، فيبتّرها اللّه تعالى إلى ثلاث سنين. قال: فقال لي: و اللّه لقد سمعت هذا من أبيك؟ قلت: نعم. حتّى ردّها عليّ ثلاثا، ثمّ قال: انصرف. (2)
9- الخرائج و الجرائح: روي أنّ أبا عبد اللّه (عليه السلام) قال:
دعاني أبو جعفر الخليفة، و معي عبد اللّه بن الحسن، و هو يومئذ نازل بالحيرة (3) قبل أن تبنى بغداد، يريد قتلنا، لا يشكّ الناس فيه.
فلمّا دخلت عليه دعوت اللّه بكلام [و قد] قال لابن نهيك و هو القائم على رأسه:
إذا ضربت بإحدى يديّ على الاخرى، فلا تناظره حتّى تضرب عنقه.
فلمّا تكلّمت بما أردت (4) نزع اللّه من قلب أبي جعفر الخليفة الغيظ؛ فلمّا دخلت أجلسني مجلسه، و أمر لي بجائزة، و خرجنا من عنده.
فقال له أبو بصير- و كان حضر ذلك المجلس-: ما كان الكلام؟
قال: دعوت اللّه بدعاء يوسف، فاستجاب اللّه لي و لأهل بيتي. (5)
____________
(1) 233، عنه البحار: 47/ 211.
(2) 2/ 165، عنه البحار: 47/ 206 ح 47.
(3) هذا الحديث قد أخرجه المؤلّف هنا، و كان الأنسب أن يضعه في الباب الثامن في أمر المنصور بقتله (عليه السلام) مرّة ثامنة في الحيرة ص 445.
(4) «اريد» في المصدر.
(5) 2/ 635 ح 36، عنه البحار: 47/ 170 ح 13.
438
فقال: هذا الّذي قصدت، و اللّه لأصلنّ اليوم رحمي.
ثمّ سرّحنا إلى أهلنا سراحا جميلا. (1)
الرضا، عن أبيه (عليهما السلام)
11- الخرائج و الجرائح: روي عن الرضا، عن أبيه (عليهما السلام) قال:
جاء رجل إلى جعفر بن محمّد (عليهما السلام) فقال له: انج بنفسك، فهذا «فلان بن فلان» قد وشى بك إلى المنصور، و ذكر أنّك تأخذ البيعة لنفسك على الناس لتخرج عليهم.
فتبسّم، و قال: يا عبد اللّه! إلا ترع، فإنّ اللّه إذا أراد [إظهار] فضيلة كتمت أو جحدت، أثار عليها حاسدا باغيا يحرّكها حتّى يبيّنها، اقعد معي حتّى يأتيني الطلب، فتمضي معي إلى هناك، حتّى تشاهد ما يجري من قدرة اللّه التي لا معدل لها عن مؤمن.
فجاء الرسول، و قال: أجب أمير المؤمنين، فخرج الصادق (عليه السلام) و دخل، و قد امتلأ المنصور غيظا و غضبا، فقال له: أنت الّذي تأخذ البيعة لنفسك على المسلمين، تريد أن تفرّق جماعتهم، و تسعى في هلكتهم، و تفسد ذات بينهم؟
فقال الصادق (عليه السلام): ما فعلت شيئا من هذا. فقال المنصور:
فهذا فلان يذكر أنّك فعلت [كذا، و أنّه أحد من دعوته إليك]. فقال: إنّه لكاذب.
قال المنصور: إنّي احلّفه، فإن حلف كفيت نفسي مؤونتك.
فقال الصادق (عليه السلام): إنّه إذا حلف كاذبا، باء بإثم.
فقال المنصور لحاجبه: حلّف هذا الرجل على ما حكاه عن هذا- يعني الصادق (عليه السلام)-.
فقال [له] الحاجب: قل: و اللّه الّذي لا إله إلّا هو، و جعل يغلّظ عليه اليمين.
فقال الصادق (عليه السلام): لا تحلّفه هكذا، فإنّي سمعت أبي يذكر عن جدّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه قال: إنّ من الناس من يحلف كاذبا، فيعظّم اللّه في يمينه، و يصفه بصفاته الحسنى، فيأتي تعظيمه للّه على إثم كذبه و يمينه، فيؤخّر عنه البلاء.
و لكن [دعني] احلّفه باليمين الّتي حدّثني [بها] أبي، عن جدّي، [عن] رسول اللّه: أنّه لا يحلّف بها حالف إلّا باء بإثمه. فقال المنصور: فحلّفه إذا يا جعفر.
____________
(1) 1/ 362 ح 45، عنه البحار: 47/ 187 ح 35. تقدّم ص 434 ح 7 (مثله).
437
10- غوالي اللئالي: قال الصادق (عليه السلام):
طلب المنصور علماء المدينة، فلمّا وصلنا إليه خرج إلينا الربيع الحاجب، فقال:
ليدخل على أمير المؤمنين منكم اثنان. فدخلت أنا و عبد اللّه بن الحسن؛
فلمّا جلسنا عنده، قال: أنت الّذي تعلم الغيب؟ فقلت: لا يعلم الغيب إلّا اللّه.
فقال: أنت الّذي يجبى إليك الخراج؟ فقلت: بل الخراج يجبى إليك.
فقال: أ تدري لم دعوتكم؟ فقلت: لا.
فقال: إنّما دعوتكم لاخرّب رباعكم، و أوغر (1) قلوبكم، و أنزلكم بالسراة (2)، فلا أدع أحدا من أهل الشام و الحجاز يأتون إليكم، فإنّهم لكم مفسدة.
فقلت: إنّ أيّوب ابتلي فصبر، و إنّ يوسف ظلم فغفر، و إنّ سليمان اعطي فشكر؛
و أنت من نسل اولئك القوم. فسرّي (3) عنه، ثمّ قال:
حدّثني الحديث الّذي حدّثتني به منذ أوقات عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).
قلت: حدّثني أبي، عن جدّي، عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه قال:
«الرحم حبل ممدود من الأرض إلى السماء، يقول:
من قطعني قطعه اللّه، و من وصلني وصله اللّه». فقال: لست أعني هذا.
فقلت: حدّثني أبي، عن جدّي، عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) [أنّه قال:] «قال اللّه تعالى:
أنا الرحمن، خلقت الرحم و شققت لها اسما من أسمائي، فمن وصلها وصلته، و من قطعها قطعته». قال: لست أعني ذلك.
فقلت: حدّثني أبي، عن جدّي، عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه قال:
«إنّ ملكا من ملوك بني إسرائيل كان قد بقي من عمره ثلاث سنين، و وصل رحمه، فجعلها اللّه ثلاثين سنة، [و إنّ ملكا من ملوك بني إسرائيل كان قد بقي من عمره ثلاثون سنة، فقطع رحمه، فجعله اللّه ثلاث سنين]».
____________
(1) «الوغر: الحقد، الضغن، و العداوة، و التوقّد من الغيظ، و أوغر صدره أدخلها فيه» منه ره.
(2) «سراة الطريق: ظهره، و معظمه، أي أجعلكم فقراء تجلسون على الطريق للسؤال.
(3) سرّي عنه، على بناء التفعيل مجهولا: أي كشف عنه الحزن و الغضب» منه ره.
439
فقال الصادق (عليه السلام) للرجل: قل: إن كنت كاذبا عليك فقد برئت من حول اللّه و قوّته و لجأت إلى حولي و قوّتي. فقالها الرجل؛
فقال الصادق (عليه السلام): اللهمّ إن [كان] كاذبا فأمته. فما استتمّ [كلامه] حتّى سقط الرجل ميّتا، و احتمل، و مضي به، و سري عن المنصور (1) و سأله (2) عن حوائجه.
فقال (عليه السلام): ليس لي حاجة إلّا إلى اللّه، و الإسراع إلى أهلي، فإنّ قلوبهم بي متعلّقة.
فقال [المنصور]: ذلك إليك، فافعل [منه] ما بدا لك.
فخرج من عنده مكرّما، قد تحيّر فيه المنصور [و من يليه]
فقال قوم: [ما ذا؟] رجل فاجأه الموت [ما أكثر ما يكون هذا!] و جعل الناس يصيرون إلى ذلك الميّت و ينظرون إليه، فلمّا استوى على سريره، جعل الناس يخوضون [في أمره]: فمن ذامّ له و حامد، إذ قعد على سريره، و كشف عن وجهه، و قال:
يا أيّها الناس! إنّي لقيت ربّي [بعدكم]، فلقّاني السخط و اللعنة، و اشتدّ غضب زبانيته عليّ، للّذي كان منّي إلى جعفر بن محمّد الصّادق (عليه السلام)، فاتّقوا اللّه، و لا تهلكوا فيه كما هلكت، ثمّ أعاد كفنه على وجهه، و عاد في موته، فرأوه لا حراك فيه و هو ميّت، فدفنوه [و بقوا حائرين في ذلك]. (3)
12- طبّ الأئمّة: الأشعث بن عبد اللّه، عن محمّد بن عيسى، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) عن موسى بن جعفر (عليه السلام) قال:
لمّا طلب أبو الدوانيق أبا عبد اللّه (عليه السلام) و همّ بقتله، أخذه صاحب المدينة و وجّه به إليه، و كان أبو الدوانيق استعجله، و استبطأ قدومه حرصا منه على قتله.
فلمّا مثل بين يديه، ضحك في وجهه، ثمّ رحّب به، و أجلسه عنده، و قال:
يا ابن رسول اللّه! و اللّه لقد وجّهت إليك و أنا عازم على قتلك، و لقد نظرت فالقي إليّ
____________
(1) أي زال عنه ما كان يجد من الغضب، أو الهمّ.
(2) «و مضى و أقبل المنصور على الصادق (عليه السلام) فسأله» ع، ب.
(3) 2/ 763 ح 84، عنه الوسائل: 16/ 167 ح 3، و البحار: 47/ 172 ح 19.
و أورد نحوه في إرشاد المفيد: 305 مرسلا.
440
محبّة لك، فو اللّه ما أجد أحدا من أهل بيتي أعزّ [عليّ] منك، و لا آثر (1) عندي؛ و لكن يا أبا عبد اللّه! ما كلام يبلغني عنك تهجنا (2) فيه، و تذكرنا بسوء؟
فقال: يا أمير المؤمنين! ما ذكرتك قطّ بسوء.
فتبسّم أيضا، و قال: و اللّه، أنت أصدق عندي من جميع من سعى بك إليّ.
هذا مجلسي بين يديك و خاتمي، فانبسط و لا تخشني في جليل أمرك و صغيره؛ فلست أردّك عن شيء. ثمّ أمره بالانصراف و حباه (3) و أعطاه، فأبى أن يقبل شيئا، و قال:
يا أمير المؤمنين! أنا في غناء و كفاية و خير كثير، فإذا هممت ببرّي فعليك بالمتخلّفين من أهل بيتي، فارفع عنهم القتل.
قال: قد قبلت يا أبا عبد اللّه! و قد أمرت بمائة ألف درهم، ففرّق بينهم.
فقال: وصلت الرحم يا أمير المؤمنين!
فلمّا خرج من عنده، مشى بين يديه مشايخ قريش و شبّانهم من كلّ قبيلة، و معه عين أبي الدوانيق، فقال له: يا ابن رسول اللّه! لقد نظرت نظرا شافيا حين دخلت على أمير المؤمنين فما أنكرت منك شيئا، غير أنّي نظرت إلى شفتيك و قد حرّكتهما بشيء، فما كان ذلك؟
قال: إنّي لمّا نظرت إليه، قلت:
«يا من لا يضام و لا يرام (4)، و به تواصل الأرحام، صلّ على محمّد و آله، و اكفني شرّه بحولك و قوّتك» و اللّه ما زدت على ما سمعت.
قال: فرجع العين إلى أبي الدوانيق فأخبره بقوله، فقال:
و اللّه ما استتمّ ما قال، حتّى ذهب ما كان في صدري من غائلة و شرّ. (5)
____________
(1) آثره: أكرمه. اختاره و فضّله.
(2) هجا يهجو: عدّد معايبه و شتمه.
(3) حبوت الرجل حباء، بالكسر و المدّ: أعطيته الشيء بغير عوض.
(4) لا يضام: لا يقهر. و لا يرام: لا يطلب و لا يوصل.
(5) 120، عنه البحار: 47/ 173 ح 20، و ج 95/ 220 ح 16، و إثبات الهداة: 5/ 439 ح 198، و مستدرك الوسائل: 13/ 173 ح 1، و مدينة المعاجز: 364 ح 27.
441
13- عيون أخبار الرضا (عليه السلام): أحمد بن محمّد بن الصقر، و عليّ بن محمّد بن مهرويه معا، عن عبد الرحمن بن أبي حاتم، عن أبيه، عن الحسن بن الفضل، عن الرضا، عن أبيه (صلوات اللّه عليهما) قال:
أرسل أبو جعفر الدوانيقي إلى جعفر بن محمّد (عليهما السلام) ليقتله، و طرح له سيفا و نطعا (1) و قال للربيع: إذا أنا كلّمته، ثمّ ضربت بإحدى يديّ على الاخرى، فاضرب عنقه.
فلمّا دخل جعفر بن محمّد (عليهما السلام) و نظر إليه من بعيد يحرّك شفتيه و أبو جعفر على فراشه، و قال: مرحبا و أهلا بك يا أبا عبد اللّه، ما أرسلنا إليك إلّا رجاء أن نقضي دينك، و نقضي ذمامك (2)، ثمّ سأله مسألة لطيفة عن أهل بيته، و قال: قد قضى اللّه حاجتك و دينك، و أخرج جائزتك، يا ربيع! لا تمضينّ ثالثة حتّى يرجع جعفر إلى أهله.
فلمّا خرج، قال له الربيع: يا أبا عبد اللّه أ رأيت السيف؟! إنّما كان وضع لك و النطع، فأيّ شيء رأيتك تحرّك به شفتيك؟
قال جعفر بن محمّد (عليهما السلام): نعم يا ربيع، لمّا رأيت الشرّ في وجهه، قلت:
«حسبي الربّ من المربوبين، و حسبي الخالق من المخلوقين، و حسبي الرازق من المرزوقين، و حسبي اللّه ربّ العالمين، حسبي من هو حسبي، حسبي من لم يزل حسبي، حسبي اللّه لا إله إلّا هو، عليه توكّلت، و هو ربّ العرش العظيم». (3)
____________
(1) النطع: بساط من الجلد يفرش تحت المحكوم عليه بالعذاب أو بقطع الرأس.
(2) الذمّة و الذمام: هما بمعنى العهد الأمان و الضمان، و الحرمة، و الحقّ، و سمّي أهل الذمّة لدخولهم في عهد المسلمين، و أمانهم. نهاية الجزري: 2/ 168.
(3) 1/ 304 ح 64، عنه البحار: 47/ 162 ح 2، و إثبات الهداة: 5/ 361 ح 46، و مدينة المعاجز:
367 ح 34 و أخرجه في ملحقات إحقاق الحقّ: 12/ 246 عن مقتل الحسين للخوارزمي: 2/ 113 باسناده إلى موسى بن جعفر (عليهما السلام) (مثله)، و أضاف:
و في رواية اخرى أنّ الربيع قال للدوانيقي: ما بدا لك يا أمير المؤمنين حيث انبسطت إلى جعفر بن محمّد بعد ما أضمرت له ما أضمرت؟! قال و اللّه: لقد رأيت قدّامه أسدين فاغرين فمويهما؛
فلو هممت به سوء لابتلعاني، فلذلك تضرّعت له و فعلت ما فعلت.
442
7- باب استدعاء المنصور الصادق (عليه السلام) مرّة سابعة
الأخبار، الأصحاب:
1- مهج الدعوات: و من ذلك دعاء الصادق (عليه السلام) لمّا استدعاه المنصور مرّة سابعة [...] قال: روي عن محمّد بن عبد اللّه الإسكندري أنّه قال: كنت من جملة ندماء أمير المؤمنين المنصور أبي جعفر و خواصّه، و كنت صاحب سرّه من بين الجميع؛
فدخلت عليه يوما، فرأيته مغتمّا و هو يتنفّس نفسا باردا؛ فقلت: ما هذه الفكرة يا أمير المؤمنين؟! فقال لي: يا محمّد! لقد هلك من أولاد فاطمة (عليهما السلام) مقدار مائة [أو يزيدون] و قد بقي سيّدهم و إمامهم.
فقلت له: من ذلك؟ قال: جعفر بن محمّد الصادق. فقلت له:
يا أمير المؤمنين! إنّه رجل أنحلته العبادة، و اشتغل باللّه عن طلب الملك و الخلافة.
فقال: يا محمّد! و قد علمت أنّك تقول به و بإمامته، و لكنّ الملك عقيم، و لقد آليت على نفسي أن لا امسي عشيّتي هذه، أو أفرغ منه.
قال محمّد: و اللّه لقد ضاقت عليّ الأرض برحبها.
ثمّ دعا سيّافا، و قال له: إذا أنا أحضرت أبا عبد اللّه الصادق و شغلته بالحديث، و وضعت قلنسوتي عن رأسي فهي العلامة بيني و بينك، فاضرب عنقه.
ثمّ أحضر أبا عبد اللّه (عليه السلام) في تلك الساعة، و لحقته في الدار و هو يحرّك شفتيه، فلم أدر ما [هو] الّذي قرأ، فرأيت القصر يموج كأنّه سفينة في لجج البحار، فرأيت أبا جعفر المنصور و هو يمشي بين يديه حافي القدمين، مكشوف الرأس، قد اصطكّت أسنانه، و ارتعدت فرائصه، يحمرّ ساعة، و يصفرّ [اخرى] و أخذ بعضدي أبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام) و أجلسه على سرير ملكه، و جثى بين يديه، كما يجثو العبد بين يدي مولاه، ثمّ قال [له]: يا ابن رسول اللّه ما الّذي جاء بك في هذه الساعة؟! قال:
جئتك يا أمير المؤمنين طاعة للّه عزّ و جلّ، و لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و لأمير المؤمنين أدام اللّه عزّه قال: ما دعوتك، و الغلط من الرسول، ثمّ قال: سل حاجتك.
فقال: أسألك أن لا تدعوني لغير شغل. قال: لك ذلك و غير ذلك.
443
ثمّ انصرف أبو عبد اللّه (عليه السلام) سريعا، و حمدت اللّه عزّ و جلّ كثيرا.
و دعا أبو جعفر المنصور بالدواويج (1) و نام، و لم ينتبه إلّا في نصف الليل، فلمّا انتبه كنت عند رأسه جالسا، فسرّه ذلك و قال لي: لا تخرج حتّى أقضي ما فاتني من صلاتي فاحدّثك بحديث، فلمّا قضى صلاته، أقبل عليّ و قال لي:
لمّا أحضرت أبا عبد اللّه الصادق، و هممت به ما هممت من السوء، رأيت تنّينا (2) قد حوى بذنبه جميع داري و قصري، و قد وضع شفتيه العليا في أعلاها، و السفلي في أسفلها؛
و هو يكلّمني بلسان طلق ذلق عربيّ مبين:
يا منصور إنّ اللّه تعالى جدّه (3) قد بعثني إليك، و أمرني إن أنت أحدثت في أبي عبد اللّه الصادق حدثا فأنا أبتلعك و من في دارك جميعا، فطاش عقلي (4)، و ارتعدت فرائصي، و اصطكّت أسناني.
قال محمّد بن عبد اللّه الإسكندري: فقلت له:
ليس هذا بعجيب يا أمير المؤمنين! [فإنّ أبا عبد اللّه وارث علم النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و جدّه أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام)] و عنده من الأسماء و سائر الدعوات الّتي لو قرأها على الليل لأنار، و لو قرأها على النهار لأظلم، و لو قرأها على الأمواج في البحور لسكنت.
قال محمّد: فقلت له بعد أيّام: أ تأذن لي يا أمير المؤمنين أن أخرج إلى زيارة أبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام)؟ فأجاب و لم يأب، فدخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) و سلّمت، و قلت له:
أسألك يا مولاي! بحقّ جدّك محمّد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أن تعلّمني الدعاء الّذي كنت تقرأه عند دخولك على أبي جعفر المنصور. قال: لك ذلك.
و منه: عليّ بن عبد الصمد، عن عمّ والده محمّد بن عليّ بن عبد الصمد، عن جعفر بن محمّد الدوريستي، عن والده، عن الصدوق؛
قال: و حدّثني الشيخ جدّي، عن والده عليّ بن عبد الصمد، عن محمّد بن إبراهيم بن
____________
(1) «الدوّاج، كرمّان، و غراب: اللحاف الّذي يلبس، ذكره الفيروزآبادي، منه ره. و قال في لسان العرب: 2/ 277: الدوّاج: ضرب من الثياب؛ قال ابن دريد: لا أحسبه عربيّا صحيحا، و لم يفسّره.
(2) التنّين: الحيّة العظيمة.
(3) أي جلاله و عظمته و سلطانه.
(4) طاش عقلي: ذهب.
444
نبال، عن الصدوق، عن أبيه، عن شيوخه، عن محمّد بن عبد اللّه الإسكندري (مثله). (1)
الكتب:
2- المناقب لابن شهرآشوب: قال الربيع الحاجب:
أخبرت الصادق (عليه السلام) بقول المنصور: لأقتلنّك و لأقتلنّ أهلك حتّى لا ابقي على الأرض منكم قامة سوط، و لاخرّبنّ المدينة حتّى لا أترك فيها جدارا قائما.
فقال: لا ترع من كلامه، و دعه في طغيانه.
فلمّا صار بين السترين، سمعت المنصور يقول: أدخلوه إليّ سريعا. فأدخلته عليه؛
فقال: مرحبا بابن العمّ النسيب، و بالسيّد القريب.
ثمّ أخذ بيده، و أجلسه على سريره، و أقبل عليه، ثمّ قال: أ تدري لم بعثت إليك؟
فقال: و أنّي لي علم بالغيب؟!
فقال: أرسلت إليك لتفرّق هذه الدنانير في أهلك، و هي عشرة آلاف دينار.
فقال: ولّها غيري.
فقال: أقسمت عليك يا أبا عبد اللّه! لتفرّقها على فقراء أهلك.
ثمّ عانقه بيده و أجازه، و خلع عليه، و قال لي: يا ربيع! أصحبه قوما يردّونه إلى المدينة.
قال: فلمّا خرج أبو عبد اللّه (عليه السلام) قلت له:
يا أمير المؤمنين! لقد كنت من أشدّ الناس عليه غيظا، فما الّذي أرضاك عنه؟!
قال: يا ربيع! لمّا حضرت الباب رأيت تنّينا عظيما يقرض (2) بأنيابه، و هو يقول- بألسنة الآدميّين-: إن أنت أشكت (3) ابن رسول اللّه لأفصلنّ لحمك من عظمك.
____________
(1) 201، 18 عنه البحار: 47/ 201 ح 42، و اثبات الهداة: 5/ 446 ح 215.
و أورده في عيون المعجزات: 89 عن الاسقنطري، و في «الثاقب في المناقب»: 208 ح 13 عن محمّد بن الاسقنطوري. و أخرجه في مدينة المعاجز: 361 ح 21 عن عيون المعجزات. «علّمه (عليه السلام) الدعاء على ما سيأتي في موضعه إن شاء اللّه تعالى [في المجلّد الخاصّ بالدعاء]» منه ره.
(2) «القرض، بالمعجمة و المهملة: القطع، و القبض» منه ره.
(3) «أشكت: أي أدخلت الشوكة في جسمه، مبالغة في تعميم أنواع الضرر» منه ره.
445
فأفزعني ذلك، و فعلت به ما رأيت. (1)
8- باب آخر في أمر المنصور بقتل الصادق (عليه السلام) مرّة ثامنة في الحيرة، و ما ظهر من معجزته (عليه السلام)
الأخبار، الأصحاب:
1- مهج الدعوات: رأيت بخطّ عبد السلام البصري بمدينة السلام [في شهور سنة ثلاث و ستّمائة في كتاب قد كتب على أوّل الصفحة منه ما هذا صورته:
أخبار و إنشادات رواية أبي الحسن محمّد بن يوسف بن موسى الناقط، سماع عبد السلام بن الحسين و متّع به] أخبرنا أبو غالب أحمد بن محمّد [بن محمّد] الزراري (2)، عن جدّه محمّد بن سليمان (2)، عن ابن أبي الخطّاب، عن ابن سنان، عن ابن مسكان، و أبي سعيد المكاري، و غير واحد، عن عبد الأعلى بن أعين، عن رزّام بن مسلم مولى خالد (3) قال:
بعثني أبو الدوانيق أنا و نفرا معي إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) و هو بالحيرة لنقتله؛
فدخلنا عليه في رواقه (4) ليلا فنلنا منه حاجتنا، و من ابنه إسماعيل؛
ثمّ رجعنا إلى أبي الدوانيق، فقلنا له: قد فرغنا ممّا أمرتنا به.
فلمّا أصبحنا من الغد، وجدنا في رواقه ناقتين منحورتين.
قال أبو الحسن محمّد بن يوسف:
____________
(1) 3/ 357، عنه البحار: 47/ 178 ح 25، و مدينة المعاجز: 361 ح 20.
و أورده في فصل الخطاب: 381، 335 مرسلا نحوه، عنه ملحقات إحقاق الحقّ: 12/ 249.
(2) قال النجاشي: أحمد بن محمّد بن محمّد بن سليمان بن الحسن بن الجهم بن بكير بن أعين بن سنسن، أبو غالب الزراري؛ ففي المصدر، و «ب»، و سير أعلام النبلاء: 16/ 289، الرازي؛ و في نسخة «ع» عن سليمان بدل (بن سليمان) تصحيفان.
(3) كذا، و هو غير رزّام بن مسلم مولى خالد بن عبد اللّه القسري الّذي عدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق (عليه السلام) و الآتي ذكره في ص 448 ح 1، و ص 461 ح 3، و المترجم له في معجم رجال الحديث: 7/ 184.
(4) الرواق: بالكسر: شيء كالفسطاط، و رواق البيت: ما بين يديه.
446
إنّ جعفر بن محمّد حال اللّه بينهم و بينه. (1).
9- باب إرسال المنصور القائد إلى المدينة لقتل الصادق و ابنه موسى (عليهما السلام) مرّة تاسعة
الأخبار، الأصحاب:
1- مهج الدعوات: و من ذلك ما احتجب به الصادق (عليه السلام) جعفر بن محمّد (صلوات اللّه عليهما) لمّا بعث المنصور إليه إلى المدينة ليقتله، و هي المرّة التاسعة:
رويناها من كتاب الخصائص للحافظ أبي الفتح محمّد بن أحمد بن عليّ النطنزي (2)، عن عبد الواحد بن عليّ، عن أحمد بن إبراهيم، عن منصور بن أحمد (3) الصيرفيّ، عن إسحاق بن عبد الربّ بن المفضّل، عن عبد اللّه بن عبد الحميد، عن محمّد بن مهران الأصفهاني، عن خلّاد بن يحيى، عن قيس بن الربيع، عن أبيه، قال:
دعاني المنصور يوما، فقال: أ ما ترى ما هو هذا يبلغني عن هذا الحبشي؟
قلت: و من هو يا سيّدي؟ قال: جعفر بن محمّد، و اللّه لأستأصلنّ شأفته (4).
ثمّ دعا بقائد من قوّاده، فقال: انطلق إلى المدينة في ألف رجل، فاهجم على جعفر بن محمّد، و خذ رأسه، و رأس ابنه موسى بن جعفر في مسيرك.
فخرج القائد من ساعته حتّى قدم المدينة، و اخبر جعفر بن محمّد.
فأمر فاتي بناقتين، فأوثقهما على باب البيت، و دعا بأولاده موسى، و إسماعيل،
____________
(1) 212، عنه البحار: 47/ 204 ح 45.
و روى في دلائل الإمامة: 119 (نحوه) بإسناده إلى مرازم، عنه مدينة المعاجز: 392 ح 116.
«قد مرّ (مثله) عن الخرائج و الجرائح [ص 357 ح 1] في أبواب معجزاته (عليه السلام)» منه ره.
(2) ذكره في الذريعة إلى تصانيف الشيعة: 7/ 170- 173 مفصّلا.
(3) «منصور بن محمّد بن جعفر» م، و لم نقف على حاله.
(4) «قال الجوهري: الشأفة: قرحة تخرج في أسفل القدم، فتكوى فتذهب، و إذا قطعت مات صاحبها، و استأصل اللّه شأفته: أذهبه، كما تذهب تلك القرحة، أو معناه أزاله من أصله» منه ره.
447
و محمّد و عبد اللّه، فجمعهم و قعد في المحراب، و جعل يهمهم (1).
قال أبو نصر (2):
فحدّثني سيّدي موسى بن جعفر (عليهما السلام) أنّ القائد هجم عليه، فرأيت أبي و قد همهم بالدعاء، فأقبل القائد و كلّ من كان معه، قال: خذوا رأسي هذين القائمين، فاجتزّوا رأسهما. ففعلوا و انطلقوا إلى المنصور، فلمّا دخلوا عليه اطّلع المنصور في المخلاة (3) الّتي كان فيها الرأسان، فإذا هما رأسا ناقتين.
فقال المنصور: أيّ شيء هذا؟ قال: يا سيّدي! ما كان بأسرع من أن دخلت البيت الّذي فيه جعفر بن محمّد، فدار رأسي و لم أنظر ما بين يدي، فرأيت شخصين قائمين خيّل إليّ أنّهما جعفر و موسى ابنه، فأخذت رأسيهما.
فقال المنصور: اكتم عليّ. فما حدّثت به أحدا حتّى مات.
قال الربيع: فسألت موسى بن جعفر (عليه السلام) عن الدعاء؛
فقال: سألت أبي عن الدعاء، فقال: هو دعاء الحجاب (و ذكر الدعاء). (4)
____________
(1) الهمهمة: كلام خفي لا يفهم.
(2) أقول: فبما أنّ سند الحديث ليس فيه أبو نصر و لا أبو بصير، فمن هذا منقطع عن سابقه؟
(3) المخلاة: ما يجعل فيه الخلى- و هو العشب الرطب و العلف- و يعلّق في عنق الدابّة.
(4) 213، عنه البحار: 47/ 204 ح 46.
448
14- أبواب اخرى في بعض معجزاته، الّتي ظهرت عند المنصور، زائدا على ما مرّ في الأبواب السابقة
1- باب معجزته (عليه السلام) في عدم رؤيته
الأخبار، الأصحاب:
1- كشف الغمّة: من كتاب الدلائل للحميري، عن رزّام بن مسلم مولى خالد بن عبد اللّه القسري، قال: إنّ المنصور قال لحاجبه:
إذا دخل عليّ جعفر بن محمّد فاقتله، قبل أن يصل إليّ.
فدخل أبو عبد اللّه (عليه السلام) فجلس، فأرسل إلى الحاجب فدعاه، فنظر إليه و جعفر قاعد [عنده]، قال: ثمّ قال [له]: عد إلى مكانك. قال: و أقبل يضرب يده على يده؛
فلمّا قام أبو عبد اللّه (عليه السلام) و خرج دعا حاجبه، فقال: بأيّ شيء أمرتك؟
قال: لا و اللّه ما رأيته حين دخل، و لا حين خرج، و لا رأيته إلّا و هو قاعد عندك. (1)
2- باب آخر: [في عدم رؤيته (عليه السلام) أيضا]
الأخبار، الأصحاب:
1- منتخب البصائر، و بصائر الدرجات: أحمد بن محمّد، عن الحسن بن عليّ، عن عليّ بن ميسّر، قال: لمّا قدم أبو عبد اللّه (عليه السلام) على أبي جعفر، أقام أبو جعفر مولى له على رأسه، و قال له: إذا دخل عليّ فاضرب عنقه. فلمّا دخل أبو عبد اللّه (عليه السلام) نظر إلى أبي جعفر، و أسرّ شيئا بينه و بين نفسه لا يدرى ما هو، ثمّ أظهر:
«يا من يكفي خلقه كلّهم، و لا يكفيه أحد، اكفني شرّ عبد اللّه بن [محمّد بن] عليّ»
فصار أبو جعفر لا يبصر مولاه، و [صار مولاه] لا يبصره.
قال: فقال أبو جعفر: يا جعفر بن محمّد! لقد أتعبتك في هذا الحرّ، فانصرف.
____________
(1) 2/ 191 عنه البحار: 47/ 183 ح 29، و إثبات الهداة: 5/ 431 ح 180؛
و أورده في الخرائج و الجرائح: 2/ 619 ح 18 مرسلا (مثله).
449
فخرج أبو عبد اللّه (عليه السلام) من عنده، فقال أبو جعفر لمولاه: ما منعك أن تفعل ما أمرتك به؟!
[قال:] فقال: لا و اللّه ما أبصرته، و لقد جاء شيء حال بيني و بينه.
فقال أبو جعفر: و اللّه لئن حدّثت بهذا الحديث لأقتلنّك.
الخرائج و الجرائح: عن عليّ بن ميسّرة (مثله). (1)
3- باب آخر [في معجزته (عليه السلام) مع سيّاف المنصور]
الأخبار، الأصحاب:
1- الخرائج و الجرائح: روي أنّ أبا خديجة روى عن رجل من كندة، و كان سيّاف بني العبّاس، قال: لمّا جاء أبو الدوانيق بأبي عبد اللّه و إسماعيل، أمر بقتلهما، و هما محبوسان في بيت، فأتى عليه اللعنة [إلى] أبي عبد اللّه (عليه السلام) ليلا، فأخرجه و ضربه بسيفه حتّى قتله؛
ثمّ أخذ إسماعيل ليقتله، فقاتله ساعة ثمّ قتله، ثمّ جاء إليه فقال: ما صنعت؟
قال: لقد قتلتهما و أرحتك منهما.
فلمّا أصبح إذا أبو عبد اللّه (عليه السلام) و إسماعيل جالسان، فاستأذنا، فقال أبو الدوانيق للرجل: أ لست زعمت أنّك قتلتهما؟ قال: بلى، لقد عرفتهما كما أعرفك.
قال: فاذهب إلى الموضع الّذي قتلتهما فيه [فانظر] فجاء فإذا بجزورين منحورين، قال: فبهت و رجع [فأخبره]، فنكّس رأسه [و عرّفه ما رأى]
فقال: لا يسمعنّ منك هذا أحد، فكان كقوله تعالى في عيسى [ابن مريم]:
وَ ما قَتَلُوهُ وَ ما صَلَبُوهُ وَ لكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ. (2)
____________
(1) تقدّم الحديث ببياناته و تخريجاته ص 320 ح 2.
(2) تقدّم الحديث ببياناته و تخريجاته ص 357 ح 1.
451
المعبود و ترجمانه، و عيبة علمه، و ميزان قسطه، و مصباحه الّذي يقطع به الطالب عرض الظلمة إلى ضياء النور.
و أنّ اللّه لا يقبل من عامل جهل جدّك (1) في الدنيا عملا، و لا يرفع له يوم القيامة وزنا؛
فنسبوك إلى غير جدّك، و قالوا فيك ما ليس فيك، فقل، فإنّ [أوّل] من قال الحقّ جدّك، و أوّل من صدّقه عليه أبوك، و أنت حريّ أن تقتصّ آثارهما، و تسلك سبيلهما.
فقال الصادق (عليه السلام): أنا فرع من فروع (2) الزيتونة، و قنديل من قناديل بيت النبوّة؛
و أديب السفرة، و ربيب الكرام البررة (3)، و مصباح من مصابيح المشكاة (4) الّتي فيها نور النور، و صفوة الكلمة الباقية في عقب المصطفين إلى يوم الحشر.
فالتفت المنصور إلى جلسائه، فقال: هذا قد أحالني على بحر موّاج لا يدرك طرفه، و لا يبلغ عمقه، تحار فيه العلماء، و يغرق فيه السبحاء، و يضيق بالسابح عرض الفضاء؛
هذا الشجا (5) المعترض في حلوق الخلفاء، الّذي لا يجوز نفيه، و لا يحلّ قتله؛
و لو لا ما يجمعني و إيّاه شجرة طاب أصلها، و سبق فرعها، و عذب ثمرها، و بوركت في الذرّ، و قدّست في الزبر، لكان منّي إليه ما لا يحمد في العواقب، لما يبلغني عنه من شدّة عيبه لنا، و سوء القول فينا.
فقال الصادق (عليه السلام): لا تقبل في ذي رحمك و أهل الرعاية من أهل بيتك، قول من حرّم اللّه عليه الجنّة، و جعل مأواه النار، فإنّ النمّام شاهد زور، و شريك إبليس في الإغراء بين الناس، فقد قال اللّه تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (6).
____________
(1) «حدّك»، ع، ب و كذا ما بعدها.
(2) «فرع» ع، ب. «الفرع- بضمّتين-: جمع فرع» منه ره. إشارة إلى آية النور: شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ.
(3) «السفرة: الملائكة» منه ره.
(4) إشارة إلى قوله تعالى في سورة النور: 35 اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ ....
(5) «الشجا: ما اعترض في الحلق من عظم و نحوه» منه ره.
(6) الحجرات: 6.
450
15- أبواب ما جرى بينه (عليه السلام) و بين المنصور في العلم و غيره
1- باب ما جرى بينه (عليه السلام) و بين المنصور في فضائل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) و غيره
الأخبار، الأصحاب:
1- أمالي الصدوق: ابن البرقي، عن أبيه، عن جدّه، عن جعفر بن عبد اللّه النماونجي (1)، عن عبد الجبّار بن محمّد، عن داود الشعيري، عن الربيع صاحب المنصور، قال: بعث المنصور إلى الصادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام) يستقدمه لشيء بلغه عنه، فلمّا وافى بابه خرج إليه الحاجب، فقال: اعيذك باللّه من سطوة هذا الجبّار، فإنّي رأيت حرده (2) عليك شديدا. فقال الصادق (عليه السلام): عليّ من اللّه جنّة واقية تعينني عليه إن شاء اللّه، استأذن لي عليه.
فاستأذن، فأذن له، فلمّا دخل سلّم، فردّ (عليه السلام)، ثمّ قال له:
يا جعفر! قد علمت أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال لأبيك عليّ بن أبي طالب (عليه السلام):
لو لا أن تقول فيك طوائف من أمّتي ما قالت النصارى في المسيح، لقلت فيك قولا لا تمرّ بملإ إلّا أخذوا من تراب قدميك، يستشفون به.
و قال عليّ (عليه السلام): يهلك فيّ اثنان، و لا ذنب لي، محبّ غال، و مبغض و مفرط.
قال: قال ذلك، اعتذارا منه أنّه لا يرضى بما يقول فيه الغالي و المفرّط.
و لعمري إنّ عيسى بن مريم (عليه السلام) لو سكت عمّا قالت فيه النصارى لعذّبه اللّه، و لقد تعلم ما يقال فيك من الزور و البهتان، و إمساكك عن ذلك، و رضاك به سخط الديّان؛
زعم أوغاد (3) الحجاز، و رعاع (3) الناس: أنّك حبر (3) الدهر، و ناموسه (3)، و حجّة
____________
(1) «الناونجي» خ. و في البحار ج 18 «أحمد» بدل «جعفر».
(2) «الحرد: الغضب» منه ره. و في م «حقده».
(3) «الوغد: الأحمق الضعيف، الرذل الدنيّ، و خادم القوم، و الجمع أوغاد».
«الرعاع، بالفتح: الاحداث الطغام». «الحبر، بالكسر و يفتح: العالم بتحبير الكلام و العلم و تحسينه». «الناموس: العالم بالسرّ و صاحب الوحي» منه ره.
452
و نحن لك أنصار و أعوان، و لملكك دعائم و أركان ما أمرت بالعرف و الإحسان، و أمضيت في الرعيّة أحكام القرآن، و أرغمت بطاعتك اللّه أنف الشيطان.
و إن كان يجب عليك في سعة فهمك، و كثرة علمك، و معرفتك بآداب اللّه أن تصل من قطعك، و تعطي من حرمك، و تعفو عمّن ظلمك؛
فإنّ المكافي ليس بالواصل، إنّما الواصل من إذا قطعه رحمه وصلها؛
فصل رحمك، يزد اللّه في عمرك، و يخفّف عنك الحساب يوم حشرك.
فقال المنصور: قد صفحت عنك لقدرك، و تجاوزت عنك لصدقك؛
فحدّثني عن نفسك بحديث أتّعظ به، و يكون لي زاجر صدق عن الموبقات.
فقال الصادق (عليه السلام): عليك بالحلم، فإنّه ركن العلم، و املك نفسك عند أسباب القدرة، فإنّك إن تفعل ما تقدر عليه، كنت كمن شفى غيضا، أو تداوى حقدا، أو يحبّ أن يذكر بالصولة، و اعلم بأنّك إن عاقبت مستحقّا لم تكن غاية ما توصف به إلّا العدل [و لا أعرف حالا أفضل من حال العدل] و الحال الّتي توجب الشكر أفضل من الحال الّتي توجب الصبر.
فقال المنصور: وعظت فأحسنت، و قلت فأوجزت؛
فحدّثني عن فضل جدّك عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) حديثا لم تأثره العامّة.
فقال الصادق (عليه السلام): حدّثني أبي، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال: رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):
لمّا اسري بي إلى السماء عهد إليّ ربّي جلّ جلاله في عليّ (عليه السلام) ثلاث كلمات، فقال: يا محمّد! فقلت: لبّيك ربّي و سعديك. فقال عزّ و جلّ: إنّ عليّا إمام المتّقين، و قائد الغرّ المحجّلين (1)، و يعسوب (2) المؤمنين، فبشّره بذلك.
فبشّره النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فخرّ عليّ (عليه السلام) ساجدا شكرا للّه عزّ و جلّ، ثمّ رفع رأسه، فقال:
____________
(1) مجمع البحرين: «حجل»: في حديث عليّ (عليه السلام): «قائد الغرّ المحجّلين» أي مواضع الوضوء من الأيدي و الأقدام، إذا دعوا على رءوس الأشهاد، أو إلى الجنّة كانوا على هذا النهج. استعار أثر الوضوء في الوجه و اليدين و الرجلين للإنسان، من البياض الّذي يكون في وجه الفرس و يديه و رجليه.
(2) اليعسوب: السيّد و الرئيس و المقدّم، و أصله ذكر النحل و أميرها.
453
يا رسول اللّه! بلغ من قدري حتّى أنّي اذكر هناك؟
قال: نعم، و [إنّ] اللّه يعرفك، و إنّك لتذكر في الرفيق الأعلى.
فقال المنصور: ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء.
كتاب الاستدراك (1): بإسناده عن الحسين بن محمّد بن عامر، بإسناده (مثله). (2).
2- باب فيما جرى بينه (عليه السلام) و بين المنصور في إخباره (عليه السلام) بالهواء
الأخبار، الأصحاب:
1- الخرائج و الجرائح: روي عن صفوان الجمّال، قال: كنت بالحيرة مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) إذ أقبل الربيع، و قال: أجب أمير المؤمنين. فلم يلبث أن عاد؛
قلت: [يا مولاي!] أسرعت الانصراف.
قال: إنّه سألني عن شيء، فاسأل الربيع عنه.
قال صفوان: و كان بيني و بين الربيع لطف، فخرجت إلى الربيع و سألته، فقال:
اخبرك بالعجب، إنّ الأعراب خرجوا يجتنون الكمأة (3) فأصابوا في البرّ خلقا ملقى، فأتوني به، فأدخلته على الخليفة، فلمّا رآه، قال: نحّه، و ادع جعفرا. فدعوته؛
فقال: يا أبا عبد اللّه! أخبرني عن الهواء ما فيه؟ قال: في الهواء موج مكفوف.
قال: ففيه سكّان؟ قال: نعم. قال: و ما سكّانه؟
قال: خلق أبدانهم أبدان الحيتان، و رءوسهم رءوس الطير، و لهم أعرفة كأعرفة
____________
(1) قال العلّامة المجلسي في أوّل البحار: (إنّي لم أظفر بأصل الكتاب، و وجدت أخبارا مأخوذة منه بخطّ الشيخ شمس الدين الجبعي نقلا عن خطّ شيخنا الشهيد)؛
و ذكره المصنّف كذلك في المجلّد الأوّل من هذه الموسوعة.
(2) 489 ح 9، ...، عنهما البحار: 47/ 167 ح 9 و 10.
و أخرج قطعه منه في البحار: 18/ 343 ح 52، و ج 75/ 263 ح 3، و إثبات الهداة: 3/ 417 ح 302 عن الأمالي، و في البحار: 10/ 216 ح 18 عن الاستدراك.
(3) الكمء: نبات يقال له أيضا (شحم الأرض) يوجد في الربيع تحت الأرض، و هو أصل مستدير لا ساق له و لا عرق، لونه يميل إلى الغبرة، جمعها: أكمؤ و كمأة.
454
الديكة، و نغانغ (1) كنغانغ الديكة، و أجنحة كأجنحة الطير، من ألوان أشدّ بياضا من الفضّة المجلوّة.
فقال الخليفة: هلمّ الطشت. فجئت بها، و فيها ذلك الخلق، و إذا هو- و اللّه- كما وصفه جعفر (عليه السلام)، فلمّا نظر إليه جعفر، قال: هذا هو الخلق الذي يسكن الموج المكفوف.
فأذن له بالانصراف، فلمّا خرج، قال [الخليفة]:
ويلك يا ربيع! هذا الشجا المعترض في حلقي، من أعلم الناس.
كشف الغمّة: من دلائل الحميريّ (مثله). (2)
3- باب فيما جرى بينه (عليه السلام) و بين المنصور في الذباب
الأخبار، الأصحاب:
1- علل الشرائع: ما جيلويه، عن عمّه، عن البرقي، عن أبيه، عمّن ذكره، عن الربيع حاجب (3) المنصور، قال: قال المنصور يوما لأبي عبد اللّه (عليه السلام) و قد وقع على المنصور ذباب فذبّه عنه، ثمّ وقع عليه، فذبّه عنه [ثمّ وقع عليه، فذبّه عنه]، فقال:
يا أبا عبد اللّه! لأيّ شيء خلق اللّه عزّ و جلّ الذباب؟ قال: ليذلّ به الجبّارين.
المناقب لابن شهرآشوب: حلية الأولياء، عن أحمد بن المقدام الرازي (مثله). (4)
____________
(1) «قال الفيروزآبادي [في القاموس: 3/ 114] النغنغ: موضع بين اللهاة و شوارب الحنجور، و اللحمة في الحلق عند اللهازم، و الذي يكون فوق عنق البعير إذا اجترّ تحرّك» منه ره.
(2) 2/ 640 ح 47، 2/ 196، عنهما البحار: 47/ 170 ح 14 و 15، و إثبات الهداة: 5/ 414 ح 149، و أورده في إثبات الوصيّة: 183 مرسلا (مثله)، و في عيون المعجزات: 88 نحوه، عنه مدينة المعاجز: 406 ح 183، و أخرجه في البحار: 59/ 338 ح 5 عن الخرائج.
(3) «صاحب» م.
(4) 2/ 496 ح 1، 3/ 375، عنهما البحار: 47/ 166 ح 6، 7. و أورده في كشف الغمّة: 2/ 158.
حلية الأولياء: 3/ 198 عن محمّد بن عمر بن مسلم، عن الحسين بن عصمة، عن أحمد بن عمرو بن المقدام الرازي، عنه ملحقات إحقاق الحقّ: 12/ 275، و عن التذكرة لابن الجوزي: 353، و المختار في مناقب الأخيار: 17، و نور الأبصار للشبلنجيّ: 200، و أخبار الدول و آثار الأول للقرماني: 112، و مطالب السئول لمحمّد بن طلحة الشامي: 82.
455
4- باب آخر في إذن المنصور له (عليه السلام) في إفشاء العلم
الأخبار، الأصحاب:
1- المناقب لابن شهرآشوب: محمّد بن سنان، عن المفضّل بن عمر:
إنّ المنصور قد كان همّ بقتل أبي عبد اللّه (عليه السلام) غير مرّة، فكان إذا بعث إليه و دعاه ليقتله، فإذا نظر إليه هابه و لم يقتله، غير أنّه منع الناس عنه، و منعه من القعود للناس، و استقصى عليه أشدّ الاستقصاء، حتّى أنّه كان يقع لأحدهم مسألة في دينه، في نكاح أو طلاق أو غير ذلك، فلا يكون علم ذلك عندهم، و لا يصلون إليه، فيعتزل الرجل و أهله؛
فشقّ ذلك على شيعته و صعب عليهم، حتّى ألقى اللّه عزّ و جل في روع (1) المنصور أن يسأل الصادق (عليه السلام) ليتحفه (2) بشيء من عنده، لا يكون لأحد مثله، فبعث إليه بمخصرة (3) كانت للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) طولها ذراع، ففرح بها فرحا شديدا، و أمر أن تشقّ له أربعة أرباع، و قسّمها في أربعة مواضع.
ثمّ قال له: ما جزاؤك عندي إلّا أن اطلق لك، و تفشي علمك لشيعتك، و لا أتعرّض لك، و لا لهم، فاقعد غير محتشم، و أفت الناس، و لا تكن في بلد أنا فيه.
ففشى العلم عن الصادق (عليه السلام). (4)
____________
(1) الروع: الذهن و العقل.
(2) التحفة: الهديّة، الشيء الفاخر الثمين. و أصل التحفة: طرفة الفاكهة.
(3) المخصرة: شيء كالسوط، ما يتوكّأ عليه كالعصا.
(4) 3/ 364، عنه البحار: 47/ 180 ضمن ح 27، و مدينة المعاجز: 362 ح 22.
456
16- أبواب سائر ما جرى بينه (عليه السلام) و بين المنصور
1- باب [نصائحه و مواعظه (عليه السلام) للمنصور]
الأخبار، الأصحاب:
1- أمالي الطوسي: جماعة، عن أبي المفضّل، عن إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، عن أبيه، عن عمّه عبد الوهّاب بن محمّد بن إبراهيم، [عن أبيه] قال:
بعث أبو جعفر المنصور إلى أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد (عليهم السلام) و أمر بفرش فطرحت له إلى جانبه، فأجلسه عليها، ثمّ قال: عليّ بمحمّد، عليّ بالمهدي، يقول ذلك مرارا.
فقيل له: الساعة [الساعة] يأتي يا أمير المؤمنين ما يحبسه إلّا أنّه يتبخّر.
فما لبث أن وافى و قد سبقته رائحته، فأقبل المنصور على جعفر (عليه السلام)؛
فقال: يا أبا عبد اللّه! حديث حدّثتنيه في صلة الرحم، اذكره يسمعه المهدي.
قال: نعم، حدّثني أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):
إنّ الرجل ليصل رحمه و قد بقي من عمره ثلاث سنين، فيصيّرها اللّه عزّ و جلّ ثلاثين سنة، و يقطعها و قد بقي من عمره ثلاثون سنة، فيصيّرها اللّه ثلاث سنين، ثمّ تلا (عليه السلام)
يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ (1).
قال: هذا حسن يا أبا عبد اللّه، و ليس إيّاه أردت.
قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): نعم، حدّثني أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ (عليه السلام) قال:
قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): صلة الرحم تعمّر الديار، و تزيد في الأعمار، و إن كان أهلها غير أخيار.
قال: هذا حسن يا أبا عبد اللّه، و ليس هذا أردت.
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): نعم، حدّثني أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ (عليه السلام) قال:
قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): صلة الرحم تهوّن الحساب، و تقي ميتة السوء.
قال المنصور: نعم، إيّاه أردت. (2)
____________
(1) الرعد: 39.
(2) تقدّم ص 433 ح 6 (بتخريجاته).
458
قال: قلت: اللهمّ إنّك (1) تكفي من كلّ شيء، و لا يكفي منك شيء، فاكفنيه.
فقال له: ما يقرّك (2) عندي؟
فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): قد بلغت أشياء (3) لم يبلغها أحد من آبائي في الإسلام،
و ما أراني أصحبك إلّا قليلا، ما أرى هذه السنة تتمّ لي.
قال: فإن بقيت؟ قال: ما أراني أبقى.
قال: فقال أبو جعفر: احسبوا له. فحسبوا، فمات في شوّال. (4)
4- باب آخر [في مواعظه (عليه السلام) للمنصور]
الكتب:
1- كشف الغمّة: و قال الآبيّ (5): قال- للصادق (عليه السلام)- أبو جعفر المنصور:
إنّي قد عزمت على أن اخرّب المدينة، و لا أدع بها نافخ ضرمة (6).
فقال: يا أمير المؤمنين! لا أجد بدّا من النصاحة لك، فاقبلها إن شئت أو لا.
قال: [قل. قال (عليه السلام):] إنّه قد مضى لك ثلاثة أسلاف: أيّوب (عليه السلام) ابتلي فصبر، و سليمان (عليه السلام) اعطي فشكر، و يوسف (عليه السلام) قدر، فغفر؛
فاقتد بأيّهم شئت. قال: قد عفوت.
و قال: وقف أهل مكّة و أهل المدينة بباب المنصور، فأذن الربيع لأهل مكّة قبل أهل
____________
(1) «أنت» ع، ب.
(2) «فقال لي: ما يبرّك» ع، ب.
(3) كذا، و الظاهر «سنّا»، سنّ رسول اللّه (63)، أمير المؤمنين (63)، الحسن (47- 48)، الحسين (57)، الباقر (57)، الصادق (65) (عليهم السلام) بلغ سنة (65) و من قبله بين 63- 47 و 57.
(4) 2/ 165، عنه البحار: 47/ 206 ذ ح 47. و يأتي ص 1120 ح 3.
(5) و لعلّه صاحب كتاب نثر الدرر، أبو سعيد منصور بن الحسين الآبي، الوزير (معجم رجال الحديث: 18/ 397) و راجع في الألقاب و الكنى إلى فهرسنا.
(6) الضرمة: الجمرة. النار. يقال: ما في الدار نافخ ضرمة: أي أحد.
457
2- باب آخر [في طلبه (عليه السلام) عين أبي زياد من المنصور]
الأخبار، الأصحاب:
1- مقاتل الطالبيّين: بإسناده (1) إلى أيّوب بن عمر، قال: لقي جعفر (عليه السلام) أبا جعفر المنصور، فقال: [يا أمير المؤمنين!] أردد عليّ عين أبي زياد آكل من سعفها.
قال: إيّاي تكلّم بهذا الكلام؟! و اللّه لأزهقنّ نفسك.
قال: لا تعجل قد بلغت ثلاثا و ستّين، و فيها مات أبي، و جدّي عليّ بن أبي طالب، فعليّ كذا و كذا إن آذيتك بشيء (2) أبدا؛
و إن بقيت بعدك إن آذيت الّذي يقوم مقامك. فرقّ له و أعفاه. (3)
3- باب آخر [في إخباره (عليه السلام) المنصور بدنوّ أجله]
الأخبار، الأصحاب:
1- كشف الغمّة: من كتاب الحافظ عبد العزيز، قال: حدّث أبو الحسين يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبيد اللّه بن الحسين بن عليّ [بن الحسين بن عليّ] بن أبي طالب (عليهم السلام) (4)
قال: كتب إليّ عبّاد بن يعقوب يخبرني عن محمّد بن إسحاق بن جعفر بن محمّد (عليهما السلام)، عن أبيه، قال:
دخل جعفر بن محمّد (عليهما السلام) على أبي جعفر المنصور، فتكلّم، فلمّا خرج من عنده أرسل إلى جعفر بن محمّد فردّه، فلمّا رجع حرّك شفتيه بشيء، فقيل له: ما قلت؟
____________
(1) في المصدر: «أخبرني عمر بن عبد اللّه قال: حدّثنا أبو زيد، قال: حدّثني أيّوب بن عمر».
(2) «بنفسي» ع، ب.
(3) 184، عنه البحار: 47/ 210 ملحق ح 54.
(4) هو أبو الحسين يحيى- النسّابة- بن الحسن بن جعفر الحجّة بن عبيد اللّه الأعرج بن الحسين الأصغر بن عليّ بن الحسين عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام) (راجع عمدة الطالب ص 311، 318، 330، 331. و المجدي في أنساب الطالبيّين: 194، و 195، و 203.
459
المدينة، فقال جعفر (عليه السلام): أ تأذن لأهل مكّة قبل أهل المدينة؟
فقال الربيع: مكّة العشّ. فقال جعفر: عشّ- و اللّه- صار خياره، و بقي شراره.
و قيل له: إنّ أبا جعفر المنصور لا يلبس منذ صارت الخلافة إليه إلّا الخشن، و لا يأكل إلّا الجشب.
فقال: يا ويحه مع ما قد مكّن اللّه له من السلطان، و جبي إليه من الأموال!
فقيل [له]: الحمد للّه الّذي حرمه من دنياه، ما له ترك دينه؟! (1)
و قال ابن حمدون:
كتب المنصور إلى جعفر بن محمّد (عليهما السلام): لم لا تغشانا كما يغشانا سائر الناس؟
فأجابه (عليه السلام): ليس لنا ما نخافك من أجله، و لا عندك من أمر الآخرة ما نرجوك له، و لا أنت في نعمة فنهنّئك [بها]، و لا تراها نقمة فنعزّيك بها، فما نصنع عندك!؟
قال: فكتب إليه: تصحبنا لتنصحنا.
فأجابه (عليه السلام): من أراد الدنيا لا ينصحك، و من أراد الآخرة لا يصحبك.
فقال المنصور: و اللّه لقد ميّز عندي منازل الناس، من يريد الدنيا ممّن يريد الآخرة؛
و إنّه ممّن يريد الآخرة لا الدنيا. (2)
استدراك (1) محاضرات الادباء: قال له المنصور: نحن و أنتم في رسول اللّه سواء.
قال (عليه السلام): لو خطب إليكم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و تزوّج منكم لجاز له، و لا يجوز أن يتزوّج منّا؛ فهذا دليل على أنّا منه، و هو منّا. (3)
____________
(1) أخرج هذه القطعة في ملحقات إحقاق الحقّ: 19/ 536، عن سير أعلام النبلاء: 6/ 266، إلّا أنّ فيه «ما بذل لأجله دينه» بدل «ما له ترك دينه».
(2) 2/ 203 و ص 208، عنه البحار: 47/ 185 ضمن ح 29.
و أخرجه قطعة منه في ملحقات إحقاق الحقّ: 19/ 530، عن التذكرة الحمدونيّة: 377.
(3) 1/ 344، عنه ملحقات إحقاق الحقّ: 12/ 274.
461
الآن سكن قلبي، ثمّ قال: إلى متى هؤلاء يملكون- أو متى الراحة منهم-؟ (الخبر). (1)
(3) فلاح السائل: ذكر الكراجكي في كتاب كنز الفوائد، قال:
جاء في الحديث (2) أنّ أبا جعفر المنصور خرج في يوم جمعة متوكّئا على يد الصادق جعفر ابن محمّد (عليهما السلام) فقال رجل يقال له «رزّام» مولى خالد (3) بن عبد اللّه: من هذا الّذي بلغ من خطره ما يعتمد أمير المؤمنين على يده؟
فقيل له: هذا أبو عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق (عليهما السلام)؛
فقال: إنّي و اللّه ما علمت، لوددت أنّ خدّ أبي جعفر نعل لجعفر.
ثمّ قام فوقف بين يدي المنصور، فقال له: أسأل يا أمير المؤمنين؟
فقال له المنصور: سل هذا. فقال: إنّي اريدك بالسؤال.
فقال له المنصور: سل هذا.
فالتفت رزّام إلى الإمام جعفر بن محمّد (عليهما السلام) فقال له: أخبرني عن الصلاة و حدودها.
فقال له الصادق (عليه السلام): للصلاة أربعة آلاف حدّ لست تؤاخذ بها.
فقال: أخبرني بما لا يحلّ تركه، و لا تتمّ الصلاة إلّا به.
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): لا تتمّ الصلاة إلّا لذي طهر سابغ، و تمام بالغ، غير نازغ، و لا زائغ، عرف فوقف، و أخبت فثبت، فهو واقف بين اليأس و الطمع، و الصبر و الجزع، كأنّ الوعد له صنع، و الوعيد به وقع، بذل عرضه (4)، و تمثّل غرضه (5)، و بذل في اللّه المهجة،
____________
(1) 8/ 36 ح 7، عنه البحار: 52/ 255، و إثبات الهداة: 5/ 351 ح 31.
و تمام الخبر يأتي في عوالم الإمام المهدي (عليه السلام).
(2) لم نعثر عليه في النسخة المطبوعة لدينا.
(3) «خادم» م. هو رزّام بن مسلم مولى خالد بن عبد اللّه القسري الكوفي من أصحاب الصادق (عليه السلام) (راجع معجم رجال الحديث: 7/ 184)
(4) أي عرض الحياة الدنيا، أي طمع و ما يعرض منها يعني الغنيمة و المال و متاع الحياة الدنيا. و في المصدر: «غرضه».
(5) و الغرض- بالتحريك-: الهدف الّذي يرمي إليه، أي تمثّل في نظره ثواب اللّه تعالى. «عرضه» م.
460
(2) الكافي: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن بعض أصحابه؛ و عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير جميعا، عن محمّد بن أبي حمزة، عن حمران، قال:
قال أبو عبد اللّه (عليه السلام)- و ذكر هؤلاء عنده و سوء حال الشيعة عندهم، فقال-:
إنّي سرت مع أبي جعفر المنصور و هو في موكبه، و هو على فرس، و بين يديه خيل، و من خلفه خيل، و أنا على حمار إلى جانبه، فقال لي:
يا أبا عبد اللّه! قد كان ينبغي لك أن تفرح بما أعطانا اللّه من القوّة، و فتح لنا من العزّ، و لا تخبر الناس أنّك أحقّ بهذا الأمر منّا و أهل بيتك، فتغرينا بك و بهم.
قال: فقلت: و من رفع هذا إليك عنّي فقد كذب.
فقال: لي أ تحلف على ما تقول؟
قال: فقلت: إنّ الناس سحرة- يعني- يحبّون أن يفسدوا قلبك عليّ، فلا تمكّنهم من سمعك، فإنّا إليك أحوج منك إلينا.
فقال لي: تذكر يوم سألتك هل لنا ملك، فقلت: نعم طويل عريض شديد، فلا تزالون في مهلة من أمركم و فسحة من دنياكم حتّى تصيبوا منّا دما حراما في شهر حرام في بلد حرام؟
فعرفت أنّه قد حفظ الحديث، فقلت: لعلّ اللّه عزّ و جلّ أن يكفيك، فإنّي لم أخصّك بهذا، و إنّما هو حديث رويته، ثمّ لعلّ غيرك من أهل بيتك يتولّى ذلك، فسكت عنّي.
فلمّا رجعت إلى منزلي، أتاني بعض موالينا، فقال:
جعلت فداك، و اللّه لقد رأيتك في موكب أبي جعفر، و أنت على حمار، و هو على فرس، و قد أشرف عليك يكلّمك كأنّك تحته، فقلت- بيني و بين نفسي-:
هذا حجّة اللّه على الخلق، و صاحب هذا الأمر الّذي يقتدى به، و هذا الآخر يعمل بالجور، و يقتل أولاد الأنبياء، و يسفك الدماء في الأرض بما لا يحبّ اللّه، و هو في موكبه و أنت على حمار!
فدخلني من ذلك شكّ حتّى خفت على ديني و نفسي.
قال: فقلت: لو رأيت من كان حولي، و بين يدي و من خلفي و عن يميني و عن شمالي من الملائكة لاحتقرته و احتقرت ما هو فيه، فقال:
462
و تنكّب إليه غير المحجّة، مرتغم بارتغام، يقطع علائق الاهتمام بعين من له قصد، و إليه وفد، و منه استرفد، فإذا أتى بذلك كانت هي الصلاة الّتي بها امر، و عنها اخبر، و إنّها هي الصلاة الّتي تنهى عن الفحشاء و المنكر.
فالتفت المنصور إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال له:
يا أبا عبد اللّه! لا نزال من بحرك نغترف، و إليك نزدلف، تبصّر من العمى، و تجلو بنورك الطخياء (1)، فنحن نعوم في سبحات قدسك و طامي بحرك. (2)
***
____________
(1) الطخية: الظلمة.
(2) 23، عنه البحار: 47/ 185 ح 33، و ج 84/ 250 ح 45، و مستدرك الوسائل: 4/ 91 ح 1.
463
17- أبواب سائر أحواله (عليه السلام) في الحيرة و ما وقع عليه في الحيرة، و ما ظهر منه الحيرة
1- باب قدومه (عليه السلام) الحيرة
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: الحسين بن محمّد، عن أحمد بن إسحاق؛
و محمّد بن يحيى، عن أحمد ابن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن إسماعيل جميعا؛
عن سعدان بن مسلم، عن بعض أصحابنا، قال:
لمّا قدم أبو عبد اللّه (عليه السلام) الحيرة، ركب دابّته و مضى إلى الخورنق (1) فنزل فاستظلّ بظلّ دابّته، و معه غلام له أسود، و ثمّ رجل (2) من أهل الكوفة قد اشترى نخلا؛
فقال للغلام: من هذا؟
فقال له: هذا جعفر بن محمّد (عليهما السلام).
فجاء بطبق ضخم فوضعه بين يديه.
فقال للرجل: ما هذا؟ فقال: هذا البرني. فقال: فيه شفاء.
و نظر إلى السابري، فقال: ما هذا؟ فقال: السابري.
فقال: هذا عندنا البيض.
و قال للمشان: ما هذا؟ فقال الرجل: المشان.
فقال: هذا عندنا أمّ جرذان؛
و نظر إلى الصرفان، فقال: ما هذا؟ فقال الرجل: الصرفان.
فقال: هو عندنا العجوة، و فيه شفاء. (3)
____________
(1) الخورنق: موضع بالكوفة، قيل: إنّه نهر، و المعروف أنّه القصر القائم إلى الآن بالكوفة بظاهر الحيرة. قيل: بناه النعمان بن المنذر في ستّين سنة، بناه له رجل يقال له: سنمّار (مراصد الاطّلاع): 1/ 489.
(2) «فرأى رجلا» م.
(3) تقدّم ص 176 ح 2 بتخريجاته.
464
2- باب آخر [فيما جرى بينه (عليه السلام) و بين قائد للمنصور في الحيرة]
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن أبيه، عن هارون بن الجهم، قال: كنّا مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) بالحيرة حين قدم على أبي جعفر المنصور، فختن بعض القوّاد ابنا له، و صنع طعاما و دعى الناس، و كان أبو عبد اللّه (عليه السلام) فيمن دعي.
فبينما هو على المائدة يأكل و معه عدّة على المائدة، فاستسقى رجل منهم ماء، فاتي بقدح فيه شراب لهم، فلمّا أن صار القدح في يد الرجل، قام أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن المائدة، فسئل عن قيامه، فقال:
قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): ملعون من جلس على مائدة يشرب عليها الخمر.
و في رواية اخرى: ملعون ملعون، من جلس طائعا على مائدة يشرب عليها الخمر. (1)
3- باب آخر [فيما جرى بينه (عليه السلام) و بين عاشر في الحيرة]
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد [عن محمّد] بن مرازم، عن أبيه قال: خرجنا مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) حيث خرج من عند أبي جعفر [المنصور] من الحيرة، فخرج ساعة أذن له، و انتهى إلى السالحين (2) في أوّل الليل، فعرض له عاشر (3) كأن يكون في السالحين في أوّل الليل.
فقال له: لا أدعك أن تجوز. فألحّ عليه، و طلب إليه، فأبى إباء، و أنا و مصادف معه؛
____________
(1) تقدّم ص 175 ح 1 بتخريجاته و توضيحاته.
(2) و العامّة تقول: الصالحين، و الصواب السيلحين: و هي قرية من نهر عيسى ببغداد (مراصد الاطّلاع: 2/ 684)، قال في معجم البلدان: 3/ 298:
... ذكر سيلحين في الفتوح و غيرها من الشعر يدلّ على أنّها قرب الحيرة ضاربة في البرّ، قرب القادسيّة، و لذلك ذكرها الشعراء أيّام القادسيّة، مع الحيرة و القادسيّة ...
(3) العاشر: الّذي يأخذ عشر الأموال.
465
فقال له مصادف: جعلت فداك إنّما هذا كلب قد آذاك، و أخاف أن يردّك، و ما أدري ما يكون من أمر أبي جعفر، و أنا و مرازم، أ تأذن لنا أن نضرب عنقه، ثمّ نطرحه في النهر؟
فقال: كفّ يا مصادف! فلم يزل يطلب إليه حتّى ذهب من الليل أكثره، فأذن له فمضى؛
فقال: يا مرازم! هذا خير، أم الّذي قلتماه؟ قلت: هذا جعلت فداك.
فقال [يا مرازم]: إنّ الرجل يخرج من الذلّ الصغير، فيدخله ذلك في الذلّ الكبير. (1)
____________
(1) 8/ 87 ح 49، عنه البحار: 47/ 206 ح 48 و الوسائل: 18/ 462 ح 4، و حلية الأبرار: 2/ 165.
و أورده في تنبيه الخواطر: 2/ 135 عن مرازم (مثله).
466
18- أبواب أحواله (عليه السلام) مع ولاة المنصور و عمّاله بالمدينة
1- باب حاله (عليه السلام) مع شيبة بن غفال والي المدينة
الأخبار، الأصحاب:
1- أمالي الطوسي: المفيد، عن ابن قولويه، عن محمّد بن همام، عن أحمد بن موسى النوفلي، عن محمّد بن عبد اللّه بن مهران، عن معاوية بن حكيم، عن عبد اللّه بن سليمان التميمي، قال:
لمّا قتل محمّد و إبراهيم ابنا عبد اللّه بن الحسن بن الحسن، صار إلى المدينة رجل يقال له «شيبة (1) بن غفال»، ولّاه المنصور على أهلها، فلمّا قدمها، و حضرت الجمعة، صار إلى مسجد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فرقى المنبر، و حمد اللّه و أثنى عليه، ثمّ قال:
أمّا بعد فإنّ عليّ بن أبي طالب شقّ عصا المسلمين، و حارب المؤمنين، و أراد الأمر لنفسه، و منعه [من] أهله! فحرّمه اللّه عليه، و أماته بغصّته؛
و هؤلاء ولد يتّبعون أثره في الفساد، و طلب الأمر بغير استحقاق له؛
فهم في نواحي الأرض مقتولون، و بالدماء مضرّجون (2).
قال: فعظم هذا الكلام منه على الناس، و لم يجسر أحد منهم [أن] ينطق بحرف.
فقام إليه رجل عليه إزار قومسيّ (3) سحق (4)، فقال:
و نحن نحمد اللّه و نصلّي على محمّد خاتم النبيّين و سيّد المرسلين، و على رسل اللّه
____________
(1) كذا، و في م «شبة». و المذكور في كتب التاريخ «عبد اللّه بن الربيع الحارثي» ولّي إمرة المدينة بعد قتل محمّد و ذلك في سنة 145، و بقي واليا إلى سنة 147 ه ثمّ عزله المنصور.
(راجع الكامل في التاريخ: 5/ 572، و الإمام الصادق (عليه السلام) و المذاهب الأربعة: 1/ 139.
(2) «ضرّجه بالدم: أدماه».
(3) «قومس، بالضمّ و فتح الميم: صقع كبير بين خراسان و بلاد الجبل، و إقليم بالاندلس، و قومسان: قرية بهمذان، ذكرها الفيروزآبادي- القاموس المحيط: 2/ 242-» منه ره.
(4) «سخين» ع، ب. و السحق: الثوب البالي.
467
و أنبيائه أجمعين، أمّا ما قلت من خير فنحن أهله، و ما قلت من سوء فأنت و صاحبك به أولى و أحرى (1)، يا من ركب غير راحلته، و أكل غير زاده، ارجع مأزورا (2).
ثمّ أقبل على الناس، فقال: أ لا انبّئكم بأخفّ الناس ميزانا يوم القيامة، و أبينهم خسرانا، من باع آخرته بدنيا غيره، و هو هذا الفاسق.
فأسكت الناس، و خرج الوالي من المسجد لم ينطق بحرف، فسألت عن الرجل؛
فقيل لي: هذا جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهما السلام). (4)
2- باب حاله (عليه السلام) مع داود بن عليّ بن عبد اللّه بن العبّاس والي المدينة لقتله المعلّى بن خنيس و دعائه (عليه السلام) عليه
الأخبار، الأصحاب:
1- المناقب لابن شهرآشوب: أبو بصير سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول- و قد جرى ذكر المعلّى بن خنيس، فقال-: يا أبا محمّد! اكتم عليّ ما أقول لك في المعلّى. قلت: أفعل.
فقال: أما إنّه ما كان ينال درجتنا إلّا بما كان ينال منه داود بن عليّ.
قلت: و ما الّذي يصيبه من داود؟ قال: يدعونه، فيأمر به، فيضرب عنقه، و يصلبه، و ذلك [من] قابل. فلمّا كان [من] قابل ولّى داود المدينة، فدعا المعلّى و سأله عن شيعة أبي عبد اللّه (عليه السلام) فكتمه، فقال: أ تكتمني!؟ أما إنّك إن كتمتني قتلتك.
فقال المعلّى: أبا لقتل تهدّدني؟! و اللّه لو كانوا تحت قدمي ما رفعت قدمي عنهم، و إن أنت قتلتني لتسعدني و لتشقينّ، فلمّا أراد قتله، قال المعلّى:
أخرجني إلى الناس، فإنّ لي أشياء كثيرة، حتّى أشهد بذلك،
فأخرجه إلى السوق، فلمّا اجتمع الناس، قال:
أيّها الناس، اشهدوا أنّ ما تركت من مال عين، أو دين، أو أمة، أو عبد، أو دار، أو قليل،
____________
(1) «فاختبر» ع، ب. و أحرى: أي أجدر.
(2) من الإزار و المئزر و المآزر، لا من الوزر.
(4) 1/ 49، عنه البحار: 47/ 165 ح 5، و حلية الأبرار: 2/ 215 ..
468
أو كثير، فهو لجعفر بن محمّد (عليهما السلام)، فقتل. (1)
2- الخرائج و الجرائح: عن أبي بصير، قال:
قال لي الصادق (عليه السلام): اكتم عليّ ما أقول لك في المعلّى بن خنيس. قلت: أفعل.
قال: أما إنّه ما كان ينال درجته، إلّا بما ينال منه داود بن عليّ.
قلت: و ما الّذي يصيبه من داود بن عليّ؟
قال: يدعو به، فيضرب عنقه و يصلبه. قلت: متى ذلك؟ قال: من قابل.
فلمّا كان من قابل، ولّى داود المدينة، فقصد قتل المعلّى، فدعاه و سأله عن أصحاب أبي عبد اللّه (عليه السلام)، و سأله أن يكتبهم [له]، فقال:
ما أعرف من أصحابه أحدا، و إنّما أنا رجل أختلف في حوائجه.
قال: تكتمني، أما إنّك إن كتمتني قتلتك. فقال له المعلّى:
أبا لقتل تهدّدني!؟ [و اللّه] لو كانوا تحت قدمي ما رفعت قدمي [عنهم لك].
فقتله و صلبه كما قال أبو عبد اللّه (عليه السلام).
رسالة النجوم لابن طاوس: روينا بإسنادنا إلى الشيخين عبد اللّه بن جعفر الحميري، و محمّد بن جرير الطبري بإسنادهما، عن أبي بصير (مثله).
رجال الكشّي: وجدت بخطّ جبرئيل بن أحمد [عن محمّد بن عبد اللّه بن مهران] عن محمّد بن عليّ الصيرفي، عن الحسن، عن الحسين بن أبي العلاء، عن أبي العلاء، و أبي المغراء، عن أبي بصير (مثله). (2)
3- مشارق الأنوار للبرسي: عن أبي بصير، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام):
إنّ المعلّى بن خنيس ينال درجتنا، و إنّ المدينة من قابل يليها داود بن عليّ، و يستدعيه و يأمره أن يكتب له أسماء شيعتي فيأبى فيقتله و يصلبه، فينال بذلك درجتنا.
فلمّا ولّى داود المدينة من قابل، أحضر المعلّى و سأله عن الشيعة، فقال:
ما أعرفهم. فقال: اكتبهم لي و إلّا ضربت عنقك؟ فقال: بالقتل تهدّدني؟!
____________
(1) تقدّم ص 257 ح 18 بتخريجاته، و يأتي عن الخرائج و الجرائح في الحديث التالي «مثله».
(2) تقدّم ص 251 ح 13 بتخريجاته.
469
و اللّه لو كانوا تحت أقدامي ما رفعتها عنهم. فأمر بضرب عنقه و صلبه.
فلمّا دخل عليه الصادق (عليه السلام)، قال: يا داود! قتلت مولاي و وكيلي، و ما كفاك القتل حتّى صلبته، و اللّه لأدعونّ اللّه عليك [فيقتلك] كما قتلته.
فقال له داود: أ تهدّدني بدعائك؟ ادع اللّه لك، فإذا استجاب لك فادعه عليّ!
فخرج أبو عبد اللّه (عليه السلام) مغضبا، فلمّا جنّ الليل اغتسل، و استقبل القبلة، ثمّ قال:
«يا ذا، ياذي، ياذو، ارم داود بسهم من سهام، قهرك تبلبل (1) به قلبه».
ثمّ قال لغلامه: اخرج و اسمع الصائح. فجاء الخبر أنّ داود قد هلك.
فخرّ الإمام ساجدا، و قال: إنّه لقد دعوت اللّه عليه بثلاث كلمات، لو قسّمت على أهل الأرض لزلزلت بمن عليها. (2)
4- الكافي: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن أبي نجران، عن حمّاد بن عثمان، عن المسمعي، قال: لمّا قتل داود بن عليّ المعلّى بن خنيس؛
قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): لأدعونّ اللّه تعالى على من قتل مولاي و أخذ مالي.
فقال له داود بن عليّ: إنّك لتهدّدني بدعائك!
قال حمّاد: قال المسمعي: فحدّثني معتّب أنّ أبا عبد اللّه (عليه السلام) لم يزل ليلته راكعا و ساجدا، فلمّا كان في السحر سمعته يقول و هو ساجد:
«اللهمّ إنّي أسألك بقوّتك القويّة، و بجلالك (3) الشديد، الّذي كلّ خلقك له ذليل، أن تصلّي على محمّد و أهل بيته، و أن تأخذه الساعة الساعة»
فما رفع رأسه حتّى سمعنا الصيحة في دار داود بن عليّ؛
فرفع أبو عبد اللّه (عليه السلام) رأسه و قال: إنّي دعوت اللّه عليه بدعوة، بعث اللّه عزّ و جلّ عليه
____________
(1) تقلقل، خ. يأتي ص 471 ح 6 «تفلق».
(2) 92، عنه البحار: 47/ 181. في الهداية الكبرى: 253 بالإسناد إلى أبي بصير (نحوه).
(3) «بمحالك» ع. «المحال»: العقوبة و النكال، و يقال: المكر و الكيد؛ و قيل: القوّة و الشدّة (مجمع البحرين).
471
بات داود تلك الليلة حائرا قد أغمي عليه، فقمت أفتقده في الليل، فوجدته مستلقيا على قفاه، و ثعبان قد انطوى على صدره، و جعل فاه على فيه، فأدخلت يدي في كمّي فتناولته فعطف فاه إليّ فرميت به، فانساب في ناحية البيت، و أنبهت داود فوجدته حائرا قد احمرّت عيناه، فكرهت أن اخبره بما كان، و جزعت عليه؛
ثمّ انصرفت فوجدت ذلك الثعبان كذلك، ففعلت به مثل الّذي فعلت [في] المرّة الاولى، و حرّكت داود فأصبته ميّتا، فما رفع رأسه من السجود حتّى سمع الواعية. (1)
6- الخرائج و الجرائح: روي أنّ داود بن عليّ قتل المعلّى بن خنيس، فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): قتلت قيّمي في مالي و عيالي، ثمّ قال: لأدعونّ اللّه عليك.
قال داود: اصنع ما شئت.
فلمّا جنّ الليل قال (عليه السلام): اللهمّ ارمه بسهم من سهامك تفلق (2) به قلبه.
فأصبح و قد مات داود [و الناس يهنّئونه بموته].
فقال (عليه السلام): لقد مات على دين أبي لهب، و قد دعوت اللّه فأجاب فيه الدعوة، و بعث إليه ملكا معه مرزبة من حديد فضربه ضربة فما كانت إلّا صيحة. قال: فسألنا الخدم، فقالوا:
صاح في فراشه [صيحة] فدنونا منه، فإذا هو ميّت. (3)
7- بصائر الدرجات: إبراهيم بن إسحاق، عن عبد اللّه بن حمّاد، عن أبي بصير؛
و داود الرقّي، عن معاوية بن عمّار [الدهني]، و معاوية بن وهب، و ابن سنان، قال:
كنّا بالمدينة، حين بعث داود بن عليّ إلى المعلّى بن خنيس فقتله.
فجلس أبو عبد اللّه (عليه السلام) فلم يأته شهرا، قال: فبعث إليه أن ائتني، فأبى أن يأتيه، فبعث إليه خمس نفر من الحرس، فقال: ائتوني به، فإن أبى فأتوني به أو برأسه.
فدخلوا عليه و هو يصلّي، و نحن نصلّي معه الزوال، فقالوا: أجب داود بن عليّ.
____________
(1) 3/ 357 عنه البحار: 47/ 177 ح 24، و مستدرك الوسائل: 5/ 258 ح 2، و مدينة المعاجز: 358 ضمن ح 14، و أورده مختصرا في ألقاب الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و عترته: 61.
(2) تقدّم ص 469 ح 3، «تبلبل»، «تقلقل»، فلاحظ.
(3) تقدّم ص 340 ح 1 بتخريجاته.
470
ملكا فضرب رأسه بمرزبة (1) من حديد انشقّت منها مثانته فمات. (2)
5- المناقب لابن شهرآشوب: روى الأعمش؛ و الربيع؛ و ابن سنان، و عليّ بن أبي حمزة، و حسين بن أبي العلاء، و أبو المغراء، و أبو بصير أنّ داود بن عليّ بن عبد اللّه بن العبّاس لمّا قتل المعلّى بن خنيس و أخذ ماله، قال الصادق (عليه السلام): قتلت مولاي، و أخذت مالي، أ ما علمت أنّ الرجل ينام على الثكل، و لا ينام على الحرب؟ أما و اللّه لأدعونّ اللّه عليك.
فقال له داود: تهدّدنا بدعائك؟ كالمستهزىء بقوله.
فرجع أبو عبد اللّه (عليه السلام) إلى داره، فلم يزل ليله كلّه قائما و قاعدا؛
فبعث إليه داود خمسة من الحرس، و قال: ائتوني به، فإن أبى، فأتوني برأسه؛
فدخلنا عليه و هو يصلّي، فقالوا له: أجب داود. قال: فإن لم اجب؟ قالوا: أمرنا بأمر.
قال: فانصرفوا فإنّه هو خير لكم في دنياكم و آخرتكم. فأبوا إلّا خروجه.
فرفع يديه فوضعهما على منكبيه، ثمّ بسطهما، ثمّ دعا بسبّابته فسمعناه يقول:
الساعة الساعة، حتّى سمعنا صراخا عاليا، فقال لهم: إنّ صاحبكم قد مات، فانصرفوا!
فسئل، فقال: بعث إليّ ليضرب عنقي، فدعوت عليه بالاسم الأعظم، فبعث اللّه إليه ملكا بحربة، فطعنه في مذاكيره، فقتله.
و في رواية لبابة (3) بنت عبد اللّه بن العبّاس:
____________
(1) «المرزبة، بالكسر: المطرقة الكبيرة الّتي تكون للحدّاد» منه ره.
(2) 2/ 513 ح 5، عنه البحار: 47/ 209 ح 52، و الوسائل: 4/ 1165 ح 1، و مدينة المعاجز: 358 ضمن ح 14، و أورده في إرشاد المفيد: 307 و إعلام الورى: 276 مرسلا (مثله) بإختلاف يسير، عنهما البحار: 95/ 221 ح 20، و في روضة الواعظين: 1/ 251، و كشف الغمّة: 2/ 167 مرسلا و أخرجه في إثبات الهداة: 5/ 399 ح 128 عن إعلام الورى.
(3) «لبانة» م، تصحيف. و الظاهر أنّها غير لبابة بنت عبد اللّه بن العبّاس بن عبد المطّلب، زوج أبي الفضل العبّاس بن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام) الّتي تزوّجها زيد بن الحسن (عليه السلام) بعد شهادة العبّاس (عليه السلام)، أو لعلّه تصحيف في اسم العبّاس، و صوابه جعفر؛ حيث أنّ لبابة بنت عبد اللّه بن جعفر كانت زوج عليّ بن عبد اللّه بن العبّاس بن عبد المطّلب، والد داود المذكور. راجع تراجم أعلام النساء: 2/ 386، 387.
472
قال: فإن لم اجب؟ قالوا: أمرنا أن نأتيه برأسك.
فقال: و ما أظنّكم تقتلون ابن رسول اللّه.
قالوا: ما ندري ما تقول، و ما نعرف إلّا الطاعة.
قال: انصرفوا فإنّه خير لكم في دنياكم و آخرتكم.
قالوا: و اللّه لا ننصرف حتّى نذهب بك معنا، أو نذهب برأسك.
قال: فلمّا علم أنّ القوم لا يذهبون إلّا بذهاب رأسه، و خاف على نفسه؛
قالوا: رأيناه قد رفع يديه، فوضعهما على منكبيه، ثمّ بسطهما، ثمّ دعا بسبّابته، فسمعناه يقول: «الساعة الساعة»! فسمعنا صراخا عاليا، فقالوا له: قم!
فقال لهم: أما إنّ صاحبكم قد مات، و هذا الصراخ عليه، فابعثوا رجلا منكم، فإن لم يكن هذا الصراخ عليه، قمت معكم، قال: فبعثوا رجلا منهم؛
فما لبث أن أقبل، فقال: يا هؤلاء قد مات صاحبكم، و هذا الصراخ عليه، فانصرفوا.
فقلنا له: جعلنا اللّه فداك ما كان حاله؟
قال: قتل مولاي المعلّى بن خنيس، فلم آته منذ شهر، فبعث إليّ أن آتيه، فلمّا أن كان الساعة لم آته، فبعث إليّ ليضرب عنقي؛
فدعوت اللّه باسمه الأعظم، فبعث اللّه إليه ملكا بحربة، فطعنه في مذاكيره فقتله.
فقلت له: فرفع اليدين ما هو؟ قال: الابتهال.
فقلت: فوضع يديك و جمعهما؟ قال: التضرّع.
قلت: رفع الإصبع؟ قال: البصبصة (1). (2)
استدراك (1) الكافي: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن إسماعيل، عن أبي إسماعيل السرّاج، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّ الّذي دعا به أبو عبد اللّه (عليه السلام)
____________
(1) مجمع البحرين: 4/ 164، عن ابن بابويه: أنّ البصبصة: هي أن ترفع سبّابتيك إلى السماء و تحرّكهما و تدعو.
(2) تقدّم ص 71 ح 1 بتخريجاته.
473
على داود بن عليّ حين قتل المعلّى بن خنيس و أخذ مال أبي عبد اللّه (عليه السلام): اللهمّ إنّي أسألك بنورك الّذي لا يطفى، و بعزائمك الّتي لا تخفى، و بعزّك الّذي لا ينقضي، و بنعمتك الّتي لا تحصى، و بسلطانك الّذي كففت به فرعون عن موسى (عليه السلام)». (1)
*** 3- باب حاله (عليه السلام) مع محمّد بن خالد (2) عامل المنصور على المدينة
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: عليّ بن إبراهيم، عن سلمة بن الخطّاب، عن الحسن بن راشد، عن عليّ بن إسماعيل الميثمي، عن حبيب الخثعمي، قال:
كتب أبو جعفر المنصور إلى محمّد بن خالد- و كان عامله على المدينة-:
أن يسأل أهل المدينة عن الخمسة في الزكاة من المائتين كيف صارت وزن سبعة، و لم يكن هذا على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)؟
و أمره أن يسأل فيمن يسأل عبد اللّه بن الحسن، و جعفر بن محمّد (عليهما السلام)
قال: فسأل أهل المدينة، فقالوا: أدركنا من كان قبلنا على هذا.
فبعث إلى عبد اللّه بن الحسن، و جعفر بن محمّد (عليهما السلام)، فسأل عبد اللّه بن الحسن، فقال كما قال المستفتون من أهل المدينة، قال: فقال:
ما تقول يا أبا عبد اللّه؟ فقال: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) جعل في كلّ أربعين اوقيّة، اوقيّة؛
فإذا حسبت ذلك كان على وزن سبعة، و قد كانت (3) وزن ستّة و كانت الدراهم خمسة دوانيق.
قال حبيب: فحسبناه فوجدناه كما قال.
____________
(1) 2/ 557 ح 5، عنه مدينة المعاجز: 358 ضمن ح 14.
(2) قال ابن الأثير في «الكامل في التاريخ»: 5/ 519: و استعمل المنصور على المدينة محمّد بن خالد بن عبد اللّه القسري ... فقدم المدينة في رجب سنة إحدى و أربعين و مائة ....
(3) يأتي شرحه ص 590، و راجع في هامش الوافي: 10/ 225 تفصيلا للشعراني.
474
فأقبل عليه عبد اللّه بن الحسن، فقال: من أين أخذت هذا؟
قال: قرأت في كتاب امّك فاطمة (عليها السلام).
قال: ثمّ انصرف، فبعث إليه محمّد بن خالد: ابعث إليّ بكتاب فاطمة (عليها السلام).
فأرسل إليه أبو عبد اللّه (عليه السلام): إنّي إنّما أخبرتك أنّي قرأته، و لم اخبرك أنّه عندي.
قال حبيب: فجعل محمّد بن خالد يقول لي: ما رأيت مثل هذا قطّ. (1)
2- التهذيب (2): محمّد بن يعقوب، عن عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن محمّد بن مسلم؛ و الحسين بن محمّد، عن عبد اللّه بن عامر، عن عليّ بن مهزيار، عن فضالة بن أيّوب، عن أحمد بن سليمان جميعا، عن مرّة مولى محمّد بن خالد (3)
قال: صاح أهل المدينة الى محمّد بن خالد في الاستسقاء.
فقال لي: انطلق إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) فسله ما رأيك؟ فإنّ هؤلاء قد صاحوا إليّ.
فأتيته، فقلت له: ما قال لي، فقال لي: قل له: فليخرج!
قلت له: متى يخرج، جعلت فداك؟ قال: يوم الإثنين. قلت له: كيف يصنع؟
قال: يخرج المنبر، ثمّ يخرج يمشي كما يخرج يوم العيدين، و بين يديه المؤذّنون في أيديهم عنزهم (4) حتّى إذا انتهى إلى المصلّى، صلّى بالناس ركعتين بلا أذان و لا إقامة؛
ثمّ يصعد المنبر، فيقلب رداءه، فيجعل الّذي على يمينه على يساره، و الّذي على يساره
____________
(1) 3/ 507 ح 2، عنه البحار: 47/ 227 ح 17، و الوسائل: 6/ 100 ح 1، و رواه في علل الشرائع:
373 ح 1، بإسناده إلى حبيب الخثعمي (مثله)، عنه البحار: 96/ 39 ح 11. و أورده في المناقب:
3/ 389 مرسلا.
«أقول: سيأتي توضيح الخبر و حلّه في أبواب مناظراته (عليه السلام) مع المخالفين إن شاء اللّه تعالى [ص 589 ح 1، و راجع هامش ص 473]» منه ره.
(2) «المناقب لابن شهرآشوب» ع، و هو اشتباه، و الصواب ما في المتن.
(3) «مرّة مولى خالد» م. «قرّة مولى خالد» ب، ع، و ما أثبتاه كما في الكافي. راجع معجم رجال الحديث: 18/ 147، 148.
(4) العنزة: شبيه العكّازة؛ لها زجّ من أسفلها.
475
على يمينه، ثمّ يستقبل القبلة، فيكبّر اللّه مائة تكبيرة، رافعا بها صوته؛
ثمّ يلتفت إلى الناس عن يمينه، فيسبّح اللّه مائة تسبيحة رافعا بها صوته، ثمّ يلتفت إلى الناس عن يساره، فيهلّل اللّه مائة تهليلة رافعا بها صوته، ثمّ يستقبل الناس فيحمد اللّه مائة تحميدة؛
ثمّ يرفع يديه فيدعو، ثمّ يدعون، فإنّي لأرجو أن لا يخيبوا.
قال: ففعل، فلمّا رجعنا، قالوا: هذا من تعليم جعفر (عليه السلام).
و في رواية يونس: فما رجعنا حتّى أهمّتنا أنفسنا (1). (2)
4- باب حاله (عليه السلام) مع زياد بن عبيد اللّه الحارثي و ما جرى بينه (عليه السلام) و بينه
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: العدّة، عن سهل، عن البزنطي، عن أبي المغراء، عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إنّي لذات يوم عند زياد بن عبيد اللّه الحارثي (3) إذ جاء رجل يستعدي (4) على أبيه، فقال: أصلح اللّه الأمير، إنّ أبي زوّج ابنتي بغير إذني.
فقال زياد لجلسائه الّذين عنده: ما تقولون فيما يقول هذا الرجل؟ قالوا: نكاحه باطل.
قال: ثمّ أقبل عليّ، فقال: ما تقول يا أبا عبد اللّه؟
فلمّا سألني أقبلت على الّذين أجابوه، فقلت لهم: أ ليس فيما تروون أنتم عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّ رجلا جاء يستعديه على أبيه في مثل هذا، فقال [له] رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): أنت و مالك لأبيك؟ قالوا: بلى.
____________
(1) لعلّ المراد به أنّه ما كان لنا همّ إلّا همّ أنفسنا أن تبتلّ ثيابنا بالمطر، فيكون كناية عن سرعة الأمطار:
(الوافي).
(2) 3/ 148 ح 5، عنه البحار: 47/ 231 ح 20. و رواه في الكافي: 3/ 462 ح 1 بهذا الإسناد، عنه الوسائل: 5/ 162 ح 2، و الوافي: 9/ 1349 ح 1.
(3) استعمله السفّاح سنة 133 على مكّة و المدينة و الطائف و اليمامة، و عزله المنصور سنة 141 (راجع الكامل في التاريخ: 5/ 448، 507 و فيه عبد اللّه بدل عبيد اللّه).
(4) أي ذهب به إلى الأمير للاستعداء يعني طلب التقوية و النصرة.
476
فقلت لهم: فكيف يكون هذا، و هو و ماله لأبيه، و لا يجوز نكاحه [عليه]؟!
قال: فأخذ بقولهم، و ترك قولي!! (1)
2- علل الشرائع: ابن المتوكّل، عن عليّ بن محمّد [بن] (2) ما جيلويه، عن البرقي، عن أبيه، عن حمّاد بن عثمان، عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: كنت عند زياد بن عبيد اللّه و جماعة من أهل بيتي، فقال: يا بني عليّ و فاطمة ما فضلكم على الناس؟ فسكتوا.
فقلت: إنّ من فضلنا على الناس أنّا لا نحبّ أن (نكون من) (3) أحد سوانا،
و ليس أحد من الناس لا يحبّ أن يكون منّا إلّا أشرك.
[قال:] ثمّ قال: ارووا هذا الحديث. (4)
5- باب ما جرى بينه (عليه السلام) و بين مهاجر بن عمّار الخزاعي رسول المنصور إلى المدينة
الأخبار، الأصحاب:
1- الخرائج و الجرائح: روي عن مهاجر بن عمّار الخزاعي، قال:
بعثني أبو الدوانيق إلى المدينة، و بعث معي بمال كثير، و أمرني أن أتضرّع لأهل هذا البيت، و أتحفّظ مقالتهم، قال: فلزمت الزاوية (5) الّتي ممّا يلي القبلة (6)، فلم أكن أتنحّى منها في وقت الصلاة، لا في ليل و لا في نهار.
قال: و أقبلت أطرح إلى السؤّال- الّذين حول القبر- الدراهم و من هو فوقهم الشيء بعد
____________
(1) 5/ 395 ح 3، عنه البحار: 47/ 225 ح 14، و الوسائل: 14/ 218 ح 5. يأتي ص 588 ح 1.
(2) «محمّد بن عليّ» ع، ب. تصحيف. فإنّ محمّدا من مشايخ الصدوق يروي عن أبيه عليّ بن محمّد، عن الرقّي فيجوز لابن المتوكّل أيضا أن يروي عن عليّ بن محمّد. لا عن محمّد. راجع أسانيدنا للروايات و معجمنا للرجال.
(3) في المصدر طبعة قم (تأمّر) بدل ما بين القوسين.
(4) 2/ 583 ح 24، عنه البحار: 26/ 241 ح 4، و ج 47/ 166 ح 8.
(5) أي زاوية قبر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).
(6) «القبر» ع، ب.
477
الشيء، حتّى ناولت شبابا من بني الحسن و مشيخة [منهم] حتّى ألفوني، و ألفتهم في السرّ.
قال: و كنت كلّما دنوت من أبي عبد اللّه (عليه السلام) يلاطفني و يكرمني، حتّى إذا كان يوما من الأيّام [بعد ما نلت حاجتي ممّن كنت اريد من بني الحسن و غيرهم]؛
دنوت من أبي عبد اللّه (عليه السلام) و هو يصلّي، فلمّا قضى صلاته، التفت إليّ و قال:
تعال يا مهاجر!- و لم أكن أتسمّى [باسمي] و لا أتكنّى بكنيتي- فقال: قل لصاحبك:
يقول لك جعفر: كان أهل بيتك إلى غير هذا منك أحوج منهم إلى هذا، تجيء إلى قوم شباب محتاجين فتدسّ إليهم، فلعلّ أحدهم يتكلّم بكلمة تستحلّ بها سفك دمه؛
فلو بررتهم و وصلتهم [و أنلتهم] و أغنيتهم، كانوا [إلى هذا] أحوج ممّا تريد منهم.
قال: فلمّا أتيت أبا الدوانيق، قلت له:
جئتك من عند ساحر كان من أمره كذا و كذا! فقال:
صدق و اللّه [لقد] كانوا إلى غير هذا أحوج، و إيّاك أن يسمع هذا الكلام منك إنسان. (1)
2- بصائر الدرجات: عمر بن عليّ، عن عمّه محمّد بن عمر (2)، عن صفوان بن يحيى، عن جعفر بن محمّد بن الأشعث، قال: [قال جعفر لصفوان]: أ تدري ما كان سبب دخولنا في هذا الأمر و معرفتنا به، و ما كان عندنا فيه ذكر، و لا معرفة بشيء ممّا عند الناس؟
قال: قلت: ما ذاك؟ قال: إنّ أبا جعفر- يعني أبا الدوانيق- قال لأبي، محمّد بن الأشعث: يا محمّد! ابغ لي رجلا له عقل يؤدّي عنّي. فقال له:
إنّي قد أصبته لك، هذا فلان بن مهاجر (3)، خالي. قال: فائتني به. قال: فأتاه بخاله.
____________
(1) 2/ 646، عنه البحار: 47/ 172 ح 18.
(2) هكذا في المصحّحة، و في المطبوعة، و ع، و ب: «عمير» تصحيف؛ قال النجاشي: عمر بن عليّ بن عمر، يروي عن عمّه محمّد بن عمر.
(3) هكذا في مصادر الحديث «البصائر، الكافي، المناقب».
و في قوله: «فلان بن مهاجر خالي ... فأتاه بخاله» تصريح بأنّ المكنّى بفلان كان خالا لمحمّد بن الأشعث، و أنّه ابن المهاجر لا مهاجر بن عمّار الخزاعي في الحديث المتقدّم.
و الظاهر أنّه يحيى بن إبراهيم بن مهاجر الّذي قال قلت لأبي عبد اللّه: «يسألونك الدعاء ... حبسهم أبو جعفر ...» الكافي: 5/ 107 ح 8. ثمّ أقول: ربما يبدو أنّ المنصور بعث مهاجرا في أوّل الأمر، ثمّ احتال ثانيا و أرسل ابن المهاجر، و ذلك بشهادة اختلافي الاسم، و مضمون الخبر في الحديثين.
478
فقال له أبو جعفر: يا ابن مهاجر! خذ هذا المال- فأعطاه ألوف دنانير، أو ما شاء اللّه من ذلك- و ائت المدينة، و الق عبد اللّه بن الحسن، و عدّة من أهل بيته، فيهم جعفر بن محمّد، فقل لهم: إنّي رجل غريب من أهل خراسان، و بها شيعة من شيعتكم، وجّهوا إليكم بهذا المال؛
فادفع إلى كلّ واحد منهم على هذا الشرط، كذا و كذا، فإذا قبضوا المال، فقل:
إنّي رسول و احبّ أن يكون معي خطوطكم بقبضكم ما قبضتم منّي؛
قال: فأخذ المال و أتى المدينة، ثمّ رجع إلى أبي جعفر، و كان محمّد بن الأشعث عنده، فقال أبو جعفر: ما وراك؟
قال: أتيت القوم، و فعلت ما أمرتني به، و هذه خطوطهم بقبضهم [المال] خلا جعفر بن محمّد، فإنّي أتيته و هو يصلّي في مسجد الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فجلست خلفه، و قلت: ينصرف فأذكر ما ذكرت لأصحابه، فعجّل و انصرف، ثمّ التفت إليّ فقال:
يا هذا! اتّق اللّه و لا تغرّنّ أهل بيت محمّد، و قل لصاحبك:
اتّق اللّه و لا تغرّنّ أهل بيت محمّد، فإنّهم قريبوا العهد بدولة بني مروان، و كلّهم محتاج.
قال: فقلت: و ما ذا أصلحك اللّه، فقال: ادن منّي.
فأخبرني بجميع ما جرى بيني و بينك، حتّى كأنّه كان ثالثنا.
قال: فقال أبو جعفر: يا ابن مهاجر! اعلم أنّه ليس من أهل [بيت] النبوّة إلّا و فيهم محدّث، و إنّ جعفر بن محمّد (عليهما السلام) محدّث اليوم؛
فكانت هذه دلالة أنّا قلنا بهذه المقالة.
الكافي: أبو عليّ الأشعري، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان (مثله).
المناقب لابن شهرآشوب: عن صفوان (مثله). (1)
____________
(1) تقدّم ص 210 ح 10 بتخريجاته.
479
استدراك
(6) باب حاله (عليه السلام) مع رزّام و ما جرى بينه (عليه السلام) و بينه
(1) دلائل الإمامة: أخبرني محمّد بن هارون بن موسى، عن أبيه، عن محمّد بن همام، عن أحمد بن الحسين، عن أبيه، عن الحسن بن عليّ، عن أبي عثمان؛ أو غيره، عن محمّد بن سنان، عن أبان، عن حذيفة بن منصور، عن رزّام (1) قال:
بعثني أبو جعفر عبد اللّه الطويل- و هو المنصور- إلى المدينة، و أمرني إذا دخلت المدينة أن أفضّ الكتاب الّذي دفعه إليّ و أعمل بما فيه؛
قال: فما شعرت إلّا بركب قد طلعوا عليّ حين قربت من المدينة، و إذا رجل قد صار إلى جانبي، فقال: يا رزّام! اتّق اللّه، و لا تشرك في دم آل محمّد. قال: فأنكرت ذلك.
فقال لي: دعاك صاحبك نصف الليل، و خاط رقعة في جانب قباك، و أمرك إذا صرت إلى المدينة، تفضّها و تعمل بما فيها.
قال: فرميت بنفسي من المحمل، و قبّلت رجليه، و قلت: ظننت أنّ ذلك صاحبي، و أنت يا سيّدي صاحبي، فما أصنع؟ قال:
ارجع إليه، و اذهب بين يديه و تعال، فإنّه رجل نسّاء، و قد انسي ذلك، فليس يسألك عنه.
قال: فرجعت إليه، فلم يسألني عن شيء، فقلت: صدق مولاي. (2)
***
____________
(1) في نسخة مدينة المعاجز: مرازم، و بعده: يا مرازم، تصحيف، بل هو رزّام بن مسلم مولى خالد بن عبد اللّه القسري، الّذي قال: «إنّ المنصور بعثني لحاجة ... فقال لحاجبه إذ دخل على جعفر بن محمّد فاقتله» دلائل الإمامة: 191، عنه البحار: 47/ 183، و قال: «بعثني أبو الدوانيق أنا و نفرا معي إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام)» مهج الدعوات: 212، عنه البحار: 47/ 204.
(2) تقدّم ص 230 ح 6، بتخريجاته.
481
قلت: ما تكتّف يدي يديك! و لا تطيب نفسي. فقال: و اللّه ما يقنعني إلّا ذلك.
ففعلت كما فعل، و أطلقته، فناولني خاتمه، و قال: أمري في يدك، فدبّر فيها ما شئت. (1)
2- باب رقعته (عليه السلام) لمحمّد بن سعيد إلى محمّد بن (الثمالي)
الكتب:
1- المناقب لابن شهرآشوب: التمس محمّد بن سعيد من الصادق (عليه السلام) رقعة إلى محمّد بن [أبي حمزة الثمالي] (2) في تأخير خراجه، فقال (عليه السلام): قل له: سمعت جعفر بن محمّد يقول: من أكرم لنا مواليا فبكرامة اللّه تعالى بدأ، و من أهانه فلسخط اللّه تعرّض؛
و من أحسن إلى شيعتنا فقد أحسن إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)؛
و من أحسن إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقد أحسن إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و من أحسن إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقد أحسن إلى اللّه، و من أحسن إلى اللّه كان- و اللّه- معنا في الرفيع الأعلى.
قال: فأتيته و ذكرته، فقال: باللّه سمعت هذا الحديث من الصادق (عليه السلام)؟
فقلت: نعم. فقال: اجلس، ثمّ قال: يا غلام! ما على محمّد بن سعيد من الخراج؟
قال: ستّون ألف درهم. قال: امح اسمه من الديوان.
و أعطاني بدرة (3) و جارية و بغلة بسرجها و لجامها،
قال: فأتيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) فلمّا نظر إليّ تبسّم.
____________
(1) 3/ 361، عنه البحار: 47/ 179 ح 27؛ و رواه في الكافي: 1/ 473 ح 3، عنه إثبات الهداة: 5/ 337 ح 8، و الوافي: 3/ 790 ح 3، و حلية الأبرار: 2/ 207، و مدينة المعاجز: 372 ح 40.
(2) هكذا في البحار، و في المناقب «محمّد بن أبي الثمال» و في طبعة قم مستدرك الوسائل: 13/ 175 ح 4: «محمّد بن سمالي».
و بما أنّ هذا الّذي أرسل الصادق (عليه السلام) إليه الرقعة، لم نعثر عليه في الرجال باسم «محمّد بن سمالي»، و أمّا محمّد بن أبي حمزة الثمالي، و كذلك محمّد بن أبي السمّاك، سمعان بن هبيرة النجاشي الأسدي، و هما ممّن يروي عنه (عليه السلام)، فيجوز أن يكون هو أحدهما. و اللّه العالم.
(3) البدرة: عشرة آلاف درهم، و من المال: كمّية عظيمة منه.
480
19- أبواب شفاعته و رقاعه (عليه السلام) إلى حكّام زمانه لأصحابه
1- باب شفاعته (عليه السلام) لرفيد إلى (يزيد بن عمر) (1) بن هبيرة
الأخبار، الأصحاب:
1- المناقب لابن شهرآشوب: الحسين بن محمّد (2) قال:
سخط عليّ بن هبيرة (2) على رفيد، فعاذ بأبي عبد اللّه (عليه السلام)، فقال له: انصرف إليه و اقرأه منّي السلام، و قل له: إنّي أجرت عليك مولاك رفيدا، فلا تهجه بسوء.
فقال: جعلت فداك، شاميّ خبيث الرأي!! فقال: اذهب إليه كما أقول لك.
قال: فاستقبلني أعرابي ببعض البوادي، فقال: أين تذهب؟ إنّي أرى وجه مقتول، ثمّ قال لي: أخرج يدك. ففعلت، فقال: يد مقتول. ثمّ قال لي: أخرج لسانك. ففعلت، فقال:
امض، فلا بأس عليك، فإنّ في لسانك رسالة لو أتيت بها الجبال الرواسي لانقادت لك.
قال: فجئت، فلمّا دخلت عليه أمر بقتلي.
فقلت: أيّها الأمير! لم تظفر بي عنوة، و إنّما جئتك من ذات نفسي، و هاهنا أمر أذكره لك، ثمّ أنت و شأنك. فأمر من حضر فخرجوا.
فقلت له: مولاك جعفر بن محمّد (عليهما السلام) يقرئك السلام و يقول لك:
قد أجرت عليك مولاك رفيدا، فلا تهجه بسوء.
فقال: [و] اللّه لقد قال لك جعفر هذه المقالة، و أقرأني السلام؟ فحلفت؛
فردّها عليّ ثلاثا، ثمّ حلّ أكتافي، ثمّ قال: لا يقنعني منك حتّى تفعل بي ما فعلت بك.
____________
(1) في الأصل: «عليّ بن» سهو، و ترجم ليزيد بن عمر بن هبيرة في وفيات الأعيان: 6/ 313.
(2) هكذا في المصدر، و ع، و ب، و الظاهر أنّ صاحب المناقب لخّصه بما لا يخلو عن شيء، و أنّ الحسين بن محمّد، و إنّ أسند إلى رفيد مولى ابن هبيرة أنّه قال: سخط عليّ ابن هبيرة و حلف ليقتلني، فعاذ إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) و الصحيح ما رواه في الكافي: 1/ 473 ح 3 «الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن البرقي، عن أبيه، عمّن ذكره، عن رفيد مولى يزيد بن عمر بن هبيرة، قال: سخط عليّ ابن هبيرة، و حلف عليّ ليقتلني، فهربت منه و عذت بأبي عبد اللّه (عليه السلام) ...»
482
فقال: يا أبا محمّد! تحدّثني أو احدّثك؟ فقلت: يا ابن رسول اللّه! منك أحسن.
فحدّثني- و اللّه- الحديث كأنّه حاضر معي. (1)
3- باب رقعته (عليه السلام) إلى [والي] الأهواز، لليقطيني
الأخبار، الأصحاب:
1- أعلام الدين للديلمي: روي عن الحسن بن [عليّ بن] يقطين (2)، عن أبيه، عن جدّه، قال: ولّي علينا بالأهواز رجل من كتّاب يحيى بن خالد (3)، و كان عليّ بقايا من خراج، و كان فيها زوال نعمتي، و خروجي من ملكي،؛
فقيل لي: إنّه ينتحل هذا الأمر (4). فخشيت أن ألقاه مخافة أن لا يكون ما بلغني حقّا، فيكون [فيه] خروجي من ملكي، و زوال نعمتي، فهربت منه إلى اللّه تعالى؛
و أتيت الصادق (عليه السلام) (مستجيرا) فكتب إليه رقعة صغيرة فيها:
«بسم اللّه الرحمن الرحيم إنّ للّه في ظلّ عرشه ظلا لا يسكنه إلّا من نفّس عن أخيه كربة، أو أعانه بنفسه، أو صنع إليه معروفا و لو بشقّ تمرة، و هذا أخوك، و السلام»؛
ثمّ ختمها و دفعها إليّ، و أمرني أن اوصلها إليه.
فلمّا رجعت إلى بلدي، صرت إلى منزله، فاستأذنت عليه و قلت:
____________
(1) 3/ 361، عنه البحار: 47/ 179 ضمن ح 27.
(2) قال النجاشي في رجاله: 45: الحسن بن عليّ بن يقطين بن موسى مولى بني هاشم، و قيل: مولى بني أسد، كان ثقة متكلّما، روى عن أبي الحسن و الرضا (عليهما السلام).
و ترجم له في معجم رجال الحديث: 5/ 60؛
(3) هو يحيى بن خالد بن برمك أبو الفضل، و قيل: أبو عليّ وزير هارون الرشيد، ترجم له في وفيات الأعيان: 6/ 219، و سير أعلام النبلاء: 9/ 89.
و ذكره الكشّي: 258 ح 477 و ص 604 ح 1123، و فيه: عن عبد اللّه بن طاوس سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) ....
قال: قلت له: إنّ يحيى بن خالد سمّ أباك موسى بن جعفر (صلوات اللّه عليهما)؟ قال: نعم ...
(4) انتحل مذهب كذا أو قبيلة كذا: انتسب إليه أو إليها، و المراد بالأمر هنا ولاية أهل البيت (عليهم السلام).
484
و اللّه لقد سرّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، إي و اللّه لقد سرّ اللّه في عرشه. (1)
استدراك
(4) باب رقعته (عليه السلام) إلى رجل للنجاشي
(1) الكافي: يأتي ص 1094 ح 1، و فيه:
عن محمّد بن جمهور، قال: كان النجاشي- و هو رجل من الدهاقين- عاملا على الأهواز و فارس، فقال بعض أهل عمله لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّ في ديوان النجاشي عليّ خراجا، و هو مؤمن يدين بطاعتك، فإن رأيت أن تكتب إليه كتابا؟
قال: فكتب إليه أبو عبد اللّه (عليه السلام): «بسم اللّه الرحمن الرحيم سرّ أخاك، يسرّك اللّه».
قال: فلمّا ورد الكتاب عليه، دخل عليه و هو في مجلسه، فلمّا خلا، ناوله الكتاب و قال:
هذا كتاب أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فقبّله و وضعه على عينيه، و قال له: ما حاجتك؟
قال: خراج عليّ في ديوانك.
فقال له: و كم هو؟ قال: عشرة آلاف درهم.
فدعا كاتبه و أمره بأدائها عنه ... (الخبر)
***
____________
(1) 289، عنه البحار: 47/ 207 ح 49. و أورده في عدّة الداعي: 179 (مثله)، عنه البحار المذكور ح 50 عن الاختصاص: 254 (نحوه)، و ذكر المجلسي (ره) و فيه «مكان الصادق الكاظم (عليهما السلام)؛ و لعلّه اظهر» و لم نعثر عليه.
و أورده نحو هذه الرواية في كتاب قضاء حقوق الإخوان: 22 ح 24، عنه البحار: 74/ 313، ضمن ح 69، عن رجل من أهل الريّ، و فيه عن موسى بن جعفر (عليهما السلام) (فلاحظ).
و أخرجه في مستدرك الوسائل: 13/ 133 ح 14 عن المجموع الرائق للسيّد هبة اللّه: 176، عن الأربعين لمحمّد بن سعيد.
483
رسول الصادق (عليه السلام) بالباب، فإذا أنا به، و قد خرج إليّ حافيا، فلمّا بصر بي (1) سلّم عليّ، و قبّل ما بين عينيّ، ثمّ قال لي:
يا سيّدي! أنت رسول مولاي؟ فقلت: نعم.
فقال: قد أعتقتني من النار إن كنت صادقا.
فأخذ بيدي و أدخلني منزله، و أجلسني في مجلسه، و قعد بين يديّ، ثمّ قال:
يا سيّدي! كيف خلّفت مولاي؟ فقلت: بخير.
فقال: اللّه اللّه؟ قلت: اللّه، حتّى أعادها [ثلاثا]؛
ثمّ ناولته الرقعة، فقرأها و قبّلها، و وضعها على عينيه، ثمّ قال: يا أخي! مر بأمرك.
فقلت: في جريدتك (2) عليّ كذا و كذا ألف درهم، و فيه عطبي و هلاكي.
فدعا بالجريدة، فمحا عنّي كلّ ما كان فيها، و أعطاني براءة منها.
ثمّ دعا بصناديق ماله فنا صفني عليها، ثمّ دعا بدوابّه، فجعل يأخذ دابّة و يعطيني دابّة؛
ثمّ دعا بغلمانه، فجعل يعطيني غلاما و يأخذ غلاما، ثمّ دعا بكسوته، فجعل يأخذ ثوبا و يعطيني ثوبا، حتّى شاطرني جميع ملكه و يقول:
هل سررتك؟ فأقول: إي و اللّه، و زدت على السرور.
فلمّا كان في الموسم، قلت: و اللّه لا كان جزاء هذا الفرج بشيء أحبّ إلى اللّه [و إلى] رسوله من الخروج إلى الحجّ و الدعاء له، و المصير إلى مولاي و سيّدي الصادق (عليه السلام) و شكره عنده، و أسأله الدعاء له، فخرجت إلى مكّة، و جعلت طريقي إلى مولاي (عليه السلام)؛
فلمّا دخلت عليه رأيته و السرور في وجهه، و قال [لي]:
يا فلان ما كان من خبرك مع الرجل؟
فجعلت اورد عليه خبري، و جعل يتهلّل وجهه و يسرّ السرور، فقلت:
يا سيّدي! هل سررت بما كان منه إليّ؟ [سرّه اللّه تعالى في جميع اموره].
فقال: إي- و اللّه- سرّني، إي و اللّه لقد سرّ آبائي، إي و اللّه لقد سرّ أمير المؤمنين (عليه السلام)، إي
____________
(1) «فأبصرني و» م.
(2) الجريدة: الصحيفة يكتب عليها.
485
20- أبواب شكاياته (عليه السلام) من طواغيت زمانه
1- باب شكايته (عليه السلام) من طاغية زمانه
الأخبار، الأصحاب:
1- رجال الكشّي: عليّ بن الحكم، عن منصور بن يونس، عن عنبسة، قال:
سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: أشكو إلى اللّه وحدتي، و تقلقلي من أهل المدينة، حتّى تقدموا (1) و أراكم و أسرّ بكم، فليت هذه الطاغية أذن لي فاتّخذت قصرا [في الطائف] (2) فسكنته، و أسكنتكم معي، و أضمن له أن لا يجيء من ناحيتنا مكروه أبدا.
الكافي: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم (مثله). (3)
2- باب آخر [في شكايته (عليه السلام) من طاغية زمانه لعيص بن القاسم]
الأخبار، الأصحاب:
1- رجال الكشّي: خلف (4) بن حمّاد، عن سهل، عن موسى بن سلام، عن الحكم ابن مسكين، عن عيص بن القاسم، قال:
قالت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) مع خالي سليمان بن خالد، فقال لخالي: من هذا الفتى؟
قال: هذا ابن اختي. قال: فيعرف أمركم؟ فقال له: نعم.
فقال: الحمد للّه الّذي لم يجعله شيطانا، ثمّ قال:
[يا ليتني] و إيّاكم بالطائف، احدّثكم و تؤنسوني، و أضمن لهم أن لا نخرج عليهم أبدا. (5)
____________
(1) أي الموالون لأهل البيت (عليهم السلام)، أو خاصّة الإمام (عليه السلام).
(2) من الكافي.
(3) 365 ح 677، 8/ 215 ح 261، عنهما البحار: 47/ 185 ح 31 و 32.
(4) «صدقة» ع، ب. تصحيف، لم نعثر له على ترجمة. و خلف بن حمّاد يكنّى أبا صالح، من أهل كشّ، و هو من مشايخ الكشّي (راجع معجم رجال الحديث: 7/ 67).
(5) 361 ح 669، عنه البحار: 47/ 185 ح 30.
486
3- باب آخر [في شكايته (عليه السلام) من الطغاة و إيثاره العزلة]
الأخبار، الأصحاب:
1- أمالي الطوسي: [أبي، عن] الحسين بن إبراهيم القزويني، عن محمّد بن وهبان، عن أحمد بن إبراهيم، عن الحسن بن عليّ الزعفراني، عن البرقي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:
لوددت أنّي و أصحابي في فلاة من الأرض حتّى نموت، أو يأتي اللّه بالفرج. (1)
2- [العدد القويّة]: قال الثوري لجعفر بن محمّد (عليهما السلام):
يا ابن رسول اللّه! اعتزلت الناس؟ فقال:
يا سفيان! فسد الزمان، و تغيّر الإخوان، فرأيت الانفراد أسكن للفؤاد، ثمّ قال:
ذهب الوفاء ذهاب أمس الذاهب * * * و الناس بين مخاتل و موارب
يفشون بينهم المودّة و الصفا * * * و قلوبهم محشوّة بعقارب (2)
____________
(1) 2/ 272، عنه البحار: 47/ 60 ح 115.
(2) تقدّم ص 189 ح 2 بتخريجاته.
487
21- أبواب مناظراته (عليه السلام) مع المخالفين و ما ذكره المخالفون من علومه (عليه السلام) (1)
[أقول: أفرد المؤلّف مجلّدا خاصّا بالاحتجاجات و المناظرات للنبيّ و الأئمّة (عليهم السلام) و حيث أنّ معظم احتجاجات و مناظرات الإمام الصادق (عليه السلام) مذكورة في هذا المجلّد فقد استدركنا بقيّتها في هذه الأبواب، و أبواب مناظرات أصحابه (عليه السلام) مع المخالفين الآتية ص 1060.
و عملنا فهرسا ضمن فهارس الكتاب خاصّا بعوالم الاحتجاجات المشار إليه بيّنا فيه الأحاديث المتّحدة و غير المتّحدة و أشرنا إلى رقم الصفحة و الحديث.]
1- أبواب مناظراته (عليه السلام) مع الأجلّاء
1- باب مناظراته (عليه السلام) مع أبي حنيفة
الأخبار، الأصحاب:
1- الاحتجاج: عن الحسن بن محبوب، عن سماعة، قال:
قال أبو حنيفة لأبي عبد اللّه (عليه السلام): كم بين المشرق و المغرب؟
قال: مسيرة يوم [للشمس]، بل أقلّ من ذلك.
[قال:] فاستعظمه، فقال: يا عاجز لم تنكر هذا؟ إنّ الشمس تطلع من المشرق، و تغرب
____________
(1) «قد مرّ كثير منها في أبواب البدع و المقاييس؛ و سيأتي في كتاب الاحتجاجات إن شاء اللّه تعالى» منه ره. لاحظ قولنا أعلاه الموضوع بين معقوفتين.
488
في المغرب في أقلّ من يوم، (تمام الخبر). (1)
2- المناقب لابن شهرآشوب: ذكر أبو القاسم البغّار في مسند أبي حنيفة:
قال الحسن بن زياد (2): سمعت أبا حنيفة و قد سئل، من أفقه من رأيت؟
قال: جعفر بن محمّد، لمّا أقدمه المنصور بعث إليّ، فقال:
يا أبا حنيفة! إنّ الناس قد فتنوا بجعفر بن محمّد، فهيّئ له من مسائلك الشداد.
فهيّأت له أربعين مسألة، ثمّ بعث إليّ أبو جعفر و هو بالحيرة فأتيته؛
فدخلت عليه، و جعفر جالس عن يمينه، فلمّا بصرت به، دخلني من الهيبة لجعفر ما لم يدخلني لأبي جعفر، فسلّمت عليه، فأومى إليّ فجلست، ثمّ التفت إليه، فقال:
يا أبا عبد اللّه! هذا أبو حنيفة. قال: نعم، أعرفه.
ثمّ التفت إليّ، فقال: يا أبا حنيفة! ألق على أبي عبد اللّه (عليه السلام) من مسائلك.
فجعلت القي عليه فيجيبني، فيقول: «أنتم تقولون كذا، و أهل المدينة يقولون كذا، و نحن نقول كذا» فربّما تابعنا، و ربّما تابعهم، و ربّما خالفنا جميعا،
حتّى أتيت على الأربعين مسألة، فما أخلّ منها شيء.
ثمّ قال أبو حنيفة: أ ليس أنّ أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس. (3)
3- و منه: و سأله (عليه السلام) أبو حنيفة عن قوله: وَ اللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (4)، فقال: ما تقول فيها يا أبا حنيفة؟ فقال: أقول إنّهم لم يكونوا مشركين.
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): قال اللّه تعالى: انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ (4).
____________
(1) 2/ 118، عنه البحار: 47/ 213 ح 1، و ج 83/ 105 ح 1.
(2) هو الحسن بن زياد، أبو عليّ الأنصاري، مولاهم الكوفي اللؤلؤي، صاحب أبي حنيفة، نزل بغداد و صنّف، و تصدّر للفقه (سير أعلام النبلاء: 9/ 543).
(3) 3/ 378، عنه البحار: 47/ 217 ضمن ح 4، و أخرجه في ملحقات إحقاق الحقّ: 12/ 209 بأسانيد و ألفاظ شتّى، عن جامع مسانيد أبي حنيفة: 1/ 22، و مناقب أبي حنيفة: 1/ 173، و الجواهر المضيئة: 2/ 486، و وسيلة النجاة: ص 354، و تاريخ آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).
(4) الأنعام: 23، 24.
489
فقال: ما تقول فيها يا ابن رسول اللّه؟
فقال: هؤلاء قوم من أهل القبلة أشركوا من حيث لا يعلمون. (1)
4- الكافي: العدّة، عن سهل، عن ابن أسباط، عن عليّ بن أبي عبد اللّه، عن الحسين ابن يزيد، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول و قد قال [له] أبو حنيفة: عجب الناس منك أمس، و أنت بعرفة تماكس ببدنك (2) أشدّ مكاسا يكون!
قال: فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): و ما للّه من الرضا أن أغبن في مالي؟
قال: فقال أبو حنيفة: لا و اللّه، ما للّه في هذا من الرضا قليل و لا كثير؛
و ما نجيئك بشيء إلّا جئتنا بما لا مخرج لنا منه. (3)
5- و منه: عليّ، عن أبيه، عن الحسن بن عليّ، عن أبي جعفر الصائغ، عن محمّد بن مسلم، قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) و عنده أبو حنيفة، فقلت له:
جعلت فداك رأيت رؤيا عجيبة.
فقال: يا ابن مسلم! هاتها، فإنّ العالم بها جالس. و أومى بيده إلى أبي حنيفة.
قال: فقلت: رأيت كأنّي دخلت داري، و إذا أهلي قد خرجت عليّ، فكسّرت جوزا كثيرا و نثرته عليّ، فتعجّبت من هذه الرؤيا. فقال أبو حنيفة: أنت رجل تخاصم و تجادل لئاما في مواريث أهلك، فبعد نصب (4) شديد تنال حاجتك منها إن شاء اللّه.
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): أصبت- و اللّه- يا أبا حنيفة.
قال: ثمّ خرج أبو حنيفة من عنده، فقلت: جعلت فداك إنّي كرهت تعبير هذا الناصب.
فقال: يا ابن مسلم! لا يسؤك اللّه، فما يواطئ (5) تعبيرهم تعبيرنا، و لا تعبيرنا تعبيرهم، و ليس التعبير كما عبّره.
____________
(1) 3/ 390، عنه البحار: 47/ 220 ضمن ح 6.
(2) ماكسه مكاسا: استحطّه الثمن و استنقصه إيّاه.
و البدنة: تقع على الجمل و الناقة و البقرة، و هي بالإبل أشبه، سمّيت بدنة لعظمها و سمنها منه ره.
(3) 4/ 546 ح 30، عنه البحار: 47/ 222 ح 9، و الوسائل: 10/ 118 ح 2، و 12/ 335 ح 1.
(4) نصب نصبا: تعب و أعيا.
(5) يواطئ: يوافق.
490
قال: فقلت له: جعلت فداك فقولك أصبت و تحلف عليه و هو مخطئ!؟
قال: نعم، حلفت عليه أنّه أصاب الخطأ.
قال: فقلت له: فما تأويلها؟ قال: يا ابن مسلم!
إنّك تتمتّع بامرأة، فتعلم بها أهلك، فتمزّق (1) عليك ثيابا جددا، فإنّ القشر كسوة اللبّ.
قال ابن مسلم: فو اللّه ما كان بين تعبيره و تصحيح الرؤيا، إلّا صبيحة الجمعة،
فلمّا كان غداة الجمعة، أنا جالس بالباب إذ مرّت بي جارية فأعجبتني، فأمرت غلامي فردّها، ثمّ أدخلها داري، فتمتّعت بها، فأحسّت بي و بها أهلي، فدخلت علينا البيت، فبادرت الجارية نحو الباب و بقيت أنا، فمزّقت عليّ ثيابا جددا كنت ألبسها في الأعياد. (2)
6- و منه: عليّ، عن أبيه، عن أحمد بن عبد اللّه العقيلي، عن عيسى بن عبد اللّه القرشي، قال: دخل أبو حنيفة على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال له:
يا أبا حنيفة! بلغني أنّك تقيس؟ قال: نعم.
قال: لا تقس، فإنّ أوّل من قاس إبليس حين قال:
خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ* (3) فقاس ما بين النار و الطين، و لو قاس نوريّة آدم بنوريّة النار، عرف فضل ما بين النورين، و صفاء أحدهما على الآخر. (4)
استدراك (7) علل الشرائع: أبي، عن سعد، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن معاذ بن عبد اللّه،
____________
(1) «فتخرّق» ع، ب، و كلاهما بمعنى.
(2) 8/ 292 ح 447، عنه البحار: 47/ 223 ح 11.
(3) الأعراف: 12.
(4) 1/ 58 ح 20، عنه البحار: 47/ 226 ح 16، و الوسائل: 18/ 23 ح 4؛ و رواه في علل الشرائع: 87 ح 3 بإسناده إلى عيسى بن عبد اللّه القرشي، و في آخره:
و لكن قس لي رأسك من جسدك، أخبرني عن اذنيك مالهما مرّتان؟ و عن عينك مالهما مالحتان؟ و عن شفتيك مالهما عذبتان؟ الخبر (يأتي مثله ضمن الحديث التالي).
عنه البحار: 2/ 291 ح 10، و ج 61/ 314 ح 20، و ج 63/ 198 ح 11، و الوسائل: 18/ 28 ح 24، و حلية الأبرار: 2/ 151.
491
عن بشير بن يحيى العامري، عن ابن أبي ليلى، قال: دخلت أنا و النعمان على جعفر بن محمّد (عليهما السلام)، فرحّب بنا و قال: يا ابن أبي ليلى! من هذا الرجل؟
قلت: جعلت فداك هذا رجل من أهل الكوفة، له رأي و نظر و نفاذ.
قال: فلعلّه الّذي يقيس الأشياء برأيه؛
ثمّ قال له: يا نعمان! هل تحسن [أن] تقيس رأسك [من بدنك]؟ قال: لا.
قال: فما أراك تحسن تقيس شيئا و لا تهتدي إلّا من عند غيرك، فهل عرفت ممّا الملوحة في العينين؟ و المرارة في الاذنين؟ و البرودة في المنخرين؟ و العذوبة في الفم؟ قال: لا.
قال: فهل عرفت كلمة أوّلها كفر و آخرها إيمان؟ قال: لا.
قال ابن أبي ليلى: فقلت: جعلت فداك لا تدعنا في عمى ممّا وصفت لنا.
قال: نعم حدّثني أبي، عن آبائه، أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: إنّ اللّه تبارك و تعالى خلق عينيّ ابن آدم شحمتين، فجعل فيهما الملوحة، و لو لا ذلك لذابتا، و لم يقع فيهما شيء من القذى إلّا أذابهما، و الملوحة تلفظ ما يقع في العينين من القذى.
و جعل المرارة في الاذنين حجابا للدماغ، فليس من دابّة تقع في الاذنين إلّا التمست الخروج، و لو لا ذلك لو صلت إلى الدماغ.
و جعل البرودة في المنخرين حجابا للدماغ، و لو لا ذلك لسال الدماغ.
و جعل اللّه العذوبة في الفم منّا من اللّه على ابن آدم ليجد لذّة الطعام و الشراب.
و أمّا كلمة أوّلها كفر و آخرها إيمان، فقول: «لا إله إلّا اللّه» أوّلها كفر، و آخرها إيمان.
ثمّ قال: يا نعمان! إيّاك و القياس، فإنّ أبي حدّثني، عن آبائه، أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال:
من قاس شيئا من الدين برأيه، قرنه اللّه مع إبليس في النار، فإنّه أوّل من قاس حين قال:
خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ* (1)، فدعوا الرأي و القياس، و ما قال قوم ليس له في دين اللّه برهان، فإنّ دين اللّه لم يوضع بالآراء و المقاييس.
و منه: حدّثنا الحسين بن أحمد، عن أبيه، عن محمّد بن أحمد، قال: حدّثنا أبو عبد اللّه الرازي، عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة، عن سفيان الحريري، عن معاذ، عن بشير بن
____________
(1) الأعراف: 12.
492
يحيى العامري، عن ابن أبي ليلى (مثله). (1)
(8) و منه: حدّثنا أحمد بن الحسن القطّان، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: حدّثنا أبو زرعة، قال: حدّثنا هشام بن عمّار، قال: حدّثنا محمّد بن عبد اللّه القرشي، عن ابن شبرمة، قال: دخلت أنا و أبو حنيفة على جعفر بن محمّد (عليهما السلام) (مثله)؛
- إلى قوله و آخرها إيمان- و فيه:
ثمّ قال جعفر (عليه السلام): أيّهما أعظم قتل النفس أو الزنا؟ قال: قتل النفس.
قال: فإنّ اللّه عزّ و جلّ قد قبل في قتل النفس شاهدين، و لم يقبل في الزنا إلّا أربعة.
ثمّ قال: أيّهما أعظم الصلاة أم الصوم؟ قال: الصلاة.
قال: فما بال الحائض تقضي الصيام و لا تقضي الصلاة؟
فكيف يقوم لك القياس؟! فاتّق اللّه و لا تقس. (2)
(9) و منه: حدّثنا أبي محمّد بن الحسن رحمهما اللّه، قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه، قال: حدّثنا أحمد بن أبي عبد اللّه البرقي، قال: حدّثنا أبو زهير بن شبيب بن أنس، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:
كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) إذ دخل عليه غلام من كندة فاستفتاه في مسألة، فأفتاه فيها؛
فعرفت الغلام و المسألة، فقدمت الكوفة، فدخلت على أبي حنيفة، فإذا ذاك الغلام بعينه يستفتيه في تلك المسألة بعينها، فأفتاه فيها بخلاف ما أفتاه أبو عبد اللّه (عليه السلام)؛
فقمت إليه، فقلت: ويلك يا أبا حنيفة! إنّي كنت العام حاجّا، فأتيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) مسلّما عليه، فوجدت هذا الغلام يستفتيه في هذه المسألة بعينها، فأفتاه بخلاف ما أفتيته.
____________
(1) 82 ح 4، 86 ح 6 (طبع قم)، عنه البحار: 2/ 286 ذ ح 3، و ص 295 ح 14، و ج 61، 312 ح 18، و الوسائل: 18/ 29 ح 26. و أورده في الاحتجاج: 2/ 110 عن بشير بن يحيى (مثله)، عنه البحار:
2/ 286 ح 3. تقدّم في باب علمه (عليه السلام) ص 98 ضمن ح 6 عن المناقب ما يناسب المقام.
(2) 86 ح 2، عنه البحار: 2/ 291 ح 11. و رواه في أخبار القضاة: 77 بإسناده إلى محمّد بن عبد اللّه الزهري عن ابن شبرمة، و في حلية الأولياء: 3/ 196 بإسناده إلى عثمان بن جميع قال:
دخلت على جعفر بن محمّد (عليهما السلام) أنا و ابن أبي ليلى و أبو حنيفة. و من طريق آخر إلى عبد اللّه بن شبرمة، عنهما ملحقات إحقاق الحقّ: 12/ 210، و رواه مفصّلا في مناقب آل أبي طالب: 3/ 376.
493
فقال: و ما يعلم جعفر بن محمّد، أنا أعلم منه، أنا لقيت الرجال، و سمعت من أفواههم، و جعفر بن محمّد صحفيّ أخذ العلم من الكتب!
فقلت في نفسي: و اللّه لأحجّنّ و لو حبوا.
قال: فكنت في طلب حجّة، فجاءتني حجّة فحججت، فأتيت أبا عبد اللّه (عليه السلام)؛
فحكيت له الكلام فضحك، ثمّ قال: أمّا في قوله إنّي رجل صحفيّ فقد صدق؛
قرأت صحف آبائي إبراهيم و موسى. فقلت: و من له بمثل تلك الصحف؟
قال: فما لبثت أن طرق الباب طارق، و كان عنده جماعة من أصحابه؛
فقال للغلام: انظر من ذا؟ فرجع الغلام فقال: أبو حنيفة.
قال: أدخله. فدخل، فسلّم على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فردّ عليه.
ثمّ قال: أصلحك اللّه أ تأذن لي في القعود؟ فأقبل على أصحابه يحدّثهم، و لم يلتفت إليه.
ثمّ قال الثانية و الثالثة، فلم يلتفت إليه، فجلس أبو حنيفة من غير إذنه.
فلمّا علم أنّه قد جلس التفت إليه، فقال: أين أبو حنيفة؟ فقيل: هو ذا أصلحك اللّه.
فقال: أنت فقيه أهل العراق؟ قال: نعم.
قال: فبم تفتيهم؟ قال: بكتاب اللّه و سنّة نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).
قال: يا أبا حنيفة! تعرف كتاب اللّه حقّ معرفته، و تعرف الناسخ و المنسوخ؟ قال: نعم.
قال: يا أبا حنيفة! لقد ادّعيت علما، ويلك! ما جعل اللّه ذلك إلّا عند أهل الكتاب الّذين أنزل عليهم، ويلك! و لا هو إلّا عند الخاصّ من ذريّة نبيّنا (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و ما ورّثك اللّه من كتابه حرفا، فإن كنت كما تقول و لست كما تقول، فأخبرني عن قول اللّه عزّ و جلّ:
سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَ أَيَّاماً آمِنِينَ (1) أين ذلك من الأرض؟ قال: أحسبه ما بين مكّة و المدينة.
فالتفت أبو عبد اللّه (عليه السلام) إلى أصحابه، فقال: تعلمون أنّ الناس يقطع عليهم بين المدينة و مكّة، فتؤخذ أموالهم و لا يأمنون على أنفسهم و يقتلون؟ قالوا: نعم. قال: فسكت أبو حنيفة
____________
(1) سبأ: 18.
494
فقال: يا أبا حنيفة! أخبرني عن قول اللّه عزّ و جلّ: وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً (1)
أين ذلك من الأرض؟ قال: الكعبة. قال: أ فتعلم أنّ الحجّاج بن يوسف حين وضع المنجنيق على ابن الزبير في الكعبة فقتله كان آمنا؟ قال: فسكت.
ثمّ قال له: يا أبا حنيفة! إذا ورد عليك شيء ليس في كتاب اللّه، و لم تأت به الآثار و السنّة، كيف تصنع؟ فقال! أصلحك اللّه: أقيس، و أعمل فيه برأيي.
قال: يا أبا حنيفة! إنّ أوّل من قاس إبليس الملعون، قاس على ربّنا تبارك و تعالى، فقال:
أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ* (2). فسكت أبو حنيفة.
فقال: يا أبا حنيفة! أيّما أرجس، البول أو الجنابة؟ فقال: البول.
فقال: فما بال الناس يغتسلون من الجنابة، و لا يغتسلون من البول؟ فسكت.
فقال: يا أبا حنيفة! أيّما أفضل الصلاة أم الصوم؟ قال: الصلاة.
فقال: فما بال الحائض تقضي صومها، و لا تقضي صلاتها؟ فسكت.
فقال: يا أبا حنيفة! أخبرني عن رجل كانت له أمّ ولد، و له منها ابنة، و كانت له حرّة لا تلد، فزارت الصبيّة بنت أمّ الولد أباها، فقام الرجل بعد فراغه من صلاة الفجر، فواقع أهله الّتي لا تلد و خرج إلى الحمّام، فأرادت الحرّة أن تكيد أمّ الولد و ابنتها عند الرجل، فقامت إليها بحرارة ذلك الماء، فوقعت عليها و هي نائمة، فعالجتها كما يعالج الرجل المرأة، فعلقت؛
أيّ شيء عندك فيها؟ قال: لا و اللّه ما عندي فيها شيء.
فقال: يا أبا حنيفة! أخبرني عن رجل كانت له جارية، فزوّجها من مملوك له و غاب المملوك، فولد له من أهله مولود، و ولد للمملوك مولود من أمّ ولد له، فسقط البيت على الجاريتين و مات المولى، من الوارث؟ فقال: جعلت فداك: لا و اللّه ما عندي فيها شيء.
ثمّ قال أبو حنيفة: أصلحك اللّه إنّ عندنا قوما بالكوفة يزعمون أنّك تأمرهم بالبراءة من فلان و فلان [و فلان]. فقال: ويلك يا أبا حنيفة! لم يكن هذا، معاذ اللّه.
فقال: أصلحك اللّه، إنّهم يعظّمون الأمر فيهما.
قال: فما تأمرني؟ قال: تكتب إليهم. قال: بما ذا؟ قال: تسألهم الكفّ عنهما.
____________
(1) آل عمران: 97.
(2) الأعراف: 12.
495
قال: لا يطيعوني. قال: بلى أصلحك اللّه إذا كنت أنت الكاتب و أنا الرسول أطاعوني.
قال: يا ابا حنيفة! أبيت إلّا جهلا؛
كم بيني و بين الكوفة من الفراسخ؟ قال: أصلحك اللّه ما لا يحصى.
فقال: كم بيني و بينك؟ قال: لا شيء.
قال: أنت دخلت عليّ في منزلي، فاستأذنت في الجلوس ثلاث مرّات، فلم آذن لك؛
فجلست بغير إذني خلافا عليّ، كيف يطيعوني اولئك و هم هناك و أنا هاهنا!؟
قال: فقبّل رأسه و خرج و هو يقول: أعلم الناس، و لم نره عند عالم.
فقال أبو بكر الحضرمي: جعلت فداك الجواب في المسألتين الأوّليّين.
فقال: يا أبا بكر! «سيروا فيها ليالي و أيّاما آمنين» فقال: مع قائمنا أهل البيت.
و أمّا قوله وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً
فمن بايعه و دخل معه، و مسح على يده، و دخل في عقد أصحابه، كان آمنا. (1)
(10) الصراط المستقيم: دخل النعمان على الصادق (عليه السلام) فقال:
من أنت؟ قال: مفتي العراق. قال: بم تفتي؟ قال: بكتاب اللّه.
قال: هل تعرف ناسخه و منسوخه، و محكمه و متشابهه؟ قال: نعم.
قال: فقوله تعالى: وَ قَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَ أَيَّاماً آمِنِينَ (2)؛
أيّ موضع هي؟ قال: بين مكّة و المدينة.
فقال: وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً (3) ما هو؟ قال: البيت الحرام؛
فأنشد جلساءه: هل تعلمون عدم الأمن عن النفس و المال بين مكّة و المدينة، و عدم أمن ابن الزبير و ابن جبير في البيت؟ قالوا: نعم.
قال أبو حنيفة: ليس لي علم بالكتاب، و إنّما أنا صاحب قياس.
قال له: أيّما أعظم، القتل أو الزنا؟ قال: القتل.
قال: قنع اللّه فيه بشاهدين، و لم يقنع في الزنا إلّا بأربعة.
____________
(1) 89 ح 5، عنه البحار: 2/ 292 ح 13، و حلية الأبرار: 2/ 148، و الوسائل: 1/ 467 ح 5 (قطعة) و ج 18/ 29 ح 27.
(2) سبأ: 18.
(3) آل عمران: 97.
496
أيّما أفضل الصوم أم الصلاة؟ قال: الصلاة.
قال: فلم أوجب على الحائض قضاء الصوم، دون الصلاة؟
و أيّما أقذر المنيّ أم البول؟ قال: البول. قال: فما بال اللّه أوجب الغسل منه دون البول.
قال: إنّما أنا صاحب رأي. قال: فما ترى في امرأة إنسان و امرأة عبد، سافرا عنهما، فسقط البيت عليهما، فماتتا و تركتا ولدين لا يدرى أيّهما المالك من المملوك؟
قال: إنّما أنا صاحب حدود.
قال: فأعور فقأ عين صحيح، و أقطع قطع يد رجل كيف حدّهما؟
قال: إنّما أنا عالم بما بعث الأنبياء. قال (عليه السلام): فقوله سبحانه:
لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى (1) أ هذا شكّ من اللّه؟ قال: لا علم لي.
فقال (عليه السلام): إنّك تعمل بكتاب اللّه، و لست ممّن ورثه، و إنّك قيّاس، و أوّل من قاس إبليس، و لم يبن دين الإسلام على القياس، و إنّك صاحب رأي، و خصّ اللّه نبيّه بالرأي في قوله: «و احكم بينهم بما أراك اللّه» (2) فكان رأيه صوابا و من دونه خطأ؛
و من انزلت عليه الحدود أولى منك بعلمها، و أعلم منك بمباعث الأنبياء، خاتم الأنبياء.
و لو لا أن يقال: دخل أبو حنيفة على جعفر ابن رسول اللّه، فلم يسأله عن شيء لما سألتك، فقس إن كنت مقيسا، فقال: و اللّه لا تكلّمت به بعدها.
فقال (عليه السلام): كلّا إنّ حبّ الرئاسة غير تاركك كما لم يترك من كان قبلك، انتهى كلامه (عليه السلام). (3)
(11) ألف باء: يروى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنّه قال: حججت في السنة الّتي حجّ فيها أبو حنيفة إلى مكّة، فكنّا في الطريق حتّى أتينا المدينة، فلمّا صرت إلى المدينة، قال لي أبو حنيفة: احبّ أن أدخل إلى هذا الرجل فاسلّم عليه- يريد جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام)- و أسأله و أخاف أن لا يأذن لي.
____________
(1) طه: 44.
(2) اقتباس من قوله تعالى في سورة النساء: 105 إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ ...؛
(3) 3/ 211. و أورده في الاحتجاج: 2/ 115، عنه البحار: 2/ 287 ح 4، و حلية الأبرار: 2/ 155.
497
قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: فقلت له: أخلق به- إن علم بمكانك- أن لا يأذن لك؛ و لكن كن معي، فإن أذن لي دخلت معي. قال: فمضينا إلى بابه، فقلت لغلامه:
أقرئه السلام، و قل له: عبد الرّحمن بن أبي ليلى و رجل من أهل الكوفة.
قال: فرجع إلينا بالإذن، فدخلنا عليه، فرحّب بنا و قرب حتّى إذا اطمأننّا، أقبل عليّ؛ فقال: من هذا الرجل؟ فقلت: بأبي أنت و امّي هذا أبو حنيفة فقيه أهل الكوفة.
قال: فأقبل عليه، فقال: أنت النعمان بن ثابت؟ قال: نعم، بأبي أنت و امّي.
قال: أنت الّذي تقيس الدين برأيك؟ قال: بأبي أنت و امّي إنّما أقول ذلك في النازلة أو الحادثة، تحدث ليس لها في كتاب اللّه خبر، و لا في سنّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و لا في إجماع عليه.
قال: فتبسّم، ثمّ قال: ويحك يا نعمان!
ما لم يكن له في كتاب اللّه، و لا في سنّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و لا في إجماع المسلمين، و لا في خبر المتّصل حجّة، فقد زال عنك حكمه، و وضع عنك فرضه، فلم تتكلّف و لم تؤمر.
ويحك يا نعمان! إيّاك و القياس، فإنّ أهل القياس لا يزالون في التباس (الخبر). (1)
(12) الكافي: عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن إسماعيل، عن حمّاد بن عيسى، عن الحسين بن المختار، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) لأبي حنيفة:
يا أبا حنيفة! ما تقول في بيت سقط على قوم و بقي منهم صبيّان:
أحدهما حرّ، و الآخر مملوك لصاحبه، فلم يعرف الحرّ من المملوك؟
فقال أبو حنيفة: يعتق نصف هذا، و يعتق نصف هذا، و يقسّم المال بينهما! فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): ليس كذلك؛
و لكنّه يقرع بينهما، فمن أصابته القرعة فهو حرّ، و يعتق هذا، فيجعل مولى له. (2)
____________
(1) 2/ 305، عنه ملحقات إحقاق الحقّ: 12/ 213.
(2) 7/ 138 ح 7، عنه البحار: 10/ 203 ح 7. و الوسائل: 17/ 592 ح 2 و عن من لا يحضره الفقيه:
4/ 308 ح 5660، و رواه في التهذيب: 9/ 361 ح 10 بإسناده إلى الحسين بن المختار (مثله) عنه الوسائل: 18/ 188 ح 7.
و تقدّم ضمن ح 9 ص 494، عن علل الشرائع، و ح 10 ص 496، عن الصراط المستقيم نحوه.
498
(13) الاختصاص: محمّد بن عبيد، عن حمّاد، عن محمّد بن مسلم، قال:
دخل أبو حنيفة على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال له: إنّي رأيت ابنك موسى يصلّي و الناس يمرّون بين يديه، فلا ينهاهم، و فيه ما فيه.
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): ادع لي موسى، فلمّا جاءه، قال: يا بنيّ! إنّ أبا حنيفة يذكر أنّك تصلّي، و الناس يمرّون بين يديك فلا تنهاهم؟ قال: نعم يا أبه، إنّ الّذي كنت اصلّي له كان أقرب إليّ منهم، يقول اللّه تعالى: وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (1)؛
قال: فضمّه أبو عبد اللّه (عليه السلام) إلى نفسه، و قال: بأبي أنت و امّي يا مودع الأسرار.
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): يا أبا حنيفة! القتل عندكم أشدّ أم الزنا؟ فقال: بل القتل.
قال: فكيف أمر اللّه تعالى في القتل بالشاهدين و في الزنا بأربعة؟ كيف يدرك هذا بالقياس؟ يا أبا حنيفة! ترك الصلاة أشدّ أم ترك الصيام؟ فقال: بل ترك الصلاة.
قال: فكيف تقضي المرأة صيامها و لا تقضي صلاتها، كيف يدرك هذا بالقياس؟
ويحك يا أبا حنيفة! النساء أضعف عن المكاسب أم الرجال؟ فقال: بل النساء.
قال: فكيف جعل اللّه تعالى للمرأة سهما و للرجل سهمين؟ كيف يدرك هذا بالقياس؟
يا أبا حنيفة! الغائط أقذر أم المنيّ؟ قال: بل الغائط.
قال: فكيف يستنجي من الغائط، و يغتسل من المنيّ؟ كيف يدرك هذا بالقياس؟
ويحك يا أبا حنيفة! تقول: سأنزل مثل ما أنزل اللّه؟
قال: أعوذ باللّه أن أقوله. قال: بلى تقوله أنت و أصحابك من حيث لا تعلمون.
قال أبو حنيفة: جعلت فداك حدّثني بحديث نحدّث به عنك.
قال: حدّثني أبي محمّد بن عليّ، عن أبيه عليّ بن الحسين، عن أبيه الحسين بن عليّ، عن أبيه عليّ بن أبي طالب (صلوات اللّه عليهم أجمعين) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):
«إنّ اللّه أخذ ميثاق أهل البيت من أعلى علّيّين، و أخذ طينة شيعتنا منّا، و لو جهد أهل السماء و أهل الأرض أن يغيّروا من ذلك شيئا ما استطاعوه».
قال: فبكى أبو حنيفة بكاء شديدا، و بكى أصحابه، ثمّ خرج و خرجوا. (2)
____________
(1) سورة ق: 16.
(2) 185، عنه البحار: 10/ 204 ح 8. و رواه في الكافي: 3/ 297 ح 4، عنه الوسائل: 3/ 436 ح 11، و البحار: 48/ 171 ح 8، و ج 83/ 299، و إثبات الهداة: 5/ 476 ح 22، يأتي في عوالم العلوم: 21/ 421 ح 1، عن الكافي: إلى قوله «يا مودع الأسرار».
499
(14) كنز الكراجكي: روى الشيخ المفيد (قدّس اللّه روحه) بإسناده إلى محمّد بن السائب الكلبي، قال: لمّا قدم الصادق (عليه السلام) العراق نزل الحيرة، فدخل عليه أبو حنيفة؛ و سأله عن مسائل، و كان ممّا سأله أن قال له: جعلت فداك ما الأمر بالمعروف؟
فقال (عليه السلام): المعروف يا أبا حنيفة، المعروف في أهل السماء، المعروف في أهل الأرض، و ذاك أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، قال:
جعلت فداك فما المنكر؟ قال: اللذان ظلماه حقّه، و ابتزّاه أمره، و حملا الناس على كتفه. قال: ألا ما هو أن ترى الرجل على معاصي اللّه فتنهاه عنها؟
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): ليس ذاك أمرا بمعروف، و لا نهيا عن منكر، إنّما ذاك خير قدّمه.
قال أبو حنيفة: أخبرني جعلت فداك عن قول اللّه عزّ و جلّ:
ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (1)؟
قال: فما هو عندك يا أبا حنيفة؟
قال: الأمن في السرب، و صحّة البدن، و القوت الحاضر!
فقال: يا أبا حنيفة! لئن وقفك اللّه أو أوقفك يوم القيامة حتّى يسألك عن كلّ أكلة أكلتها، و شربة شربتها، ليطولنّ وقوفك! قال: فما النعيم جعلت فداك؟
قال: النعيم، نحن الّذين أنقذ اللّه الناس بنا من الضلالة، و بصّرهم بنا من العمى، و علّمهم بنا من الجهل.
قال: جعلت فداك فكيف كان القرآن جديدا أبدا؟
قال: لأنّه لم يجعل لزمان دون زمان فتخلقه الأيّام، و لو كان كذلك لفنى القرآن قبل فناء العالم. (2)
(15) المناقب لابن شهرآشوب: أبو جعفر الطوسي في «الأمالي»، و أبو نعيم في «الحلية»، و صاحب الروضة بالإسناد- و الرواية يزيد بعضها على بعض-:
عن محمّد الصيرفي، و عن عبد الرحمن بن سالم: أنّه دخل ابن شبرمة و أبو حنيفة على
____________
(1) التكاثر: 8.
(2) 2/ 352 ح 8، عنه البحار: 10/ 208 ح 10، و ج 24/ 58 ح 34، و البرهان: 4/ 503 ح 12.
500
الصادق (عليه السلام) فقال لأبي حنيفة: اتّق اللّه و لا تقس الدين برأيك، فإنّ أوّل من قاس إبليس، إذ أمره اللّه تعالى بالسجود، فقال: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ* (1)؛
ثمّ قال: هل تحسن أن تقيس رأسك من جسدك؟ قال: لا.
قال: فأخبرني عن الملوحة في العينين، و المرارة في الأذنين، و البرودة في المنخرين، و العذوبة في الشفتين لأيّ شيء جعل ذلك؟ قال: لا أدري.
فقال (عليه السلام): إنّ اللّه تعالى خلق العينين فجعلهما شحمتين، و جعل الملوحة فيهما منّا على بني آدم، و لو لا ذلك لذابتا، و جعل المرارة في الاذنين منّا منه على بني آدم، و لو لا ذلك لقحمت الدوابّ فأكلت دماغه، و جعل الماء في المنخرين ليصعد النفس و ينزل، و يجد منه الريح الطيّبة و الرديئة، و جعل العذوبة في الشفتين ليجد ابن آدم لذّة مطعمه و مشربه.
ثمّ قال له: أخبرني عن كلمة أوّلها شرك و آخرها إيمان. قال: لا أدري. قال: «لا إله إلّا اللّه»، ثمّ قال: أيّما أعظم عند اللّه تعالى القتل أو الزنا؟ فقال: بل القتل. قال: فإنّ اللّه تعالى قد رضي في القتل بشاهدين، و لم يرض في الزنا إلّا بأربعة! ثمّ قال: إنّ الشاهد على الزنا شهد على اثنين، و في القتل على واحد، لأنّ القتل فعل واحد، و الزنا فعلان.
ثمّ قال: أيّما أعظم عند اللّه تعالى الصوم أو الصلاة؟ قال: لا، بل الصلاة.
قال: فما بال المرأة إذا حاضت تقضي الصوم و لا تقضي الصلاة؟ ثمّ قال: لأنّها تخرج إلى صلاة (2) فتداومها، و لا تخرج إلى صوم.
ثمّ قال: المرأة أضعف أم الرجل؟ قال: المرأة.
قال: فما بال المرأة و هي ضعيفة لها سهم واحد، و الرجل قويّ له سهمان. ثمّ قال:
لأنّ الرجل يجبر على الإنفاق على المرأة، و لا تجبر المرأة على الإنفاق على الرجل.
ثمّ قال: البول أقذر أم المنيّ؟ قال: البول. قال: يجب على قياسك أن يجب الغسل من البول دون المنيّ، و قد أوجب اللّه تعالى الغسل من المنيّ دون البول.
____________
(1) الأعراف: 12.
(2) «قوله (عليه السلام): (لأنّها تخرج إلى صلاة) لعلّه مبنيّ على وجهين:
أحدهما أنّ الصلاة فعل و الصوم ترك، و الثاني أنّ الصلاة تكون دائما و الصوم يكون في السنة مرّة؛ و يمكن أن يقرأ يحرج- بالحاء المهملة-» منه ره.
501
ثمّ قال: لأنّ المنيّ اختيار، و يخرج من جميع الجسد، و يكون في الأيّام؛
و البول ضرورة، و يكون في اليوم مرّات (1)، قال أبو حنيفة: كيف يخرج من جميع الجسد، و اللّه يقول: يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَ التَّرائِبِ (2)؟
قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): فهل قال: لا يخرج من غير هذين الموضعين؟
ثمّ قال (عليه السلام): لم لا تحيض المرأة إذا حبلت؟ قال: لا أدري؛
قال (عليه السلام) و الصلاة: حبس اللّه تعالى الدم، فجعله غذاء للولد.
ثمّ قال (عليه السلام): أين مقعد الكاتبين؟ قال: لا أدري.
قال: مقعدهما على الناجذين، و الفم: الدواة، و اللسان: القلم، و الريق: المداد.
ثمّ قال: لم يضع الرجل يده على مقدّم رأسه عند المصيبة، و المرأة على خدّها؟
قال: لا أدري. فقال (عليه السلام): اقتداء بآدم و حوّاء، حيث اهبطا من الجنّة، أ ما ترى أنّ من شأن الرجل الإكباب (3) عند المصيبة، و من شأن المرأة رفعها رأسها إلى السماء إذا بكت.
ثمّ قال (عليه السلام): ما ترى في رجل كان له عبد، فتزوّج، و زوّج عبده في ليلة واحدة، ثمّ سافرا، و جعلا امرأتيهما في بيت واحد، فسقط البيت عليهم، فقتل المرأتين و بقي الغلامان؛ أيّهما في رأيك المالك؟ و أيّهما المملوك؟ و أيّهما الوارث؟ و أيّهما الموروث؟ ثمّ قال:
فما ترى في رجل أعمى فقأ عين صحيح، و أقطع قطع يد رجل كيف يقام عليهما الحدّ؟
ثمّ قال (عليه السلام): فأخبرني عن قول اللّه تعالى لموسى و هارون حين بعثهما إلى فرعون:
لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى (4) «لعلّ» منك شكّ؟ قال: نعم.
قال: و كذلك من اللّه شكّ إذ قال: «لعلّه»؟
____________
(1) أضاف في م «و هو مختار، و الآخر متولّج». و أورد المصنّف بيانا لم نقف على لفظه في المتن، و هو: قوله (عليه السلام): «فما بال الناس يغتسلون من الجنابة» لمّا حكم أبو حنيفة بأرجسيّة البول بناء على ما زعمه من طهارة محلّ المنيّ بالفرك ألزم (عليه السلام) عليه ذلك، و إلّا فالمنيّ أرجس عندنا.
(2) الطارق: 7.
(3) «الاكتباب» ع، م. «الاكتئاب» ب. «قوله (عليه السلام): (أ ما ترى! أنّ من شأن الرجل) أي علّة هذا أيضا مثل علّة تلك، أي أكبّ آدم (عليه السلام) عند هبوطه، و رفعت حوّاء رأسها عند خروجها.
و سيأتي شرح تلك العلل في مواضعها إن شاء اللّه تعالى» منه ره.
أقول: أكبّ الرجل إكبابا إذا نكس.
(4) طه: 44.
502
ثمّ قال: أخبرني عن قول اللّه تعالى: وَ قَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَ أَيَّاماً آمِنِينَ (1)
أيّ موضع هو: قال: هو ما بين مكّة و المدينة. قال (عليه السلام): نشدتكم باللّه هل تسيرون بين مكّة و المدينة لا تأمنون على دمائكم من القتل، و على أموالكم من السرقة؟
ثمّ قال: و أخبرني عن قول اللّه تعالى: وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً (2)
أيّ موضع هو؟ قال: ذاك بيت اللّه الحرام.
فقال: نشدتكم باللّه هل تعلمون أنّ عبد اللّه بن الزبير، و سعيد بن جبير دخلاه، فلم يأمنا القتل؟ قال: فاعفني يا بن رسول اللّه.
قال: فأنت الّذي تقول: سأنزل مثل ما أنزل اللّه؟ قال: أعوذ باللّه من هذا القول.
قال: إذا سئلت فما تصنع؟ قال: اجيب عن الكتاب، أو السنّة، أو الاجتهاد.
قال: إذا اجتهدت من رأيك وجب على المسلمين قبوله؟ قال: نعم. قال:
و كذلك وجب قبول ما أنزل اللّه تعالى، فكأنّك قلت: سأنزل مثل ما أنزل اللّه تعالى. (3)
16- و منه: و في حديث محمّد بن مسلم أنّ الصادق (عليه السلام) قال لأبي حنيفة:
أخبرني عن هاتين النكتتين (4) اللّتين في يدي حمارك، ليس ينبت عليهما شعر؟
قال أبو حنيفة: خلق كخلق اذنيك في جسدك و عينيك.
فقال له: ترى هذا قياسا! إنّ اللّه تعالى خلق اذنيّ لأسمع بهما، و خلق عينيّ لأبصر بهما، فهذا لما خلقه في جميع الدوابّ و ما ينتفع به؟ فانصرف أبو حنيفة معتبا.
فقلت: أخبرني ما هي؟ قال: إنّ اللّه تعالى يقول في كتابه:
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (5) يعني منتصبا في بطن امّه، غذاؤه من غذائها، ممّا تأكل و تشرب امّه، هاهنا ميثاقه بين عينيه، فإذا أذن اللّه عزّ و جلّ في ولادته، أتاه ملك يقال له «حيوان»، فزجره زجرة انقلب و نسي الميثاق، و خلق جميع البهائم في بطون امّهاتهنّ منكوسة، مؤخّره إلى مقدّم امّه، كما يأخذ الإنسان في بطن امّه؛
____________
(1) سبأ: 18.
(2) آل عمران: 97.
(3) 3/ 376، عنه البحار: 10/ 212 ح 13. و تقدّمت قطع منه ضمن أحاديث هذا الباب.
(4) «الركبتين» م.
(5) البلد: 4.
503
فهاتان النكتتان السوداوان اللتان ترى ما بين الدوابّ هو موضع عيونها في بطن امّهاتها، فليس ينبت عليه الشعر، و هو لجميع البهائم ما خلا البعير؛
فإنّ عنق البعير طال، فتقدّم رأسه بين يديه و رجليه. (1)
(17) دعائم الإسلام: روينا عن جعفر بن محمّد (صلوات اللّه عليهما):
أنّه قال لأبي حنيفة- و قد دخل عليه- فقال له: يا نعمان! ما الّذي تعتمد عليه فيما لم تجد فيه نصّا في كتاب اللّه، و لا خبرا عن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)؟ قال: أقيسه على ما وجدت من ذلك؛
- و ذكر نحو ما تقدّم من أحاديث الباب في البول و المني و القتل و الزنا و الصلاة و الصوم إلى أن قال (عليه السلام)- فاتّق اللّه يا نعمان و لا تقس، فإنّا نقف غدا نحن و أنت و من خالفنا بين يدي اللّه عزّ و جلّ، فيسألنا عن قولنا، و يسألكم عن قولكم (2)، فنقول: قلنا: قال اللّه، و قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و تقول أنت و أصحابك: رأينا و قسنا، فيفعل اللّه بنا و بكم ما يشاء. (3)
(12) أقول (4): قال: استاذي العلّامة رفع اللّه مقامه وجدت بخطّ بعض الأفاضل نقلا من خطّ الشهيد رفع اللّه درجته قال: قال أبو حنيفة النعمان بن ثابت:
جئت إلى حجّام بمنى ليحلق رأسي، فقال: ادن ميامنك، و استقبل القبلة، و سمّ اللّه.
فتعلّمت منه ثلاث خصال لم تكن عندي، فقلت له: مملوك أنت أم حرّ؟ فقال: مملوك قلت: لمن؟ قال: لجعفر بن محمّد العلويّ (عليه السلام).
قلت: أشاهد هو أم غائب؟ قال: شاهد.
فصرت إلى بابه، و استأذنت عليه فحجبني، و جاء قوم من أهل الكوفة، فاستأذنوا فأذن لهم، فدخلت معهم، فلمّا صرت عنده، قلت له:
يا ابن رسول اللّه! لو أرسلت إلى أهل الكوفة، فنهيتهم أن يشتموا أصحاب محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فإنّي تركت بها أكثر من عشرة آلاف يشتمونهم. فقال: لا يقبلون منّي.
فقلت: و من لا يقبل منك و أنت ابن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)!
____________
(1) 3/ 377، عنه البحار: 10/ 214 ح 14.
(2) «و يسألهم عن قولهم» ع، ب.
(3) 1/ 90 ح 183، عنه البحار: 10/ 221 ح 22. و أورده في شرف أصحاب الحديث: 76، عن ابن شبرمة (مثله قطعة) عنه ملحقات الإحقاق: 19/ 522.
(4) القائل هو مصنف الكتاب ره.
504
فقال: أنت ممّن لم تقبل منّي، دخلت داري بغير إذني، و جلست بغير أمري، و تكلّمت بغير رأيي، و قد بلغني أنّك تقول بالقياس؟ قلت: نعم، به أقول.
قال: ويحك يا نعمان! أوّل من قاس اللّه تعالى إبليس حين أمره بالسجود لآدم (عليه السلام) و قال خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ* (1).
أيّما أكبر يا نعمان القتل أو الزنا؟ قلت: القتل.
قال: فلم جعل اللّه في القتل شاهدين، و في الزنا أربعة؟ أ ينقاس لك هذا؟ قلت: لا.
قال: فأيّما أكبر البول أو المنيّ؟ قلت: البول.
قال: فلم أمر اللّه في البول بالوضوء و في المنيّ بالغسل؟ أ ينقاس لك هذا؟ قلت: لا.
قال: فأيّما أكبر الصلاة أو الصيام؟ قلت: الصلاة. قال: فلم وجب على الحائض أن تقضي الصوم و لا تقضي الصلاة؟ أ ينقاس لك هذا؟ قلت: لا.
قال: فأيّما أضعف المرأة أم الرجل؟ قلت: المرأة. قال: فلم جعل اللّه تعالى في الميراث للرجل سهمين، و للمرأة سهما؟ أ ينقاس لك هذا؟ قلت: لا.
قال: فلم حكم اللّه تعالى فيمن سرق عشرة دراهم بالقطع، و إذا قطع رجل يد رجل فعليه ديتها خمسة آلاف درهم؟ أ ينقاس لك هذا؟ قلت: لا.
قال: و قد بلغني أنّك تفسّر آية في كتاب اللّه و هي: ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (2)؛
أنّه الطعام الطيّب و الماء البارد في اليوم الصائف. قلت: نعم.
قال له: دعاك رجل و أطعمك طعاما طيّبا، و أسقاك ماء باردا، ثمّ امتنّ عليك به ما كنت تنسبه إليه؟ قلت: إلى البخل.
قال: أ فيبخل اللّه تعالى؟! قلت: فما هو؟ قال: حبّنا أهل البيت (عليهم السلام). (3)
(19) وفيات الأعيان: حكى كشاجم في كتاب «المصايد و المطارد»: (4) أنّ جعفرا (عليه السلام) سأل أبا حنيفة، فقال: ما تقول في محرم كسر رباعيّة ظبي؟
فقال: يا ابن رسول اللّه إما أعلم فيه.
____________
(1) الأعراف: 12.
(2) التكاثر: 8.
(3) البحار: 10/ 220 ح 20.
(4) ص 202.
505
فقال له: أنت تتداهى، و لا تعلم أنّ الظبي لا يكون له رباعيّة، و هي ثنيّ أبدا!؟ (1)
*** 20- الاختصاص: عن سماعة، قال: سأل رجل أبا حنيفة [عن الشيء و] عن اللاشيء و عن الّذي لا يقبل اللّه غيره [فأخبره عن الشيء] و عجز عن لا شيء؛
فقال: اذهب بهذه البغلة إلى إمام الرافضة، فبعها منه بلا شيء و اقبض الثمن؛
فأخذ بعذارها (2) و أتى بها أبا عبد اللّه (عليه السلام)، فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام):
استأمر أبا حنيفة في بيع هذه البغلة.
قال: قد أمرني ببيعها. قال: بكم؟ قال: بلا شيء. قال له: ما تقول؟! قال: الحقّ أقول.
فقال: قد اشتريتها منك بلا شيء. قال: و أمر غلامه أن يدخله المربط.
قال: فبقي محمّد بن الحسن (3) ساعة ينتظر الثمن، فلمّا أبطأه الثمن، قال: جعلت فداك الثمن؟ قال: الميعاد إذا كان الغداة، فرجع إلى أبي حنيفة فأخبره، فسرّ بذلك فرضيه منه.
فلمّا كان من الغد، وافى أبو حنيفة، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام):
جئت لتقبض ثمن البغلة لا شيء؟ قال: نعم، و لا شيء ثمنها؟ قال: نعم.
فركب أبو عبد اللّه (عليه السلام) البغلة، و ركب أبو حنيفة بعض الدوابّ، فتصحّرا (4) جميعا؛ فلمّا ارتفع النهار نظر أبو عبد اللّه (عليه السلام) إلى السراب يجري قد ارتفع كأنّه الماء الجاري؛
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): يا أبا حنيفة! ما ذا عند الميل (5) كأنّه يجري؟
قال: ذاك الماء يا ابن رسول اللّه. فلمّا وافيا الميل وجداه أمامهما فتباعد.
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): اقبض ثمن البغل، قال اللّه تعالى:
كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَ وَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ (6).
قال: فخرج أبو حنيفة إلى أصحابه كئيبا حزينا، فقالوا له: مالك يا أبا حنيفة؟
____________
(1) 1/ 328، و أورده في حياة الحيوان: 2/ 4 (مثله).
(2) عذار الدابّة: ما على خدّيها من اللجام.
(3) كذا، و الظاهر أنّه اسم الرجل السائل.
(4) أي خرجا إلى الصحراء.
(5) منار يبنى للمسافر في أنشاز الأرض يهتدي به و يدرك المسافة.
(6) النور: 39.
506
قال: ذهبت البغلة هدرا. و كان قد أعطي بالبغلة عشرة آلاف درهم. (1)
21- كنز الفوائد للكراجكي: ذكروا أنّ أبا حنيفة أكل طعاما مع الإمام الصادق (عليه السلام) جعفر بن محمّد (عليهما السلام) فلمّا رفع (عليه السلام) يده من أكله، قال:
«الحمد للّه ربّ العالمين، اللهمّ إنّ هذا منك و من رسولك (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)».
فقال أبو حنيفة: يا أبا عبد اللّه! أ جعلت مع اللّه شريكا؟ فقال له: ويلك! إنّ اللّه تعالى يقول في كتابه: وَ ما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ (2). و يقول في موضع آخر:
وَ لَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ قالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ رَسُولُهُ (2).
فقال أبو حنيفة: و اللّه لكأنّي ما قرأتهما قطّ من كتاب اللّه و لا سمعتهما إلّا في هذا الوقت.
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): بلى قد قرأتهما و سمعتهما، و لكنّ اللّه تعالى أنزل فيك و في أشباهك: أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (3)، و قال تعالى: كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (4). (5)
2- باب مناظراته (عليه السلام) مع عمرو بن عبيد (6)
الأخبار، الأصحاب:
1- الاحتجاج: عن عبد الكريم بن عتبة الهاشمي، قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) بمكّة إذ دخل عليه اناس من المعتزلة فيهم عمرو بن عبيد، و واصل بن عطاء، و حفص بن سالم، و اناس من رؤسائهم، و ذلك حين قتل الوليد، و اختلف أهل الشام بينهم؛
فتكلّموا فأكثروا، و خطبوا فأطالوا، فقال لهم أبو عبد اللّه جعفر بن محمّد (عليهما السلام): إنّكم قد
____________
(1) 186، عنه البحار: 47/ 239 ح 24، البرهان: 3/ 140 ح 4.
(2) التوبة: 74، 59.
(3) سورة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): 24.
(4) المطفّفين: 14.
(5) 2/ 36، عنه البحار: 10/ 216 ح 17، و ج 47/ 240 ح 25، و ج 66/ 384 ح 52، و الوسائل:
16/ 482 ح 9. يأتي ص 1057 باب 9 ما يناسب المقام.
(6) قال في سير أعلام النبلاء: 6/ 104: هو عمرو بن عبيد الزاهد العابد القدري، كبير المعتزلة و أوّلهم، أبو عثمان البصري، قال: قال الخطيب: مات بطريق مكّة سنة ثلاث، و قيل: سنة أربع و أربعين و مائة. و ذكر في هامشه الكتب الّتي ترجمت له.
507
أكثرتم عليّ فأطلتم، فأسندوا أمركم إلى رجل منكم، فليتكلّم بحجّتكم و ليوجز.
فأسندوا أمرهم إلى عمرو بن عبيد، فأبلغ و أطال، فكان فيما قال، أن قال:
قتل أهل الشام خليفتهم، و ضرب اللّه بعضهم ببعض، و تشتّت أمرهم، فنظرنا فوجدنا رجلا له دين و عقل و مروّة، و معدن للخلافة، و هو «محمّد بن عبد اللّه بن الحسن» فأردنا أن نجتمع معه فنبايعه، ثمّ نظهر أمرنا معه، و ندعو الناس إليه، فمن بايعه كنّا معه و كان منّا، و من اعتزلنا كففنا عنه، و من نصب لنا جاهدناه، و نصبنا له على بغيه و نردّه إلى الحقّ و أهله، و قد أحببنا أن نعرض ذلك عليك، فإنّه لا غنى لنا عن مثلك لفضلك و كثرة شيعتك.
فلمّا فرغ، قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): أ كلّكم على مثل ما قال عمرو؟ قالوا: نعم.
فحمد اللّه و أثنى عليه، و صلّى على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، ثمّ قال:
إنّما نسخط إذا عصي اللّه، فإذا اطيع [اللّه] رضينا.
أخبرني يا عمرو، لو أنّ الامّة قلّدتك أمرها فملكته بغير قتال و لا مؤونة، فقيل لك:
ولّها من شئت، من كنت تولّي؟ قال: كنت أجعلها شورى بين المسلمين.
قال: بين كلّهم؟ قال: نعم. قال: بين فقهائهم و خيارهم؟ قال: نعم.
قال: قريش و غيرهم؟ قال: العرب و العجم.
قال: أخبرني يا عمرو، أ تتولّى أبا بكر و عمر، أو تتبرّأ منهما؟ قال: أتولّاهما.
قال: يا عمرو! إن كنت رجلا تتبرّأ منهما، فإنّه يجوز لك الخلاف عليهما، و إن كنت تتولّاهما فقد خالفتهما، قد عهد عمر إلى أبي بكر فبايعه و لم يشاور أحدا، ثمّ ردّها أبو بكر عليه و لم يشاور أحدا، ثمّ جعلها عمر شورى بين ستّة، فأخرج منها الأنصار [و المهاجرين] غير اولئك الستّة من قريش، ثمّ أوصى فيهم الناس بشيء ما أراك ترضى به أنت و لا أصحابك.
قال: و ما صنع؟ قال: أمر صهيبا (1) أن يصلّي بالناس ثلاثة أيّام، و أن يتشاور أولئك الستّة
____________
(1) هو صهيب بن سنان أبو يحيى النمري، من النمر بن قاسط، و يعرف بالرومي، لأنّه أقام في الروم مدّة، و هو من أهل الجزيرة، سبي من قرية نينوى، من أعمال الموصل، و قد كان أبوه أو عمّه عاملا لكسرى ثم إنّه جلب إلى مكّة فاشتراه عبد اللّه بن جدعان القرشي التيمي ... لمّا طعن عمر استنابه على الصلاة بالمسلمين، مات بالمدينة في شوّال سنة ثمان و ثلاثين (سير أعلام النبلاء: 2/ 17).
508
ليس فيهم أحد سواهم إلّا ابن عمر، و يشاورونه، و ليس له من الأمر شيء؛
و أوصى من [كان]، بحضرته من المهاجرين و الأنصار إن مضت ثلاثة أيّام و لم يفرغوا و يبايعوا أن يضرب أعناق الستّة جميعا؛
و إن اجتمع أربعة قبل أن تمضي ثلاثة أيّام و خالف اثنان أن يضرب أعناق الاثنين؛
أ فترضون بذا فيما تجعلون من الشورى في المسلمين؟ قالوا: لا.
قال: يا عمرو! دع ذا، أ رأيت لو بايعت صاحبك هذا الّذي تدعو إليه، ثمّ اجتمعت لكم الامّة، و لم يختلف عليكم منها رجلان، فأفضيتم إلى المشركين الّذين لم يسلموا و لم يؤدّوا الجزية، أ كان عندكم و عند صاحبكم من العلم ما تسيرون فيهم بسيرة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في المشركين في حروبه (1)؟ قالوا: نعم.
قال: فتصنعون ما ذا؟
قالوا: ندعوهم إلى الإسلام، فإن أبوا دعوناهم إلى الجزية.
قال: و إن كانوا مجوسا و أهل كتاب؟
[قالوا: و إن كانوا مجوسا و أهل كتاب.
قال: و إن كانوا أهل الأوثان] و عبدة النيران و البهائم، و ليسوا بأهل كتاب؟
قالوا: سواء. قال: فأخبرني عن القرآن أ تقرأه؟ قال: نعم. قال: اقرأ:
قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ لا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ لا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ لا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صاغِرُونَ (2).
قال: فاستثنى اللّه عزّ و جلّ، و اشترط من الّذين اوتوا الكتاب منهم، و الّذين لم يؤتوا الكتاب سواء؟ قال: نعم.
قال (عليه السلام): عمّن أخذت هذا؟ قال: سمعت الناس يقولونه.
قال: فدع ذا، فإنّهم إن أبو الجزية فقاتلتهم فظهرت عليهم، كيف تصنع بالغنيمة؟
قال: اخرج الخمس، و اقسّم أربعة أخماس بين من قاتل عليها.
____________
(1) «الجزية» م.
(2) التوبة: 20.
509
قال: تقسّمه بين جميع من قاتل عليها؟ قال: نعم. (1)
قال: فقد خالفت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في فعله و في سيرته، و بيني و بينك فقهاء أهل المدينة و مشيختهم، فسلهم فإنّهم لا يختلفون و لا يتنازعون في أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إنّما صالح الأعراب على أن يدعهم في ديارهم، و أن لا يهاجروا على أنّه إن دهمه (2) من عدوّه دهم يستنفرهم (3) فيقاتل بهم، و ليس لهم من الغنيمة نصيب؛
و أنت تقول بين جميعهم، فقد خالفت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في سيرته في المشركين.
دع ذا، ما تقول في الصدقة؟ قال: فقرأ عليه هذه الآية إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ وَ الْعامِلِينَ عَلَيْها (4) إلى آخرها. قال: نعم، فكيف تقسّم بينهم؟
قال: اقسّمها على ثمانية أجزاء، فاعطي كلّ جزء من الثمانية جزء.
فقال (عليه السلام): إن كان صنف منهم عشرة آلاف، و صنف رجلا واحدا، أو رجلين أو ثلاثة، جعلت لهذا الواحد مثل ما جعلت للعشرة آلاف؟ قال: نعم.
قال: و كذا تصنع بين صدقات أهل الحضر و أهل البوادي، فتجعلهم فيها سواء؟
قال: نعم. قال: فخالفت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في كلّ ما أتى به في سيرته، كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقسّم صدقة البوادي في أهل البوادي، و صدقة الحضر في أهل الحضر؛
و لا يقسّمه بينهم بالسويّة، إنّما يقسّمه على قدر ما يحضره منهم، و على ما يرى (5).
____________
(1) زاد في الكافي ما لفظه «قال: أخبرني عن الخمس من تعطيه؟ قال: حيثما سمّى اللّه، قال: فقرأ:
وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينِ وَ
ابْنِ السَّبِيلِ- الأنفال: 41- قال: الّذي للرسول من تعطيه؟ و من ذوا القربى؟
قال: قد اختلف فيه الفقهاء، فقال بعضهم: قرابة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أهل بيته، و قال بعضهم: الخليفة، و قال بعضهم: قرابة الّذين قاتلوا عليه من المسلمين.
قال: فأيّ ذلك تقول أنت؟ قال: لا أدري. قال: فأراك لا تدري، فدع ذا.
ثمّ قال: أ رأيت الأربعة أخماس تقسّمها بين جميع من قاتل عليها؟ قال: نعم».
(2) دهمه الأمر: غشيه، و الدهم: العدد الكثير.
(3) «يستنفزهم» خ. و استنفر القوم: استنجدهم و استنصرهم و كلّفهم أن ينفروا.
(4) التوبة: 60.
(5) «و على قدر ما يحضره» م.
510
فإن كان في نفسك شيء ممّا قلت [لك]، فإنّ فقهاء أهل المدينة و مشيختهم كلّهم لا يختلفون في أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كذا كان يصنع.
ثمّ أقبل على عمرو، و قال: اتّق اللّه يا عمرو، و أنتم أيّها الرهط (1) فاتّقوا اللّه؛
فإنّ أبي حدّثني- و كان خير أهل الأرض و أعلمهم بكتاب اللّه و سنّة رسوله-:
أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: من ضرب الناس بسيفه و دعاهم إلى نفسه، و في المسلمين من هو أعلم منه فهو ضالّ متكلّف.
الكافي: عليّ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن اذينة، عن زرارة، عن عبد الكريم (مثله). (2)
2- المناقب لابن شهرآشوب: دخل عمرو بن عبيد على الصادق (عليه السلام) و قرأ:
إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ (3) و قال: احبّ أن أعرف الكبائر من كتاب اللّه.
فقال: نعم يا عمرو، ثمّ فصّله بأنّ الكبائر الشرك باللّه إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ* (3)
و اليأس وَ لا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ (4).
و عقوق الوالدين لأنّ العاقّ جبّار شقيّ وَ بَرًّا بِوالِدَتِي وَ لَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا (5)
و قتل النفس: وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً (6).
و قذف المحصنات: [إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ] (7).
و أكل مال اليتيم: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً (8).
____________
(1) الرهط: عدد يجمع من الثلاثة إلى العشرة و ليس فيهم امرأة.
(2) 2/ 118، 5/ 23 ح 1، عنهما البحار: 47/ 213 ح 2 و 3؛ و روى قطعة منه في الكافي: 3/ 554 ح 3؛ و أورد قطعة منه في المقنعة: 260 عن عبد الكريم بن عتبة. و التهذيب: 4/ 103 ح 26. و أخرج قطعا منه في البحار: 19/ 183 ح 36 عن الكافي، و في ج 96/ 78 ح 4 عن الاحتجاج، و في الوسائل: 6/ 183 ح 1 عن الكافي و المقنعة، و ج 11/ 28 ح 2 و 85 ح 3 عن الكافي و التهذيب، و في البحار: 96/ 87 ح 4 و مستدرك الوسائل: 7/ 115 ح 1، و 124 ح 1 عن الاحتجاج، و تقدّم ص 384 ح 2 (مثله).
(3) النساء: 31، 48.
(4) يوسف: 87.
(5) مريم: 32.
(6) النساء: 93.
(7) من الكافي، و الآية في سورة النور: 23.
(8) النساء: 10.
511
و الفرار من الزحف: وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ (1).
و أكل الربا: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا (2).
و السحر: وَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ (2).
و الزنا: وَ لا يَزْنُونَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً (3).
و اليمين الغموس: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَ أَيْمانِهِمْ ثَمَناً (4).
و الغلول: وَ مَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَ (4).
و منع الزكاة: يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ (5).
و شهادة الزور: [وَ الَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ (6) و يقول:].
و كتمان الشهادة: وَ مَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ (7).
و شرب الخمر لقوله (عليه السلام): شارب الخمر كعابد وثن. (8)
و ترك الصلاة لقوله: من ترك الصلاة متعمّدا فقد برىء من ذمّة اللّه و ذمّة رسوله.
و نقض العهد، و قطيعة الرحم: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ* (9).
و قول الزور: وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (10).
و الجرأة على اللّه: أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ (11).
و كفران النعمة: وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ (12).
و بخس الكيل و الوزن: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (13).
و اللواط: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ* (14).
و البدعة قوله (عليه السلام): من تبسّم في وجه مبتدع، فقد أعان على هدم دينه.
____________
(1) الأنفال: 16.
(2) البقرة: 275، 102.
(3) الفرقان: 68.
(4) آل عمران: 77، 161.
(5) التوبة: 35.
(6) الفرقان: 72.
(7) البقرة: 283.
(8) روى الحديث في الكافي: 6/ 243 ح 1 عنه (عليه السلام) و فيه «مدمن الخمر» بدل «شارب الخمر».
(9) البقرة: 27، الرعد: 25.
(10) الحجّ: 30.
(11) الأعراف: 99.
(12) إبراهيم: 7.
(13) المطفّفين: 1.
(14) النجم: 32، الشورى: 37.
512
قال: فخرج عمرو، و له صراخ من بكائه، و هو يقول:
هلك من سلب تراثكم، و نازعكم في الفضل و العلم. (1)
3- باب مناظراته (عليه السلام) مع سفيان الثوري
الأخبار، الأصحاب:
1- كشف الغمّة: روى محمّد بن طلحة، عن سفيان الثوري، قال:
دخلت على جعفر بن محمّد (عليهما السلام)، و عليه جبّة خزّ دكناء، و كساء خزّ فجعلت أنظر إليه تعجّبا، فقال لي: يا ثوري! ما لك تنظر إلينا؟ لعلّك تعجب ممّا ترى؟
فقلت: يا ابن رسول اللّه! ليس هذا من لباسك و لا لباس آبائك!!
قال: يا ثوري! كان ذلك زمان إقتار (2) و افتقار، و كانوا يعملون على قدر إقتاره [و افتقاره]، و هذا زمان قد أسبل كلّ شيء عزاليه (3)، ثمّ حسر ردن جبّته، فإذا تحتها جبّة صوف بيضاء، يقصر الذيل عن الذيل، و الردن عن الردن.
و قال: يا ثوري! لبسنا هذا للّه تعالى و هذا لكم، فما كان للّه أخفيناه، و ما كان لكم أبديناه. (4)
____________
(1) 3/ 375، عنه البحار: 47/ 216 ح 4.
و رواه في الكافي: 2/ 285 ح 24 عنه الوسائل: 11/ 252 ح 2 و عن مجمع البيان: 3/ 39.
و عيون اخبار الرضا: 1/ 285 ح 33، و علل الشرائع: 391.
و رواه في الفقيه: 3/ 563 ح 4932.
و أخرجه في البحار: 49/ 19 ح 13 عن العيون، و في ج 79/ 6 ح 7 عن العيون و العلل.
و يأتي في العوالم: 23/ 184.
(2) الإقتار: التضييق على الإنسان في الرزق، يقال: أقتر اللّه رزقه: أي ضيّقه و قلّله.
(3) أسبل المطر و الدمع إذا هطلا. يقال «أنزلت السماء عزاليها» إشارة إلى شدّة وقع المطر، فقوله:
«و أسبل كلّ شيء عزاليه» يريد به وفور الخير.
(4) 2/ 157، عنه البحار: 47/ 221 ح 7.
و أخرجه في ملحقات إحقاق الحقّ: 12/ 236، عن حلية الأولياء: 3/ 193، و تذكرة الحفّاظ:
1/ 158، و مطالب السئول في مناقب آل الرسول: 82، و المختار في مناقب الأخيار: 17.
513
4- باب آخر في جوابه (عليه السلام) من مسألة عبّاد المكّي الّتي أخذها من سفيان الثوري
الكتب:
1- المناقب لابن شهرآشوب: و سأله عبّاد المكّي (1) عن رجل زنا و هو مريض، فإن اقيم عليه الحدّ خافوا أن يموت، ما تقول فيه؟ فقال:
المسألة من تلقاء نفسك، أو أمرك بها إنسان؟ فقال: إنّ سفيان الثوري أمرني بها.
فقال (عليه السلام): إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) اتي برجل أحبن (2) قد استسقى بطنه (3) و بدت عروق فخذيه و قد زنا بامرأة مريضة، فأمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فاتي بعرجون فيه مائة شمراخ (4) فضربه به ضربة، و ضربها ضربة، و خلّى سبيلهما، و ذلك قوله: وَ خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ (5). (6)
5- باب مناظراته (عليه السلام) مع الكلبي النسّابة (7)
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: الحسين بن محمّد، عن المعلّى [بن محمّد]، عن محمّد بن عليّ، عن
____________
(1) كذا، قال في معجم رجال الحديث: 9/ 228: في الكافي يحيى بن عبّاد المكّي، و لا يبعد وقوع سقط في [المناقب] و الفقيه و التهذيب، فإنّ يحيى بن عبّاد المكّي وقع في إسناد جملة من الروايات، و ذكر في الرجال أيضا خلاف عبّاد المكّي.
(2) «الحبن، محرّكة: داء في البطن يعظم منه و يرم فهو أحبن» منه ره.
(3) «ببطنه» م.
(4) العرجون: أصل العذق الّذي يعوجّ على النخل يابسا بعد أن تقطع عنه الشماريخ. الشمراخ، بالكسر، و الشمروخ بالضمّ: العثكال و هو ما يكون فيه الرطب.
(5) سورة ص: 44.
(6) 3/ 390، عنه البحار: 47/ 221 ضمن ح 6. رواه في الكافي: 7/ 243 ح 1 بإسناده إلى يحيى بن عبّاد المكّي، و في الفقيه: 4/ 28 ح 5007. عنهما الوسائل: 18/ 320 ح 1.
(7) قال في سير أعلام النبلاء: 6/ 248: هو العلّامة الأخباري أبو النضر محمّد بن السائب بن بشر الكلبي المفسّر، و كان أيضا رأسا في الأنساب ... توفّي سنة ستّ و أربعين و مائة.
و ذكر في هامشه الكتب الّتي ترجمت له.
514
سماعة، عن الكلبي النسّابة، قال:
دخلت المدينة، و لست أعرف شيئا من هذا الأمر (1) فأتيت المسجد، فإذا جماعة من قريش، فقلت: أخبروني عن عالم أهل هذا البيت؟ فقالوا: عبد اللّه بن الحسن.
فأتيت منزله، فاستأذنت، فخرج إليّ رجل ظننت أنّه غلام [له]، فقلت له:
استأذن لي على مولاك. فدخل ثمّ خرج، فقال لي: ادخل؛
فدخلت، فإذا أنا بشيخ معتكف شديد الاجتهاد، فسلّمت عليه.
فقال لي: من أنت؟ فقلت: أنا الكلبي النسّابة.
فقال: ما حاجتك؟ فقلت: جئت أسألك.
فقال: أمررت بابني محمّد؟ قلت: بدأت بك.
فقال: سل. فقلت: أخبرني عن رجل قال لامرأته: أنت طالق عدد نجوم السماء؟
فقال: تبين برأس الجوزاء (2) و الباقي وزر عليه و عقوبة. فقلت في نفسي: واحدة؛
فقلت: ما يقول الشيخ في المسح على الخفّين؟
فقال: قد مسح قوم صالحون، و نحن أهل البيت لا نمسح. فقلت في نفسي: ثنتان.
فقلت: ما تقول في أكل الجرّي، أ حلال هو أم حرام؟.
فقال: حلال إلّا أنّا أهل البيت نعافه. فقلت في نفسي: ثلاث (3)؛
فقلت: و ما تقول في شرب النبيذ؟
فقال: حلال إلّا إنّا أهل البيت لا نشربه.
فقمت، فخرجت من عنده، و أنا أقول هذه العصابة تكذب على أهل هذا البيت؛
فدخلت المسجد، فنظرت إلى جماعة من قريش و غيرهم من الناس، فسلّمت عليهم؛
ثمّ قلت لهم: من أعلم أهل هذا البيت؟ فقالوا: عبد اللّه بن الحسن.
____________
(1) أي من أمر أهل البيت (عليهم السلام).
(2) (أي بعدد رأس الجوزاء، و هو إمّا الأنجم الثلاثة، أو حرف الجيم، هو ثلاث بحساب العدد و كيف كان يريد هي مطلّقة بالثلاث) مجمع البحرين: مادة «جوز»).
(3) أي هذه ثلاث علامات تدلّ على جهله.
515
فقلت: قد أتيته فلم أجد عنده شيئا. فرفع رجل من القوم رأسه، فقال:
ائت جعفر بن محمّد (عليهما السلام) فهو أعلم أهل هذا البيت. فلامه بعض من كان بالحضرة- فقلت: إنّ القوم إنّما منعهم من إرشادي إليه أوّل مرّة الحسد-
فقلت له: ويحك! إيّاه أردت.
فمضيت حتّى صرت إلى منزله، فقرعت الباب، فخرج غلام له، فقال:
ادخل يا أخا كلب. فو اللّه لقد أدهشني، فدخلت و أنا مضطرب، و نظرت فإذا بشيخ على مصلّى بلا مرفقة و لا بردعة (1) فابتدأني بعد أن سلّمت عليه، فقال لي: من أنت؟
فقلت في نفسي: سبحان اللّه، غلامه يقول لي بالباب:
ادخل يا أخا كلب، و يسألني المولى من أنت! فقلت له: أنا الكلبيّ النسّابة.
فضرب بيده على جبهته، و قال: كذب العادلون باللّه، و ضلّوا ضلالا بعيدا، و خسروا خسرانا مبينا، يا أخا كلب! إنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: وَ عاداً وَ ثَمُودَ وَ أَصْحابَ الرَّسِّ وَ قُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً (2) أ فتنسبها أنت؟ فقلت: لا جعلت فداك.
فقال لي: أ فتنسب نفسك؟ قلت: نعم، أنا فلان بن فلان بن فلان حتّى ارتفعت.
فقال لي: قف، ليس حيث تذهب، ويحك! أ تدري من فلان بن فلان؟
قلت: نعم فلان بن فلان.
قال: إنّ فلان بن فلان، [بن فلان] الراعي الكردي، إنّما كان فلان [الراعي] الكردي على جبل آل فلان، فنزل إلى فلانة امرأة فلان من جبله الّذي كان يرعى غنمه عليه؛
فأطعمها شيئا و غشيها، فولدت فلانا [و] فلان بن فلان من فلانة و فلان بن فلان.
ثمّ قال: أ تعرف هذه الأسامي؟
قلت: لا و اللّه جعلت فداك، فإن رأيت أن تكفّ عن هذا فعلت.
فقال: إنّما قلت فقلت! [فقلت:] إنّي لا أعود.
قال: لا نعود إذا، و اسأل عمّا جئت له.
____________
(1) «المرفقة، بالكسر: المخدّة». «البردعة: الحلس الّذي يلقى تحت الرجل» منه ره.
(2) الفرقان: 38.
516
فقلت له: أخبرني عن رجل قال لامرأته: أنت طالق عدد نجوم [السماء]؟
فقال: ويحك! أ ما تقرأ سورة الطلاق؟! قلت: بلى. قال: فاقرأ. فقرأت فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَ أَحْصُوا الْعِدَّةَ (1)؛
قال: أ ترى هاهنا نجوم السماء؟ قلت: لا.
قلت: فرجل قال لامرأته: أنت طالق ثلاثا؟
قال: ترد إلى كتاب اللّه و سنّة نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)؛
ثمّ قال: لا طلاق إلّا على طهر من غير جماع بشاهدين مقبولين. فقلت في نفسي واحدة.
ثمّ قال: سل. قلت: ما تقول في المسح على الخفّين؟
فتبسّم، ثمّ قال: إذا كان يوم القيامة، و ردّ اللّه كلّ شيء إلى شيئه، و ردّ الجلد إلى الغنم، فترى أصحاب المسح أين يذهب وضوءهم؟! فقلت في نفسي: ثنتان.
ثمّ التفت إليّ، فقال: سل. فقلت: أخبرني عن أكل الجرّي؟!
فقال: إنّ اللّه عزّ و جلّ مسخ طائفة من بني إسرائيل، فما أخذ منهم بحرا فهو الجرّي و الزمّار و المارماهي و ما سوى ذلك، و ما أخذ منهم برّا فالقردة و الخنازير و الوبر (2) و الورل (3) و ما سوى ذلك. فقلت في نفسي: ثلاث.
ثمّ التفت إليّ، فقال: سل و قم. فقلت: ما تقول في النبيذ؟
فقال: حلال. فقلت: إنّا ننبذ فنطرح فيه العكر (4) و ما سوى ذلك و نشربه؟
فقال: شه شه (5) تلك الخمرة المنتنة.
فقلت: جعلت فداك فأيّ نبيذ تعني؟ فقال:
____________
(1) الطلاق: 1.
(2) «الوبر، بسكون الباء: دويبة على قدر السنّور غبراء أو بيضاء».
(3) «الورل، محرّكة: دابّة كالضبّ».
(4) «العكر: دردي [الدردي من الزيت و نحوه: الكدر الراسب في أسفله] الزيت و غيره» منه ره.
(5) «شاه وجهه شوها: قبح، و شاهه يشيهه: عابه» منه ره.
و قال في مجمع البحرين: 6/ 351: شه شه: كلمة استقذار.
517
إنّ أهل المدينة شكوا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) تغيّر الماء و فساد طبائعهم، فأمرهم أن ينبذوا، فكان الرجل يأمر خادمه أن ينبذ له، فيعمد إلى كفّ من التمر فيقذف به في الشنّ (1)، فمنه شربه و منه طهوره. فقلت: و كم كان عدد التمر الّذي [كان] في الكفّ؟
فقال: ما حمل الكفّ. فقلت: واحدة و ثنتان؟
فقال: ربما كانت واحدة، و ربما كانت ثنتين.
فقلت: و كم كان يسع الشنّ؟
فقال: ما بين الأربعين إلى الثمانين إلى ما فوق ذلك.
فقلت: بالأرطال (2)؟ فقال: نعم، أرطال بمكيال العراق.
قال سماعة: قال الكلبي: ثمّ نهض (عليه السلام) و قمت، فخرجت و أنا أضرب بيدي على الاخرى و أنا أقول: إن كان شيء فهذا.
فلم يزل الكلبي يدين اللّه بحبّ آل هذا البيت حتّى مات. (3)
6- باب جوابه (عليه السلام) عن مسألة ابن أبي العوجاء (4)
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: عليّ، عن أبيه، عن نوح بن شعيب و محمّد بن الحسن، قال:
سأل ابن أبي العوجاء هشام بن الحكم، فقال له: أ ليس اللّه حكيما؟ قال: بلى، و هو أحكم الحاكمين. قال: فأخبرني عن قول اللّه عزّ و جلّ:
____________
(1) الشنّ: القربة من الجلد المدبوغ.
(2) الرطل: بالعراقي و المدني و المكّي، و الرطل بالكسر و الفتح: نصف المنّ عبارة عن اثني عشر اوقية، و الرطل العراقي عبارة من مائة و ثلاثين درهما. و هي إحدى و تسعون مثقال ...
(3) 1/ 348 ح 6، عنه البحار: 47/ 228 ح 19، و الوسائل: 5/ 312 ح 5، و مدينة المعاجز: 397 ح 45، و الوافي: 2/ 164 ح 9، و إثبات الهداة: 5/ 331 ح 2.
(4) هو عبد الكريم بن أبي العوجاء أحد زنادقة عصر الإمام الصادق (عليه السلام) (الكنى و الألقاب 1/ 192) و ذكره ابن النديم في الفهرست: 401 في رؤساء المتكلّمين الّذين يظهرون الإسلام و يبطنون الزندقة، و فيه: «نعمان بن أبي العوجاء».
518
فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً (1).
أ ليس هذا فرض؟ قال: بلى. قال فأخبرني عن قوله عزّ و جلّ:
وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَ لَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ (1).
أيّ حكيم يتكلّم بهذا؟ فلم يكن عنده جواب، فرحل إلى المدينة إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام)؛
فقال (عليه السلام): يا هشام! في غير وقت حجّ و لا عمرة؟ قال: نعم جعلت فداك، لأمر أهمّني، إنّ ابن أبي العوجاء سألني عن مسألة لم يكن عندي فيها شيء.
قال: و ما هي؟ قال: فأخبره بالقصّة. فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام):
أمّا قوله عزّ و جلّ: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً يعني في النفقة.
و أمّا قوله عزّ و جلّ: وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَ لَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ يعني في المودّة.
قال: فلمّا قدم [عليه] هشام بهذا الجواب، و أخبره، قال: و اللّه ما هذا من عندك. (2)
استدراك (1) الكافي: محمّد بن أبي عبد اللّه، عن محمّد بن أبي يسر (3)، عن داود بن عبد اللّه، عن محمّد بن عمرو بن محمّد، عن عيسى بن يونس، قال:
كان ابن أبي العوجاء من تلامذة الحسن البصري، فانحرف عن التوحيد؛
فقيل له: تركت مذهب صاحبك، و دخلت فيما لا أصل له و لا حقيقة!؟
____________
(1) النساء: 3، 129.
(2) 5/ 362 ح 1، عنه البحار: 47/ 225، الوسائل: 15/ 86 ح 1.
و رواه في التهذيب: 7/ 420 ح 5 (مثله) عنه الوسائل المذكور. و رواه القمّي في تفسيره: 143، و فيه: إنّه سأل رجل من الزنادقة أبا جعفر الأحول ...» عنه المناقب لابن شهرآشوب: 3/ 374، و الوسائل المذكور، و البحار: 10/ 202 ح 6، و ج 104/ 50 ح 1.
(3) «نصر» خ. «يسير» الوافي. انظر معجم رجال الحديث: 14/ 299.
519
فقال: إنّ صاحبي كان مخلّطا، كان يقول طورا بالقدر، و طورا بالجبر، و ما أعلمه اعتقد مذهبا دام عليه، و قدم مكّة متمرّدا و إنكارا على من يحجّ، و كان يكره العلماء مجالسته و مساءلته، لخبث لسانه و فساد ضميره، فأتى أبا عبد اللّه (عليه السلام) فجلس إليه في جماعة من نظرائه، فقال: يا أبا عبد اللّه! إنّ المجالس أمانات، و لا بدّ لكلّ من به سعال أن يسعل؛
أ فتأذن في الكلام؟ فقال: تكلّم.
فقال: إلى كم تدوسون هذا البيدر، و تلوذون بهذا الحجر، و تعبدون هذا البيت المعمور بالطوب (1) و المدر، و تهرولون حوله هرولة البعير إذا نفر،
إنّ من فكّر في هذا و قدّر علم أنّ هذا فعل أسّسه غير حكيم، و لا ذي نظر!
فقل فإنّك رأس هذا الأمر و سنامه، و أبوك اسّه (2) و تمامه.
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): إنّ من أضلّه اللّه و أعمى قلبه، استوخم الحقّ و لم يستعذبه، و صار الشيطان وليّه و ربّه و قرينه، يورده مناهل الهلكة، ثمّ لا يصدره، و هذا بيت استعبد اللّه به خلقه، ليختبر طاعتهم في إتيانه، فحثّهم على تعظيمه و زيارته، و جعله محلّ أنبيائه، و قبلة للمصلّين إليه، فهو شعبة من رضوانه، و طريق يؤدّي إلى غفرانه، منصوب على استواء الكمال، و مجمع العظمة و الجلال، خلقه اللّه قبل دحو الأرض بألفي عام، فأحقّ من اطيع فيما أمر، و انتهى عمّا نهى عنه و زجر، اللّه المنشئ للأرواح و الصور. (3)
(2) الإرشاد للمفيد: جعفر بن محمّد بن قولويه، عن الكليني، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن العبّاس بن عمرو الفقيمي:
أنّ ابن أبي العوجاء و ابن طالوت و ابن الأعمى و ابن المقفّع في نفر من الزنادقة كانوا مجتمعين في الموسم بالمسجد الحرام، و أبو عبد اللّه جعفر بن محمّد (عليهما السلام) فيه إذ ذاك يفتي الناس، و يفسّر لهم القرآن، و يجيب عن المسائل بالحجج و البيّنات.
____________
(1) الطوب: الآجر.
(2) الاسّ: الأصل.
(3) 4/ 197 ح 1، عنه الوسائل: 3/ 216 ح 5.
و رواه الصدوق في علل الشرائع: 403 و الأمالي: 493 ح 4، عنه البحار: 99/ 28 ح 1 و التوحيد:
253 ح 4 بإسناده إلى عيسى بن يونس، عنها الوسائل: 8/ 6 ح 10 و عن الكافي.
520
فقال القوم لابن أبي العوجاء: هل لك في تغليط هذا الجالس، و سؤاله عمّا يفضحه عند هؤلاء المحيطين به؟ فقد ترى فتنة الناس به، و هو علّامة زمانه.
فقال لهم ابن أبي العوجاء: نعم، ثمّ تقدّم ففرّق الناس، فقال:
يا أبا عبد اللّه! إنّ المجالس أمانات- و ذكر كما في الحديث السابق-.
فقال له ابن أبي العوجاء: ذكرت يا أبا عبد اللّه فأحلت على غائب!
فقال الصادق (عليه السلام): كيف يكون- يا ويلك- غائبا، من هو مع خلقه شاهد، و إليهم أقرب من حبل الوريد؟! يسمع كلامهم، و يعلم أسرارهم، لا يخلو منه مكان، و لا يشغل به مكان، و لا يكون إلى مكان أقرب من مكان، تشهد له بذلك آثاره، و تدلّ عليه أفعاله؛
و الّذي بعثه بالآيات المحكمة و البراهين الواضحة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) جاءنا بهذه العبادة؛
فإن شككت في شيء من أمره فسل عنه، اوضّحه لك.
قال: فأبلس (1) ابن أبي العوجاء، و لم يدر ما يقول، و انصرف من بين يديه، فقال لأصحابه:
سألتكم أن تلتمسوا لي جمرة، فألقيتموني على جمرة. (2) فقالوا له:
اسكت، فو اللّه لقد فضحتنا بحيرتك و انقطاعك، و ما رأينا أحقر منك اليوم في مجلسه.
فقال: أبي تقولون هذا؟
إنّه ابن من حلق رءوس من ترون- و أومأ بيده إلى أهل الموسم-. (3)
(3) التوحيد: حدّثنا أبي، و محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رحمهما اللّه، قالا:
حدّثنا أحمد بن إدريس، و محمّد بن يحيى العطّار، عن محمّد بن أحمد، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن الحسين، عن عليّ بن يعقوب الهاشمي، عن مروان بن مسلم، قال:
دخل ابن أبي العوجاء على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال:
____________
(1) أبلس في أمره: تحيّر.
(2) قال المجلسي (ره) في البحار: 10/ 211: الجمرة- بالفتح-:
النار المتّقدة، و الحصاة. و المراد بالأوّل الثاني، و بالثاني الأوّل، أي سألتكم أن تطلبوا لي حصاة ألعب بها و أرميها، فألقيتموني في نار متّقدة لم يمكنّي التخلّص منها.
(3) 315، عنه البحار: 10/ 309 ح 11. و أورده في إعلام الورى: 289، و في كشف الغمّة: 2/ 175 و الاحتجاج: 2/ 74. عنه البحار: 3/ 33 ح 7.
522
إن يكن الأمر على ما يقول هؤلاء- و هو على ما يقولون- يعني أهل الطواف- فقد سلموا و عطبتم، و إن يكن الأمر على ما تقولون- و ليس كما تقولون- فقد استويتم و هم.
فقلت له: يرحمك اللّه و أيّ شيء نقول؟ و أيّ شيء يقولون؟ ما قولي و قولهم إلّا واحدا.
فقال (عليه السلام): و كيف يكون قولك و قولهم واحدا و هم يقولون:
إنّ لهم معادا و ثوابا و عقابا، و يدينون بأنّ في السماء إلها و أنّها عمران؛
و أنتم تزعمون أنّ السماء خراب ليس فيها أحد!؟
قال: فاغتنمتها منه، فقلت له: ما منعه- إن كان الأمر كما يقولون- أن يظهر لخلقه و يدعوهم إلى عبادته حتّى لا يختلف منهم اثنان؟ و لم احتجب عنهم و أرسل إليهم الرسل، و لو باشرهم بنفسه كان أقرب إلى الإيمان به؟
فقال لي (عليه السلام): ويلك! و كيف احتجب عنك من أراك قدرته في نفسك:
نشوءك و لم تكن، و كبرك بعد صغرك، و قوّتك بعد ضعفك، و ضعفك بعد قوّتك، و سقمك بعد صحّتك، و صحّتك بعد سقمك، و رضاك بعد غضبك، و غضبك بعد رضاك، و حزنك بعد فرحك، و فرحك بعد حزنك، و حبّك بعد بغضك، و بغضك بعد حبّك؛
و عزمك بعد أناتك، و أناتك بعد عزمك، و شهوتك بعد كراهتك، و كراهتك بعد شهوتك، و رغبتك بعد رهبتك، و رهبتك بعد رغبتك، و رجاءك بعد يأسك، و يأسك بعد رجائك، و خاطرك بما لم يكن في وهمك، و عزوب ما أنت معتقده عن ذهنك، و ما زال يعدّد عليّ قدرته الّتي هي في نفسي الّتي لا أدفعها حتّى ظننت أنّه سيظهر فيما بيني و بينه. (1)
(5) الكافي: عنه، عن بعض أصحابنا، رفعه
و زاد في حديث ابن أبي العوجاء حين سأله أبو عبد اللّه (عليه السلام) قال: عاد ابن أبي العوجاء في اليوم الثاني إلى مجلس أبي عبد اللّه (عليه السلام) فجلس و هو ساكت لا ينطق، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام):
كأنّك جئت تعيد بعض ما كنّا فيه؟ فقال: أردت ذلك يا ابن رسول اللّه.
____________
(1) 1/ 74 ح 2، عنه الوافي: 1/ 314 ح 2.
و رواه في التوحيد: 125 ح 4 عن محمّد بن عليّ ماجيلويه، عن عمّه محمّد بن أبي القاسم، عن أحمد بن محمّد بن خالد (مثله) عنه البحار: 3/ 42 ح 18
521
أ ليس تزعم أنّ اللّه خالق كلّ شيء؟ فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): بلى. فقال: أنا أخلق.
فقال (عليه السلام) له: كيف تخلق؟!
فقال: احدث في الموضع، ثمّ ألبث عنه، فيصير دوابّا، فأكون أنا الّذي خلقتها!
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): أ ليس خالق الشيء يعرف كم خلقه؟ قال: بلى.
قال: فتعرف الذكر منها من الانثى، و تعرف كم عمرها؟! فسكت. (1)
(4) الكافي: عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن محمّد بن عليّ، عن عبد الرحمن بن محمّد بن أبي هاشم، عن أحمد بن محسن الميثمي، قال:
كنت أنا و ابن أبي العوجاء و عبد اللّه بن المقفّع في المسجد الحرام، فقال ابن المقفّع:
ترون هذا الخلق- و أومأ بيده إلى موضع الطواف- ما منهم أحد اوجب له اسم الإنسانيّة إلّا ذلك الشيخ الجالس- يعني أبا عبد اللّه جعفر بن محمّد (عليهما السلام)- فأمّا الباقون فرعاع و بهائم.
فقال له ابن أبي العوجاء: و كيف أوجبت هذا الاسم لهذا الشيخ دون هؤلاء؟
قال: لأنّي رأيت عنده ما لم أره عندهم.
فقال له ابن أبي العوجاء: لا بدّ من اختبار ما قلت فيه منه.
قال: فقال له ابن المقفّع: لا تفعل فإنّي أخاف أن يفسد عليك ما في يدك.
فقال: ليس ذا رأيك، و لكن تخاف أن يضعف رأيك عندي في إحلالك إيّاه المحلّ الّذي وصفت.
فقال ابن المقفّع: أمّا إذا توهّمت عليّ هذا، فقم إليه و تحفّظ ما استطعت من الزلل،
و لا تثني عنانك إلى استرسال، فيسلّمك إلى عقال، و سمه ما لك أو عليك؟
قال: فقام ابن أبي العوجاء، و بقيت أنا و ابن المقفّع جالسين، فلمّا رجع إلينا ابن أبي العوجاء؛ قال: ويلك يا ابن المقفّع! ما هذا ببشر، و إن كان في الدنيا روحانيّ يتجسّد إذا شاء ظاهرا، و يتروّح إذا شاء باطنا، فهو هذا.
فقال له: و كيف ذلك؟ قال: جلست إليه، فلمّا لم يبق عنده غيري، ابتدأني فقال:
____________
(1) 295 ح 5، عنه البحار: 3/ 50 ح 24.
523
فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): ما أعجب هذا! تنكر اللّه، و تشهد أنّي ابن رسول اللّه!
فقال: العادة تحملني على ذلك. فقال له العالم (عليه السلام): فما يمنعك من الكلام؟
قال: إجلالا لك و مهابة ما ينطلق لساني بين يديك، فإنّي شاهدت العلماء، و ناظرت المتكلّمين، فما تداخلني هيبة قطّ مثل ما تداخلني من هيبتك.
قال (عليه السلام): يكون ذلك، و لكن أفتح عليك بسؤال و أقبل عليه.
فقال له: أ مصنوع أنت أو غير مصنوع؟
فقال عبد الكريم بن أبي العوجاء: بل أنا غير مصنوع.
فقال له العالم (عليه السلام): فصف لي لو كنت مصنوعا كيف كنت تكون؟
فبقي عبد الكريم مليّا لا يحير جوابا، و ولع بخشبة كانت بين يديه، و هو يقول: طويل عريض، عميق قصير، متحرّك ساكن، كلّ ذلك صفة خلقه.
فقال له العالم (عليه السلام): فإن كنت لم تعلم صفة الصنعة غيرها، فاجعل نفسك مصنوعا لما تجد في نفسك ممّا يحدث من هذه الامور. فقال له عبد الكريم:
سألتني عن مسألة لم يسألني عنها أحد قبلك، و لا يسألني أحد بعدك عن مثلها.
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): هبك علمت أنّك لم تسأل فيما مضى، فما علمك أنّك لا تسأل فيما بعد!؟ على أنّك يا عبد الكريم نقضت قولك، لأنّك تزعم أنّ الأشياء من الأوّل سواء، فكيف قدّمت و أخّرت؟ ثمّ قال: يا عبد الكريم! أزيدك وضوحا، أ رأيت لو كان معك كيس فيه جواهر، فقال لك قائل: هل في الكيس دينار؟ فنفيت كون الدينار في الكيس، فقال لك قائل: صف لي الدينار؟ و كنت غير عالم بصفته؛
هل كان لك أن تنفي كون الدينار عن الكيس و أنت لا تعلم؟ قال: لا.
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): فالعالم أكبر و أطول و أعرض من الكيس، فلعلّ في العالم صنعة من حيث لا تعلم صفة الصنعة من غير الصنعة؛
فانقطع عبد الكريم، و أجاب إلى الإسلام بعض أصحابه، و بقي معه بعض.
فعاد في اليوم الثالث، فقال: اقلّب السؤال.
فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): سل عمّا شئت. فقال: ما الدليل على حدث الأجسام؟
524
فقال (عليه السلام): إنّي ما وجدت شيئا صغيرا و لا كبيرا إلّا و إذا ضمّ إليه مثله صار أكبر، و في ذلك زوال، و انتقال عن الحالة الاولى، و لو كان قديما ما زال و لا حال، لأنّ الّذي يزول و يحول يجوز أن يوجد و يبطل، فيكون بوجوده بعد عدمه دخول في الحديث، و في كونه في الأزل دخوله في القدم، و لن تجتمع صفة الأزل و العدم و الحدوث و القدم في شيء واحد.
فقال عبد الكريم: هبك علمت في جري الحالتين و الزمانين على ما ذكرت و استدللت بذلك على حدوثها، فلو بقيت الأشياء على صغرها من أين كان لك أن تستدلّ على حدوثهنّ؟
فقال العالم (عليه السلام): إنّما نتكلّم على هذا العالم الموضوع، فلو رفعناه و وضعنا عالما آخر كان لا شيء أدلّ على الحدث من رفعنا إيّاه و وضعنا غيره؛
و لكن اجيبك من حيث قدرت أن تلزمنا، فنقول: إنّ الأشياء لو دامت على صغرها لكان في الوهم أنّه متى ضمّ شيء إلى مثله كان أكبر، و في جواز التغيير عليه خروجه من القدم، كما أنّ في تغييره دخوله في الحدث، ليس لك وراءه شيء يا عبد الكريم؟ فانقطع و خزي؛
فلمّا كان من العام القابل التقى معه في الحرم، فقال له بعض شيعته: إنّ ابن أبي العوجاء قد أسلم. فقال العالم (عليه السلام): هو أعمى من ذلك، لا يسلم.
فلمّا بصر بالعالم، قال: سيّدي و مولاي!
فقال له العالم (عليه السلام): ما جاء بك إلى هذا الموضع؟ فقال:
عادة الجسد، و سنّة البلد، و لننظر ما الناس فيه من الجنون، و الحلق و رمي الحجارة!
فقال له العالم (عليه السلام): أنت بعد على عتوّك و ضلالك يا عبد الكريم؟ فذهب يتكلّم؛
فقال له (عليه السلام): لا جدال في الحجّ. و نفض رداءه من يده، و قال:
إن يكن الأمر كما تقول- و ليس كما تقول- نجونا و نجوت، و إن يكن الأمر كما نقول- و هو كما نقول- نجونا و هلكت.
فأقبل عبد الكريم على من معه، فقال: وجدت في قلبي حزازة، فردّوني.
فردّوه، فمات، لا (رحمه اللّه). (1)
____________
(1) 1/ 76، و رواه في التوحيد: 296 ح 6، الدقّاق، عن الكليني (مثله) عنه البحار: 3/ 45 ح 20 و أورده في الاحتجاج: 2/ 76 مرسلا، قطعة.
525
(6) أمالي الطوسي: جماعة، عن أبي المفضّل، عن الحسن بن عليّ بن عاصم، عن سليمان بن داود الشاذكوني، عن حفص بن غياث، قال:
كنت عند سيّد الجعافر جعفر بن محمّد (عليهما السلام) لمّا أقدمه المنصور، فأتاه ابن أبي العوجاء- و كان ملحدا- فقال له: ما تقول في هذه الآية: كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها (1)؟ هب هذه الجلود عصت فعذّبت، فما بال الغير يعذّب؟
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): ويحك! هي هي، و هي غيرها. قال: اعقلني هذا القول.
فقال له: أ رأيت لو أنّ رجلا عمد إلى لبنة فكسّرها، ثمّ صبّ عليها الماء و جبلها (2) ثمّ ردّها إلى هيئتها الاولى، أ لم تكن هي هي، و هي غيرها؟ فقال: بلى، أمتع اللّه بك. (3)
(7) المناقب لابن شهرآشوب: يونس في حديثه، قال: سأل ابن أبي العوجاء أبا عبد اللّه (عليه السلام): لم اختلفت منيّات الناس فمات بعضهم بالبطن، و بعضهم بالسلّ؟
فقال (عليه السلام): لو كانت العلّة واحدة أمن الناس حتّى تجيء تلك العلّة بعينها، فأحبّ اللّه أن لا يؤمن [على] حال.
قال: و لم يميل القلب إلى الخضرة (4) أكثر ممّا يميل إلى غيرها؟
قال (عليه السلام): من قبل أنّ اللّه تعالى خلق القلب أخضر، و من شأن الشيء أن يميل إلى شكله و يروى أنّه لمّا جاء إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال له: ما اسمك؟ فلم يجبه، و أقبل (عليه السلام) على غيره، فانكفأ راجعا إلى أصحابه، فقالوا: ما وراءك؟
قال: شرّ ابتدأني، فسألني عن اسمي، فإن كنت، قلت: «عبد الكريم» فيقول: من هذا الكريم الّذي أنت عبده؟ فإمّا أقرّ بمليك، و إمّا أظهر منّي ما أكتم.
فقالوا: انصرف عنّا. فلمّا انصرف، قال (عليه السلام) (5):
____________
(1) النساء: 56.
(2) جبل التراب: صبّ عليه الماء و دعكه طينا.
(3) 2/ 193، عنه البحار: 10/ 219 ح 19. و أورده في الاحتجاج: 2/ 104، و إعلام الدين: 211، و تنبيه الخواطر: 2/ 73، عن حفص بن غياث (مثله).
(4) قال المجلسي (ره): لعلّ الخضرة في القلب كناية عن كونه مأمورا بالعلم و الحكمة و محلّا لأزهار المعرفة، و قد مرّ في كتاب التوحيد أنّ الخضرة صورة و مثال للمعرفة.
(5) كذا.
526
و أقبل ابن أبي العوجاء إلى أصحابه محجوجا، قد ظهر عليه ذلّة الغلبة؛
فقال من قال منهم: إنّ هذه للحجّة الدامغة، صدق، إن لم يكن خير يرجى و لا شرّ يتّقى فالناس شرع سواء، و إن يكن منقلب إلى ثواب و عقاب فقد هلكنا.
فقال ابن أبي العوجاء لأصحابه: أو ليس بابن الّذي نكل بالخلق، و أمر بالحلق، و شوّه عوراتهم، و فرّق أموالهم، و حرّم نساءهم؟ (1)
*** 7- باب جوابه (عليه السلام) عن سؤال الزنديق
الكتب:
1- المناقب لابن شهرآشوب: سأل زنديق، الصادق (عليه السلام) فقال:
ما علّة الغسل من الجنابة، و إنّما أتى حلالا و ليس في الحلال تدنيس؟
فقال (عليه السلام): لأنّ الجنابة بمنزلة الحيض، و ذلك أنّ النطفة دم لم يستحكم، و لا يكون الجماع إلّا بحركة غالبة، فإذا فرغ تنفّس البدن، و وجد الرجل من نفسه رائحة كريهة؛
فوجب الغسل لذلك غسل الجنابة، أمانة ائتمن اللّه عليها عبيده ليختبرهم بها. (2)
8- باب جوابه (عليه السلام) عن سؤال زنديق آخر
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: عليّ بن إبراهيم [عن أبيه] عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن يونس، عن أبي جعفر الأحول، قال: سألني رجل من الزنادقة، فقال: كيف صارت الزكاة من كلّ ألف خمسة و عشرين درهما؟
فقلت له: إنّما ذلك مثل الصلاة ثلاث و ثنتان و أربع. قال: فقبل منّي.
ثمّ لقيت بعد ذلك أبا عبد اللّه (عليه السلام) فسألته عن ذلك.
____________
(1) 3/ 380، عنه البحار: 10/ 201 ح 5.
(2) 3/ 387، عنه البحار: 47/ 220 ح 6.
527
فقال: إنّ اللّه عزّ و جلّ حسب الأموال و المساكين، فوجد ما يكفيهم من كلّ ألف خمسة و عشرين، و لو لم يكفهم لزادهم.
قال: فرجعت إليه فأخبرته، فقال: جاءت هذه المسألة على الإبل من الحجاز، ثمّ قال: لو أنّي أعطيت أحدا طاعة، لأعطيت صاحب هذا الكلام. (1)
استدراك (1) التوحيد للصدوق: الدقّاق، عن أبي القاسم العلوي، عن البرمكي، عن الحسين ابن الحسن، عن إبراهيم بن هاشم القمّي، عن العبّاس بن عمرو الفقيمي، عن هشام بن الحكم في حديث الزنديق الّذي أتى أبا عبد اللّه (عليه السلام) و كان من قوله (عليه السلام) له:
لا يخلو قولك إنّهما اثنان من أن يكونا قديمين قويّين، أو يكونا ضعيفين، أو يكون أحدهما قويّا و الآخر ضعيفا؛
فإن كانا قويّين، فلم لا يدفع كلّ واحد منهما صاحبه و يتفرّد بالتدبير؟ و إن زعمت أنّ أحدهما قويّ و الآخر ضعيف، ثبت أنّه واحد كما نقول، للعجز الظاهر في الثاني؛
و إن قلت: إنّهما اثنان لم يخل من أن يكونا متّفقين من كلّ جهة، أو مفترقين من كلّ جهة، فلمّا رأينا الخلق منتظما و الفلك جاريا و اختلاف الليل و النهار و الشمس و القمر، دلّ صحّة الأمر و التدبير و ائتلاف الأمر على أنّ المدبّر واحد؛
ثمّ يلزمك إن ادّعيت اثنتين، فلا بدّ من فرجة بينهما حتّى يكونا اثنين، فصارت الفرجة ثالثا بينهما قديما معهما، فيلزمك ثلاثة؛ و إن ادّعيت ثلاثة، لزمك ما قلنا في الإثنين حتّى يكون بينهم فرجتان فيكون خمسا، ثمّ يتناهى في العدد إلى ما لا نهاية في الكثرة.
قال هشام: فكان من سؤال الزنديق أن قال: فما الدليل عليه؟
قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): وجود الأفاعيل الّتي دلّت على أنّ صانعا صنعها، أ لا ترى أنّك إذا
____________
(1) 3/ 509 ح 4، عنه البحار: 47/ 228 ح 18، و الوسائل: 6/ 99 ح 2؛
و رواه في المحاسن: 2/ 327 ح 80 بإسناده عن قثم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، و الصدوق في العلل:
369، عنهما الوسائل المذكور ح 3.
528
نظرت إلى بناء مشيّد مبنيّ علمت أنّ له بانيا، و إن كنت لم تر الباني و لم تشاهده؟
قال: فما هو؟ قال: هو شيء بخلاف الأشياء، ارجع بقولي «شيء» إلى إثبات معنى و أنّه شيء بحقيقة الشيئيّة، غير أنّه لا جسم و لا صورة، و لا يحسّ و لا يجسّ، و لا يدرك بالحواسّ الخمس، لا تدركه الأوهام، و لا تنقصه الدهور، و لا يغيّره الزمان.
قال السائل: فتقول: إنّه سميع بصير؟
قال: هو سميع بصير، سميع بغير جارحة، و بصير بغير آلة، بل يسمع بنفسه، و يبصر بنفسه، ليس قولي: إنّه يسمع بنفسه و يبصر بنفسه أنّه شيء، و النفس شيء آخر؛
و لكن أردت عبارة عن نفسي إذ كنت مسئولا، و إفهامك لك إذ كنت سائلا.
و أقول: يسمع بكلّه، لا أنّ الكلّ منه له بعض، و لكنّي أردت إفهاما و التعبير عن نفسي، و ليس مرجعي في ذلك إلّا إلى أنّه السميع البصير العالم الخبير بلا اختلاف الذات و لا اختلاف المعنى. قال السائل: فما هو؟
قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): هو الربّ، و هو المعبود، و هو اللّه؛
و ليس قولي: «اللّه» إثبات هذه الحروف: ألف، لام، هاء (1)، و لكنّي أرجع إلى معنى هو شيء خالق الأشياء و صانعها، وقعت عليه هذه الحروف، و هو المعنى الّذي يسمّى به اللّه و الرحمن و الرحيم و العزيز و أشباه ذلك من أسمائه، و هو المعبود جلّ و عزّ.
قال السائل: فإنّا لم نجد موهوما إلّا مخلوقا. قال أبو عبد اللّه (عليه السلام):
لو كان ذلك كما تقول، لكان التوحيد عنّا مرتفعا، لأنّا لم نكلّف أن نعتقد غير موهوم، و لكنّا نقول: كلّ موهوم بالحواسّ مدرك، فما تحدّه (2) الحواسّ و تمثّله فهو مخلوق.
و لا بدّ من إثبات صانع للأشياء خارج من الجهتين المذمومتين: إحداهما النفي إذ كان النفي هو الإبطال و العدم، و الجهة الثانية التشبيه [إذ كان التشبيه] من صفة المخلوق الظاهر التركيب و التأليف، فلم يكن بدّ من إثبات الصانع لوجود المصنوعين؛
و الاضطرار منهم إليه أثبت أنّهم مصنوعون، و أنّ صانعهم غيرهم، و ليس مثلهم؟
إذ كان مثلهم شبيها بهم في ظاهر التركيب و التأليف، و فيما يجري عليهم من حدوثهم
____________
(1) «لاه» ب.
(2) «تجده» م.
529
بعد أن لم يكونوا، و تنقّلهم من صغر إلى كبر، و سواد إلى بياض، و قوّة إلى ضعف، و أحوال موجودة لا حاجة لنا إلى تفسيرها لثباتها و وجودها. قال السائل: فقد حدّدته إذ أثبتّ وجوده؟
قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): لم احدّده و لكن أثبتّه، إذ لم يكن بين الإثبات و النفي منزلة.
قال السائل: فله إنيّة و مائيّة؟ قال: نعم، لا يثبت الشيء إلّا بإنيّة و مائيّة.
قال السائل: فله كيفيّة؟ قال: لا؛
لأنّ الكيفيّة جهة الصفة و الإحاطة، و لكن لا بدّ من الخروج من جهة التعطيل و التشبيه، لأنّ من نفاه أنكره و رفع (1) ربوبيّته و أبطله، و من شبّهه بغيره فقد أثبته بصفة المخلوقين المصنوعين الّذين لا يستحقّون الربوبيّة، و لكن لا بدّ من إثبات ذات بلا كيفيّة لا يستحقّها غيره، و لا يشارك فيها، و لا يحاط بها، و لا يعلمها غيره. قال السائل: فيعاني الأشياء بنفسه؟
قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): هو أجلّ من أن يعاني الأشياء بمباشرة و معالجة؛
لأنّ ذلك صفة المخلوق الّذي لا تجيء الأشياء إليه إلّا بالمباشرة و المعالجة، و هو تعالى نافذ الإرادة و المشيّة، فعّال لما يشاء.
قال السائل: فله رضى و سخط؟ قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): نعم؛
و ليس ذلك على ما يوجد في المخلوقين، و ذلك أنّ الرضى و السخط دخّال يدخل عليه، فينقله من حال إلى حال، و ذلك صفة المخلوقين العاجزين المحتاجين؛
و هو تبارك و تعالى العزيز الرحيم لا حاجة به إلى شيء ممّا خلق، و خلقه جميعا محتاجون إليه، و إنّما خلق الأشياء من غير حاجة و لا سبب اختراعا و ابتداعا.
قال السائل: فقوله: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (2)؟
قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): بذلك وصف نفسه، و كذلك هو مستول على العرش (3)، بائن من
____________
(1) «دفع» ب.
(2) طه: 5.
(3) «أقول: و في تلك النسخة الّتي فيها تلك الزيادة [الآتية بين معقوفتين]، زيادة اخرى ... بعد تمام الخبر و هي هذه: قال مصنّف هذا الكتاب: قوله (عليه السلام): إنّه على العرش ليس بمعنى التمكّن فيه، و لكنّه بمعنى التعالي عليه بالقدرة، يقال: فلان على خير، و استقامة و على عمل كذا و كذا، ليس بمعنى التمكّن فيه و الاستقرار عليه، و لكن ذلك بمعنى التمكّن منه و القدرة عليه» منه ره.
530
خلقه، من غير أن يكون العرش حاملا له، و لا أن يكون العرش حاويا له، و لا أنّ العرش محتازا له، و لكنّا نقول: هو حامل العرش، و ممسك العرش، و نقول من ذلك ما قال:
وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ (1)؛
فثبّتنا من العرش و الكرسيّ ما ثبّته، و نفينا أن يكون العرش و الكرسيّ حاويا له، و أن يكون عزّ و جلّ محتاجا إلى مكان أو إلى شيء ممّا خلق، بل خلقه محتاجون إليه.
قال السائل: فما الفرق بين أن ترفعوا أيديكم إلى السماء، و بين أن تخفضوها نحو الأرض؟
قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): ذلك في علمه و إحاطته و قدرته سواء؛
و لكنّه عزّ و جلّ أمر أولياءه و عباده برفع أيديهم إلى السماء نحو العرش لأنّه جعله معدن الرزق، فثبّتنا ما ثبّته القرآن و الأخبار عن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حين قال: «ارفعوا أيديكم إلى اللّه عزّ و جلّ» و هذا تجمع عليه فرق الامّة كلّها. (2)
[قال السائل: فتقول: إنّه ينزل إلى السماء الدنيا؟
قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): نقول ذلك لأنّ الروايات قد صحّت به و الأخبار.
قال السائل: و إذا نزل أ ليس قد حال عن العرش، و حوله عن العرش انتقال؟
قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): ليس ذلك على ما يوجد من المخلوق الّذي ينتقل باختلاف الحال عليه و الملالة و السأمة، و ناقل ينقله و يحوّله من حال إلى حال، بل هو تبارك و تعالى لا يحدث عليه الحال، و لا تجري عليه الحدوث، فلا يكون نزوله (3) كنزول المخلوق الّذي متى تنحّى عن مكان خلا منه المكان الأوّل، و لكنّه ينزل إلى سماء الدنيا بغير معاناة و لا حركة، فيكون هو
____________
(1) البقرة: 255.
(2) «أقول: في بعض نسخ التوحيد بعد قوله: (فرق الامّة كلّها) زيادة ... و هي الآتية بين معقوفتين.
(3) و قوله: (في النزول) ليس بمعنى الانتقال و قطع المسافاة، و لكنّه على معنى إنزال الأمر منه إلى سماء الدنيا، لأنّ العرش هو المكان الّذي ينتهي إليه بأعمال العباد من السدرة المنتهى إليه؛
و قد يجعل اللّه عزّ و جلّ السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل و في ليالي الجمعة مسافة الأعمال في ارتفاعها أقرب منها في سائر الأوقات إلى العرش» منه ره.
531
كما في السماء السابعة على العرش كذلك هو في سماء الدنيا، إنّما يكشف عن عظمته و يري أولياءه نفسه (1) حيث شاء، و يكشف ما شاء من قدرته، و منظره في القرب و البعد سواء].
قال السائل: فمن أين أثبتّ أنبياء و رسلا؟
قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): إنّا لمّا أثبتنا أنّ لنا خالقا صانعا متعاليا عنّا و عن جميع ما خلق، و كان ذلك الصانع حكيما لم يجز أن يشاهده خلقه [و لا يلامسهم] و لا يلامسوه، و لا يباشرهم و لا يباشروه، و [لا] يحاجّهم و [لا] يحاجّوه؛
فثبت أنّ له سفراء في خلقه و عباده يدلّونهم على مصالحهم و منافعهم، و ما به بقاؤهم، و في تركه فناؤهم، فثبت الآمرون و الناهون عن الحكيم العليم في خلقه، و ثبت عند ذلك أن له معبّرين، و هم الأنبياء و صفوته من خلقه، حكماء مؤدّبين بالحكمة، مبعوثين بها، غير مشاركين للناس في أحوالهم على مشاركتهم لهم في الخلق و التركيب؛
مؤيّدين من عند الحكيم العليم، بالحكمة و الدلائل و البراهين و الشواهد، من إحياء الموتى، و إبراء الأكمه و الأبرص، فلا تخلو أرض اللّه من حجّة يكون معه علم يدلّ على صدق مقال الرسول، و وجوب عدالته. (2)
(2) و منه: ابن الوليد، عن الصفّار، عن ابن هاشم، عن محمّد بن حمّاد، عن الحسن ابن إبراهيم، عن يونس بن عبد الرحمن، عن يونس بن يعقوب، قال: قال لي عليّ بن منصور: قال لي هشام بن الحكم:
____________
(1) و قوله: (يري أولياءه نفسه) فإنّه يعني بإظهار بدائع فطرته، فقد جرت العادة بأن يقال للسلطان إذا أظهر قوّة و قدرة و خيلا و رجلا: قد أظهر نفسه؛ و على ذلك دلّ الكلام و مجاز اللفظ. انتهى» منه ره.
(2) 243 ح 1، عنه البحار: 10/ 194 ح 3. و رواه في علل الشرائع: 120 ح 3؛ و معاني الأخبار:
8 ح 1 و 2 بإسناده من طريق آخر إلى هشام قطعة (مثله). و رواه في الكافي: 1/ 80 ح 5 بإسناده إلى هشام قطعة (مثله). و أورده في الاحتجاج: 2/ 69 مرسلا عن هشام (مثله) عنها جميعا إثبات الهداة: 1/ 142 ح 1، و أخرجه في البحار: 3/ 230 ح 22، عن الاحتجاج و التوحيد، و في ص 260 ح 8، عن التوحيد و المعاني، و في ج 11/ 29 ح 20، عن التوحيد و العلل و الاحتجاج.
«أقول: قد مضى تفسير أجزاء الخبر في كتاب التوحيد؛ و هذا الخبر جزء من الخبر الآتي من الاحتجاج فلا تغفل» منه ره.
532
كان زنديق بمصر يبلغه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) [علم] فخرج إلى المدينة ليناظره، فلم يصادفه بها، فقيل له: هو بمكّة. فخرج الزنديق إلى مكّة، و نحن مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقاربنا الزنديق- و نحن مع أبي عبد اللّه (عليه السلام)- في الطواف، فضرب كتفه كتف أبي عبد اللّه (عليه السلام)؛
فقال له جعفر (عليه السلام): ما اسمك؟ قال: اسمي عبد الملك.
قال: فما كنيتك؟ قال: أبو عبد اللّه.
قال: فمن الملك الّذي أنت له عبد، أمن ملوك السماء أم من ملوك الأرض؟
و أخبرني عن ابنك، أعبد إله السماء أم عبد إله الأرض؟ فسكت.
فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): قل ما شئت تخصم.
قال هشام بن الحكم: قلت للزنديق: أ ما تردّ عليه؟ فقبّح قولي.
فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): إذا فرغت من الطواف فأتنا.
فلمّا فرغ أبو عبد اللّه (عليه السلام) أتاه الزنديق، فقعد بين يديه، و نحن مجتمعون عنده؛
فقال للزنديق: أتعلم أنّ للأرض تحت و فوق؟ قال: نعم. قال: فدخلت تحتها؟ قال: لا.
قال: فما يدريك بما تحتها؟ قال: لا أدري إلّا أنّي أظنّ أن ليس تحتها شيء.
قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): فالظنّ عجز ما لم تستيقن؛
قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): فصعدت إلى السماء؟ قال: لا. قال: فتدري ما فيها؟ قال: لا.
[قال: فأتيت المشرق و المغرب، فنظرت ما خلفهما؟ قال: لا.]
قال: فعجبا لك! لم تبلغ المشرق، و لم تبلغ المغرب، و لم تنزل تحت الأرض، و لم تصعد إلى السماء، و لم تخبر (1) هنالك فتعرف ما خلفهنّ (2)، و أنت جاحد ما فيهنّ!؟
و هل يجحد العاقل ما لا يعرف؟ فقال الزنديق: ما كلّمني بهذا أحد غيرك.
قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): فأنت في شكّ من ذلك؟ فلعلّ هو، أو لعلّ ليس هو.
قال الزنديق: و لعلّ ذاك.
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): أيّها الرجل! ليس لمن لا يعلم حجّة على من يعلم، فلا حجّة للجاهل [على العالم]، يا أخا أهل مصر! تفهّم عنّي، فإنّا لا نشكّ في اللّه أبدا؛
____________
(1) «تجز» ب.
(2) «خلقهنّ» ب.
533
أ ما ترى الشمس و القمر، و الليل و النهار يلجان [و لا يشتبهان؟ يذهبان و لا يرجعان، قد اضطرّا] ليس لهما مكان إلّا مكانهما؟ فإن كانا يقدران على أن يذهبا و لا يرجعان، فلم يرجعان!؟ و إن لم يكونا مضطرّين فلم لا يصير الليل نهارا، و النهار ليلا؟ اضطرّا- و اللّه- يا أخا أهل مصر إلى دوامهما، و الّذي اضطرّهما أحكم منهما، و أكبر منهما.
قال الزنديق: صدقت.
ثمّ قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): يا أخا أهل مصر! الّذي تذهبون إليه، و تظنّون بالوهم، فإن كان الدهر يذهب بهم لم لا يردّهم؟ و إن كان يردّهم لم لا يذهب بهم؟ القوم مضطرّون يا أخا أهل مصر، السماء مرفوعة، و الأرض موضوعة، لم لا تسقط السماء على الأرض؟ و لم لا تنحدر الأرض فوق طباقها فلا يتماسكان، و لا يتماسك من عليهما؟
فقال الزنديق: أمسكهما- و اللّه- ربّهما و سيّدهما».
فآمن الزنديق على يدي أبي عبد اللّه (عليه السلام).
فقال له حمران بن أعين: جعلت فداك إن آمنت الزنادقة على يديك، فقد آمنت الكفّار على يدي أبيك.
فقال المؤمن الّذي آمن على يدي أبي عبد اللّه (عليه السلام): اجعلني من تلامذتك.
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) لهشام بن الحكم: خذه إليك فعلّمه. فعلّمه هشام، فكان معلّم أهل مصر و أهل الشام، و حسنت طهارته حتّى رضي بها أبو عبد اللّه (عليه السلام).
الاحتجاج: عن هشام بن الحكم (مثله). (1)
(3) الاحتجاج: من سؤال الزنديق الّذي سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن مسائل كثيرة: أنّه قال: كيف يعبد اللّه الخلق و لم يروه؟
قال (عليه السلام): رأته القلوب بنور الإيمان، و أثبتته العقول بيقظتها إثبات العيان (2)،
____________
(1) 293 ح 4، 2/ 72، عنهما البحار: 3/ 51 ح 25.
و رواه في الكافي: 1/ 72 ح 1 بإسناده إلى هشام (مثله) عنه الوافي: 1/ 309 ح 1.
(2) «قوله (عليه السلام): (إثبات العيان) أي كإثبات العيان و المشاهدة»؛
534
و أبصرته (1) الأبصار بما رأته من حسن التركيب و إحكام التأليف، ثمّ الرسل و آياتها و الكتب و محكماتها، و اقتصرت العلماء على ما رأت من عظمته دون رؤيته.
قال: أ ليس هو قادرا أن يظهر لهم حتّى يروه و يعرفوه، فيعبد على يقين؟
قال (عليه السلام): ليس للمحال جواب (2).
قال: فمن أين أثبتّ أنبياء و رسلا؟
قال (عليه السلام): إنّا لمّا أثبتنا أنّ لنا خالقا صانعا متعاليا عنّا و عن جميع ما خلق، و كان ذلك الصانع حكيما، لم يجز أن يشاهده خلقه، و لا أن يلامسوه، و لا أن يباشرهم و يباشروه و يحاجّهم و يحاجّوه، ثبت أنّ له سفراء في خلقه و عباده يدلّونهم على مصالحهم و منافعهم و ما به بقاؤهم و في تركه فناؤهم، فثبت الآمرون و الناهون عن الحكيم العليم في خلقه؛
و ثبت عند ذلك أنّ له معبّرين و هم الأنبياء و صفوته من خلقه، حكماء مؤدّبين بالحكمة، مبعوثين عنه، مشاركين للناس في أحوالهم على مشاركتهم لهم في الخلق و التركيب؛
مؤدّين من عند الحكيم العليم بالحكمة و الدلائل و البراهين و الشواهد من إحياء الموتى، و إبراء الأكمه و الأبرص، فلا تخلو الأرض من حجّة يكون معه علم يدلّ على صدق مقال الرسول، و وجوب عدالته.
ثمّ قال (عليه السلام) بعد ذلك:
نحن نزعم أنّ الأرض لا تخلو من حجّة، و لا تكون الحجّة إلّا من عقب الأنبياء، ما بعث اللّه نبيّا قطّ من غير نسل الأنبياء، و ذلك أنّ اللّه تعالى شرع لبني آدم طريقا منيرا، و أخرج من آدم نسلا طاهرا طيّبا، أخرج منه الأنبياء و الرسل، هم صفوة اللّه، و خلّص الجوهر، طهّروا في الأصلاب، و حفظوا في الأرحام، لم يصبهم سفاح الجاهليّة، و لا شابّ أنسابهم، لأنّ اللّه
____________
(1) «قوله (عليه السلام): (و أبصرته) الإسناد مجازيّ، أو المراد بالأبصار: البصائر» منه ره.
(2) أي ما فرضت من ظهوره تعالى للأبصار محال، و من أتى بالمحال ليس له جواب.
و في بعض النسخ: «ليس للمحيل جواب» أي لمن أتى بالمحال، و في بعضها في مكانه «للمحلّ» أي لا يمكن الجواب عن تلك المسألة على وجه يوافق فهمك، لأنّك سألت عن قدرة اللّه على المحال، فإن أجبت بأنّه محال توهّمت أنّ ذلك من نقص القدرة» منه ره.
535
عزّ و جلّ جعلهم في موضع لا يكون أعلى درجة و شرفا منه، فمن كان خازن علم اللّه و أمين غيبه، و مستودع سرّه، و حجّته على خلقه، و ترجمانه و لسانه، لا يكون إلّا بهذه الصفة.
فالحجّة لا يكون إلّا من نسلهم يقوم مقام النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في الخلق بالعلم الّذي عنده، و ورثه عن الرسول، إن جحده الناس سكت، و كان بقاء ما عليه الناس قليلا ممّا في أيديهم من علم الرسول على اختلاف منهم فيه، قد أقاموا بينهم الرأي و القياس؛
و إنّهم إن أقرّوا به و أطاعوه و أخذوا عنه ظهر العدل، و ذهب الاختلاف و التشاجر، و استوى الأمر، و أبان الدين، و غلب على الشكّ اليقين؛
و لا يكاد أن يقرّ الناس به أو يحقّوا له (1) بعد فقد الرسول، و ما مضى رسول و لا نبيّ قطّ لم تختلف امّته من بعده، و إنّما كان علّة اختلافهم، خلافهم على الحجّة و تركهم إيّاه.
قال: فما يصنع بالحجّة إذا كان بهذه الصفة؟
قال (عليه السلام): قد يقتدى به، و يخرج عنه الشيء بعد الشيء ممّا فيه منفعة الخلق و صلاحهم، فإن أحدثوا في دين اللّه شيئا أعلمهم؛
و إن زادوا فيه أخبرهم، و إن نقصوا (2) منه شيئا أفادهم.
ثمّ قال الزنديق: من أيّ شيء خلق الأشياء؟ قال (عليه السلام): لا من شيء.
فقال: فكيف يجيء من لا شيء شيء؟
قال (عليه السلام): إنّ الأشياء لا تخلو أن تكون خلقت من شيء، أو من غير شيء، فإن كانت خلقت من شيء كان معه، فإنّ ذلك الشيء قديم، و القديم لا يكون حديثا (3) و لا يفنى و لا يتغيّر، و لا يخلو ذلك الشيء من أن يكون جوهرا واحدا و لونا واحدا، فمن أين جاءت
____________
(1) «و لا يطيعوا له أو يحفظوا له» م.
(2) «نفدوا» م.
(3) «أي ما يكون وجوده أزليّا لا يكون محدثا معلولا، فيكون واجب الوجود بذاته فلا يعتريه التغيّر و الفناء، و قد نسب إلى بعض الحكماء أنّه قال:
المبدع الأوّل هو مبدع الصور فقط دون الهيولى، فإنّها لم تزل مع المبدع؛
فأنكر عليه سائر الحكماء و قالوا: إنّ الهيولى لو كانت أزليّة قديمة لما قبلت الصور، و لما تغيّرت من حال إلى حال، و لما قبلت فعل غيرها، إذ الأزليّ لا يتغيّر» منه ره.
537
عنه، و سمّوا كتبهم أساطير [الأوّلين] و وضعوا لأنفسهم دينا بآرائهم و استحسانهم؛
إنّ الأشياء تدلّ على حدوثها من دوران الفلك بما فيه، و هي سبعة أفلاك و تحرّك الأرض و من عليها، و انقلاب الأزمنة، و اختلاف الوقت و الحوادث الّتي تحدث في العالم من زيادة و نقصان، و موت و بلى، و اضطرار النفس (1) إلى الإقرار بأنّ لها صانعا و مدبّرا؛
أ ما ترى الحلو يصير حامضا، و العذب مرّا، و الجديد باليا، و كلّ إلى تغيّر و فناء؟
قال: فلم يزل صانع العالم عالما بالأحداث الّتي أحدثها قبل أن يحدثها؟
قال: لم يزل يعلم، فخلق ما علم.
قال: أ مختلف هو أم مؤتلف (2)؟
قال: لا يليق به الاختلاف و لا الايتلاف، إنّما يختلف المتجزّئ، و يأتلف المتبعّض، فلا يقال له: مؤتلف و لا مختلف.
قال: فكيف هو اللّه الواحد؟ قال: واحد في ذاته، فلا واحد كواحد، لأنّ ما سواه من الواحد متجزّئ، و هو تبارك و تعالى واحد لا يتجزّأ و لا يقع عليه العدّ.
قال: فلأيّ علّة خلق الخلق و هو غير محتاج إليهم، و لا مضطرّ إلى خلقهم، و لا يليق به العبث بنا؟ قال: خلقهم لإظهار حكمته، و إنفاذ علمه، و إمضاء تدبيره.
قال: و كيف لا يقتصر على هذه الدار فيجعلها دار ثوابه و محتبس عقابه؟
قال: إنّ هذه الدار دار ابتلاء، و متجر الثواب، و مكتسب الرحمة، ملئت آفات، و طبّقت شهوات، ليختبر فيها عبيده بالطاعة، فلا يكون دار عمل دار جزاء (3).
قال: أ فمن حكمته أن جعل لنفسه عدوّا، و قد كان و لا عدوّ له؟ فخلق كما زعمت إبليس
____________
(1) «قوله (عليه السلام): (و اضطرار النفس) عطف على دوران الفلك»؛
(2) «أي أ هو مركّب من أجزاء مختلفة الحقيقة أم من أجزاء متّفقة الحقيقة؟ فأجاب (عليه السلام) بنفيهما» منه ره
(3) «أي لا يصلح كون دار العمل دار جزاء، لأنّ الاختيار و التكليف يقتضي كون دار العمل مشو بالراحة و الآلام و الصحّة و الأسقام، و لا تكون ذات نعم خالصة ليصلح لكونها محلّ جزاء للمطيعين، و لا تكون عقوباتها خالصة، و إلّا لزم الإلجاء و ينافي التكليف فلا يصلح كونها دار عقاب للعاصين و الكافرين» منه ره.
536
هذه الألوان المختلفة (1) و الجواهر الكثيرة الموجودة في هذا العالم من ضروب شتّى؟
و من أين جاء الموت إن كان الشيء الّذي انشئت منه الأشياء حيّا؟
أو من أين جاءت الحياة إن كان ذلك الشيء ميّتا؟ و لا يجوز أن يكون من حيّ و ميّت قديمين لم يزالا، لأنّ الحيّ لا يجيء منه ميّت و هو لم يزل حيّا، و لا يجوز أيضا أن يكون الميّت قديما لم يزل بما هو به من الموت، لأنّ الميّت لا قدرة له و لا بقاء.
قال: فمن أين قالوا إنّ الأشياء أزليّة؟
قال: هذه مقالة قوم جحدوا مدبّر الأشياء، فكذّبوا الرسل و مقالتهم، و الأنبياء و ما أنبئوا
____________
(1) لعلّ هذا الكلام مبنيّ على ما زعموا من أنّ كلّ حادث لا بدّ له من منشأ و مبدأ يشاكله و يناسبه في الذات و الصفات، فألزمه (عليه السلام) ما يعتقده؛
أو المراد أنّ الاحتياج إلى المادّة إن كان لعجز الصانع تعالى عن إحداث شيء لم يكن، فلا بدّ من وجود الأشياء بصفاتها في المادّة حتّى يخرجها منها،
و هذا محالّ لاستلزامه كون المادّة ذات حقائق متباينة، و اتّصافها بصفات متضادّة؛
و إن قلتم: إنّها مشتملة على بعضها فقد حكمتم بإحداث بعضها من غير مادّة، فليكن الجميع كذلك، و إن قلتم: إنّ جوهر المادّة يتبدّل جوهرا آخر و أعراضها أعراضا آخر، فقد حكمتم بفناء ما هو أزليّ و هذا محال كما مرّ، و بحدوث شيء آخر من غير شيء، و هذا مستلزم للمطلوب.
و أمّا ما ذكره (عليه السلام) في الحياة و الموت فيرجع إلى ما ذكرنا، و ملخّصه أنّه لا يخلو إمّا أن تكون مادّة الكلّ حيّا بذاته أو ميّتا بذاته، أو تكون الأشياء من أصلين: أحدهما حيّ بذاته، و الآخر ميّت بذاته؛
و هذا أيضا يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون كلّ شيء مأخوذا من كلّ من الحيّ و الميّت؛
و الثاني أن يكون الحيّ مأخوذا من الحيّ، و الميّت مأخوذا من الميّت؛
فأبطل (عليه السلام) الأوّل بأنّه لو حصل الميّت بذاته عن الحيّ بذاته، يلزم زوال الحياة الأزليّة عن هذا الجزء من المادّة، و قد مرّ امتناعه، أو تبدّل الحقيقة الّتي يحكم العقل بديهة بامتناعه؛
و لو قيل بإعدام الحيّ و إنشاء الميّت، فيلزم المفسدة الاولى مع الإقرار بالمدّعى، و هو حدوث الشيء لا من شيء، و بهذا يبطل الثاني، و كذا الثالث، لأنّ الجزء الحيّ من المادّة يجري فيه ما سبق إذا حصل منه ميّت، و أشار إليه بقوله: (لأنّ الحيّ لا يجيء منه ميّت).
و أشار إلى الرابع بقوله: (و لا يجوز أن يكون الميّت قديما) و به يبطل الثاني و الثالث أيضا، و تقديره أنّ الأزليّ لا بدّ أن يكون واجب الوجود بذاته، كاملا بذاته، لشهادة العقول بأنّ الاحتياج و النقص من شواهد الإمكان المحوج إلى المؤثّر و الموجد فلا يكون الأزليّ ميّتا» منه ره.
538
فسلّطه على عبيده يدعوهم إلى خلاف طاعته، و يأمرهم بمعصيته، و جعل له من القوّة كما زعمت يصل بلطف الحيلة إلى قلوبهم فيوسوس إليهم، فيشكّكهم في ربّهم و يلبّس عليهم دينهم، فيزيلهم عن معرفته حتّى أنكر قوم لمّا وسوس إليهم ربوبيّته، و عبدوا سواه؛
فلم سلّط عدوّه على عبيده، و جعل له السبيل إلى إغوائهم؟
قال: إنّ هذا العدوّ الّذي ذكرت لا يضرّه عداوته، و لا ينفعه ولايته، و عداوته لا تنقص من ملكه شيئا، و ولايته لا تزيد فيه شيئا، و إنّما يتّقى العدوّ إذا كان في قوّة يضرّ و ينفع، إن همّ بملك أخذه، أو بسلطان قهره، فأمّا إبليس فعبد خلقه ليعبده و يوحّده، و قد علم حين خلقه ما هو، و إلى ما يصير إليه، فلم يزل يعبده مع ملائكته حتّى امتحنه بسجود آدم، فامتنع من ذلك حسدا و شقاوة غلبت عليه، فلعنه عند ذلك، و أخرجه عن صفوف الملائكة، و أنزله إلى الأرض ملعونا مدحورا، فصار عدوّ آدم و ولده بذلك السبب، و ماله من السلطنة على ولده إلّا الوسوسة و الدعاء إلى غير السبيل، و قد أقرّ مع معصيته لربّه بربوبيّته.
قال: أ فيصلح السجود لغير اللّه؟ قال: لا.
قال: فكيف أمر اللّه الملائكة بالسجود لآدم؟
قال: إنّ من سجد بأمر اللّه فقد سجد للّه، فكان سجوده للّه إذا كان عن أمر اللّه.
قال: فمن أين أصل الكهانة؟ و من أين يخبر الناس بما يحدث؟
قال: إنّ الكهانة كانت في الجاهليّة في كلّ حين فترة من الرسل، كان الكاهن بمنزلة الحاكم يحتكمون إليه فيما يشتبه عليهم من الامور بينهم، فيخبرهم بأشياء تحدث؛
و ذلك في وجوه شتّى [من] فراسة العين، و ذكاء القلب، و وسوسة النفس، و فطنة الروح مع قذف في قلبه، لأنّ ما يحدث في الأرض من الحوادث الظاهرة فذلك يعلم الشيطان و يؤدّيه إلى الكاهن، و يخبره بما يحدث في المنازل و الأطراف؛
و أمّا أخبار السماء، فإنّ الشياطين كانت تقعد مقاعد استراق السمع إذ ذاك، و هي لا تحجب و لا ترجم بالنجوم، و إنّما منعت من استراق السمع لئلّا يقع في الأرض سبب يشاكل الوحي من خبر السماء، فيلبّس على أهل الأرض ما جاءهم عن اللّه لإثبات الحجّة و نفي الشبه، و كان الشيطان يسترق الكلمة الواحدة من خبر السماء بما يحدث من اللّه في
539
خلقه، فيختطفها ثمّ يهبط بها إلى الأرض، فيقذفها إلى الكاهن، فإذا قد زاد كلمات من عنده، فيختلط الحقّ بالباطل، فما أصاب الكاهن من خبر ممّا كان يخبر به، فهو ما أدّاه إليه شيطانه ممّا سمعه، و ما أخطأ فيه فهو من باطل ما زاد فيه، فمذ منعت الشياطين عن استراق السمع انقطعت الكهانة، و اليوم إنّما تؤدّي الشياطين إلى كهّانها أخبارا للناس ممّا يتحدّثون به و ما يحدّثونه، و الشياطين تؤدّي إلى الشياطين ما يحدث في البعد من الحوادث من سارق سرق، و قاتل قتل، و غائب غاب، و هم بمنزلة الناس أيضا صدوق و كذوب.
فقال: كيف صعدت الشياطين إلى السماء و هم أمثال الناس في الخلقة و الكثافة، و قد كانوا يبنون لسليمان بن داود من البناء ما يعجز عنه ولد آدم؟
قال: غلّظوا لسليمان كما سخّروا، و هم خلق رقيق غذاؤهم التنسّم (1)؛
و الدليل على ذلك صعودهم إلى السماء لاستراق السمع، و لا يقدر الجسم الكثيف على الارتفاع (2) إليها إلّا بسلّم أو سبب. قال:
فأخبرني عن السحر ما أصله؟ و كيف يقدر الساحر على ما يوصف من عجائبه و ما يفعل؟
قال: إنّ السحر على وجوه شتّى: وجه منها بمنزلة الطبّ (3)، كما أنّ الأطباء وضعوا لكلّ داء دواء، فكذلك علم السحر احتالوا لكلّ صحّة آفة، و لكلّ عافية عاهة، و لكلّ معنى حيلة.
و نوع آخر منه، خطفة و سرعة و مخاريق و خفّة.
و نوع آخر ما يأخذ أولياء الشياطين عنهم.
قال: فمن أين علم الشياطين السحر؟
قال: من حيث عرف الأطبّاء الطبّ، بعضه تجربة، و بعضه علاج.
قال: فما تقول في الملكين:
هاروت و ماروت، و ما يقول الناس بأنّهما يعلّمان الناس السحر؟
____________
(1) «النسيم» م.
(2) «الارتقاء» خ.
(3) «أي إنّ اللّه تعالى كما جعل لبعض الأدوية المضرّة تأثيرا في البدن ثمّ جعل في بعض الأدوية ما يدفع ضرر تلك الأدوية، فكذلك جعل لبعض الأعمال تأثيرا في أبدان الخلق و عقولهم، فهذا هو السحر و أجرى على لسان الأنبياء و الأوصياء آيات و أدعية و أسماء و أعمالا تدفع ضرر ذلك عنهم» منه ره.
540
قال: إنّهما موضع ابتلاء، و موقع فتنة، تسبيحهما: اليوم لو فعل الإنسان كذا و كذا لكان كذا [و كذا] و لو يعالج بكذا و كذا لصار كذا، أصناف السحر، فيتعلّمون منهما ما يخرج عنهما، فيقولان لهم: إنّما نحن فتنة، فلا تأخذوا عنّا ما يضرّكم و لا ينفعكم.
قال: أ فيقدر الساحر أن يجعل الإنسان بسحره في صورة الكلب و الحمار، أو غير ذلك؟
قال: هو أعجز من ذلك، و أضعف من أن يغيّر خلق اللّه، إنّ من أبطل ما ركّبه اللّه و صوّره و غيّره فهو شريك للّه في خلقه، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا؛
لو قدر الساحر على ما وصفت لدفع عن نفسه الهرم و الآفة و الأمراض، و لنفى البياض عن رأسه، و الفقر عن ساحته؛
و إنّ من أكبر السحر النميمة، يفرّق بها بين المتحابّين، و يجلب العداوة على المتصافيين، و يسفك بها الدماء، و يهدم بها الدور، و يكشف [بها] الستور، و النمّام أشرّ من وطئ الأرض بقدم، فأقرب أقاويل السحر من الصواب أنّه بمنزلة الطبّ، إنّ الساحر عالج الرجل فامتنع من مجامعة النساء، فجاء الطبيب (1) فعالجه بغير ذلك العلاج فابرئ.
قال: فما بال ولد آدم فيهم شريف و وضيع؟ قال: الشريف: المطيع، و الوضيع:
العاصي.
قال: أ ليس فيهم فاضل و مفضول؟
قال: إنّما يتفاضلون بالتقوى.
قال: فتقول: إنّ ولد آدم كلّهم سواء في الأصل لا يتفاضلون إلّا بالتقوى؟
قال: نعم، إنّي وجدت أصل الخلق التراب، و الأب آدم، و الامّ حوّاء، خلقهم إله واحد و هم عبيده، إنّ اللّه عزّ و جلّ اختار من ولد آدم اناسا طهّر ميلادهم، و طيّب أبدانهم، و حفظهم في أصلاب الرجال و أرحام النساء، أخرج منهم الأنبياء و الرسل؛
فهم أزكى فروع آدم، فعل ذلك [لا] لأمر استحقّوه من اللّه عزّ و جلّ، و لكن علم اللّه منهم حين ذرأهم أنّهم يطيعونه و يعبدونه و لا يشركون به شيئا، فهؤلاء بالطاعة نالوا من الله
____________
(1) «فالمراد بقوله: (فجاء الطبيب) أي العالم بما يدفع السحر بالآيات و الأدعية؛ و يحتمل أن يكون بعض أنواع السحر يدفع بعمل الطبّ أيضا» منه ره.
541
الكرامة و المنزلة الرفيعة عنده، و هؤلاء الّذين لهم الشرف و الفضل و الحسب؛
و سائر الناس سواء، ألا من اتّقى اللّه أكرمه، و من أطاعه أحبّه، و من أحبّه لم يعذّبه بالنار.
قال: فأخبرني عن اللّه عزّ و جلّ، كيف لم يخلق الخلق كلّهم مطيعين موحّدين و كان على ذلك قادرا؟ قال (عليه السلام): لو خلقهم مطيعين لم يكن لهم ثواب؛ لأنّ الطاعة إذا ما كانت فعلهم، لم تكن جنّة و لا نار، و لكن خلق خلقه فأمرهم بطاعته، و نهاهم عن معصيته، و احتجّ عليهم برسله، و قطع عذرهم بكتبه، ليكونوا هم الّذين يطيعون و يعصون، و يستوجبون بطاعتهم له الثواب، و بمعصيتهم إيّاه العقاب.
قال: فالعمل الصالح من العبد هو فعله؟ و العمل الشرّ من العبد هو فعله؟ قال:
العمل الصالح، العبد يفعله (1) و اللّه به أمره، و العمل الشرّ، العبد يفعله و اللّه عنه نهاه.
قال: أ ليس فعله بالآلة الّتي ركّبها فيه؟
قال: نعم، و لكن بالآلة الّتي عمل بها الخير، قدر بها على الشرّ الّذي نهاه عنه.
قال: فإلى العبد من الأمر شيء؟
قال: ما نهاه اللّه عن شيء إلّا و قد علم أنّه يطيق تركه، و لا أمره بشيء إلّا و قد علم أنّه يستطيع فعله، لأنّه ليس من صفته الجور و العبث و الظلم، و تكليف العباد ما لا يطيقون.
قال: فمن خلقه اللّه كافرا يستطيع الإيمان، و له عليه بتركه الإيمان حجّة؟
قال (عليه السلام): إنّ اللّه خلق خلقه جميعا مسلمين، أمرهم و نهاهم، و الكفر اسم يلحق الفعل حين يفعله العبد، و لم يخلق اللّه العبد حين خلقه كافرا! إنّه إنّما كفر من بعد أن بلغ وقتا لزمته الحجّة من اللّه تعالى، فعرض عليه الحقّ فجحده، فبإنكاره الحقّ صار كافرا.
قال: فيجوز أن يقدّر على العبد الشرّ، و يأمره بالخير، و هو لا يستطيع الخير أن يعمله و يعذّبه عليه؟ قال: إنّه لا يليق بعدل اللّه و رأفته أن يقدّر على العبد الشرّ، و يريده منه، ثمّ يأمره بما يعلم أنّه لا يستطيع أخذه و الانتزاع عمّا لا يقدر على تركه، ثمّ يعذّبه على [تركه] أمره الّذي علم أنّه لا يستطيع أخذه.
قال: فبما ذا استحقّ الّذين أغناهم و أوسع عليهم من رزقه الغنى و السعة؟
____________
(1) «من العبد بفعله» م.
542
و بما ذا استحقّ الفقراء التقتير و الضيق؟ قال: اختبر الأغنياء بما أعطاهم لينظر كيف شكرهم، و الفقراء بما منعهم لينظر كيف صبرهم.
و وجه آخر: أنّه عجّل لقوم في حياتهم، و لقوم آخر ليوم حاجتهم إليه؛
و وجه آخر: أنّه علم احتمال كلّ قوم فأعطاهم على قدر احتمالهم، و لو كان الخلق كلّهم أغنياء لخربت الدنيا و فسد التدبير، و صار أهلها إلى الفناء، و لكن جعل بعضهم لبعض عونا، و جعل أسباب أرزاقهم في ضروب الأعمال و أنواع الصناعات؛
و ذلك أدوم في البقاء، و أصحّ في التدبير؛ ثمّ اختبر الأغنياء باستعطاف الفقراء كلّ ذلك لطف و رحمة من الحكيم الّذي لا يعاب تدبيره.
قال: فبم استحقّ الطفل الصغير ما يصيبه من الأوجاع و الأمراض بلا ذنب عمله، و لا جرم سلف منه؟ قال: إنّ المرض على وجوه شتّى (1) مرض بلوى، و مرض العقوبة، و مرض جعله علّة للفناء و أنت تزعم أنّ ذلك من أغذية رديئة، و أشربة و بيئة (2) أو من علّة كانت بامّه، و تزعم أنّ من أحسن السياسة لبدنه، و أجمل النظر في أحوال نفسه، و عرف الضارّ ممّا يأكل من النافع لم يمرض، و تميل في قولك إلى من يزعم أنّه لا يكون المرض و الموت إلّا من المطعم و المشرب، قد مات أرسطاطاليس معلّم الأطبّاء، و أفلاطون رئيس الحكماء، و جالينوس شاخ (3) و دقّ بصره، و ما دفع الموت حين نزل بساحته، و لم يألوا (4) حفظ أنفسهم و النظر لما يوافقها، كم من مريض قد زاده المعالج سقما! و كم من طبيب عالم، و بصير بالأدواء و الأدوية، ماهر مات، و عاش الجاهل بالطبّ بعده زمانا! فلا ذاك نفعه علمه بطبّه عند انقطاع مدّته و حضور أجله، و لا هذا ضرّه الجهل بالطبّ مع بقاء المدّة و تأخّر الأجل.
____________
(1) «لعلّه (عليه السلام) جعل مرض الأطفال من القسم الأوّل، لأنّه ابتلاء للأبوين، لينظر كيف صبرهم و شكرهم، و الحاصل أنّه (عليه السلام) أبطل ما توهّمه السائل، و بنى عليه كلامه من أنّ المرض لا يكون إلّا عقوبة لذنب»؛
(2) «أي مورثة للوباء و هو الطاعون، و أصله الهمز»؛
(3) «قوله: (شاخ) أي صار شيخا. و دقّ بصره أي ضعف، أو على بناء المجهول أي عمى»؛
(4) «قوله (عليه السلام): (و لم يألوا) أي و لم يقصّروا» منه ره.
543
ثمّ قال (عليه السلام): إنّ أكثر الأطبّاء قالوا: إنّ علم الطبّ لم يعرفه الأنبياء، فما نصنع على قياس قولهم بعلم زعموا ليس تعرفه الأنبياء الّذين كانوا حجج اللّه على خلقه، و امناءه في أرضه، و خزّان علمه، و ورثة حكمته، و الأدلّاء عليه، و الدعاة إلى طاعته؟
ثمّ إنّي وجدت أكثرهم يتنكّب في مذهبه سبل الأنبياء، و يكذّب الكتب المنزلة عليهم من اللّه تبارك و تعالى، فهذا الّذي أزهدني في طلبه و حامليه.
قال: فكيف تزهد في قوم و أنت مؤدّبهم و كبيرهم؟
قال: إنّي رأيت الرجل الماهر في طبّه إذا سألته لم يقف على حدود نفسه، و تأليف بدنه، و تركيب أعضائه، و مجرى الأغذية في جوارحه، و مخرج نفسه، و حركة لسانه، و مستقرّ كلامه، و نور بصره، و انتشار ذكره، و اختلاف شهواته، و انسكاب عبراته، و مجمع سمعه، و موضع عقله، و مسكن روحه، و مخرج عطسته، و هيج غمومه، و أسباب سروره، و علّة ما حدث فيه من بكم و صمم و غير ذلك، لم يكن عندهم في ذلك أكثر من أقاويل استحسنوها، و علل فيما بينهم جوّزوها.
قال: فأخبرني عن اللّه عزّ و جلّ، أله شريك في ملكه، أو مضادّ له في تدبيره؟ قال: لا.
قال: فما هذا الفساد الموجود في هذا العالم من سباع ضارية، و هو أمّ مخوفة، و خلق كثير مشوّهة، و دود، و بعوض و حيّات و عقارب؛
و زعمت أنّه لا يخلق شيئا إلّا لعلّة لأنّه لا يعبث؟ قال:
أ لست تزعم أنّ العقارب تنفع من وجع المثانة و الحصاة، و لمن يبول في الفراش، و أنّ أفضل الترياق ما عولج من لحوم الأفاعي، و أنّ لحومها إذا أكلها المجذوم بشبّ (1)
نفعه، و تزعم أنّ الدود الأحمر الّذي يصاب تحت الأرض نافع للآكلة؟ قال: نعم.
قال (عليه السلام): فأمّا البعوض و البقّ، فبعض سببه أنّه جعل أرزاق الطير، و أهان بها جبّارا تمرّد على اللّه، و تجبّر و أنكر ربوبيّته، فسلّط اللّه عليه أضعف خلقه ليريه قدرته و عظمته؛
و هي البعوض، فدخلت في منخره حتّى وصلت إلى دماغه فقتلته.
و اعلم أنّا لو وقفنا على كلّ شيء خلقه اللّه، لم خلقه؟ و لأيّ شيء أنشأه؟
____________
(1) الشب: ملح معدني قابض، لونه أبيض، و منه أزرق.
544
لكنّا قد ساويناه في علمه، و علمنا كلّ ما يعلم و استغنينا عنه، و كنّا و هو في العلم سواء.
قال: فأخبرني هل يعاب شيء من خلق اللّه و تدبيره؟ قال: لا.
قال: فإنّ اللّه خلق خلقه غرلا (1)، أ ذلك منه حكمة أم عبث؟ قال: بل حكمة منه.
قال: غيّرتم خلق اللّه، و جعلتم فعلكم في قطع القلفة أصوب ممّا خلق اللّه لها، و عبتم الأقلف (2) و اللّه خلقه، و مدحتم الختان و هو فعلكم، أم تقولون: إنّ ذلك من اللّه كان خطأ غير حكمة؟!
قال (عليه السلام): ذلك من اللّه حكمة و صواب غير أنّه سنّ ذلك و أوجبه على خلقه، كما أنّ المولود إذا خرج من بطن أمّه وجدنا سرّته متّصلة بسرّة امّه، كذلك خلقها الحكيم؛
فأمر العباد بقطعها، و في تركها فساد بيّن للمولود و الامّ؛
و كذلك أظفار الإنسان أمر إذا طالت أن تقلّم، و كان قادرا يوم دبّر خلقة الإنسان أن يخلقها خلقة لا تطول، و كذلك الشعر من الشارب و الرأس يطول فيجزّ، و كذلك الثيران خلقها [اللّه] فحولة و إخصاؤها أوفق، و ليس في ذلك عيب في تقدير اللّه تعالى.
قال: أ لست تقول: يقول اللّه تعالى: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ (3)؛
و قد نرى المضطرّ يدعوه فلا يستجاب له، و المظلوم يستنصره على عدوّه فلا ينصره؟
قال (عليه السلام): ويحك! ما يدعوه أحد إلّا استجاب له، أمّا الظالم فدعاؤه مردود إلى أن يتوب إليه، و أمّا المحقّ فإنّه إذا دعاه استجاب له، و صرف عنه البلاء من حيث لا يعلمه، [أ] و ادّخر له ثوابا جزيلا ليوم حاجته إليه، و إن لم يكن الأمر الّذي سأل العبد خيرة له إن أعطاه أمسك عنه، و المؤمن العارف باللّه ربما عزّ عليه أن يدعوه فيما لا يدري أصواب ذلك أم خطاء؛
و قد يسأل العبد ربّه إهلاك من لم تنقطع مدّته، أو يسأل المطر وقتا، و لعلّه أوان لا يصلح فيه المطر لأنّه أعرف بتدبير ما خلق من خلقه، و أشباه ذلك كثيرة، فافهم هذا.
قال: فأخبرني أيّها الحكيم! ما بال السماء لا ينزل منها إلى الأرض أحد، و لا يصعد من الأرض إليها بشر، و لا طريق إليها و لا مسلك؟
____________
(1) «قوله (عليه السلام): (غرلا) هو جمع الأغرال، بمعنى الأقلف: الّذي لم يختتن» منه ره.
(2) الأغلف «م» كلاهما بمعنى، و هو الّذي لم يختن.
(3) غافر: 60.
545
فلو نظر العباد في كلّ دهر مرّة من يصعد إليها و ينزل لكان ذلك أثبت في الربوبيّة، و أنفى للشكّ، و أقوى لليقين، و أجدر أن يعلم العباد أنّ هناك مدبّرا، إليه يصعد الصاعد، و من عنده يهبط الهابط! قال (عليه السلام):
إنّ كلّ ما ترى في الأرض من التدبير إنّما هو ينزل من السماء و منها يظهر، أ ما ترى الشمس منها تطلع، و هي نور النهار، و فيها قوام الدنيا، و لو حبست حار من عليها و هلك؟
و القمر منها يطلع، و هو نور الليل، و به يعلم عدد السنين و الحساب و الشهور و الأيّام، و لو حبس لحار من عليها و فسد التدبير؟
و في السماء النجوم الّتي يهتدى بها في ظلمات البرّ و البحر.
و من السماء ينزل الغيث الّذي فيه حياة كلّ شيء من الزرع و النبات و الأنعام، و كلّ الخلق لو حبس عنهم لما عاشوا؟
و الريح لو حبست أيّاما لفسدت الأشياء جميعا و تغيّرت؟ ثمّ الغيم و الرعد و البرق و الصواعق كلّ ذلك إنّما هو دليل على أنّ هناك مدبّرا يدبّر كلّ شيء، و من عنده ينزل؛
و قد كلّم اللّه موسى (عليه السلام) و ناجاه، و رفع اللّه عيسى بن مريم (عليه السلام)، و الملائكة تنزل من عنده، غير أنّك لا تؤمن بما لم تره بعينك، و فيما تراه بعينك كفاية أن تفهم و تعقل.
قال: فلو أنّ اللّه ردّ إلينا من الأموات في كلّ مائة عام [واحدا] لنسأله عمّن مضى منّا إلى ما صاروا، و كيف حالهم، و ما ذا لقوا بعد الموت، و أيّ شيء صنع بهم، ليعمل الناس على اليقين، و اضمحلّ الشكّ، و ذهب الغلّ عن القلوب.
قال: إنّ هذه مقالة من أنكر الرسل و كذّبهم، و لم يصدّق بما [جاءوا] به من عند اللّه إذ أخبروا و قالوا: إنّ اللّه أخبر في كتابه عزّ و جلّ على لسان الأنبياء حال من مات منّا؛
أ فيكون أحد أصدق من اللّه قولا و من رسله؟ و قد رجع إلى الدنيا ممّن مات خلق كثير:
منهم أصحاب الكهف أماتهم اللّه ثلاثمائة عام و تسعة، ثمّ بعثهم في زمان قوم أنكروا البعث ليقطع حجّتهم، و ليريهم قدرته، و ليعلموا أنّ البعث حقّ؛
و أمات اللّه أرميا النبيّ الّذي نظر إلى خراب بيت المقدّس و ما حوله حين غزاهم
546
بختنصّر، فقال: «أنّي يحيي هذه اللّه بعد موتها، فأماته اللّه مائة عام ثمّ أحياه» (1) و نظر إلى أعضائه كيف تلتئم، و كيف تلبس اللحم، و إلى مفاصله و عروقه كيف توصل؛
فلمّا استوى قاعدا، قال: «أعلم أنّ اللّه على كلّ شيء قدير» (1).
و أحيا اللّه قوما خرجوا عن أوطانهم هاربين من الطاعون لا يحصى عددهم، فأماتهم اللّه دهرا طويلا حتّى بليت عظامهم، و تقطّعت أوصالهم، و صاروا ترابا، فبعث اللّه تعالى، في وقت أحبّ أن يري خلقه قدرته، نبيّا يقال له: حزقيل فدعاهم، فاجتمعت أبدانهم، و رجعت فيها أرواحهم، و قاموا كهيئة يوم ماتوا لا يفقدون من أعدادهم رجلا؛
فعاشوا بعد ذلك دهرا طويلا؛
و أنّ اللّه أمات قوما خرجوا مع موسى حين توجّه إلى اللّه، فقالوا:
«أرنا اللّه جهرة، فأماتهم اللّه ثمّ أحياهم» (2).
قال: فأخبرني عمّن قال بتناسخ الأرواح، من أيّ شيء قالوا ذلك؟
و بأيّ حجّة قاموا على مذاهبهم؟
قال: إنّ أصحاب التناسخ قد خلّفوا وراءهم منهاج الدين، و زيّنوا لأنفسهم الضلالات، و أمرجوا (3) أنفسهم في الشهوات، و زعموا أنّ السماء خاوية ما فيها شيء ممّا يوصف، و أنّ مدبّر هذا العالم في صورة المخلوقين بحجّة من روى «أنّ اللّه عزّ و جلّ خلق آدم على صورته» و أنّه لا جنّة و لا نار و لا بعث و لا نشور؛
و القيامة عندهم خروج الروح من قالبه، و ولوجه في قالب آخر، فإن كان محسنا في القالب الأوّل اعيد في قالب أفضل منه حسنا في أعلى درجة الدنيا، و إن كان مسيئا أو غير عارف صار في بعض الدوابّ المتعبة في الدنيا، أو هوامّ مشوّهة الخلقة، و ليس عليهم صوم
____________
(1) إشارة إلى قوله تعالى في سورة البقرة: 259.
(2) إشارة إلى قوله تعالى في سورة البقرة: 55 و 56.
(3) «يقال: مرجت الدابّة أمرجها بالضمّ مرجا: إذا أرسلتها ترعى؛ و قال قوم: فعل و أفعل فيه بمعنى» منه ره.
547
و لا صلاة، و لا شيء من العبادة أكثر من معرفة من تجب عليهم معرفته (1)، و كلّ شيء من شهوات الدنيا مباح لهم من فروج النساء، و غير ذلك من نكاح الأخوات و البنات و الخالات و ذوات البعولة، و كذلك الميتة و الخمر و الدم، فاستقبح مقالتهم كلّ الفرق، و لعنهم كلّ الامم، فلمّا سألوا الحجّة زاغوا و حادوا، فكذّب مقالتهم التوراة، و لعنهم الفرقان؛
و زعموا مع ذلك أنّ إلاههم ينتقل من قالب إلى قالب، و أنّ الأرواح الأزليّة هي الّتي كانت في آدم، ثمّ هلمّ جرّا، تجري إلى يومنا هذا في واحد بعد آخر؛
فإذا كان الخالق في صورة المخلوق، فبم يستدلّ على أنّ أحدهما خالق صاحبه؟
و قالوا: إنّ الملائكة من ولد آدم، كلّ من صار في أعلى درجة دينهم خرج من منزلة الامتحان و التصفية فهو ملك، فطورا تخالهم نصارى في أشياء، و طورا دهريّة يقولون:
إنّ الأشياء على غير الحقيقة (2)، قد كان يجب عليهم أن لا يأكلوا شيئا من اللحمان، لأنّ الذرّات عندهم كلّها من ولد آدم، حوّلوا من صورهم، فلا يجوز أكل لحوم القرابات!
قال: و من زعم أنّ اللّه لم يزل و معه طينة موذية (4) فلم يستطع التفصّي منها إلّا بامتزاجه
____________
(1) «قوله (عليه السلام): (أكثر من معرفة من تجب عليه- كذا- معرفته) أي الطبيعة الّتي يقولون إنّها الصانع، أو الدهر، و يحتمل أن يكون هذا بيان مذاهب جماعة منهم يقولون بالصانع و أنّه حلّ في الأجسام كما يدلّ عليه ما ذكره آخرا»؛
(2) «قوله (عليه السلام): (على غير الحقيقة) أي بغير صانع و مدبّر، لأنّ ما جعلوه صانعا فهو ليس بصانع حقيقة، و أمّا شباهتهم بالنصارى فمن جهة قولهم بالحلول، و إنّ الأرواح بعد كمالها تتّصل بالأجرام الفلكيّة»؛
(4) «قوله: (لم يزل و معه طينة موذية) قال صاحب الملل و النحل [1/ 250]: الديصانيّة أصحاب ديصان أثبتوا أصلين: نورا و ظلاما. فالنور يفعل الخير قصدا و اختيارا، و الظلام يفعل الشرّ طبعا و اضطرارا؛
فما كان من خير و نفع و طيب و حسن فمن النور، و ما كان من شرّ و ضرر و نتن و قبح فمن الظلام.
و اختلفوا في المزاج و الخلاص، فزعم بعضهم أنّ النور داخل [أحبّ/ ع] الظلمة، و الظلمة تلقاه بخشونة و غلظ، فتأذّى بها، و أحبّ أن يرقّقها و يليّنها ثمّ يتخلّص منها، و ليس ذلك لاختلاف جنسهما، و لكن كما أنّ المنشار جنسه حديد، و صفحته ليّنة و أسنانه خشنة، فاللين في النور، و الخشونة في الظلمة، و هما جنس واحد، فتلطّف النور بلينه حتّى يدخل تلك الفرج، فما أمكنه إلّا
548
بها و دخوله فيها، فمن تلك الطينة خلق الأشياء!
قال (عليه السلام): سبحان اللّه و تعالى! ما أعجز إلها يوصف بالقدرة لا يستطيع التفصّي من الطينة! إن كانت الطينة حيّة أزليّة فكانا إلهين قديمين فامتزجا، و دبّر العالم من أنفسهما، فإن كان ذلك كذلك، فمن أين جاء الموت و الفناء؟
و إن كانت الطينة ميتة، فلا بقاء للميّت مع الأزليّ القديم، و الميّت لا يجيء منه حيّ؛
و هذه مقالة الديصانيّة أشدّ الزنادقة قولا، و أمهنهم (1) مثلا، نظروا في كتب قد صنّفتها أوائلهم، و حبّروها لهم بألفاظ مزخرفة، من غير أصل ثابت، و لا حجّة توجب إثبات ما ادّعوا، كلّ ذلك خلافا على اللّه و على رسله، و تكذيبا بما جاءوا به عن اللّه؛
فأمّا من زعم أنّ الأبدان ظلمة، و الأرواح نور، و أنّ النور لا يعمل الشرّ، و الظلمة لا تعمل الخير، فلا يجب عليهم أن يلوموا أحدا على معصية، و لا ركوب حرمة، و لا إتيان فاحشة، و أنّ ذلك على الظلمة غير مستنكر، لأنّ ذلك فعلها، و لا له أن يدعو ربّا و لا يتضرّع إليه، لأنّ النور ربّ، و الربّ لا يتضرّع إلى نفسه، و لا يستعيذ بغيره، و لا لأحد من أهل هذه المقالة أن يقول: أحسنت [يا محسن] أو أسأت، لأنّ الإساءة من فعل الظلمة و ذلك فعلها، و الإحسان من النور، و لا يقول النور لنفسه: أحسنت يا محسن، و ليس هناك ثالث؛
فكانت الظلمة على قياس قولهم أحكم فعلا، و أتقن تدبيرا، و أعزّ أركانا من النور؛
____________
بتلك الخشونة، فلا يتصوّر الوصول إلى كمال وجود إلّا بلين و خشونة.
و قال بعضهم: بل الظلام لمّا احتال حتّى تشبّث بالنور من أسفل صفحته، فاجتهد النور حتّى يتخلّص منه و يدفعه عن نفسه، فاعتمد عليه فلجج فيه، و ذلك بمنزلة الإنسان الّذي يريد الخروج من و حل وقع فيه، فيعتمد على رجله ليخرج فيزداد لجوجا فيه، فاحتاج النور إلى زمان ليعالج التخلّص منه و التفرّد بعالمه.
و قال بعضهم: إنّ النور إنّما دخل [أجزاء] الظلام اختيارا ليصلحها، و يستخرج منها أجزاء صالحة لعالمه، فلمّا دخل تشبّثت به زمانا، فصار يفعل الجور و القبيح اضطرارا لا اختيارا، و لو انفرد في عالمه ما كان يحصل منه إلّا الخير المحض و الحسن البحت، و فرق بين الفعل الاضطراري و بين الفعل الاختياري، انتهى؛
أقول: «قد مرّ القول في بيان اختلاف مذاهبهم و تطبيق الخبر عليها في كتاب التوحيد» منه ره.
(1) «أهملهم» ب.
549
لأنّ الأبدان محكمة، فمن صوّر هذا الخلق صورة واحدة على نعوت مختلفة، و كلّ شيء يرى ظاهرا من الزهر و الأشجار و الثمار و الطير و الدوابّ يجب أن يكون إلها؛
ثمّ حبست النور في حبسها و الدولة لها.
و أمّا ما ادّعوا بأنّ العاقبة سوف تكون للنور فدعوى، و ينبغي على قياس قولهم أن لا يكون للنور فعل لأنّه أسير، و ليس له سلطان، فلا فعل له و لا تدبير؛
و إن كان له مع الظلمة تدبير فما هو بأسير بل هو مطلق عزيز، فإن لم يكن كذلك؛
و كان أسير الظلمة فإنّه يظهر في هذا العالم إحسان و خير مع فساد و شرّ؛
فهذا يدلّ على أنّ الظلمة تحسن الخير و تفعله كما تحسن الشرّ و تفعله؛
فإن قالوا: محال ذلك، فلا نور يثبت و لا ظلمة، و بطلت دعواهم، و رجع الأمر إلى أنّ اللّه واحد، و ما سواه باطل، فهذه مقالة «ماني» الزنديق و أصحابه.
و أمّا من قال: النور و الظلمة بينهما حكم، فلا بدّ من أن يكون أكبر الثلاثة الحكم؛
لأنّه لا يحتاج إلى الحاكم إلّا مغلوب أو جاهل أو مظلوم.
و هذا مقالة المانويّة (1)، و الحكاية عنهم تطول. قال: فما قصّة ماني؟ قال: متفحّص أخذ بعض المجوسيّة فشابها ببعض النصرانيّة، فأخطأ الملّتين و لم يصب مذهبا واحدا منهما، و زعم أنّ العالم دبّر من إلهين: نور و ظلمة، و أنّ النور في حصار من الظلمة على ما حكينا منه، فكذّبته النصارى، و قبلته المجوس.
قال: فأخبرني عن المجوس، أبعث اللّه إليهم نبيّا؟ فإنّي أجد لهم كتبا محكمة، و مواعظ بليغة، و أمثالا شافية، يقرّون بالثواب و العقاب، و لهم شرائع يعملون بها.
قال: ما من أمّة إلّا خلا فيها نذير، و قد بعث إليهم نبيّ بكتاب من عند اللّه، فأنكروه و جحدوا كتابه.
قال: و من هو، فإنّ الناس يزعمون أنّه خالد بن سنان؟
____________
(1) «المدقونيّة» ب، ع. و الظاهر أنّ جميعها تصحيف صوابه «المرقيونيّة» و هم أصحاب «مرقيون» أثبتوا أصلين قديمين متضادّين: أحدهما النور، و الثاني الظلمة، و أثبتوا أصلا ثالثا هو المعدّل الجامع، و هو سبب المزاج. راجع الملل و النحل: 1/ 252.
550
قال (عليه السلام): إنّ خالدا كان عربيّا بدويّا، ما كان نبيّا، و إنّما ذلك شيء يقوله الناس. قال:
أفزردشت؟
قال: إنّ زردشت أتاهم بزمزمة (1) و ادّعى النبوّة، فآمن منهم قوم و جحده قوم، فأخرجوه فأكلته السباع في برّيّة من الأرض.
قال: فأخبرني عن المجوس كانوا أقرب إلى الصواب في دهرهم أم العرب؟
قال: العرب في الجاهليّة كانت أقرب إلى الدين الحنيفي من المجوس، و ذلك أنّ المجوس كفرت بكلّ الأنبياء، و جحدت كتبهم، و أنكرت براهينهم، و لم تأخذ بشيء من سننهم و آثارهم، و أنّ كيخسرو ملك المجوس في الدهر الأوّل قتل ثلاثمائة نبيّ؛
و كانت المجوس لا تغتسل من الجنابة، و العرب كانت تغتسل، و الاغتسال من خالص شرائع الحنيفيّة، و كانت المجوس لا تختتن، و هو من سنن الأنبياء؛
و أنّ أوّل من فعل ذلك إبراهيم خليل اللّه.
و كانت المجوس لا تغسل موتاها و لا تكفّنها، و كانت العرب تفعل ذلك؛
و كانت المجوس ترمي الموتى في الصحارى و النواويس؛
و العرب تواريها في قبورها و تلحدها، و كذلك السنّة على الرسل.
إنّ أوّل من حفر له قبر آدم أبو البشر، و الحد له لحد؛
و كانت المجوس تأتي الامّهات، و تنكح البنات و الأخوات، و حرّمت ذلك العرب؛
و أنكرت المجوس بيت اللّه الحرام، و سمّته بيت الشيطان، و العرب كانت تحجّه و تعظّمه و تقول: بيت ربّنا، و تقرّ بالتوراة و الإنجيل، و تسأل أهل الكتاب (2) و تأخذ عنهم، و كانت العرب في كلّ الأسباب أقرب إلى الدين الحنيفيّ من المجوس.
قال: فإنّهم احتجّوا بإتيان الأخوات أنّها سنّة من آدم!
قال: فما حجّتهم في إتيان البنات و الامّهات، و قد حرّم ذلك آدم و نوح و إبراهيم و موسى و عيسى و سائر الأنبياء (عليهم السلام) و كلّ ما جاء عن اللّه عزّ و جلّ!؟
____________
(1) الصوت البعيد، له دويّ، و المراد أنّه أتاهم بكلام غير مفهوم بعيد عن الأذهان مباين للحقّ» منه ره.
(2) «الكتب» م.
552
قال: فلم حرّم إتيان البهيمة؟
قال (عليه السلام): كره أن يضيّع الرجل ماءه، و يأتي غير شكله، و لو أباح ذلك لربط كلّ رجل أتانا يركب ظهرها، و يغشى فرجها، فكان يكون في ذلك فساد كثير، فأباح ظهورها، و حرّم عليهم فروجها، و خلق للرجال النساء ليأنسوا بهنّ، و يسكنوا إليهنّ، و يكنّ موضع شهواتهم، و امّهات أولادهم.
قال: فما علّة الغسل من الجنابة، و إنّ ما أتى حلال، و ليس في الحلال تدنيس؟
قال (عليه السلام): إنّ الجنابة بمنزلة الحيض؛
و ذلك أنّ النطفة دم لا تستحكم، و لا يكون الجماع إلّا بحركة شديدة و شهوة غالبة، و إذا فرغ تنفّس البدن (1)، و وجد الرجل من نفسه رائحة كريهة، فوجب الغسل لذلك، و غسل الجنابة مع ذلك أمانة ائتمن اللّه تعالى عليها عبيده ليختبرهم بها.
قال: أيّها الحكيم!
فما تقول فيمن زعم أنّ هذا التدبير الّذي يظهر في هذا العالم تدبير النجوم السبعة؟
قال: يحتاجون إلى دليل أنّ هذا العالم الأكبر و العالم الأصغر من تدبير النجوم الّتي تسبح في الفلك و تدور حيث دارت متعبة لا تفتر، و سائرة لا تقف.
ثمّ قال: و إنّ كلّ نجم منها موكّل مدبّر، فهي بمنزلة العبيد المأمورين المنهيّين، فلو كانت قديمة أزليّة لم تتغيّر من حال إلى حال.
قال: فمن قال بالطبائع؟ قال: القدريّة، فذلك قول من لم يملك البقاء، و لا صرف الحوادث، و غيّرته الأيّام و الليالي، لا يردّ الهرم و لا يدفع الأجل، ما يدري ما يصنع به؟
قال: فأخبرني عمّن زعم أنّ الخلق لم يزل يتناسلون و يتوالدون، و يذهب قرن و يجيء قرن، تفنيهم الأمراض و الأعراض و صنوف الآفات؛
يخبرك الآخر عن الأوّل، و ينبئك الخلف عن السلف، و القرون عن القرون أنّهم وجدوا الخلق على هذا الوصف بمنزلة الشجر و النبات؛
في كلّ دهر يخرج منه حكيم عليم بمصلحة الناس، بصير بتأليف الكلام، و يصنّف كتابا
____________
(1) «تنفّس البدن كناية عن العرق» منه ره.
551
قال: فلم حرّم اللّه تعالى الخمر، و لا لذّة أفضل منها؟
قال: حرّمها لأنّها أمّ الخبائث، و اسّ كلّ شرّ (1)؛
يأتي على شاربها ساعة يسلب لبّه و لا يعرف ربّه، و لا يترك معصية إلّا ركبها، و لا حرمة إلّا انتهكها، و لا رحما ماسّة إلّا قطعها، و لا فاحشة إلّا أتاها؛
و السكران زمامه بيد الشيطان إن أمره أن يسجد للأوثان سجد، و ينقاد حيث ما قاده.
قال: فلم حرّم الدم المسفوح؟
قال: لأنّه يورث القساوة، و يسلب الفؤاد رحمته، و يعفّن البدن، و يغيّر اللون، و أكثر ما يصيب الإنسان الجذام يكون من أكل الدم.
قال: فأكل الغدد؟ قال: يورث الجذام.
قال: فالميتة لم حرّمها؟ قال: فرقا بينها (2) و بين ما يذكر عليه اسم اللّه، و الميتة قد جمد فيها الدم و تراجع إلى بدنها، فلحمها ثقيل غير مريء لأنّها يؤكل لحمها بدمها.
قال: فالسمك ميتة؟
قال: إنّ السمك ذكاته إخراجه حيّا من الماء، ثمّ يترك حتّى يموت من ذات نفسه، و ذلك أنّه ليس له دم، و كذلك الجراد.
قال: فلم حرّم الزنا؟
قال: لما فيه من الفساد، و ذهاب المواريث، و انقطاع الأنساب، لا تعلم المرأة في الزنا من أحبلها، و لا المولود يعلم من أبوه، و لا أرحام موصلة، و لا قرابة معروفة.
قال: فلم حرّم اللواط؟
قال: من أجل أنّه لو كان إتيان الغلام حلالا لاستغنى الرجال عن النساء، و كان فيه قطع النسل و تعطيل الفروج، و كان في إجازة ذلك فساد كثير.
____________
(1) «أو ليس كلّ شيء» ع، ب.
(2) «قوله (عليه السلام): (فرقا بينها) لمّا كانت الميتة نوعين: إحداهما ما اخلّ فيها بأصل الذبح، و الثانية ما اخلّ فيها بشرائط الذبح، فأشار (عليه السلام) إلى الثانية بقوله: (فرقا بينها). و الحاصل أنّ الحكمة فيه غرض يتعلّق بأديان الناس لا بأبدانهم، و أشار إلى الاولى بقوله: و الميتة قد جمد فيها الدم» منه ره.
553
قد حبّره بفطنته، و حسّنه بحكمته، قد جعله حاجزا بين الناس، يأمرهم بالخير و يحثّهم عليه، و ينهاهم عن السوء و الفساد و يزجرهم عنه، لئلّا يتهاوشوا (1) و لا يقتل بعضهم بعضا.
قال (عليه السلام): ويحك! إنّ من خرج من بطن امّه أمس (2)، و يرحل عن الدنيا غدا، لا علم له بما كان قبله، و لا ما يكون بعده، ثمّ إنّه لا يخلو الإنسان من أن يكون خلق نفسه، أو خلقه غيره، أولم يزل موجودا، فما ليس بشيء (3) لا يقدر على أن يخلق شيئا، و هو ليس بشيء،
و كذلك ما لم يكن فيكون شيئا، يسأل فلا يعلم كيف كان ابتداؤه، و لو كان الإنسان أزليّا لم تحدث فيه الحوادث، لأنّ الأزليّ لا تغيّره الأيّام، و لا يأتي عليه الفناء؛
مع أنّا لم نجد (4) بناء من غير بان، و لا أثرا من غير مؤثّر، و لا تأليفا من غير مؤلّف؛
فمن زعم أنّ أباه خلقه، قيل: فمن خلق أباه؟ و لو أنّ الأب هو الّذي خلق ابنه؛
____________
(1) تهاوشوا: اختلطوا. و في المصدر: تهارشوا، من تهارشت الكلاب أي يتقاتلون و يتواثبون.
(2) حاصله أنّ الأنبياء يخبرون الناس بما كان و ما يكون، فلو كان كما زعمه السائل فأنّى لهم علم ذلك؟»
(3) هذا إبطال للشقّ الأوّل، و هو أن يكون خلق نفسه، و هو مبنيّ على ما يحكم به العقل من تقدّم العلّة على المعلول بالوجود، و لمّا كان الشقّ الثاني متضمّنا لما هو المطلوب- و هو كون الصانع سوى هذه الممكنات الحادثة- و لما هو غير المطلوب- و هو كون صانعه مثله في الحدوث- أبطل هذا بقول: (و كذلك ما لم يكن فيكون) أي لا يمكن أن يكون صانعه شيئا لم يكن فوجد، و هو بحيث إذا سئل لا يعلم كيف ابتدأ نفسه، لأنّ الممكن الّذي اكتسب الوجود من غيره، و هو في معرض الزوال لا يتأتّى منه إيجاد غيره.
و يحتمل أن يكون ضمير «ابتداؤه» راجعا إلى المعلول، أي كيف يكون إنسان موجدا لإنسان آخر مع أنّه إذا سئل لا يعلم كيف كان ابتداء خلق هذا الآخر؛
و يحتمل أن يكون على الوجه الأوّل دليلا آخر على إبطال الشقّ الأوّل؛
أي لا يكون الإنسان موجدا لنفسه، و إلّا لكان يعلم ابتداء خلقه»؛.
(4) «و قوله: (مع أنّا لم نجد) دليل آخر على إبطال ما سبق، مبنيّا على ما يحكم به العقل من أنّ التركيب و التأليف يوجب الاحتياج إلى المؤثّر، ثمّ قال: فلو قيل: إنّ خالق الابن هو الأب ننقل الكلام إلى الأب حتّى ينتهى إلى صانع غير مؤلّف و لا مركّب لا يحتاج إلى صانع آخر؛
و إنّما خصّ الأب لأنّه أقرب الممكنات إليه، ثمّ أبطل كون الأب خالقا بوجه آخر، و هو أنّه لو كان خالقا لابنه، لخلقه على ما يريده و يشتهيه، و لملك حياته و بقاءه إلى آخر ما ذكره (عليه السلام)» منه ره.
554
لخلقه على شهوته، و صوّره على محبّته، و لملك حياته، و لجاز فيه حكمه؛
[و لكنّه إن] مرض لم ينفعه، و [إن] مات عجز عن ردّه، إنّ من استطاع أن يخلق خلقا و ينفخ فيه روحا حتّى يمشي على رجليه سويّا يقدر أن يدفع عنه الفساد.
قال: فما تقول في علم النجوم؟
قال: هو علم قلّت منافعه، و كثرت مضرّاته، لأنّه لا يدفع به المقدور، و لا يتّقى به المحذور، إن أخبر المنجّم بالبلاء لم ينجه التحرّز من القضاء، و إن أخبر هو بخير لم يستطع تعجيله، و إن حدث به سوء لم يمكنه صرفه؛
و المنجّم يضاد اللّه في علمه بزعمه أنّه يردّ قضاء اللّه عن خلقه.
قال: فالرسول أفضل أم الملك المرسل إليه؟ قال: بل الرسول أفضل. قال:
فما علّة الملائكة الموكّلين بعباده يكتبون عليهم و لهم، و اللّه عالم السرّ و ما هو أخفى؟
قال: استعبدهم بذلك، و جعلهم شهودا على خلقه، ليكون العباد لملازمتهم إيّاهم أشدّ على طاعة اللّه مواظبة، و عن معصيته أشدّ انقباضا، و كم من عبد يهمّ بمعصية فيذكر مكانها فارعوى و كفّ، فيقول: ربّي يراني، و حفظتي عليّ بذلك تشهد؛
و أنّ اللّه برأفته و لطفه أيضا وكّلهم بعباده، يذبّون عنهم مردة الشياطين، و هو أمّ الأرض، و آفات كثيرة من حيث لا يرون بإذن اللّه إلى أن يجيء أمر اللّه عزّ و جلّ.
قال: فخلق الخلق للرحمة أم للعذاب؟ قال: خلقهم للرحمة، و كان في علمه قبل خلقه إيّاهم أنّ قوما منهم يصيرون إلى عذابه بأعمالهم الرديئة و جحدهم به.
قال: يعذّب من أنكر فاستوجب عذابه بإنكاره، فبم يعذّب من وحّده و عرفه؟
قال: يعذّب المنكر لإلهيّته (1) عذاب الأبد، و يعذّب المقرّ به عذابا عقوبة لمعصيته إيّاه فيما فرض عليه، ثمّ يخرج، و لا يظلم ربّك أحدا.
قال: فبين الكفر و الإيمان منزلة؟ قال: لا.
قال: فما الإيمان و ما الكفر؟ قال: الإيمان أن يصدّق اللّه فيما غاب عنه من عظمة اللّه لتصديقه بما شاهد من ذلك و عاين، و الكفر: الجحود.
____________
(1) «منكر كلّ من اصول الدين داخل في ذلك» منه ره.
555
قال: فما الشرك، و ما الشكّ؟ قال: الشرك أن يضمّ إلى الواحد الّذي ليس كمثله شيء آخر، و الشكّ ما لم يعتقد قلبه شيئا.
قال: أ فيكون العالم جاهلا؟ قال: عالم بما يعلم، و جاهل بما يجهل.
قال: فما السعادة و ما الشقاوة؟
قال: السعادة سبب خير تمسّك به السعيد فيجرّه إلى النجاة؛
و الشقاوة سبب خذلان تمسّك به الشقيّ فيجرّه إلى الهلكة، و كلّ بعلم اللّه تعالى.
قال: أخبرني عن السراج إذا انطفأ أين يذهب نوره؟ قال: يذهب فلا يعود.
قال: فما أنكرت أن يكون الإنسان مثل ذلك إذا مات، و فارق الروح البدن لم يرجع إليه أبدا كما لا يرجع ضوء السراج إليه أبدا إذا انطفأ؟
قال: لم تصب القياس، إنّ النار في الأجسام كامنة (1) و الأجسام قائمة بأعيانها، كالحجر و الحديد، فإذا ضرب أحدهما بالآخر سطعت من بينهما نار يقتبس منهما سراج له ضوء؛
فالنار ثابتة في أجسامها، و الضوء ذاهب؛
و الروح جسم رقيق قد البس قالبا كثيفا، و ليس بمنزلة السراج الّذي ذكرت؛
إنّ الّذي خلق في الرحم جنينا من ماء صاف، و ركّب فيه ضروبا مختلفة من عروق و عصب و أسنان و شعر و عظام و غير ذلك، هو يحييه بعد موته و يعيده بعد فنائه.
قال: فأين الروح؟ قال: في بطن الأرض حيث مصرع البدن إلى وقت البعث.
قال: فمن صلب أين روحه؟
قال: في كفّ الملك الّذي قبضها حتّى يودعها الأرض.
قال: فأخبرني عن الروح أغير الدم؟
____________
(1) «قوله (عليه السلام): (إنّ النار في الأجسام كامنة) ظاهره يدلّ على مذهب الكمون و البروز، و يمكن أن يكون المراد أنّها جزء للمركّبات؛ أو لمّا كان من ملاقات الأجسام تحصل النار حكم بكمونها فيها مجازا.
و حاصل ما ذكره (عليه السلام) من الفرق أنّ ما يعدم عند انطفاء السراج هو الضوء؛
و أمّا جسم النار فهو يستحيل هواء و لا ينعدم، و الروح ليس بعرض مثل الضوء حتّى ينعدم بتغيّر محلّه و لا يعود، بل هو جسم باق بعد انفصاله عن البدن حتّى يعود إليه؛
ثمّ أزال (عليه السلام) استبعاده إعادة البدن و إعادة الروح إليه بقوله: (إنّ الّذي خلق في الرحم)» منه ره.
557
فإذا كان حين البعث مطرت الأرض مطر النشور، فتربو الأرض (1) ثمّ تمخّض مخض السقاء، فيصير تراب البشر كمصير الذهب من التراب إذا غسل بالماء، و الزبد من اللبن إذا مخّض، فيجتمع تراب كلّ قالب فينقل بإذن [اللّه] القادر إلى حيث الروح، فتعود الصور بإذن المصوّر كهيئتها، و تلج الروح فيها، فإذا قد استوى لا ينكر من نفسه شيئا (2).
قال: أخبرني عن الناس يحشرون يوم القيامة عراة؟ قال: بل يحشرون في أكفانهم.
قال: أنّى لهم بالأكفان و قد بليت؟ قال: إنّ الّذي أحيا أبدانهم جدّد أكفانهم.
قال: فمن مات بلا كفن؟ قال: يستر اللّه عورته بما شاء من عنده.
قال: فيعرضون صفوفا؟
قال: نعم هم يومئذ عشرون و مائة ألف صفّ في عرض الأرض.
قال: أ و ليس توزن الأعمال؟
قال (عليه السلام): لا، إنّ الأعمال ليست بأجسام، و إنّما هي صفة ما عملوا، و إنّما يحتاج إلى وزن الشيء من جهل عدد الأشياء، و لا يعرف ثقلها و خفّتها، و إنّ اللّه لا يخفى عليه شيء.
قال: فما [معنى] الميزان؟ قال: العدل.
قال: فما معناه في كتابه: «فمن ثقلت موازينه»؟ قال: فمن رجح عمله.
قال: فأخبرني أو ليس في النار مقتنع أن يعذّب خلقه بها دون الحيّات و العقارب؟
قال: إنّما يعذّب بها قوما زعموا أنّها ليست من خلقه، إنّما شريكه الّذي يخلقه، فيسلّط اللّه تعالى عليهم العقارب و الحيّات في النار ليذيقهم بها وبال ما كانوا عليه، فجحدوا أن يكون صنعه.
قال: فمن أين قالوا: إنّ أهل الجنّة يأتي الرجل منهم إلى ثمرة يتناولها، فإذا أكلها عادت كهيئتها؟
قال: نعم، ذلك على قياس السراج، يأتي القابس فيقتبس منه فلا ينقص من ضوئه شيء، و قد امتلأت الدنيا منه سراجا.
____________
(1) «أي ترتفع، و ظاهر الخبر انعدام الصور، ثمّ عودها بعد فنائها، و بقاء موادّ الأبدان»؛
(2) «أي يعرف أجزاء بدنه كما كان لم يتغيّر شيء منها» منه ره.
556
قال: نعم، الروح على ما وصفت لك مادّته من الدم، و من الدم رطوبة الجسم، و صفاء اللون، و حسن الصوت، و كثرة الضحك، فإذا جمد الدم فارق الروح البدن.
قال: فهل يوصف بخفّة و ثقل و وزن؟
قال: الروح بمنزلة الريح في الزقّ إذا نفخت فيه امتلأ الزقّ منها، فلا يزيد في وزن الزقّ ولوجها فيه و لا ينقصها خروجها منه، كذلك الروح ليس لها ثقل و لا وزن.
قال: فأخبرني ما جوهر الريح؟
قال: الريح هواء إذا تحرّك سمّي ريحا، فإذا سكن سمّي هواء، و به قوام الدنيا؛
و لو كفّت الريح ثلاثة أيّام لفسد كلّ شيء على وجه الأرض و نتن، و ذلك أنّ الريح بمنزلة المروحة تذبّ و تدفع الفساد عن كلّ شيء و تطيّبه، فهي بمنزلة الروح إذا خرج عن البدن نتن البدن و تغيّر، تبارك اللّه أحسن الخالقين.
قال: أ فيتلاشى الروح بعد خروجه عن قالبه أم هو باق؟
قال: بل هو باق إلى وقت ينفخ في الصور، فعند ذلك تبطل الأشياء و تفنى، فلا حسّ و لا محسوس، ثمّ اعيدت الأشياء كما بدأها مدبّرها، و ذلك أربعمائة سنة يسبت (1) فيها الخلق، و ذلك بين النفختين.
قال: و أنّى له بالبعث، و البدن قد بلى، و الأعضاء قد تفرّقت، فعضو ببلدة يأكلها سباعها، و عضو باخرى تمزّقه هو امّها، و عضو قد صار ترابا بني به مع الطين حائط؟ قال:
إنّ الّذي أنشأه من غير شيء، و صوّره على غير مثال كان سبق إليه، قادر [على] أن يعيده كما بدأه.
قال: أوضح لي ذلك.
قال: إنّ الروح مقيمة في مكانها: روح المحسن في ضياء و فسحة، و روح المسيء في ضيق و ظلمة، و البدن يصير ترابا [كما] منه خلق، و ما تقذف به السباع و الهوامّ من أجوافها ممّا أكلته و مزّقته كلّ ذلك في التراب محفوظ عند من لا يعزب عنه مثقال ذرّة في ظلمات الأرض، و يعلم عدد الأشياء و وزنها، و إنّ تراب الروحانيّين بمنزلة الذهب في التراب؛
____________
(1) سبت: استراح. سبت الرجل: حار.
558
قال: أ ليسوا يأكلون و يشربون، و تزعم أنّه لا تكون لهم الحاجة؟
قال: بلى لأنّ غذاءهم رقيق لا ثفل (1) له، بل يخرج من أجسادهم بالعرق.
قال: فكيف تكون الحوراء في كلّ ما أتاها زوجها عذراء؟
قال: لأنّها خلقت من الطيب لا تعتريها عاهة، و لا تخالط جسمها آفة، و لا يجري في ثقبها شيء، و لا يدنّسها حيض، فالرحم ملتزقة (ملدمة)، إذ ليس فيه لسوى الإحليل مجرى.
قال: فهي تلبس سبعين حلّة، و يرى زوجها مخّ ساقها من وراء حللها و بدنها؟
قال: نعم. كما يرى أحدكم الدراهم إذا القيت في ماء صاف، قدر قيد (2) رمح.
قال: فكيف ينعّم أهل الجنّة بما فيها من النعيم، و ما منهم أحد إلّا و قد افتقد ابنه أو أباه أو حميمه أو امّه؟ فإذا افتقدوهم في الجنّة لم يشكّوا في مصيرهم إلى النار؛
فما يصنع بالنعيم من يعلم أنّ حميمه في النار يعذّب؟
قال (عليه السلام): إنّ أهل العلم قالوا: إنّهم ينسون ذكرهم، و قال: بعضهم، انتظروا (3) قدومهم و رجوا أن يكونوا بين الجنّة و النار في أصحاب الأعراف.
قال: فأخبرني عن الشمس أين تغيب؟
قال: إنّ بعض العلماء قالوا: إذا انحدرت أسفل القبّة دار بها الفلك إلى بطن السماء صاعدة أبدا إلى أن تنحطّ إلى موضع مطلعها- يعني أنّها تغيب في عين حامئة، ثمّ تخرق الأرض (4) راجعة إلى موضع مطلعها- فتحير تحت العرش حتّى يؤذن لها بالطلوع، و يسلب نورها كلّ يوم و يجلّل نورا آخر.
قال: فالكرسيّ أكبر أم العرش؟ قال: كلّ شيء خلقه اللّه تعالى في جوف الكرسيّ خلا عرشه، فإنّه أعظم من أن يحيط به الكرسيّ.
____________
(1) «ثقل» م. الثقل: ما يستقر في أسفل الشيء من كدرة.
(2) و «قيد رمح- بالكسر-: أي قدره»؛
(3) قوله: (و قال: بعضهم انتظروا) لعلّ في هذا التبهيم مصلحة، و أحدهما قول المعصوم، و الآخر قول غيره؛
و يحتمل أن يكون بعضهم ينسون و بعضهم ينتظرون، و كلّ معصوم ذكر حال بعضهم»؛
(4) «قوله (عليه السلام): (ثمّ تخرق الأرض) أي تذهب تحتها» منه ره.
559
قال: فخلق النهار قبل الليل؟
قال: نعم خلق النهار قبل الليل، و الشمس قبل القمر، و الأرض قبل السماء، و وضع الأرض على الحوت، و الحوت في الماء، و الماء في صخرة مجوّفة، و الصخرة على عاتق ملك، و الملك على الثرى، و الثرى على الريح العقيم، و الريح على الهواء، و الهواء تمسكه القدرة، و ليس تحت الريح العقيم إلّا الهواء و الظلمات، و لا وراء ذلك سعة و لا ضيق (1) و لا شيء يتوهّم، ثمّ خلق الكرسيّ فحشاه السماوات و الأرض، و الكرسيّ أكبر من كلّ شيء خلقه [اللّه]، ثمّ خلق العرش، فجعله أكبر من الكرسي. (2)
(4) معاني الأخبار: المظفّر العلوي، عن ابن العيّاشي، عن أبيه، عن أحمد بن أحمد، عن سليمان بن الخصيب، قال: حدّثنا الثقة، قال: حدّثنا أبو جمعة رحمة بن صدقة، قال: أتى رجل- من بني اميّة، و كان زنديقا- جعفر بن محمّد (عليهما السلام) فقال:
قول اللّه عزّ و جلّ في كتابه المص (3)؛
أيّ شيء أراد بهذا؟ و أيّ شيء فيه من الحلال و الحرام؟
و أيّ شيء فيه ممّا ينتفع به الناس؟
قال: فاغتاظ من ذلك جعفر بن محمّد (عليهما السلام) فقال: أمسك ويحك!
الألف «واحد» و اللام «ثلاثون» و الميم «أربعون» و الصاد «ستّون» (4) كم معك؟
فقال الرجل: أحد و ثلاثون و مائة.
____________
(1) «قوله: (و لا وراء ذلك سعة و لا ضيق) أي سوى السماوات، أي ليس بين ذلك الفضاء المظلم و بين السماء شيء، و اللّه يعلم» منه ره.
(2) 2/ 77، عنه البحار: 3/ 209 ح 5، و ج 4/ 320 ح 3، و ج 5/ 317 ح 14، و ج 6/ 216 ح 8، و ج 10/ 164 ح 2 (بتمامه) و ج 12/ 37 ح 18، و ج 13/ 217 ح 10، و ج 14/ 69 ح 4، و ص 461 ح 27 و ج 57/ 77 ح 53، و ج 59/ 326 ح 12، و ج 60/ 15 ح 19، و ج 61/ 33 ح 7 و ج 63/ 235 ح 75 و ص 76 ح 30 و ص 21 ح 14 (قطع) و وسائل الشيعة: 15/ 162 ح 7 (قطعة).
«هذا الخبر و إن كان مرسلا لكن أكثر أجزائه أوردها الكليني و الصدوق متفرّقة في المواضع المناسبة لها، و سياقه شاهد صدق على حقّيّته» منه ره.
(3) الأعراف: 1.
(4) «تسعون» م، ع، ب. انظر البيان التالي.
560
فقال له جعفر بن محمّد (عليهما السلام):
إذا انقضت سنة احدى و ثلاثين و مائة، انقضى ملك أصحابك. قال: فنظرنا، فلمّا انقضت سنة احدى و ثلاثين و مائة (1) يوم عاشوراء دخل المسوّدة الكوفة و ذهب ملكهم. (2)
*** 9- باب جوابه (عليه السلام) عن سؤال بعض الخوارج
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: عليّ، عن أبيه، عن إبراهيم بن محمّد، عن السلمي، عن داود الرقّي قال: سألني بعض الخوارج عن هذه الآية: مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَ مِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ* وَ مِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَ مِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ (3).
ما الّذي أحلّ اللّه من ذلك؟ و ما الّذي حرّم؟ فلم يكن عندي شيء، فدخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) و أنا حاجّ فأخبرته بما كان، فقال: إنّ اللّه عزّ و جلّ أحلّ في الاضحيّة بمنى الضأن و المعز الأهليّة، و حرّم أن يضحّى بالجبليّة.
____________
(1) «هذا الخبر لا يستقيم إذا حمل على مدّة ملكهم لعنهم اللّه، لأنّه كان ألف شهر، و لا على تاريخ الهجرة بعد ابتنائه عليه، لتأخّر حدوث هذا التاريخ عن زمن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و لا على تاريخ عام الفيل لأنّه يزيد على أحد و ستّين و مائة؛
مع أنّ أكثر نسخ الكتاب أحد و ثلاثون و مائة، و هو لا يوافق عدد الحروف؛
و قال شيخي و استاذي العلّامة رفع اللّه مقامه: قد اشكل عليّ حلّ هذا الخبر زمانا حتّى عثرت على اختلاف ترتيب الأباجاد في كتاب عيون الحساب، فوجدت فيه أنّ ترتيب «أبجد» عند المغاربة هكذا: أبجد، هوّز، حطّي، كلمن، صعفض، قرست، ثخذ، ظغش؛ فالصاد المهملة عندهم ستّون، و الضاد المعجمة تسعون، و السين المهملة ثلاثمائة، و الظاء المعجمة ثمانمائة، و الغين المعجمة تسعمائة، و الشين المعجمة ألف؛ فحينئذ يستقيم ما في أكثر النسخ من عدد المجموع، و لعلّ الاشتباه في قوله: «و الصاد تسعون» من النسّاخ لظنّهم أنّه مبنيّ على المشهور، و حينئذ يستقيم إذا بني على البعثة، أو على نزول الآية كما لا يخفى على المتأمّل، و اللّه يعلم» منه ره.
(2) 28 ح 5، عنه البحار: 10/ 163 ح 1، و ج 92/ 376 ح 7، و عنه في إثبات الهداة: 5/ 363 ح 49 و عن تفسير العيّاشي: 2/ 2 ح 2.
(3) الأنعام: 143، 144.
561
و أمّا قوله: وَ مِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَ مِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ فإنّ اللّه تبارك و تعالى أحلّ في الأضحيّة الإبل العراب (1)، و حرّم فيها البخاتي (2)، و أحلّ البقر الأهليّة أن يضحّى بها، و حرّم الجبليّة.
فانصرفت إلى الرجل، فأخبرته بهذا الجواب.
فقال: هذا شيء حملته الإبل من الحجاز. (3)
10- باب جوابه (عليه السلام) على خارجيّ آخر
الكتب:
1- المناقب لابن شهرآشوب: قال بعض الخوارج لهشام بن الحكم:
العجم تتزوّج في العرب؟ قال: نعم.
قال: فالعرب تتزوّج في قريش؟ قال: نعم.
قال: فقريش تتزوّج في بني هاشم؟ قال: نعم.
فجاء الخارجيّ إلى الصادق (عليه السلام) فقصّ عليه، ثمّ قال: أسمعه منك؟
فقال (عليه السلام): نعم، قد قلت ذاك. قال الخارجيّ: فها أنا ذا قد جئتك خاطبا.
فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): إنّك لكفو في دينك و حسبك في قومك، و لكنّ اللّه عزّ و جلّ صاننا عن الصدقات، و هي أوساخ أيدي الناس، فنكره أن نشرك فيما فضّلنا اللّه به من لم يجعل اللّه له مثل ما جعل لنا.
فقام الخارجيّ و هو يقول: باللّه ما رأيت رجلا مثله، ردّني و اللّه أقبح ردّ، و ما خرج من قول صاحبه. (4)
____________
(1) الإبل العراب: خلاف البخاتي، و هي كرائم سالمة من الهجنة.
(2) نوع من الإبل، الواحد بختي، و الأنثى بختيّة، و الجمع بخاتي، الإبل الخراسانيّة.
(3) 3/ 492 ح 17 عنه البحار: 47/ 221 ح 8، و البرهان: 1/ 558 ح 2؛ و رواه في الفقيه: 2/ 490 ح 3049 بإسناده عن داود الرقّي، عنه الوسائل: 10/ 98 ح 5 و عن الكافي؛ و رواه في الاختصاص:
48، بإسناده إلى داود (مثله) عنه البحار: 10/ 215 ح 15.
(4) 3/ 381، عنه البحار: 47/ 219 ح 5، مستدرك الوسائل: 14/ 184 ح 4.
562
11- باب مناظرته (عليه السلام) مع ابن شبرمة القاضي (1)
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: العدّة، عن البرقي، عن أبيه، عن خلف بن حمّاد، عن عبد اللّه بن سنان، قال: لمّا قدم أبو عبد اللّه (عليه السلام) على أبي العبّاس و هو بالحيرة، خرج يوما يريد عيسى ابن موسى، فاستقبله بين الحيرة و الكوفة، و معه ابن شبرمة القاضي، فقال:
إلى أين يا أبا عبد اللّه؟ فقال: أردتك. فقال: قد قصّر اللّه خطوك.
قال: فمضى معه، فقال له ابن شبرمة القاضي:
ما تقول يا أبا عبد اللّه في شيء سألني عنه الأمير، فلم يكن عندي فيه شيء؟
فقال: و ما هو؟ قال: سألني عن أوّل كتاب كتب في الأرض.
قال: نعم، إنّ اللّه عزّ و جلّ عرض على آدم (عليه السلام) ذرّيته عرض العين في صور الذرّ نبيّا فنبيّا، و ملكا فملكا، و مؤمنا فمؤمنا، و كافرا فكافرا، فلمّا انتهى إلى داود (عليه السلام)؛
قال: من هذا الّذي نبّأته و كرّمته، و قصّرت عمره؟
قال: فأوحى اللّه عزّ و جلّ إليه هذا ابنك داود، عمره أربعون سنة، و إنّي قد كتبت الآجال، و قسّمت الأزراق، و أنا أمحو ما أشاء و اثبت و عندي أمّ الكتاب؛
فإن جعلت له شيئا من عمرك ألحقته له.
قال يا ربّ: قد جعلت له من عمري ستّين سنة تمام المائة، قال:
فقال اللّه عزّ و جلّ لجبرئيل، و ميكائيل و ملك الموت: اكتبوا عليه كتابا، فإنّه سينسى.
قال: فكتبوا عليه كتابا، و ختموه بأجنحتهم، من طينة علّيّين.
قال: فلمّا حضرت آدم الوفاة أتاه ملك الموت، فقال آدم: يا ملك الموت! ما جاء بك؟
قال: جئت لأقبض روحك. قال: قد بقي من عمري ستّون سنة.
فقال: إنّك جعلتها لابنك داود، قال: و نزل جبرئيل، و أخرج له الكتاب.
____________
(1) هو عبد اللّه بن شبرمة، أبو شبرمة، قاضي الكوفة.
توفّي سنة أربع و أربعين و مائة (راجع سير أعلام النبلاء: 6/ 347).
563
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام):
فمن أجل ذلك إذا خرج الصكّ على المديون ذلّ المديون، فقبض روحه. (1)
12- باب ردّه (عليه السلام) على ابن أبي عوانة
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الحسن بن عليّ، أو غيره، عن حمّاد بن عثمان، قال:
كان بمكّة رجل مولى لبني اميّة يقال له «ابن أبي عوانة» له عنادة (2) و كان إذا دخل إلى مكّة أبو عبد اللّه (عليه السلام) أو أحد من أشياخ آل محمّد (عليهم السلام) يعبث به، و إنّه أتى أبا عبد اللّه (عليه السلام) و هو في الطواف، فقال:
يا أبا عبد اللّه! ما تقول في استلام الحجر؟ فقال: استلمه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).
فقال: ما أراك استلمته. قال: أكره أن اوذي ضعيفا أو أتأذّى.
قال: فقال: قد زعمت أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) استلمه.
قال: نعم، و لكن كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إذا رأوه عرفوا له حقّه، و أنا فلا يعرفون لي حقّي. (3)
13- باب مناظرته (عليه السلام) لرجل آخر، و ردّه عليه
الأخبار، الأئمّة: العسكري، عن آبائه، عن الصادق (عليهم السلام)
1- الاحتجاج: (بالإسناد) إلى أبي محمّد العسكري، عن آبائه، عن الصادق (عليهم السلام):
أنّه قال: قوله عزّ و جلّ اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (4) يقول:
أرشدنا للصراط المستقيم، أرشدنا للزوم الطريق المؤدّي إلى محبّتك، و المبلّغ إلى جنّتك [و المانع] من أن نتّبع أهواءنا فنعطب (5)، أو نأخذ بآرائنا فنهلك.
____________
(1) 7/ 378 ح 1، عنه البحار: 11/ 258 ح 1، و ج 47/ 222 ح 10، و الجواهر السنيّة: 10/ 261 ح 3 و مستدرك الوسائل: 13/ 261 ح 3.
(2) «عباءة» ع، ب. يقال: عند الرجل: أي خالف الحقّ و هو عارف به، فهو عنيد.
(3) 4/ 409 ح 17، عنه البحار: 47/ 232 ح 21.
(4) الفاتحة: 6.
(5) عطب: هلك.
564
فإنّ من اتّبع هواه، و أعجب برأيه كان كرجل سمعت غثاء الناس (1) تعظّمه و تصفه، فأحببت لقاءه من حيث لا يعرفني لأنظر مقداره و محلّه، فرأيته في موضع قد أحدق به جماعة من غثاء العامّة، فوقفت منبذا عنهم، متغشّيا بلثام أنظر إليه و إليهم؛
فما زال يراوغهم (2) حتّى خالف طريقهم و فارقهم و لم يقرّ.
فتفرّقت جماعة العامّة عنه لحوائجهم، و تبعته أقتفي أثره، فلم يلبث أن مرّ بخبّاز فتغفّله، فأخذ من دكّانه رغيفين مسارقة، فتعجّبت منه، ثمّ قلت في نفسي لعلّه معاملة؛
ثمّ مرّ من بعده بصاحب رمّان، فما زال به حتّى تغفّله، فأخذ من عنده رمّانتين مسارقة؛ فتعجّبت منه، ثمّ قلت في نفسي لعلّه معاملة، ثمّ أقول: و ما حاجته إذا إلى المسارقة؟ ثمّ لم أزل أتبعه حتّى مرّ بمريض، فوضع الرغيفين و الرمّانتين بين يديه و مضى، و تبعته حتّى استقرّ في بقعة من صحراء؛
فقلت له: يا عبد اللّه! لقد سمعت بك و أحببت لقاءك، فلقيتك، لكنّي رأيت منك ما شغل قلبي، و إنّي سائلك عنه ليزول به شغل قلبي، قال: ما هو؟ قلت:
رأيتك مررت بخبّاز و سرقت منه رغيفين، ثمّ بصاحب الرمّان فسرقت منه رمّانتين! فقال لي: قبل كلّ شيء حدّثني من أنت؟
قلت: رجل من ولد آدم من أمّة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم). قال: حدّثني ممّن أنت؟
قلت: رجل من أهل بيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم). قال: أين بلدك؟ قلت: المدينة.
قال: لعلّك جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام). قلت: بلى.
قال لي: فما ينفعك شرف أصلك مع جهلك بما شرّفت به، و تركك علم جدّك و أبيك، لأنّه لا ينكر ما يجب أن يحمد و يمدح فاعله!
____________
(1) في الحديث «الناس ثلاث: عالم و متعلّم و غثاء، فنحن العلماء، و شيعتنا المتعلّمون؛
و سائر الناس غثاء» يريد أراذل الناس و أسقاطهم، شبّههم بذلك، لدناءة قدرهم و خفّة أحلامهم (مجمع البحرين «غثا»).
(2) «قال الفيروزآبادي: راغ الرجل: مال و حاد عن الشيء، و روغان الثعلب مشهور بين العجم و العرب» منه ره.
565
قلت: و ما هو؟ قال: القرآن كتاب اللّه.
قلت: و ما الّذي جهلت؟ قال: قول اللّه عزّ و جلّ:
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها (1).
و إنّي لمّا سرقت الرغيفين كانت سيّئتين، و لمّا سرقت الرمّانتين كانت سيّئتين، فهذه أربع سيّئات، فلمّا تصدّقت بكلّ واحد منها كانت أربعين حسنة، فانتقص من أربعين حسنة أربع سيّئات، بقي لي ستّ و ثلاثون.
قلت: ثكلتك امّك، أنت الجاهل بكتاب اللّه، أ ما سمعت قول اللّه عزّ و جلّ:
إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (2) إنّك لمّا سرقت الرغيفين كانت سيّئتين، و لمّا سرقت الرمّانتين كانت سيّئتين، و لمّا دفعتهما إلى غير صاحبهما، بغير أمر صاحبهما، كنت إنّما أضفت أربع سيّئات إلى أربع سيّئات، و لم تضف أربعين حسنة إلى أربع سيّئات.
فجعل يلاحيني (3) فانصرفت و تركته. (4)
استدراك
(14) باب جوابه (عليه السلام) عن سؤال أبي شاكر الديصاني (5)
(1) التوحيد: حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد (رحمه اللّه)، قال:
حدّثنا محمّد بن الحسن الصفّار، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، قال: حدّثني عليّ بن منصور، قال: سمعت هشام بن الحكم، يقول:
دخل أبو شاكر الديصاني على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال له:
____________
(1) الأنعام: 160.
(2) المائدة: 27.
(3) «لاحاه: نازعه» منه ره.
(4) 2/ 129، عنه البحار: 47/ 238 ح 23. و رواه في التفسير المنسوب للإمام العسكري (عليه السلام): 44 أوردنا فيه تخريجات الحديث و عند تحقيقنا له.
(5) ذكره ابن النديم في الفهرست: 401، في رؤساء المتكلّمين الّذين يظهرون الإسلام و يبطنون الزندقة.
566
إنّك أحد النجوم الزواهر، و كان آباؤك بدورا بواهر، و امّهاتك عقيلات عباهر (1)، و عنصرك من أكرم العناصر، و إذا ذكر العلماء فبك تثنى الخناصر؛
فخبّرني أيّها البحر الخضم الزاخر، ما الدليل على حدوث العالم؟
فقال: أبو عبد اللّه (عليه السلام): نستدلّ عليه بأقرب الأشياء. قال: و ما هو؟
قال: فدعا أبو عبد اللّه (عليه السلام) ببيضة، فوضعها على راحته، فقال:
هذا حصن ملموم، داخله غرقئ (2) رقيق لطيف، به فضّة سائلة، و ذهبة مائعة، ثمّ تنفلق عن مثل الطاوس، أدخلها شيء؟ فقال: لا.
قال: فهذا الدليل على حدوث العالم.
قال: أخبرت فأوجزت، و قلت: فأحسنت، و قد علمت أنّا لا نقبل إلّا ما أدركناه بأبصارنا، أو سمعناه بآذاننا، أو شممناه بمناخرنا، أو ذقناه بأفواهنا، أو لمسناه بأكفّنا، أو تصوّر في القلوب بيانا، أو استنبطته الروايات إيقانا.
قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): ذكرت الحواسّ الخمس، و هي لا تنفع شيئا بغير دليل، كما لا يقطع الظلمة بغير مصباح.
الأمالي للصدوق: أحمد بن عليّ بن إبراهيم بن هاشم، قال: حدّثني أبي، عن أبيه إبراهيم بن هاشم، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن الحكم (مثله). (3)
(2) الكافي: عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن إسحاق الخفّاف- أو عن أبيه- عن محمّد بن إسحاق قال: إنّ عبد اللّه الديصاني سأل هشام بن الحكم، فقال له:
أ لك ربّ؟ فقال: بلى.
قال: أ قادر هو؟ قال: نعم، قادر قاهر.
____________
(1) العقيلة: كريمة الحي. و العبهر: النرجس، الياسمين. و العباهر: الممتلئ الجسم، الطويل و هو كناية عن أن امّهاتك ذوات خلق و أخلاق كريمة و عالية.
(2) يأتي بيانها ص 591.
(3) 292 ح 1، 288 ح 5، عنهما البحار: 3/ 39 ح 13.
و أورده في الارشاد للمفيد: 316، و أعلام الدين 36، و كشف الغمّة: 2/ 177.
567
قال: يقدر أن يدخل الدنيا كلّها البيضة، لا تكبر البيضة و لا تصغر الدنيا؟
قال هشام: النظرة. فقال له: فقال: هل قد أنظرتك حولا. ثمّ خرج عنه؛
فركب هشام إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) فاستأذن عليه، فأذن له، فقال له:
يا ابن رسول اللّه! أتاني عبد اللّه الديصانيّ بمسألة ليس المعوّل فيها إلّا على اللّه و عليك.
فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): عمّا ذا سألك؟ فقال: قال لي: كيت و كيت.
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): يا هشام! كم حواسّك؟ قال خمس.
قال: أيّها أصغر؟ قال الناظر. قال: و كم قدر الناظر، قال: مثل العدسة أو أقلّ منها.
فقال له: يا هشام! فانظر أمامك و فوقك و أخبرني بما ترى.
فقال: أرى سماء و أرضا و دورا و قصورا و براري و جبالا و أنهارا.
فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): إنّ الّذي قدر أن يدخل الّذي تراه العدسة أو أقلّ منها قادر أن يدخل الدنيا كلّها البيضة، لا تصغر الدنيا و لا تكبر البيضة.
فأكبّ هشام عليه، و قبّل يديه و رأسه و رجليه و قال:
حسبي يا ابن رسول اللّه. و انصرف إلى منزله، و غدا عليه الديصانيّ، فقال له:
يا هشام! إنّي جئتك مسلما، و لم أجئك متقاضيا للجواب. فقال له هشام:
إن كنت جئت متقاضيا فهاك الجواب، فخرج الديصاني عنه حتّى أتى باب أبي عبد اللّه (عليه السلام) فاستأذن عليه، فأذن له، فلمّا قعد، قال له: يا جعفر بن محمّد! دلّني على معبودي؟
فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): ما اسمك؟ فخرج عنه، و لم يخبره باسمه.
فقال له أصحابه: كيف لم تخبره باسمك؟
قال: لو كنت قلت له: عبد اللّه، كان يقول: من هذا الّذي أنت له عبد.
فقالوا: له عد إليه، و قل له: يدلّك على معبودك، و لا يسألك عن اسمك.
فرجع إليه فقال له: يا جعفر بن محمّد! دلّني على معبودي، و لا تسألني عن اسمي؟
فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): اجلس. و إذا غلام له صغير في كفّه بيضة يلعب بها؛
فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): ناولني يا غلام البيضة. فناوله إيّاها؛
فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): يا ديصاني! هذا حصن مكنون، له جلد غليظ، و تحت الجلد
568
الغليظ جلد رقيق، و تحت الجلد الرقيق ذهبة مائعة، و فضّة ذائبة؛
فلا الذهبة المائعة تختلط بالفضّة الذائبة، و لا الفضّة الذائبة تختلط بالذهبة المائعة؛
فهي على حالها لم يخرج منها خارج مصلح فيخبر عن صلاحها، و لا دخل فيها مفسد فيخبر عن فسادها، لا يدرى للذكر خلقت أم للانثى، تنفلق عن مثله ألوان الطواويس؛
أ ترى لها مدبّرا؟
قال: فأطرق مليّا، ثمّ قال: أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، و أنّ محمّدا عبده و رسوله، و أنّك إمام و حجّة من اللّه على خلقه، و أنا تائب ممّا كنت فيه. (1)
(15) باب ردّه (عليه السلام) على ما ادّعاه الجعد بن درهم
(1) من كتاب الغرر للسيّد المرتضى رضي اللّه عنه: قيل:
إنّ الجعد بن درهم جعل في قارورة ماء و ترابا، فاستحال دودا و هوامّ، فقال لأصحابه:
أنا خلقت ذلك، لأنّي كنت سبب كونه.
فبلغ ذلك جعفر بن محمّد (عليهما السلام) فقال: إن كان خلقه؛
فليقل: كم هو؟ و كم الذكران منه و الإناث؟ و كم وزن كلّ واحدة منهنّ؟
و ليأمر الّذي سعى إلى هذا الوجه أن يرجع إلى غيره؛
فانقطع، و هرب. (2)
***
____________
(1) 1/ 79 ح 4، عنه الوافي: 1/ 319 ح 4.
و رواه في التوحيد: 122 ح 1 بإسناده إلى الخفّاف قال: حدّثني عدّة من أصحابنا (مثله) عنه البحار: 3/ 32 ح 6، و ج 4/ 140 ح 7، و روى نحوه في الهداية الكبرى: 257.
(2) 1/ 284، عنه مناقب ابن شهرآشوب: 3/ 375، و البحار: 10/ 201 ح 4.
تقدّم ص 269 ح 9 نحوه.
569
2- أبواب مناظرته (عليه السلام) في علوم شتّى
1- باب مناظرته (عليه السلام) في علم النجوم مع اليمانيّ
الأخبار:
1- المناقب لابن شهرآشوب: أبان بن تغلب [في خبر]:
أنّه دخل يماني على الصادق (عليه السلام) فقال له: مرحبا بك يا سعد!
فقال الرجل: بهذا الاسم سمّتني امّي، و قلّ من يعرفني به.
فقال: صدقت يا سعد المولى! فقال: جعلت فداك بهذا كنت القّب.
فقال: لا خير في القلب، إنّ اللّه يقول: وَ لا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ (1).
ما صناعتك يا سعد؟ قال: أنا من أهل بيت ننظر في النجوم.
فقال: كم ضوء الشمس على ضوء القمر درجة؟ قال: لا أدري.
قال: فكم ضوء القمر على ضوء الزهرة درجة؟ قال: لا أدري.
قال: فكم للمشتري من ضوء عطارد؟ قال: لا أدري.
قال: فما اسم النجوم الّتي إذا طلعت هاجت البقر؟ قال: لا أدري.
فقال: يا أخا أهل اليمن! عندكم علماء؟ قال: نعم؛
إنّ عالمهم ليزجر الطير، و يقفو الأثر في الساعة الواحدة مسيرة سير الراكب المجدّ.
فقال (عليه السلام): إنّ عالم المدينة أعلم من عالم اليمن؛
لأنّ عالم المدينة ينتهي إلى حيث لا يقفو الأثر، و يزجر الطير، و يعلم ما في اللحظة الواحدة مسيرة الشمس، فيقطع اثني عشر برجا، و اثني عشر بحرا، و اثني عشر عالما.
قال: ما ظننت أنّ أحدا يعلم هذا و يدري. (2)
____________
(1) الحجرات: 11.
(2) 3/ 379، عنه البحار: 47/ 218 ضمن ح 4. و رواه الصدوق في الخصال: 489 ح 68، بإسناده إلى أبان بن تغلب. و الطبري في دلائل الإمامة: 135، و الصفّار في بصائر الدرجات: 401 ح 14. و المفيد في الاختصاص: 313، بإسنادهم عن أبان بن تغلب (نحوه) و أورده في الاحتجاج: 2/ 100 عن أبان (مثله)، و أخرجه في البحار: 25/ 368 ح 13 عن البصائر و الاختصاص: 58/ 269 ح 56 و مدينة المعاجز: 408 ح 190 عن الخصال.
570
2- باب آخر و هو من الأوّل في مناظرته (عليه السلام) مع هشام الخفّاف في النجوم
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: أحمد بن محمّد، و عليّ بن محمّد؛ جميعا، عن عليّ بن الحسن التيمي، عن محمّد بن الخطّاب الواسطي، عن يونس بن عبد الرحمن، عن أحمد بن عمر الحلبي، عن حمّاد الأزدي، عن هشام الخفّاف، قال: قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام):
كيف بصرك بالنجوم؟ قال: قلت: ما خلّفت بالعراق أبصر بالنجوم منّي.
فقال: كيف دوران الفلك عندكم؟ قال: فأخذت قلنسوتي عن رأسي و أدرتها.
قال: فقال: إن كان الأمر على ما تقول؛
فما بال بنات نعش و الجدي و الفرقدين (1) لا يرون، يدورون يوما من الدهر في القبلة؟
قال: قلت: هذا [و اللّه] شيء لا أعرفه، و لا سمعت أحدا من أهل الحساب يذكره.
فقال لي: كم السكينة من الزهرة جزءا في ضوئها؟
قال: قلت: هذا و اللّه نجم ما سمعت به، و لا سمعت أحدا من الناس يذكره.
فقال: سبحان اللّه! فأسقطتم نجما بأسره فعلى ما تحسبون!؟
ثمّ قال: فكم الزهرة من القمر جزءا في ضوئه؟
قال: قلت: هذا شيء لا يعلمه إلّا اللّه عزّ و جلّ.
قال: فكم القمر جزءا من الشمس في ضوئها؟ قال: قلت: ما أعرف هذا.
قال: صدقت؛ ثمّ قال: ما بال العسكرين يلتقيان في هذا حساب، و في هذا حساب فيحسب هذا لصاحبه بالظفر، و يحسب هذا لصاحبه بالظفر، ثمّ يلتقيان، فيهزم أحدهما الآخر؛
فأين كانت النحوس؟ قال: فقلت: لا و اللّه ما أعلم ذلك. قال: فقال: صدقت؛
إنّ أصل الحساب حقّ، و لكن لا يعلم ذلك إلّا من علم مواليد الخلق كلّهم. (2)
____________
(1) بنات نعش: نجوم سبعة معروفة لا تغيب بل ينحطّ بعضها إلى جانب المغيب انحطاطا.
و الجدي- بالفتح فالسكون-: نجم إلى جنب القطب تعرف به القبلة و يقال له: جدي الفرقد.
و الفرقدين: هما نجمان مضيئان قريبان من القطب.
(2) 8/ 351 ح 549، عنه البحار: 47/ 224 ح 12، و ج 58/ 2343 ح 24، و الوسائل: 12/ 102 ح 2.
571
3- باب مناظرته (عليه السلام) في علم التشريح و الطبّ مع النصراني
الأخبار، الأصحاب:
1- المناقب لابن شهرآشوب: سالم الضرير:
أنّ نصرانيّا سأل الصادق (عليه السلام) عن تفصيل الجسم، فقال (عليه السلام):
إنّ اللّه تعالى خلق الإنسان على اثني عشر وصلا؛
و على مائتين و ثمانية (1) و أربعين عظما، و على ثلاثمائة و ستّين عرقا، فالعروق هي الّتي تسقي الجسد كلّه، و العظام تمسكها، و اللحم يمسك العظام، و العصب يمسك اللحم.
و جعل في يديه اثنين و ثمانين عظما، في كلّ يد أحد و أربعون عظما، منها:
في كفّه خمسة و ثلاثون عظما، و في ساعده اثنان، و في عضده واحد، و في كتفه ثلاثة، و كذلك في الاخرى.
و في رجله ثلاثة و أربعون عظما، منها:
في قدمه خمسة و ثلاثون عظما، و في ساقه اثنان، و في ركبته ثلاثة، و في فخذه واحد؛
و في وركه اثنان، و كذلك في الاخرى.
و في صلبه ثماني عشر فقارة، و في كلّ واحدة من جنبيه تسعة أضلاع؛
و في عنقه (2) ثمانية، و في رأسه ستّة و ثلاثون عظما؛
و في فيه ثمانية و عشرون، و اثنان و ثلاثون (3). (4)
____________
(1) «و ستّة» ع، م- تصحيف، لأنّه لا يستقيم الحساب و الأسنان غير داخلة في العدد.
(2) «و قصته» ع، ب. «لعلّ المراد بالوقصة العنق. قال الفيروزآبادي: و قص عنقه، كوعد: كسرها، و الوقص، بالتحريك: قصر العنق» منه ره.
(3) و في فيه ثمانية و عشرون: أي في بدو الإنبات، ثمّ تنبت في قريب من العشرين أربعة اخرى.
فلذا قال (عليه السلام) بعده: و اثنان و ثلاثون، و يحتمل أن يكون باعتبار اختلافها في الاشخاص، و فيه إشارة إلى أن السنّ [ليس ب] عظم» منه ره.
(4) 3/ 3/ 379، عنه البحار: 47/ 218 ضمن ح 4، و ج 61/ 317 ح 26.
572
4- باب آخر و هو من الأوّل، أعني في علم الطبّ
الأخبار، الأئمّة، الصادق (عليه السلام)
1- المناقب لابن شهرآشوب: حدّث أبو هفّان (1)- و ابن ماسويه حاضر (2)-:
أنّ جعفر بن محمّد (عليه السلام) قال: الطبائع أربع:
الدم و هو عبد، و ربّما قتل العبد سيّده.
و الريح و هو عدوّ، إذا سدّدت له بابا أتاك من آخر. و البلغم و هو ملك يداري.
و المرّة و هي الأرض، إذا رجفت رجفت بمن عليها.
فقال: أعد عليّ، فو اللّه ما يحسن جالينس (3) أن يصف هذا الوصف. (4)
استدراك
(5) باب مناظرته (عليه السلام) في علم الطبّ مع طبيب هندي
(1) الخصال، و علل الشرائع: الطالقاني، عن الحسن بن عليّ العدوي، عن عبّاد ابن صهيب، عن أبيه، عن جدّه، عن الربيع صاحب المنصور، قال:
حضر أبو عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق (عليهما السلام) مجلس المنصور يوما، و عنده رجل من
____________
(1) هو عبد اللّه بن أحمد بن حرب أبو هفّان الخرنوبي الشاعر البصري، نزل بغداد، روى عن الأصمعي و غيره، ترجم له في لسان الميزان: 3/ 249.
(2) كذا، و ذكر ابن الاثير في الكامل في التاريخ: 6/ 431 في سنة ثماني عشرة و مائتين توفّي المأمون لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب فلمّا اشتدّ مرضه، و حضره الموت، كان عنده من يلقّنه، فعرض عليه الشهادة و عنده ابن ماسويه الطبيب، انتهى.
و ماسويه- يوحنّا- توفي سنة 857 م أي ما يقارب 242 ه. ق، طبيب سرياني كان أبوه من أطبّاء العيون، و خدم الرشيد، نشأ في بغداد و عهد إليه الرشيد بترجمة الكتب الطبيّة؛ فكان طبيب البلاط العبّاسي من أيّام الرشيد حتّى المتوكّل- أعلام المنجد: 628- فلاحظ.
(3) جالينس هو طبيب يوناني له اكتشافات خطيرة في التشريح، و هو من أكبر مراجع أطبّاء العرب.
(4) 3/ 382، عنه البحار: 47/ 219 ح 5.
573
الهند يقرأ كتب الطبّ، فجعل أبو عبد اللّه الصادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام) ينصت لقراءته؛
فلمّا فرغ الهندي قال له: يا أبا عبد اللّه! أ تريد ممّا معي شيئا؟
قال: لا، فإنّ ما معي خير ممّا معك، قال: و ما هو؟
قال: اداوي الحارّ بالبارد، و البارد بالحارّ، و الرطب باليابس، و اليابس بالرطب، و أرد الأمر كلّه إلى اللّه عزّ و جلّ، و أستعمل ما قاله رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)؛
و أعلم أنّ المعدة بيت الداء، و الحمية هي الدواء، و اعوّد البدن ما اعتاد.
فقال الهندي: و هل الطبّ إلّا هذا؟
فقال الصادق (عليه السلام): أ فتراني عن كتب الطبّ أخذت؟ قال: نعم.
قال: لا و اللّه، ما أخذت إلّا عن اللّه سبحانه، فأخبرني أنا أعلم بالطبّ أم أنت؟
فقال الهندي: لا، بل أنا.
قال الصادق (عليه السلام): فأسألك شيئا؟ قال: سل.
قال (عليه السلام): أخبرني يا هندي لم كان في الرأس شئون (1)؟ قال: لا أعلم.
قال (عليه السلام): فلم جعل الشعر عليه من فوقه؟ قال: لا أعلم.
قال (عليه السلام): فلم خلت الجبهة من الشعر؟ قال: لا أعلم.
قال (عليه السلام): فلم كان لها تخطيط و أسارير (2)؟ قال: لا أعلم.
قال (عليه السلام): فلم كان الحاجبان من فوق العينين؟ قال: لا أعلم.
قال (عليه السلام): فلم جعلت العينان كاللوزتين؟ قال: لا أعلم.
قال (عليه السلام): فلم جعل الأنف فيما بينهما؟ قال: لا أعلم.
قال (عليه السلام): فلم كان ثقب الأنف في أسفله؟ قال: لا أعلم.
قال (عليه السلام): فلم جعلت الشفة و الشارب من فوق الفم؟ قال: لا أعلم.
____________
(1) «قال ابن سينا في التشريح: أمّا الجمجمة فهي من سبعة أعظم:
أربعة كالجدار، واحدة كالقاعدة، و الباقيات يتألّف منها القحف، و بعضها موصول إلى بعض بدروز، يقال لها: الشؤون» منه ره.
(2) «قال الجوهري: السرر: واحد أسرار الكفّ و الجبهة، و هي خطوطها، و جمع الجمع: أسارير».
574
قال (عليه السلام): فلم احتدّ السنّ، و عرض الضرس، و طال الناب؟ قال: لا أعلم.
قال (عليه السلام): فلم جعلت اللحية للرجال؟ قال: لا أعلم.
قال (عليه السلام): فلم خلت الكفّان من الشعر؟ قال: لا أعلم.
قال (عليه السلام): فلم خلا الظفر و الشعر من الحياة؟ قال: لا أعلم.
قال (عليه السلام): فلم كان القلب كحبّ الصنوبر؟ قال: لا أعلم.
قال (عليه السلام): فلم كانت الرية قطعتين، و جعل حركتها في موضعها؟ قال: لا أعلم.
قال (عليه السلام): فلم كانت الكبد حدباء؟ قال: لا أعلم.
قال (عليه السلام): فلم كانت الكلية كحبّ اللوبيا؟ قال: لا أعلم.
قال (عليه السلام): فلم جعل طيّ الركبتين إلى خلف؟ قال: لا أعلم.
قال: فلم تخصّرت (1) القدم؟ قال: لا أعلم.
فقال الصادق (عليه السلام): لكنّي أعلم. قال: فأجب.
قال الصادق (عليه السلام): كان في الرأس شئون: لأنّ المجوّف إذا كان بلا فصل أسرع إليه الصداع؛
فإذا جعل ذا فصول كان الصداع منه أبعد.
و جعل الشعر من فوقه: ليوصل بوصوله (2) الأدهان إلى الدماغ؛
و يخرج بأطرافه البخار منه، و يردّ عنه الحرّ و البرد الواردين عليه.
و خلت الجبهة من الشعر: لأنّها مصبّ النور إلى العينين.
و جعل فيها التخطيط و الأسارير: ليحتبس العرق الوارد من الرأس عن العين، قدر ما يميطه الإنسان عن نفسه، كالأنهار في الأرض الّتي تحبس المياه.
و جعل الحاجبان من فوق العينان، ليرد عليهما من النور قدر الكفاف؛
أ لا ترى يا هنديّ أنّ من غلبه النور جعل يده على عينيه ليرد عليهما قدر كفايتهما منه.
____________
(1) «إذا كانت قدمه تمسّ الأرض من مقدّمها و عقبها، و تخوّي أخمصها مع دقّة فيه»؛
(2) «بوصوله: أي بسبب وصول الشعر إلى الدماغ تصل إليه الأدهان؛
و لعلّه كان بدله بأوصله لمقابلة قوله بأطرافه» منه ره.
575
و جعل الأنف فيما بينهما، ليقسّم النور قسمين، إلى كلّ عين سواء.
و كانت العين كاللوزة، ليجري فيها الميل بالدواء، و يخرج منها الداء؛
و لو كانت مربّعة أو مدوّرة ما جرى فيها الميل، و ما وصل إليها دواء، و لا خرج منها داء.
و جعل ثقب الأنف في أسفله، لتنزل منه الأدواء المنحدرة من الدماغ، و يصعد فيه الأراييح إلى المشامّ، و لو كان في أعلاه لما انزل داء، و لا وجد رائحة.
و جعل الشارب و الشفة فوق الفم: لحبس ما ينزل من الدماغ عن الفم، لئلّا يتنغّص على الإنسان طعامه و شرابه فيميطه عن نفسه.
و جعلت اللحية للرجال، ليستغني بها عن الكشف في المنظر (1) و يعلم بها الذكر من الانثى.
و جعل السنّ حادّا: لأنّ به يقع العضّ.
و جعل الضرس عريضا: لأنّ به يقع الطحن و المضغ.
و كان الناب طويلا: ليسند الأضراس و الأسنان (2) كالاسطوانة في البناء.
و خلا الكفّان من الشعر: لأنّ بهما يقع اللمس؛
فلو كان فيهما شعر ما أدرى الإنسان ما يقابله و يلمسه.
و خلا الشعر و الظفر من الحياة، لأنّ طولهما سمج و قصّهما حسن؛
فلو كان فيهما حياة، لألم الإنسان، لقصّهما.
و كان القلب كحبّ الصنوبر، لأنّه منكس؛
فجعل رأسه دقيقا، ليدخل في الرية، فتروّح عنه ببردها، لئلّا يشيط (3) الدماغ بحرّه.
____________
(1) «قوله: في المنظر متعلّق بقوله: يستغني؛
أي ليستغني في النظر بسبب اللحية عن كشف العورة لاستعلام كونه ذكرا أو انثى»؛
(2) «لعلّ ذلك لكونه طويلا يمنع وقوع الأسنان بعضها على بعض في بعض الأحوال، كما أنّ الاسطوانة تمنع وقوع السقف؛ أو لكونه أقوى و أثبت من سائر الأسنان، فيحفظ سائرها بالالتصاق به، كما يجعل بين الاسطوانتين المثبتتين في الأرض أخشاب دقاق فتمسكانها»؛
(3) «قال الجوهري: شاط السمن إذا نضج حتّى يحترق» منه ره.
576
و جعلت الرية قطعتين، ليدخل بين مضاغطها فيتروّح عنه بحركتها.
و كان الكبد حدباء، ليثقل المعدة، و يقع جميعها عليها فيعصرها، ليخرج ما فيها من البخار.
و جعلت الكلية كحبّ اللوبيا: لأنّ عليها مصبّ المنيّ نقطة بعد نقطة؛
فلو كانت مربّعة أو مدوّرة احتبست النقطة الأولى إلى الثانية، فلا يلتذّ بخروجها الحيّ؛ إذا المنيّ ينزل من فقار الظهر إلى الكلية، فهي كالدودة تنقبض و تنبسط، ترميه أوّلا فأوّلا إلى المثانة، كالبندقة من القوس.
و جعل طيّ الركبة إلى خلف: لأنّ الإنسان يمشي إلى ما بين يديه (1) فيعتدل الحركات؛ و لو لا ذلك لسقط في المشي؛
و جعلت القدم مخصّرة: لأنّ الشيء إذا وقع على الأرض جميعه ثقل، كثقل حجر الرحى، فإذا كان على حرفه، دفعه الصبيّ، و إذا وقع على وجهه صعب نقله على الرجل.
فقال له الهندي: من أين لك هذا العلم؟
فقال (عليه السلام): أخذته عن آبائي (عليهم السلام) عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، عن جبرئيل، عن ربّ العالمين جلّ جلاله، الّذي خلق الأجساد و الأرواح، فقال الهندي: صدقت؛
و أنا أشهد أن لا إله إلّا اللّه، و أنّ محمّدا رسول اللّه و عبده، و أنّك أعلم أهل زمانك. (2)
____________
(1) «لأنّ الإنسان يمشي إلى ما بين يديه» لعلّ المعنى أنّ الإنسان يميل في المشي إلى قدّامه بأعلى بدنه، و إنّما ينحني أعاليه إلى هذه الجهة كحالة الركوع مثلا، فلو كان طي الركبة من قدّامه أيضا؛
لكان يقع على وجهه، فجعلت الأعالي مائلة إلى قدّام؛
و الأسافل مائلة إلى الخلف لتعتدل الحركات، فلا يقع في المشي و لا في الركوع و أمثالها، فقوله يمشي إلى ما بين يديه أي مائلا إلى ما بين يديه.
و قد أثبتنا زيادة توضيح لهذا الخبر في كتاب أحوال الإنسان» منه ره.
(2) 2/ 511 ح 3، 98 ح 1 عنهما البحار: 10/ 205 ح 9، و ج 61 ح 17، و أورده في المناقب لابن شهرآشوب: 3/ 383.
577
6- باب ما ورد في فقهه (عليه السلام)
الكتب:
1- المناقب لابن شهرآشوب: و في امتحان الفقهاء (1): رجل صانع، قطع عضو صبيّ بأمر أبيه، فإن مات فعليه نصف الدية، و إن عاش فعليه الدية كاملة؛
هذا حجّام، قطع حشفة صبيّ و هو يختنه، فإن مات فعليه نصف الدية، و نصف الدية على أبيه، لأنّه شاركه في موته، و إن عاش فعليه الدية كاملة لأنّه قطع النسل، و به ورد الأثر عن الصادق (عليه السلام).
و فيه: أنّ رجلا حضرته الوفاة فأوصى:
إنّ غلامي يسار هو ابني فورّثوه، و غلامي يسار فأعتقوه، فهو حرّ، الجواب:
يسأل أيّ الغلامين كان يدخل عليهنّ، فيقول أبوهم لا يستترنّ منه، فإنّما هو ولده.
فإن قال أولاده: إنّما أبونا قال: لا يستترنّ منه، فإنّه نشأ في حجورنا و هو صغير؛
فيقال لهم: أ فيكم أهل البيت علامة؟
فإن قالوا: نعم، نظر، فان وجدت تلك العلامة بالصغير، فهو أخوهم، و إن لم توجد فيه يقرع بين الغلامين، فأيّهما خرج سهمه فهو حرّ، بالمرويّ عنه (عليه السلام) (2). (3)
استدراك (1) الكافي: عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسين بن موسى، عن محمّد بن
____________
(1) لم نعثر على مصنّف باسم «امتحان الفقهاء» و أمّا امتحان الأفكار، امتحان الأذكياء فمذكوران في الذريعة، و كشف الظنون.
(2) «إنّما ذكر الروايتين مع أنّها ليسا بمعتمدين، لبيان أنّ المخالفين يروون عنه (عليه السلام) و يثقون بقوله، و الأخيرة منهما موافقة في الجملة للاصول و لتحقيقها مقام آخر. و الأبواب السابقة و اللاحقة مشحونة بمناظراته (عليه السلام) في الفقه مع القوم، و إنّما أوردنا هذا الباب لذلك أنموذجة،
و قد مرّ علمه (عليه السلام) بتعبير الرؤيا في أبواب علمه، و باب مناظرته مع أبي حنيفة، فلم نكرّره» منه ره.
(3) 3/ 386، عنه البحار: 47/ 220 ضمن ح 5.
578
الصباح، عن بعض أصحابنا، قال:
أتى الربيع أبا جعفر المنصور- و هو خليفة- في الطواف فقال له: يا أمير المؤمنين!
مات فلان مولاك البارحة، فقطع فلان مولاك رأسه بعد موته، قال: فاستشاط و غضب.
قال: فقال لابن شبرمة و ابن أبي ليلى و عدّة معه من القضاة و الفقهاء: ما تقولون في هذا؟ فكلّ قال: ما عندنا في هذا شيء.
قال: فجعل يردّد المسألة في هذا و يقول: أقتله أم لا؟ فقالوا: ما عندنا في هذا شيء.
قال: فقال له بعضهم: قد قدم رجل الساعة، فإن كان عند أحد شيء، فعنده الجواب في هذا، و هو جعفر بن محمّد (عليه السلام)، و قد دخل المسعى، فقال للربيع: اذهب إليه، فقل له:
لو لا معرفتنا بشغل ما أنت فيه لسألناك أن تأتينا، و لكن أجبنا في كذا و كذا؛
قال: فأتاه الربيع و هو على المروة، فأبلغه الرسالة؛
فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): قد ترى شغل ما أنا فيه، و قبلك الفقهاء و العلماء فسلهم.
قال: فقال له: قد سألهم، و لم يكن عندهم فيه شيء. قال: فردّه إليه.
فقال: أسألك إلّا أجبتنا فيه، فليس عند القوم في هذا شيء.
فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): حتّى أفرغ ممّا أنا فيه، قال: فلمّا فرغ، جاء فجلس في جانب المسجد الحرام، فقال للربيع: اذهب فقل له: عليه مائة دينار، قال: فأبلغه ذلك.
فقالوا له: فسله كيف صار عليه مائة دينار؟ فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام):
في النطفة عشرون، و في العلقة عشرون، و في المضغة عشرون، و في العظم عشرون، و في اللحم عشرون، ثمّ أنشأناه خلقا آخر؛
و هذا هو ميّت بمنزلته قبل أن ينفخ فيه الروح في بطن امّه جنينا.
قال: فرجع إليه فأخبره بالجواب، فأعجبهم ذلك؛
و قالوا: ارجع إليه فسله، الدنانير لمن هي، لورثته أم لا؟
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): ليس لورثته فيها شيء، إنّما هذا شيء اتي إليه في بدنه بعد موته، يحجّ بها عنه، أو يتصدّق بها عنه، أو تصير في سبيل من سبل الخير.
579
قال: فزعم الرجل أنّهم ردّوا الرسول إليه، فأجاب فيها أبو عبد اللّه (عليه السلام) بستّة و ثلاثين مسألة، و لم يحفظ الرجل إلّا قدر هذا الجواب. (1)
(2) المناقب لابن شهرآشوب: قال عمرو بن المقدام:
نادى رجل بأبي جعفر: يا أمير المؤمنين! إنّ هذين الرجلين طرقا أخي ليلا، فأخرجاه من منزله، فلم يرجع إليّ فو اللّه ما أدري ما صنعا به؟
فقالا: يا أمير المؤمنين! كلّمناه، ثمّ رجع إلى منزله.
فتقدّم إلى الصادق (عليه السلام)، فقال: يا غلام! اكتب:
بسم اللّه الرحمن الرحيم قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «كلّ من طرق رجلا بالليل، فأخرجه من منزله فهو له ضامن إلى أن يقيم البيّنة أنّه قد ردّه إلى منزله»، قم يا غلام، نحّ هذا فاضرب عنقه؛ فقال: يا ابن رسول اللّه ما قتلته و لكن أمسكته، ثمّ جاء هذا فوجأه فقتله؛
فقال: أنا ابن رسول اللّه، يا غلام! نحّ هذا، فاضرب عنق الآخر.
فقال: يا ابن رسول اللّه، و اللّه ما عذّبته، و لكن قتلته بضربة واحدة.
فأمر أخاه، فضرب عنقه، ثمّ أمر بالآخر، فضرب جنبيه، و حبسه في السجن، و وقع على رأسه بحبس عمره، و يضرب كلّ سنة خمسين جلدة. (2)
(3) الخصال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن الهيثم العجلي، و أحمد بن الحسن القطّان، و محمّد بن أحمد السناني، و الحسين بن إبراهيم بن أحمد بن هشام المكتب، و عبد اللّه بن محمّد الصائغ، و عليّ بن عبد اللّه الورّاق رضي اللّه عنهم قالوا: حدّثنا أبو العبّاس أحمد بن يحيى بن زكريّا القطّان، قال: حدّثنا بكر بن عبد اللّه بن حبيب، قال: حدّثنا تميم بن بهلول، قال: حدّثني أبو معاوية، عن الأعمش، عن جعفر بن محمّد (عليهما السلام) قال:
هذه شرائع الدين لمن أراد أن يتمسّك بها و أراد اللّه تعالى هداه:
إسباغ الوضوء كما أمر اللّه عزّ و جلّ في كتابه الناطق: غسل الوجه و اليدين إلى
____________
(1) 7/ 347 ح 1، عنه الوسائل: 19/ 247 ح 1، و حلية الأبرار: 2/ 216.
و أورده في المناقب لابن شهرآشوب: 3/ 386 مرسلا (مثله).
(2) 3/ 381، عنه البحار: 104/ 396 ح 41.
580
المرفقين، و مسح الرأس و القدمين إلى الكعبين- مرّة مرّة و مرّتان جائز-
و لا ينقض الوضوء إلّا البول و الريح و النوم و الغائط و الجنابة، و من مسح على الخفّين، فقد خالف اللّه تعالى و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و كتابه، و وضوؤه لم يتمّ، و صلاته غير مجزية.
و الأغسال: منها غسل الجنابة، و الحيض، و غسل الميّت، و غسل من مسّ الميّت بعد ما يبرد، و غسل من غسّل الميّت، و غسل يوم الجمعة، و غسل العيدين، و غسل دخول مكّة، و غسل دخول المدينة، و غسل الزيارة، و غسل الإحرام، و غسل يوم عرفة، و غسل ليلة سبع عشرة من شهر رمضان، و غسل ليلة تسع عشرة من شهر رمضان، و غسل ليلة احدى و عشرين منه، و ليلة ثلاث و عشرين منه؛
أمّا الفرض فغسل الجنابة؛ و غسل الجنابة و الحيض واحد.
و صلاة الفريضة: الظهر أربع ركعات، و العصر أربع ركعات، و المغرب ثلاث ركعات، و العشاء الآخرة أربع ركعات، و الفجر ركعتان؛
فجملة الصلوات المفروضة سبع عشر ركعة، و السنّة أربع و ثلاثون ركعة؛
منها أربع ركعات بعد المغرب، لا تقصير فيها في السفر و الحضر، و ركعتان من جلوس بعد العشاء الآخرة تعدّان بركعة، و ثمان ركعات في السحر و هي صلاة اللّيل، و الشفع ركعتان، و الوتر ركعة، و ركعتا الفجر بعد الوتر، و ثمان ركعات قبل الظهر، و ثمان ركعات قبل العصر.
و الصلاة تستحبّ في أوّل الأوقات، و فضل الجماعة على الفرد بأربعة و عشرين،
و لا صلاة خلف الفاجر، و لا يقتدى إلّا بأهل الولاية؛
و لا يصلّى في جلود الميتة و إن دبّغت سبعين مرّة، و لا في جلود السباع،
و لا يسجد إلّا على الأرض، أو ما أنبتت الأرض إلّا المأكول و القطن و الكتّان.
و يقال في افتتاح الصلاة: تعالى عرشك، و لا يقال: تعالى جدّك
و لا يقال في التشهّد الأوّل: السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين،
لأنّ تحليل الصلاة هو التسليم، و إذا قلت هذا فقد سلّمت.
و التقصير في ثمانية فراسخ، و هو بريدان، و إذا قصّرت أفطرت؛
581
و من لم يقصّر في السفر لم تجز صلاته، لأنّه قد زاد في فرض اللّه عزّ و جلّ؛
و القنوت في جميع الصلوات سنّة واجبة في الركعة الثانية قبل الركوع و بعد القراءة.
و الصلاة على الميّت خمس تكبيرات، فمن نقص منها فقد خالف السنّة.
و الميّت يسلّ من قبل رجليه سلا، و المرأة تؤخذ بالعرض من قبل اللّحد؛
و القبور تربّع و لا تسنم.
و الإجهار ببسم اللّه الرّحمن الرّحيم في الصلاة واجب، و فرائض الصلاة سبع:
الوقت، و الطهور، و التوجّه، و القبلة، و الركوع، و السجود، و الدعاء.
و الزكاة فريضة واجبة على كلّ مائتي درهم خمسة دراهم، و لا تجب فيما دون ذلك من الفضّة، و لا تجب على مال زكاة حتّى يحول عليه الحول من يوم ملكه صاحبه.
و لا يحلّ أن تدفع الزكاة إلّا إلى أهل الولاية و المعرفة.
و تجب على الذهب الزكاة إذا بلغ عشرين مثقالا فيكون فيه نصف دينار. و تجب على الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب- إذا بلغ خمسة أو ساق- العشر إن كان سقي سيحا؛
و إن سقي بالدوالي فعليه نصف العشر؛ و الوسق ستّون صاعا. و الصاع أربعة أمداد.
و تجب على الغنم الزكاة إذا بلغت أربعين شاة [و تزيد واحدة] فتكون فيها شاة إلى عشرين و مائة فإن زادت واحدة، ففيها شاتان إلى مائتين؛
فإن زادت واحدة، ففيها ثلاث شياة إلى ثلاثمائة، ثمّ بعد ذلك تكون في كلّ مائة شاة شاة.
و تجب على البقر الزكاة إذا بلغت ثلاثين بقرة تبيعة حوليّة؛
فيكون فيها تبيع حوليّ إلى أن تبلغ أربعين بقرة، ثمّ يكون فيها مسنّة إلى ستّين؛
[فإذا بلغت] ففيها تبيعان إلى أن تبلغ سبعين، ثمّ فيها تبيع و مسنّة إلى ثمانين.
و إذا بلغت ثمانين فيكون فيها مسنّتان إلى تسعين، ثمّ يكون فيها ثلاث تبايع؛
ثمّ بعد ذلك يكون في كلّ ثلاثين بقرة تبيع، و في كلّ أربعين مسنّة.
و تجب على الإبل الزكاة إذا بلغت خمسة فيكون فيها شاة، فإذا بلغت عشرة فشاتان؛ فإذا بلغت خمسة عشر فثلاث شياة، فإذا بلغت عشرين فأربع شياة؛
582
فإذا بلغت خمسا و عشرين فخمس شياة، فإذا زادت واحدة ففيها بنت مخاض (1) فإذا بلغت خمسا و ثلاثين و زادت واحدة ففيها بنت لبون (2)؛
فإذا بلغت خمسا و أربعين و زادت واحدة ففيها حقّة (3)، فإذا بلغت ستّين و زادت واحدة ففيها جذعة (4) إلى ثمانين؛
فإن زادت واحدة ففيها ثني (5) إلى تسعين، فإذا بلغت تسعين ففيها ابنتا لبون.
فإن زادت واحدة إلى عشرين و مائة ففيها حقّتان طروقتا الفحل،
فإذا كثرت الإبل ففي كلّ أربعين بنت لبون، و في كلّ خمسين حقّة،
و يسقط الغنم بعد ذلك، و يرجع إلى أسنان الإبل.
و زكاة الفطرة واجبة على كلّ رأس صغير أو كبير، حرّ أو عبد، ذكرا أو انثى، أربعة أمداد من الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و هو صاع تامّ؛
و لا يجوز دفع ذلك أجمع إلّا إلى أهل الولاية و المعرفة.
و أكثر أيّام الحيض عشرة أيّام، و أقلّها ثلاثة أيّام، و المستحاضة تغتسل و تحتشي و تصلّي، و الحائض تترك الصلاة و لا تقضيها، و تترك الصوم و تقضيه.
و صيام شهر رمضان فريضة يصام لرؤيته، و يفطر لرؤيته.
و لا يصلّى التطوّع في جماعة لأنّ ذلك بدعة و [كلّ بدعة] ضلالة، و كلّ ضلالة في النار.
و صوم ثلاثة أيّام في كلّ شهر سنّة، و هو صوم خميسين بينهما أربعاء: الخميس الأوّل في العشر الأوّل، و الأربعاء من العشر الأوسط، و الخميس الأخير من العشر الأخير.
و صوم شعبان حسن لمن صامه لأنّ الصالحين قد صاموه أو رغّبوا فيه؛
____________
(1) يقال للفصيل إذا استكمل الحول و دخل في الثانية: ابن مخاض لأنّ امّه لحقت بالمخض أي الحوامل و إن لم تكن حامل.
(2) ابن اللبون: ولد الناقة استكمل السنة الثانية و دخل في الثانية.
(3) الحقّ: ما كان من الإبل ابن ثلاث سنين و دخل في الرابع.
(4) الجذع- بفتحتين- و هو من الإبل ما دخل في السنة الخامسة.
(5) الثني: الجمل الّذي يدخل في السنة السادسة.
583
و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يصل شعبان بشهر رمضان.
و الفائت من شهر رمضان إن قضي متفرّقا جاز، و إن قضي متتابعا فهو أفضل.
و حجّ البيت واجب لمن استطاع إليه سبيلا، و هو الزاد و الراحلة مع صحّة البدن، و أن يكون للإنسان ما يخلفه على عياله و ما يرجع إليه بعد حجّه، و لا يجوز الحجّ إلّا تمتّعا؛
و لا يجوز القران و الإفراد إلّا لمن كان أهله حاضري المسجد الحرام؛
و لا يجوز الإحرام قبل بلوغ الميقات، و لا يجوز تأخيره عن الميقات إلّا لمرض أو تقيّة.
و قد قال اللّه عزّ و جلّ: وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلَّهِ (1)؛
و تمامها اجتناب الرفث و الفسوق و الجدال في الحجّ.
و لا يجزي في النسك الخصيّ لأنّه ناقص، و يجوز الموجوء إذا لم يوجد غيره.
و فرائض الحجّ: الإحرام، و التلبية الأربع، و هي: «لبّيك اللهمّ لبّيك، لبّيك لا شريك لك لبّيك، إنّ الحمد و النعمة لك و الملك لا شريك لك»؛
و الطواف بالبيت للعمرة فريضة، و ركعتاه عند مقام إبراهيم (عليه السلام) فريضة.
و السعي بين الصفا و المروة فريضة. و طواف الحجّ فريضة؛
و ركعتاه عند المقام فريضة، و [بعده] السعي بين الصفا و المروة فريضة؛
و طواف النساء فريضة [و ركعتاه عند المقام فريضة] و لا يسعى بعده بين الصفا و المروة؛
و الوقوف بالمشعر فريضة. و الهدي للمتمتّع فريضة.
فأمّا الوقوف بعرفة فهو سنّة واجبة، و الحلق سنّة، و رمي الجمار سنّة.
و الجهاد واجب مع إمام عادل، و من قتل دون ماله فهو شهيد؛
و لا يحلّ قتل أحد من الكفّار و النصّاب في دار التقيّة إلّا قاتل أو ساع في فساد؛
و ذلك إذا لم تخف على نفسك و لا على أصحابك، و استعمال التقيّة في دار التقيّة واجب، و لا حنث و لا كفّارة على من حلف تقيّة يدفع بذلك ظلما عن نفسه.
و الطلاق للسنّة على ما ذكره اللّه عزّ و جلّ في كتابه و سنّة نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)؛
و لا يجوز طلاق لغير السنّة، و كلّ طلاق يخالف الكتاب (2) فليس بطلاق؛
____________
(1) البقرة: 196.
(2) «السنّة» خ.
584
كما أنّ كلّ نكاح يخالف الكتاب فليس بنكاح، و لا يجمع بين أكثر من أربع حرائر؛
و إذا طلّقت المرأة للعدّة ثلاث مرّات لم تحلّ للزوج حتّى تنكح زوجا غيره؛
و قد قال (عليه السلام):
«اتّقوا تزويج المطلّقات ثلاثا في موضع واحد، فإنّهنّ ذوات أزواج».
و الصلاة على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) واجبة في كلّ المواطن، و عند العطاس، و الرياح، و غير ذلك.
و حبّ أولياء اللّه و الولاية لهم واجبة، و البراءة من أعدائهم واجبة، و من الّذين ظلموا آل محمّد صلّى اللّه عليهم، و هتكوا حجابه، و أخذوا من فاطمة (عليها السلام) فدك، منعوها ميراثها، و غصبوها و زوجها حقوقهما، و همّوا بإحراق بيتها، و اسّسوا الظلم؛
و غيّروا سنّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).
و البراءة من الناكثين و القاسطين و المارقين واجبة، و البراءة من الأنصاب و الأزلام أئمّة الضلال و قادة الجور كلّهم، أوّلهم و آخرهم، واجبة.
و البراءة من أشقى الأوّلين و الآخرين شقيق عاقر ناقة ثمود قاتل أمير المؤمنين (عليه السلام) واجبة، و البراءة من جميع قتلة أهل البيت (عليهم السلام) واجبة.
و الولاية للمؤمنين الّذين لم يغيّروا و لم يبدّلوا بعد نبيّهم واجبة:
مثل سلمان الفارسي، و أبي ذرّ الغفاري، و المقداد بن الأسود الكندي، و عمّار بن ياسر، و جابر بن عبد اللّه الأنصاري، و حذيفة بن اليمان، و أبي الهيثم بن التيهان، و سهل بن حنيف، و أبي أيّوب الأنصاري، و عبد اللّه بن الصامت، و عبادة بن الصامت، و خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين، و أبي سعيد الخدري، و من نجا نحوهم و فعل مثل فعلهم؛
و الولاية لأتباعهم و المقتدين بهم و بهداهم واجبة.
و برّ الوالدين واجب، فإن كانا مشركين فلا تطعهما- و لا غيرهما- في المعصية، فإنّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
و الأنبياء و الأوصياء لا ذنوب لهم لأنّهم معصومون مطهّرون.
و تحليل المتعتين واجب كما أنزلهما اللّه تعالى عزّ و جلّ في كتابه، و سنّهما رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): متعة الحجّ، و متعة النساء. و الفرائض على ما أنزل اللّه تبارك و تعالى.
585
و العقيقة للولد الذكر و الانثى يوم السابع، و يسمّى الولد يوم السابع، و يحلق رأسه، و يتصدّق بوزن شعره ذهبا أو فضّة؛
و اللّه عزّ و جلّ لا يكلّف نفسا إلّا وسعها، و لا يكلّفها فوق طاقتها.
و أفعال العباد مخلوقة خلق تقدير لا خلق تكوين، و اللّه خالق كلّ شيء؛
و لا يقول بالجبر و لا بالتفويض، و لا يأخذ اللّه عزّ و جلّ البريء بالسقيم، و لا يعذّب اللّه عزّ و جلّ الأطفال بذنوب الآباء، فإنّه تعالى قال في محكم كتابه: وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى* (1) و قال عزّ و جلّ: وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى (2)؛
و للّه عزّ و جلّ أن يعفو و يتفضّل، و ليس له عزّ و جلّ أن يظلم، و لا يفرض اللّه عزّ و جلّ على عباده طاعة من يعلم أنّه يغويهم و يضلّهم، و لا يختار لرسالته و لا يصطفي من عباده من يعلم أنّه يكفر به و يعبد الشيطان دونه، و لا يتّخذ على خلقه حجّة إلّا معصوما.
و الإسلام غير الإيمان، و كلّ مؤمن مسلم و ليس كلّ مسلم مؤمنا، و لا يسرق السارق حين يسرق و هو مؤمن، و لا يزني الزاني و هو مؤمن، و أصحاب الحدود مسلمون، لا مؤمنون و لا كافرون، فإنّ اللّه تبارك و تعالى لا يدخل النار مؤمنا و قد وعده الجنّة، و لا يخرج من النار كافرا و قد أوعده النار و الخلود فيها، و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء؛
فأصحاب الحدود فسّاق لا مؤمنون و لا كافرون، و لا يخلّدون في النار، و يخرجون منها يوما [ما]، و الشفاعة جائزة لهم و للمستضعفين إذا ارتضى اللّه عزّ و جلّ دينهم.
و القرآن كلام اللّه تعالى ليس بخالق و لا مخلوق.
و الدار اليوم دار تقيّة و هي دار الإسلام، لا دار كفر و لا دار إيمان، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر واجبان على من أمكنه، و لم يخف على نفسه و لا على أصحابه.
و الإيمان هو أداء الفرائض و اجتناب الكبائر، و الإيمان هو معرفة بالقلب، و إقرار باللسان، و عمل بالأركان، و الإقرار بعذاب القبر و منكر و نكير، و البعث بعد الموت، و الحساب و الصراط و الميزان، و لا إيمان باللّه إلّا بالبراءة من أعداء اللّه عزّ و جلّ.
و التكبير في العيدين واجب، أمّا في الفطر ففي خمس صلوات يبتدأ به من صلاة
____________
(1) الأنعام: 164.
(2) النجم: 39.
586
المغرب ليلة الفطر إلى صلاة العصر من يوم الفطر، و هو أن يقال: «اللّه أكبر، اللّه أكبر، لا إله إلّا اللّه و اللّه أكبر [اللّه أكبر] و للّه الحمد، اللّه أكبر على ما هدانا، و الحمد للّه على ما أبلانا» لقوله عزّ و جلّ: وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ (1).
و في الأضحى بالأمصار في دبر عشر صلوات، يبتدأ به من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الغداة يوم الثالث، و بمنى دبر خمس عشرة صلاة، يبتدأ به من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الغداة يوم الرابع، و يزاد في هذا التكبير «و اللّه أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام».
و النفساء لا تقعد أكثر من عشرين يوما إلّا أن تطهر قبل ذلك، و إن لم تطهر بعد العشرين اغتسلت و احتشت، و عملت عمل المستحاضة.
و الشراب، فكلّ ما أسكر كثيره، فقليله و كثيره حرام.
و كلّ ذي ناب من السباع، و ذي مخلب من الطير فأكله حرام، و الطحال حرام لأنّه دم، و الجرّي (2) و المارماهي و الطافي (3) و الزمير (4) حرام، و كلّ سمك لا يكون له فلوس فأكله حرام
و يؤكل من البيض ما اختلف طرفاه، و لا يؤكل ما استوى طرفاه، و يؤكل من الجراد ما استقلّ بالطيران، و لا يؤكل منه الدبى (5) لأنّه لا يستقلّ بالطيران، و ذكاة السمك و الجراد أخذه.
و الكبائر محرّمة، و هي: الشرك باللّه عزّ و جلّ، و قتل النفس الّتي حرّم اللّه تعالى، و عقوق الوالدين، و الفرار من الزحف، و أكل مال اليتيم ظلما، و أكل الربا بعد البيّنة، و قذف المحصنات، و بعد ذلك: الزنا، و اللواط، و السرقة، و أكل الميتة، و الدم، و لحم الخنزير، و ما اهلّ لغير اللّه به من غير ضرورة، و أكل السحت، و البخس في المكيال و الميزان، و الميسر، و شهادة الزور، و اليأس من روح اللّه، و الأمن من مكر اللّه، و القنوط من رحمة اللّه، و ترك معاونة المظلومين، و الركون إلى الظالمين، و اليمين الغموس (6)، و حبس
____________
(1) البقرة: 185.
(2) الجرّي: نوع من السمك النهري الطويل المعروف بالحنكليس.
(3) السمك الطافي: هو الّذي يموت في الماء فيعلو و يظهر.
(4) الزمير: نوع من السمك له شوك ناتئ على ظهره.
(5) الدبى: الجراد قبل أن يطير، واحدتها «دباة».
(6) أي اليمين الكاذبة الفاجرة.
588
3- أبواب مناظراته (عليه السلام) و ردّه على جماعة المخالفين (1)
1- باب مناظراته (عليه السلام) و ردّه على جماعة عند زياد بن عبيد اللّه الحارثي
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: العدّة، عن سهل، عن البزنطي، عن أبي المغراء، عن عبيد بن زرارة؛
عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إنّي لذات يوم عند زياد بن عبيد اللّه الحارثي إذ جاءه رجل يستعدي على أبيه، فقال: أصلح اللّه الأمير إنّ أبي زوّج ابنتي بغير اذني؛
فقال زياد لجلسائه الّذين عنده: ما تقولون فيما يقول هذا الرجل؟ قالوا: نكاحه باطل.
قال: ثمّ أقبل عليّ، فقال: ما تقول يا أبا عبد اللّه؟ فلمّا سألني أقبلت على الّذين أجابوه، فقلت لهم: أ ليس فيما تروون أنتم عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّ رجلا جاء يستعديه على أبيه في مثل هذا، فقال [له] رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): أنت و مالك لأبيك؟ قالوا: بلى.
فقلت لهم: فكيف يكون هذا و هو و ماله لأبيه، و لا يجوز نكاحه [عليه]!؟
قال: فأخذ بقولهم، و ترك قولي. (2)
2- باب آخر [في ردّه (عليه السلام) على المخالفين في مسألة الوصيّة]
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن يحيى؛
عن معاوية بن عمّار، قال: ماتت اخت مفضّل بن غياث (3)، فأوصت بشيء من مالها، الثلث في سبيل اللّه، و الثلث في المساكين، و الثلث في الحجّ، فإذا هو لا يبلغ ما قالت؛
فذهبت أنا و هو إلى ابن أبي ليلى، فقصّ عليه القصّة؛
فقال: اجعل ثلثا في ذا، و ثلثا في ذا، و ثلثا في ذا؛
فأتينا ابن شبرمة، فقال أيضا كما قال ابن أبي ليلى؛
____________
(1) يأتي في أبواب المذمومين ص 1040، ما يناسب المقام.
(2) تقدم ص 475 ح 1.
(3) هو مفضّل بن غياث القرشي الكوفي، من أصحاب الصادق (عليه السلام)، رجال الشيخ: 564.
587
الحقوق من غير عسر، و استعمال الكبر و التجبّر، و الكذب، و الإسراف، و التبذير، و الخيانة، و الاستخفاف بالحجّ، و المحاربة لأولياء اللّه عزّ و جلّ.
و الملاهي الّتي تصدّ عن ذكر اللّه تبارك و تعالى مكروهة:
كالغناء و ضرب الأوتار، و الإصرار على صغائر الذنوب.
ثمّ قال (عليه السلام): إنّ في هذا لبلاغا لقوم عابدين.
قال الصدوق: الكبائر هي سبع، و بعدها فكلّ ذنب كبير بالإضافة إلى ما هو أصغر منه، و صغير بالإضافة إلى ما هو أكبر منه، و هذا معنى ما ذكره الصادق (عليه السلام) في هذا الحديث من ذكر الكبائر الزائدة على السبع، و لا قوّة إلّا باللّه. (1) (2)
***
____________
(1) 2/ 603 ح 9، عنه البحار: 10/ 222 ح 1، و ج 80/ 214 ح 6، و ص 266 ح 19، و ج 91/ 128 ح 27، و ج 99/ 310 ح 28، و الوسائل: 1/ 279 ح 18، و ج 5/ 122 ح 6 (قطعة).
«أقول: أجزاء الخبر مشروحة، متفرّقة على الأبواب المناسبة لها» منه ره.
(2) و أنا أقول: من أراد الاطّلاع على عامّة المأثور من أحاديثه (عليه السلام) في فقهه فعليه بالجوامع الحديثيّة الفقهيّة «الوافي، وسائل الشيعة، المستدرك، جامع أحاديث الشيعة، و بعد فموسوعتنا جامع الأخبار و الآثار الجامعة لها»، و بالجملة فإنّها طافحة بأحاديثه (عليه السلام)، بل كانت أبوابها مشحونة بها، و قلّ ما تخلو منها. فللّه درّ إمامنا الصادق (عليه السلام) إذ قام في عصره- بمشيئة اللّه- لنشر هذا الفقه من شريعة جدّه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أتى بهذا الكمّ الهائل، و النوع الأصيل المقارن بلا قياس و لا استحسان، حتّى أقرّ أئمّة معاصريه بقولهم: «ما رأينا أفقه منه»، و أذعنوا بأن: لا علم لنا و لا أثر، و شهدوا ب أنّ «هذا علم حملته الإبل من الحجاز» أو أنّ هذا «من عين صافية» حتّى صار مثلا جاريا عند ما يقرع سمعهم شيئا من علومه.
فيا حبّذا لو اهتدوا هؤلاء إلى كتاب اللّه تعالى: فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ ... و ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا، و استمعوا إلى رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حيث قرن الكتاب بعترته في قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي- أهل بيتي- ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا من بعدي أبدا» و أجابوا أهل بيته «سلوني قبل أن تفقدوني»؛ و الحاصل أنّهم اليوم لو اقتدوا بنجوم أهل البيت (عليهم السلام) قبل غروبهم، لكنّا اليوم في سعة من العلم و ...، و لكن أسفا و ألف أسف على فرص فاتت و أخلدت حسرات، حتّى يأتي اللّه تعالى بقائمهم الّذي يملأ اللّه به الأرض قسطا و عدلا بعد ما ملئت ظلما و جورا، (عجّل اللّه تعالى لنا فرجه الشريف).
589
فأتينا أبا حنيفة، فقال كما قالا؛
فخرجنا إلى مكّة، فقال لي: سل أبا عبد اللّه (عليه السلام)، و لم تكن حجّت المرأة؛
فسألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) فقال لي: ابدأ بالحجّ، فإنّه فريضة من اللّه عليها؛
و ما بقي فاجعله بعضا في ذا، و بعضا في ذا؛
قال: فقدمت فدخلت المسجد، فاستقبلت أبا حنيفة و قلت له: سألت جعفر بن محمّد عن الّذي سألتك عنه، فقال لي: ابدأ بحقّ اللّه أوّلا، فإنّه فريضة عليها، و ما بقي فاجعله بعضا في ذا، و بعضا في ذا، فو اللّه ما قال لي خيرا و لا شرّا؛
و جئت إلى حلقته و قد طرحوها، و قالوا:
قال أبو حنيفة: ابدأ بالحجّ، فإنّه فريضة [من اللّه] عليها.
قال: قلت: هو باللّه كان (1) كذا و كذا!؟ فقالوا: هو أخبرنا هذا. (2)
3- باب جوابه (عليه السلام) عن مسألة فيما كتب المنصور إلى محمّد بن خالد أن يسأل فقهاء المدينة
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: عليّ بن إبراهيم، عن سلمة بن الخطّاب، عن الحسن بن راشد، عن عليّ بن إسماعيل الميثمي، عن حبيب الخثعمي، قال:
كتب أبو جعفر المنصور إلى محمّد بن خالد، و كان عامله على المدينة، أن يسأل أهل المدينة عن الخمسة في الزكاة من المائتين، كيف صارت وزن سبعة، و لم يكن هذا على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).
و أمره أن يسأل فيمن يسأل عبد اللّه بن الحسن، و جعفر بن محمّد (عليهما السلام)؛
قال: فسأل أهل المدينة، فقالوا: أدركنا من كان قبلنا على هذا.
فبعث إلى عبد اللّه بن الحسن، و جعفر بن محمّد (عليهما السلام)، فسأل عبد اللّه بن الحسن؛ فقال كما قال المستفتون من أهل المدينة، قال: فقال: ما تقول يا أبا عبد اللّه؟
____________
(1) «قال» ع، ب.
(2) 7/ 63 ح 22، البحار: 47/ 226 ح 15، و الوسائل: 13/ 456 ح 3.
590
فقال: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) جعل في كلّ أربعين اوقيّة، اوقيّة، فإذا حسبت ذلك كان على وزن سبعة، و قد كانت وزن ستّة، و كانت الدراهم خمسة دوانيق.
قال حبيب: فحسبناه، فوجدناه كما قال (1).
فأقبل عليه عبد اللّه بن الحسن، فقال: من أين أخذت هذا؟
قال: قرأت في كتاب امّك فاطمة (عليها السلام).
قال: ثمّ انصرف، فبعث إليه محمّد بن خالد:
ابعث إليّ بكتاب فاطمة (عليها السلام).
فأرسل إليه أبو عبد اللّه (عليه السلام): أنّي إنّما أخبرتك أنّي قرأته، و لم اخبرك أنّه عندي.
قال حبيب: فجعل محمّد بن خالد يقول لي: ما رأيت مثل هذا قطّ (2). (3)
____________
(1) «بيان و تحقيق و حلّ عقد و ضرب نقد:
اعلم أنّ الدرهم كان في زمن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ستّة دوانيق، ثمّ نقص فصار خمسة دوانيق، فصار ستّة منها على وزن خمسة ممّا كان في زمن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، ثمّ تغيّر إلى أن صار سبعة دراهم، على وزن خمسة من دراهم زمانه (عليه السلام)، فاذا عرفت هذا فيمكن توجيه الخبر بوجهين:
الأوّل: أن يقال: إنّهم لمّا سمعوا أنّ النصاب الأوّل مائتا درهم، و فيه خمسة دراهم، و رأوا في زمانهم أنّ الفقهاء يحكمون بأنّ النصاب الأوّل مائتان و ثمانون و فيها سبعة دراهم، و لم يدروا ما السبب في ذلك، فأجابهم (عليه السلام) بأنّ علة ذلك نقص وزن الدراهم، و إنّما ذكر الاوقيّة لأنّهم كانوا يعلمون أنّ الأوقيّة كان في زمن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) وزن أربعين درهما، و كانت الاوقية لم تتغيّر عمّا كانت عليه، فلمّا حسبوا ذلك علموا النسبة بين الدرهمين.
كذا أفاده بعض الأفاضل: و هو مولانا محمّد تقي المجلسي (ره).
الثاني: أن يقال: إنّهم كانوا يعلمون تغيّر الدراهم و نقصها، و إنّما اشتبه عليهم أنّه لم لا يجزي في مائتي درهم من دراهم زمن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) خمسة من دراهم زمانهم؟
فأجاب (عليه السلام) بأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قرّر لذلك نصف نصف العشر حيث جعل في كلّ أربعين اوقيّة اوقيّة، فلا يجزي في تينك المائتين إلّا سبعة من دراهم زمانهم، حتّى يكون ربع العشر، فحسبوه- فوجدوه كما قال (عليه السلام)».
(2) «مثل هذا: أي مثل هذا الرجل أو هذا الجواب» منه ره.
(3) تقدم ص 473 ح 1، بتخريجات و توضيحات.
591
4- باب مناظراته (عليه السلام) مع سفيان الثوري و جماعة
الأخبار، الأصحاب:
1- الكافي: عليّ (1)، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، قال:
دخل سفيان الثوري على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فرأى عليه ثياب بياض كأنّها غرقئ (2) البيض فقال له: إنّ هذا اللباس ليس من لباسك؛
فقال له: اسمع منّي، و ع ما أقول لك، فإنّه خير لك عاجلا و آجلا إن أنت متّ على السنّة و الحقّ، و لم تمت على بدعة، اخبرك أنّ رسول اللّه (عليه السلام) كان في زمان مقفر جدب؛
فأمّا إذا أقبلت الدنيا، فأحقّ أهلها بها أبرارها لا فجّارها، و مؤمنوها لا منافقوها، و مسلموها لا كفّارها، فما أنكرت يا ثوري؟! فو اللّه إنّني لمع ما ترى، ما أتى عليّ مذ عقلت صباح و لا مساء، و للّه في مالي حقّ أمرني [أن] أضعه موضعا إلّا وضعته؛
قال: فأتاه قوم ممّن يظهرون الزهد و يدعون الناس أن يكونوا معهم على مثل الّذي هم عليه من التقشّف (3)، فقالوا [له]: إنّ صاحبنا حصر (4) عن كلامك، و لم تحضره حججه؛
فقال لهم: فهاتوا حججكم! فقالوا له: إنّ حججنا من كتاب اللّه؛
فقال لهم: فادلوا (5) بها، فإنّها أحقّ ما أتّبع و عمل به، فقالوا:
يقول اللّه تبارك و تعالى، مخبرا عن قوم من أصحاب النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): وَ يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (6) فمدح فعلهم، و قال في موضع آخر: وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً (7) فنحن نكتفي بهذا.
____________
(1) «عليّ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير» ع، ب، تصحيف. فإن رواية عليّ بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم كثيرة، راجع معجم رجال الحديث: 19/ 281.
(2) «الغرقئ، كزبرج: القشرة الملتزقة ببياض البيض [أو البياض الّذي يؤكل]».
(3) «المتقشّف: المتبلّغ بقوت و مرقّع، و من لا يبالي بما يلطخ بجسده» منه ره.
(4) حصر: عيي في النطق.
(5) «أدلى بحجّته: أي أظهرها» منه ره.
(6) الحشر: 9.
(7) الإنسان: 8.
593
قال: وَ الَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً (1).
أ فلا ترون أنّ اللّه تبارك و تعالى قال غير ما أراكم تدعون الناس إليه من الإثرة على أنفسهم؛ و سمّى من فعل ما تدعون [الناس] إليه مسرفا،
و في غير آية من كتاب اللّه يقول: إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ* (2).
فنهاهم عن الإسراف، و نهاهم عن التقتير، و لكن أمر بين الأمرين، لا يعطي جميع ما عنده، ثمّ يدعو اللّه أن يرزقه فلا يستجيب له؛
للحديث الّذي جاء عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): إنّ أصنافا من أمّتي لا يستجاب لهم دعاؤهم:
رجل يدعو على والديه؛
و رجل يدعو على غريم ذهب له بمال، فلم يكتب عليه، و لم يشهد عليه؛
و رجل يدعو على امرأته، و قد جعل اللّه عزّ و جلّ تخلية سبيلها بيده؛
و رجل يقعد في بيته و يقول: «ربّ ارزقني و لا يخرج، و لا يطلب الرزق، فيقول اللّه عزّ و جلّ له: «عبدي أ لم أجعل لك السبيل إلى الطلب و الضرب في الأرض بجوارح صحيحة، فتكون قد أعذرت فيما بيني و بينك في الطلب لاتّباع أمري، و لكي لا تكون كلّا على أهلك فإن شئت رزقتك، و إن شئت قتّرت عليك، و أنت [غير] معذور عندي؛
و رجل رزقه اللّه عزّ و جلّ مالا كثيرا فأنفقه، ثمّ أقبل يدعو يا ربّ ارزقني، فيقول اللّه عزّ و جلّ: أ لم أرزقك رزقا واسعا؟ فهلا اقتصدت فيه كما أمرتك، و لم تسرف و قد نهيتك عن الإسراف؛
و رجل يدعو في قطيعة رحم؛
ثمّ علّم اللّه جلّ اسمه نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كيف ينفق، و ذلك أنّه كانت عنده أوقيّة من الذهب، فكره أن تبيت عنده، فتصدّق بها، فأصبح و ليس عنده شيء، و جاء من يسأله، فلم يكن عنده ما يعطيه، فلامه السائل، و اغتمّ هو حيث لم يكن عنده ما يعطيه، و كان رحيما رقيقا؛
فأدّب اللّه عزّ و جلّ نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بأمره، فقال:
وَ لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَ لا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً (3).
____________
(1) الفرقان: 67.
(2) الأنعام: 141.
(3) الإسراء: 29.
592
فقال رجل من الجلساء: إنّا رأيناكم تزهدون في الأطعمة الطيّبة، و مع ذلك تأمرون الناس بالخروج من أموالهم حتّى تمتّعوا أنتم منها!
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): دعوا عنكم ما لا ينتفعون به، أخبروني أيّها النفر:
أ لكم علم بناسخ القرآن من منسوخه، و محكمه من متشابهه الّذي في مثله ضلّ من ضلّ، و هلك من هلك من هذه الأمّة؟ فقالوا له: أو بعضه، فأمّا كلّه فلا.
فقال لهم: فمن هاهنا أتيتم، و كذلك أحاديث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) (1)؛
فأمّا ما ذكرتم من إخبار اللّه عزّ و جلّ إيّانا في كتابه عن القوم الّذين أخبر عنهم بحسن فعالهم، فقد كان مباحا جائزا (2)، و لم يكونوا نهوا عنه، و ثوابهم منه على اللّه عزّ و جلّ؛
و ذلك أنّ اللّه جلّ و تقدّس أمر بخلاف ما عملوا به، فصار أمره ناسخا لفعلهم، و كان نهي اللّه تبارك و تعالى رحمة منه للمؤمنين و نظرا، لكيلا يضرّوا بأنفسهم و عيالاتهم، منهم الضعفة الصغار، و الولدان، و الشيخ الفاني، و العجوزة الكبيرة، الّذين لا يصبرون على الجوع؛
فإن تصدّقت برغيفي و لا رغيف لي غيره ضاعوا و هلكوا جوعا.
فمن ثمّ قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): خمس تمرات، أو خمس قرص، أو دنانير أو دراهم يملكها الإنسان و هو يريد أن يمضيها، فأفضلها ما أنفقه الإنسان على والديه؛
ثمّ الثانية على نفسه و عياله. ثمّ الثالثة على قرابته الفقراء؛
ثمّ الرابعة على جيرانه الفقراء. ثمّ الخامسة في سبيل اللّه، و هو أحسنها أجرا.
و قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) للأنصاري- حين أعتق عند موته خمسة أو ستّة من الرقيق لم يكن يملك غيرهم و له أولاد صغار-: لو أعلمتموني أمره ما تركتكم تدفنوه مع المسلمين، يترك صبية صغارا يتكفّفون الناس!
ثمّ قال: حدّثني أبي أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: ابدأ بمن تعول، الأدنى فالأدنى؛
ثمّ هذا ما نطق به الكتاب ردّا لقولكم، و نهيا عنه مفروضا من اللّه العزيز الحكيم؛
____________
(1) أي فيها ناسخ و منسوخ، و محكم و متشابه و أنتم لا تعرفون. مرآة العقول: 19/ 7.
(2) هذا لا ينافي ما ذكره (عليه السلام) في جواب الثوري، فإنّه علّة شرعيّة الحكم أوّلا و نسخه ثانيا (مرآة العقول).
594
يقول: إنّ الناس قد يسألونك و لا يعذرونك، فإذا أعطيت جميع ما عندك من المال كنت قد حسرت (1) من المال؛
فهذه أحاديث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يصدّقها الكتاب، و الكتاب يصدّقه أهله من المؤمنين.
و قال أبو بكر عند موته حيث قيل له: أوص، فقال: اوصي بالخمس، و الخمس كثير، فإنّ اللّه جلّ و عزّ قد رضي بالخمس، فأوصى بالخمس.
و قد جعل اللّه عزّ و جلّ له الثلث عند موته، و لو علم أنّ الثلث خير له أوصى به.
ثمّ «من قد علمتم بعده في فضله و زهده: سلمان رضي اللّه عنه، و أبو ذر (رحمه اللّه)»:
فأمّا سلمان، فكان إذا أخذ عطاءه رفع منه قوته لسنته، حتّى يحضر عطاؤه من قابل، فقيل له:
يا أبا عبد اللّه! أنت في زهدك تصنع هذا؟ و أنت لا تدري لعلّك تموت اليوم أو غدا؟
فكان جوابه أن قال: ما لكم لا ترجون لي البقاء، كما خفتم عليّ الفناء؟
أ ما علمتم يا جهلة أنّ النفس قد تلتاث (2) على صاحبها إذا لم يكن [لها] من العيش ما تعتمد عليه، فإذا هي أحرزت معيشتها اطمأنّت؛
و أمّا أبو ذر رضي اللّه عنه فكانت له نويقات و شويهات يحلبها و يذبح منها إذا اشتهى أهله اللحم، أو نزل به ضيف، أو رأى بأهل الماء الّذين هم معه خصاصة نحر لهم الجزور، أو من الشياه على قدر ما يذهب عنهم بقرم (3) اللحم، فيقسمه بينهم، و يأخذ هو كنصيب واحد منهم، لا يتفضّل عليهم؛
و من أزهد [من] هؤلاء؟
و قد قال فيهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ما قال، و لم يبلغ من أمرهما أن صارا لا يملكان شيئا البتّة،
____________
(1) «حسرت: على بناء المجهول من الحسر بمعنى الكشف، أي مكشوفا عاريا من المال، أو من الحسور و هو الانقطاع، يقال: حسره السفر إذا قطع به؛
و على التقديرين تفسير لقوله تعالى محسورا».
(2) «الالتياث: الاختلاط و الالتفاف و الإبطاء»؛
(3) «القرم، محرّكة: شهوة اللحم» منه ره.
595
كما تأمرون الناس بإلقاء أمتعتهم و شيئهم، و يؤثرون به على أنفسهم و عيالاتهم؛
و اعلموا أيّها النفر أنّي سمعت أبي يروي، عن آبائه (عليهم السلام) أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال يوما:
ما عجبت من شيء كعجبي من المؤمن، إنّه إن قرض جسده في دار الدنيا بالمقاريض كان خيرا له، و إن ملك ما بين مشارق الأرض و مغاربها كان خيرا له، و كلّ ما يصنع اللّه عزّ و جلّ به فهو خير له.
فليت شعري هل يحيق فيكم ما قد شرحت لكم منذ اليوم [أم] أزيدكم؛
أ ما علمتم أنّ اللّه عزّ و جلّ قد فرض على المؤمنين في أوّل الأمر أن يقاتل الرجل منهم عشرة من المشركين (1) ليس له أن يولّي وجهه عنهم، و من ولّاهم يومئذ دبره فقد تبوّأ مقعده من النار، ثمّ حوّلهم عن حالهم رحمة منه لهم، فصار الرجل منهم عليه أن يقاتل رجلين من المشركين (2) تخفيفا من اللّه عزّ و جلّ للمؤمنين فنسخ الرجلان العشرة.
و أخبروني أيضا عن القضاة، أجورة هم حيث يقضون على الرجل منكم نفقة امرأته إذا قال: إنّي زاهد، و إنّي لا شيء لي؟
فإن قلتم جورة، ظلّمكم (3) أهل الإسلام، و إن قلتم بل عدول، خصمتم أنفسكم؛
و حيث يردّون (4) صدقة من تصدّق على المساكين عند الموت بأكثر من الثلث؛
أخبروني- لو كان الناس كلّهم كالّذين تريدون زهّادا لا حاجة لهم في متاع غيرهم- فعلى من كان يتصدّق بكفّارات الأيمان و النذور و الصدقات، من فرض الزكاة من الذهب و الفضّة و التمر و الزبيب، و سائر ما وجب فيه الزكاة من الإبل و البقر و الغنم و غير ذلك؟ إذا كان الأمر كما تقولون لا ينبغي لأحد أن يحبس شيئا من عرض الدنيا إلّا قدّمه، و إن كان به خصاصة، فبئس ما ذهبتم فيه، و حملتم الناس عليه:
من الجهل بكتاب اللّه عزّ و جلّ، و سنّة نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أحاديثه الّتي يصدّقها الكتاب المنزل،
____________
(1) قال تعالى: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ. الأنفال: 15.
(2) إشارة إلى وَ عَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ... الأنفال: 66.
(3) «قوله (عليه السلام): ظلّمكم، على بناء التفعيل: أي نسبوكم إلى الظلم».
(4) «قوله (عليه السلام): حيث يردّون، معطوف على قوله حيث يقضون» منه ره.
596
و ردّكم [إيّاها] بجهالتكم، و ترككم النظر في غرائب القرآن من التفسير بالناسخ من المنسوخ، و المحكم و المتشابه، و الأمر و النهي.
و أخبروني أين أنتم عن سليمان بن داود (عليهما السلام)؟
حيث سأل اللّه ملكا لا ينبغي لأحد [من] بعده؟ فأعطاه اللّه عزّ و جلّ اسمه ذلك، و كان يقول الحقّ و يعمل به، ثمّ لم نجد اللّه عزّ و جلّ عاب عليه ذلك، و لا أحدا من المؤمنين؛
و داود النبيّ (عليه السلام) قبله في ملكه و شدّة سلطانه.
ثمّ يوسف النبي (1) (صلوات اللّه عليه) حيث قال لملك مصر:
اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (2) فكان- من أمره الّذي كان- أن اختار مملكة الملك و ما حولها إلى اليمن، و كانوا يمتارون الطعام من عنده لمجاعة أصابتهم؛
و كان يقول الحقّ و يعمل به، فلم نجد أحدا عاب ذلك عليه.
ثمّ ذو القرنين (عليه السلام) عبد أحبّ اللّه فأحبّه اللّه [و] طوى له الأسباب، و ملّكه مشارق الأرض و مغاربها، و كان يقول الحقّ و يعمل به، ثمّ لم نجد أحدا عاب ذلك عليه.
فتأدّبوا أيّها النفر بآداب اللّه عزّ و جلّ للمؤمنين، و اقتصروا على أمر اللّه و نهيه؛
و دعوا عنكم ما اشتبه عليكم ممّا لا علم لكم به، و ردّوا العلم إلى أهله، تؤجروا و تعذروا عند اللّه تبارك و تعالى، و كونوا في طلب علم ناسخ القرآن من منسوخه، و محكمه من متشابهه، و ما أحلّ اللّه فيه ممّا حرّم، فإنّه أقرب لكم من اللّه، و أبعد لكم من الجهل؛
و دعوا الجهالة لأهلها، فإنّ أهل الجهل كثير، و أهل العلم قليل، و قد قال اللّه عزّ و جلّ:
وَ فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (2)!
تحف العقول: احتجاجه (عليه السلام) على الصوفيّة لمّا دخلوا عليه فيما ينهون عنه من طلب الرزق، دخل سفيان الثوري على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فرأى عليه ثيابا بيضا كأنّها غرقئ (3)
____________
(1) كان الترتيب بينه و بين سليمان و من قبله داود بحسب درجة الوضوح دون الزمان و إلّا كان يوسف متقدّما على داود فضلا عن سليمان (عليه السلام).
(2) يوسف: 55، 76.
(3) تقدّم بيانها ص 591.
597
البيض، و ساق إلى آخر الخبر (مثله). (1)
استدراك
(5) باب مناظراته (عليه السلام) مع النصارى
(1) المناقب لابن شهرآشوب: ابن جرير بن رستم الطبري، عن إسماعيل الطوسي، عن أحمد البصري، عن أبيه، عن أبي خنيس الكوفي، قال:
حضرت مجلس الصادق عليه الصلاة و السلام و عنده جماعة من النصارى، فقالوا: فضل موسى و عيسى و محمّد (عليهما السلام) سواء لأنّهم (صلوات اللّه عليهم) أصحاب الشرائع و الكتب،
فقال الصادق (عليه السلام): إنّ محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أفضل منهما و أعلم، و لقد أعطاه اللّه تبارك و تعالى من العلم ما لم يعط غيره؛
فقالوا: آية من كتاب اللّه تعالى نزلت في هذا؟ قال (عليه السلام): نعم، قوله تعالى:
وَ كَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ (2). و قوله تعالى لعيسى:
وَ لِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ (3). و قوله تعالى للسيّد المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):
وَ جِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ (4). و قوله تعالى:
لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَ أَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَ أَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً (5).
فهو- و اللّه- أعلم منهما؛
و لو حضر موسى و عيسى بحضرتي، و سألاني، لأجبتهما و سألتهما، ما أجابا. (6)
____________
(1) 5/ 65 ح 1، تحف العقول: 348. و أخرجه في البحار: 47/ 232 ح 22 و الوسائل: 3/ 349 ح 10، و 4/ 71161، و 6/ 35 ح 7، و 302 ح 8، و 11/ 63 ح 2، و 12/ 14 ح 6، و ص 320 ح 6، و 18/ 135 ح 23 و البرهان: 2/ 273 ح 27، و 3/ 109 ح 13، و حلية الأبرار: 2/ 194 قطعا منه، عن الكافي. و أخرجه في البحار: 70/ 122 ح 13، عن تحف العقول.
أقول: تقدّم ص 216 ح 22 في إخباره (عليه السلام) بالمغيّبات الماضية ما يناسب المقام.
(2) الأعراف: 145.
(3) الزخرف: 63.
(4) النحل: 89.
(5) الجنّ: 28.
(6) 3/ 385، عنه البحار: 10/ 215 ح 15.
598
أقول: استكمالا للباب نورد هنا مجموعة أحاديث من كتاب الاحتجاج لم يوردها المؤلّف- في المجلّد الخاصّ بالاحتجاجات- و لها دلالات مختلفة:
[توحيد اللّه جلّ جلاله] (1)
(1) الاحتجاج: عن هشام بن الحكم، قال:
سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن أسماء اللّه عزّ ذكره و اشتقاقها، فقلت: «اللّه» ممّ هو مشتقّ؟
قال: يا هشام! اللّه مشتقّ من إله، و إله يقتضي مألوها، و الاسم غير المسمّى، فمن عبد الاسم دون المعنى فقد كفر و لم يعبد شيئا، و من عبد الاسم و المعنى فقد كفر (2) و عبد الاثنين، و من عبد المعنى دون الاسم فذاك التوحيد؛
أ فهمت يا هشام؟ قال: فقلت: زدني!
فقال: إنّ للّه تبارك و تعالى تسعة و تسعين اسما، فلو كان الاسم هو المسمّى لكان كلّ اسم منها إلها، و لكنّ «اللّه» معنى يدلّ عليه بهذه الأسماء [و] كلّها غيره،
يا هشام الخبز اسم للمأكول، و الماء اسم للمشروب، و الثوب اسم للملبوس، و النار اسم للمحرق،
أ فهمت يا هشام فهما تدفع به و تناضل به أعداءنا، و المتّخذين مع اللّه غيره؟ قلت: نعم،
قال: فقال: نفعك اللّه به، و ثبّتك!
قال هشام: فو اللّه ما قهرني أحد في علم التوحيد حتّى قمت مقامي هذا. (3)
(2) و منه: عنه يونس بن ظبيان، قال: دخل رجل على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال:
أ رأيت اللّه حين عبدته؟ قال: ما كنت أعبد شيئا لم أره.
____________
(1) تقدّم ص 50 ما يناسب المقام.
(2) «أشرك» الكافي.
(3) 2/ 72، عنه البحار: 4/ 157 ح 2 و عن التوحيد: 220 ح 13؛ و رواه في الكافي: 1/ 114 ح 2، باسناده إلى هشام (مثله)؛ عنه الوسائل: 18/ 566 ح 45؛ تقدّم في عوالم العلوم: 5/ 563 و ص 579.
599
قال: فكيف رأيته؟ قال: لم تره الأبصار بمشاهدة العيان، و لكن رأته القلوب بحقائق الإيمان، لا يدرك بالحواسّ، و لا يقاس بالناس معروف بغير تشبيه. (1)
(3) و منه: عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قوله تعالى:
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ (2) قال: إحاطة الوهم، أ لا ترى إلى قوله:
قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ (3) ليس يعني بصر العيون؛
فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ (3) ليس يعني من أبصر نفسه وَ مَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها (3) ليس يعنى عمى العيون، إنّما عنى: إحاطة الوهم، كما يقال: فلان بصير بالشعر، و فلان بصير بالفقه، و فلان بصير بالدراهم، و فلان بصير بالثياب، اللّه أعظم من أن يرى بالعين. (4)
[تفسير الآيات و تأويلها]
(5) (4) و منه: و روي أنّه سئل الصادق (عليه السلام) عن قول اللّه عزّ و جلّ في قصّة إبراهيم (عليه السلام):
قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ (6).
قال: ما فعله كبيرهم، و ما كذب إبراهيم (عليه السلام). قيل: و كيف ذلك؟
فقال: إنّما قال إبراهيم: فاسألوهم إن كانوا ينطقون، فإن نطقوا، فكبيرهم فعل؛
و إن لم ينطقوا فكبيرهم لم يفعل شيئا، فما نطقوا، و ما كذب إبراهيم (عليه السلام)؛
و سئل عن قوله في سورة يوسف: أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ (7).
قال: إنّهم سرقوا يوسف من أبيه، أ لا ترى أنّه قال لهم حين قالوا: ما ذا تَفْقِدُونَ قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ (7) و لم يقل سرقتم صواع الملك، إنّما سرقوا يوسف من أبيه.
____________
(1) 2/ 76، عنه البحار: 4/ 33 ح 10. تقدّم في عوالم العلوم: 5/ 488.
(2) الأنعام: 103.
(3) الأنعام: 104.
(4) 2/ 77، عنه البحار: 4/ 33 ح 11، و عن التوحيد: 112 ح 10، و رواه في الكافي: 1/ 98 ح 9، بإسناده إلى عبد اللّه بن سنان (مثله) عنه الوافي: 1/ 386 ح 1. تقدّم في عوالم العلوم: 5/ 484.
(5) أقول: استقصينا جلّ ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) في التفسير و التأويل في كتابنا (جامع الأخبار و الآثار) المجلّدات الخاصّة بالتفسير.
(6) الأنبياء: 63.
(7) يوسف: 70، 72.
600
فسئل عن قول إبراهيم: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ (1).
قال: ما كان إبراهيم سقيما، و ما كذب إنّما عنى سقيما في دينه أي مرتادا. (2)
(5) و منه: و عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن هذه الآية:
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا (3)؛
قال: أيّ شيء تقول؟ قلت: إنّي أقول إنّها خاصّة لولد فاطمة (عليها السلام).
فقال (عليه السلام): أمّا من سلّ سيفه، و دعا الناس إلى نفسه إلى الضلال من ولد فاطمة و غيرهم، فليس بداخل في [هذه] الآية.
قلت: من يدخل فيها؟ قال: الظالم لنفسه: الّذي لا يدعو الناس إلى ضلال و لا هدى.
و المقتصد منّا أهل البيت هو العارف حقّ الإمام، و السابق بالخيرات هو الإمام. (4)
[تفسيره (عليه السلام) حديث جدّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)]
(6) و منه: عن عبد المؤمن الأنصاري قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):
إنّ قوما رووا أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: «اختلاف أمّتي رحمة»؟ فقال: صدقوا.
قلت: إن كان اختلافهم رحمة، فاجتماعهم عذاب!؟
قال: ليس حيث تذهب و ذهبوا، إنّما أراد قول اللّه عزّ و جلّ: فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (5)؛
أمرهم أن ينفروا إلى رسول اللّه، و يختلفوا إليه، و يتعلّموا، ثمّ يرجعوا إلى قومهم فيعلّموهم.
إنّما أراد اختلافهم في البلدان، لا اختلافا في الدين، إنّما الدين واحد (6).
____________
(1) الصافات: 88.
(2) 2/ 104، عنه البحار: 11/ 76 ح 4، و عن معاني الأخبار: 209 ح 1. و رواه في علل الشرائع:
52 ح 4، بإسناده إلى رجل من أصحابنا قطعة (مثله).
(3) فاطر: 32.
(4) تقدّم في عوالم العلوم: 18/ 266 ح 10 بتخريجاته.
(5) التوبة: 122.
(6) 2/ 105، عنه البحار: 1/ 227 ح 19، و عن معاني الأخبار: 157 ح 1، و علل الشرائع: 85 ح 4.
601
[فضل أمير المؤمنين (عليه السلام)]
(7) و منه: عن محمّد بن أبي عمير الكوفي، عن عبد اللّه بن الوليد السمّان، قال:
قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): ما يقول الناس في اولي العزم و صاحبكم أمير المؤمنين (عليه السلام)؟
قال: قلت: ما يقدّمون على اولي العزم أحدا.
قال: فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): إنّ اللّه تبارك و تعالى قال لموسى (عليه السلام): وَ كَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً (1) و لم يقل كلّ شيء موعظة؛ و قال لعيسى (عليه السلام):
وَ لِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ (2) و لم يقل كلّ شيء.
و قال لصاحبكم أمير المؤمنين (عليه السلام): قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ (3). و قال اللّه عزّ و جلّ:
وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ (4) و علم هذا الكتاب عنده. (5)
[فضل فاطمة الزهراء (عليها السلام)]
(8) و منه: عن الحسين بن زيد عن جعفر الصادق (عليه السلام) أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال لفاطمة:
«يا فاطمة! إنّ اللّه عزّ و جلّ يغضب لغضبك، و يرضى لرضاك».
قال: فقال المحدّثون بها، قال: فأتاه ابن جريح، فقال: يا أبا عبد اللّه! حدّثنا اليوم حديثا استهزأه الناس. (6)
قال: و ما هو؟ قال: حديث أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال لفاطمة (عليها السلام):
«إنّ اللّه ليغضب لغضبك، و يرضى لرضاك». قال: فقال (عليه السلام):
إنّ اللّه ليغضب فيما تروون لعبده المؤمن، و يرضى لرضاه؟ فقال: نعم. قال (عليه السلام):
فما تنكر أن تكون ابنة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مؤمنة، يرضى اللّه لرضاها، و يغضب لغضبها.
قال: صدقت! اللّه أعلم حيث يجعل رسالاته. (7)
____________
(1) الأعراف: 145.
(2) الزخرف: 63.
(3) الرعد: 43.
(4) الأنعام: 59.
(5) 2/ 139، عنه البحار: 35/ 429 ح 3. تقدّم في عوالم العلوم: 15: 2/ 127.
(6) «استشهره» ب.
(7) تقدّم في عوالم العلوم: 11/ 131 ح 15 بتخريجاته.
602
[غيبة صاحب الأمر (عليه السلام)]
(9) الاحتجاج: عن عبد اللّه بن الفضل الهاشمي، قال: سمعت الصادق (عليه السلام) يقول:
إنّ لصاحب هذا الأمر غيبة لا بدّ منها، يرتاب فيها كلّ مبطل.
قلت له: و لم جعلت فداك؟
قال: لأمر لا يؤذن لي في كشفه لكم.
قلت: فما وجه الحكمة في غيبته؟
قال: وجه الحكمة في غيبته، وجه الحكمة في غيبات من تقدّمه من حجج اللّه تعالى ذكره، إنّ وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلّا بعد ظهوره؛
كما لم ينكشف وجه الحكمة لما أتاه الخضر من خرق السفينة، و قتل الغلام، و إقامة الجدار لموسى (عليه السلام)، إلى وقت افتراقهما؛
يا ابن الفضل! إنّ هذا الأمر أمر من اللّه، و سرّ من سرّ اللّه، و غيب من غيب اللّه، و متى علمنا أنّه عزّ و جلّ حكيم صدّقنا بأنّ أفعاله كلّها حكمة، و إن كان وجهها غير منكشف. (1)
(10) و منه: ما رواه الحارث بن المغيرة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:
إذا سمعت من أصحابك الحديث، و كلّهم ثقة، فموسّع عليك حتّى ترى القائم (عليه السلام) فتردّه عليه. (2)
[تعارض الروايات، و الأخذ بالأرجح]
(11) و منه: و روى سماعة بن مهران، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) قلت:
يرد علينا حديثان، واحد يأمرنا بالأخذ به، و الآخر ينهانا عنه؟
قال: لا تعمل بواحد منهما حتّى تلقى صاحبك، فتسأله عنه.
____________
(1) 2/ 140، عنه إثبات الهداة: 6/ 438 ح 217، و عن إكمال الدين: 2/ 481 ح 11، و عن العلل:
1/ 245 ح 8. و الأحاديث المرويّة عن الإمام الصادق (عليه السلام) في الإمام الحجّة (عليه السلام) كثيرة؛
استقصينا معظمها في عوالم الإمام صاحب الزّمان (عليه السلام).
(2) 2/ 108، عنه البحار: 2/ 224، و الوسائل: 18/ 87 ح 41. تقدّم في عوالم العلوم: 3/ 553.
604
قلت: فإن كان كلّ واحد منهما اختار رجلا من أصحابنا، فرضيا أن يكونا الناظرين في حقّهما فيما حكما، فإنّ الحكمين اختلفا في حديثكم؟.
قال: إنّ الحكم ما حكم به أعدلهما، و أفقههما، و أصدقهما في الحديث، و أورعهما؛ و لا يلتفت إلى ما حكم به الآخر.
قلت: فإنّهما عدلان مرضيّان، عرفا بذلك لا يفضّل أحدهما صاحبه؟
قال: ينظر الآن إلى ما كان من روايتهما عنّا في ذلك الّذي حكما، المجمع عليه بين أصحابك، فيؤخذ به من حكمهما، و يترك الشاذّ الّذي ليس بمشهور عند أصحابك؛
فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه، و إنّما الامور ثلاث:
أمر بيّن رشده فيتّبع؛
و أمر بيّن غيّه فيجتنب؛
و أمر مشكل يردّ حكمه إلى اللّه عزّ و جلّ و إلى رسوله؛
حلال بيّن، و حرام بيّن، و شبهات تتردد بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرّمات، و من أخذ بالشبهات ارتكب المحرّمات، و هلك من حيث لا يعلم.
قلت: فإن كان الخبران عنكما مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟.
قال: ينظر ما وافق حكمه حكم الكتاب و السنّة، و خالف العامّة فيؤخذ به، و يترك ما خالف حكمه حكم الكتاب و السنّة و وافق العامّة.
قلت: جعلت فداك، أ رأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب و السنّة، ثمّ وجدنا أحد الخبرين يوافق العامّة، و الآخر يخالف، بأيّهما نأخذ من الخبرين؟.
قال: ينظر إلى ما هم إليه يميلون، فإنّ ما خالف العامّة ففيه الرشاد.
قلت: جعلت فداك، فإن وافقهم الخبران جميعا؟.
قال: انظروا إلى ما تميل إليه حكّامهم و قضاتهم، فاتركوا جانبا، و خذوا بغيره.
قلت: فإن وافق حكّامهم الخبرين جميعا؟.
قال: إذا كان كذلك فارجه وقف عنده، حتّى تلقى إمامك؛
603
قال: قلت: لا بدّ من أن نعمل بأحدهما؟
قال: خذ بما فيه خلاف العامّة. (1)
(12) و منه: ما رواه محمّد بن سنان، عن نصر الخثعمي، قال:
سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: من عرف من أمرنا أن لا نقول إلّا حقّا، فليكتف بما يعلم منّا فإن سمع منّا خلاف ما يعلم، فليعلم أنّ ذلك منّا دفاع و اختيار له. (2)
(13) و منه: و عن عمر بن حنظلة: قال:
سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام): عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة، أ يحلّ ذلك؟
قال (عليه السلام): من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل، فإنّما تحاكم إلى الجبت و الطاغوت المنهيّ عنه، و ما حكم له به فإنّما يأخذ سحتا، و إن كان حقّه ثابتا له؛
لأنّه أخذه بحكم الطاغوت، و من أمر اللّه عزّ و جلّ أن يكفر به، قال اللّه عزّ و جلّ:
يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ (3).
قلت: فكيف يصنعان و قد اختلفا؟
قال: ينظران من كان منكم ممّن قد روى حديثنا، و نظر في حلالنا و حرامنا، و عرف أحكامنا، فليرضيا به حكما؛
فإنّي قد جعلته عليكم حاكما، فإذا حكم بحكم و لم يقبله منه، فإنّما بحكم اللّه استخفّ، و علينا ردّ، و الرادّ علينا كافر، و رادّ على اللّه، و هو على حدّ من الشرك باللّه.
____________
(1) 2/ 109، و قال في آخره: فقد أمر (عليه السلام) بترك ما وافق العامّة، لأنّه يحتمل أن يكون قد ورد مورد التقيّة، و ما خالفهم لا يحتمل ذلك، عنه البحار: 2/ 224، و الوسائل: 18/ 88 ح 42. تقدّم في عوالم العلوم: 3/ 553.
(2) 3/ 106، عنه البحار: 2/ 220، و رواه في الكافي: 1/ 65 ح 6، بإسناده إلى نصر (مثله)، و المحاسن: 2/ 335، بإسناده إلى رجل من أصحابه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (مثله) عنهما البحار:
2/ 244 ح 47. تقدّم في عوالم العلوم: 3/ 557 ح 40.
(3) النساء: 60.
605
فإنّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات، و اللّه هو المرشد. (1)
[جوابه (عليه السلام) لمن سأله عن القائمين منهم]
(14) و منه: و قيل للصادق (عليه السلام): ما يزال يخرج رجل منكم أهل البيت، فيقتل، و يقتل معه بشر كثير! فأطرق طويلا، ثمّ قال:
إنّ فيهم الكذّابين، و في غيرهم المكذّبين. (2)
***
____________
(1) 2/ 106، و قال في آخره:
جاء هذا الخبر على سبيل التقدير، لأنّه قلّما يتّفق في الأثر أن يرد خبران مختلفان في حكم من الأحكام، موافقين للكتاب و السنّة، و ذلك مثل غسل الوجه، و اليدين في الوضوء، لأنّ الأخبار جاءت بغسلهما مرّة مرّة، و غسلهما مرّتين مرّتين؛
فظاهر القرآن لا يقتضي خلاف ذلك، بل يحتمل كلتا الروايتين، و مثل ذلك يؤخذ في أحكام الشرع و أمّا قوله (عليه السلام) للسائل: أرجه وقف عنده حتّى تلقى إمامك، أمره بذلك عند تمكّنه من الوصول إلى الإمام، فأمّا إذا كان غائبا و لا يتمكّن من الوصول إليه، و الأصحاب كلّهم مجمعون على الخبرين، و لم يكن هناك رجحان لرواة أحدهما على الآخر بالكثرة و العدالة، كان الحكم بهما من باب التخيير.
عنه البحار: 2/ 106، و ج 104/ 261 ح 1، و عنه في الوسائل: 18/ 75 ح 1، و عن الكافي:
1/ 67 ح 10، و ج 7/ 412 ح 5، و من لا يحضره الفقيه: 3/ 8 ح 3233، و التهذيب: 6/ 218 ح 6 و ص 301 ح 52 بأسانيدهم إلى ابن حنظلة (مثله).
و أخرجه في الوسائل المذكور ص 3 ح 4، عن الكافي: و التهذيب، و في ص 114 ح 1، عن الكافي.
(2) 2/ 137، عنه البحار: 46/ 179 ح 39. تقدّم في عوالم العلوم: 18/ 266 ح 8.
606
أقول: بحمد اللّه تبارك و تعالى، و منّه تمّ الجزء الأوّل من كتاب عوالم العلوم و المعارف و مستدركاته في أحوال
الإمام الناطق بالحق جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) و يتلوه الجزء الثاني و نكتفي في هذا الجزء بالفهرس الاجمالي الخاصّ به و أمّا الفهارس العامّة و التفصيليّة للكتاب فنضعها في آخر الجزء الثاني إنشاء اللّه و آخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين و صلّى اللّه على محمّد و آله الطاهرين
الراجي لرحمة ربّه محمّد باقر بن آية اللّه السيد مرتضى الموحد الأبطحي الأصفهاني
607
الفهرس الإجمالي للجزء الأوّل
العنوان عدد الأبواب رقم الصفحة
1- أبواب نسبه، و حال امّه، و مولده (عليه السلام) 3 17
2- أبواب أسمائه و ألقابه و كناه و عللها، و نقش خاتمه، و حليته و شمائله (عليه السلام) 5 22
3- أبواب النصوص على الأئمّة الاثنى عشر، سادسهم الصادق (عليهم السلام) 25 29
4- أبواب النصوص عليه- بالخصوص- 3 54
5- أبواب فضائله و مناقبه و معالي اموره و غرائب شأنه (عليه السلام) 17 60
6- أبواب مكارم أخلاقه و محاسن أوصافه (عليه السلام) 19 88
7- أبواب سيره و سننه و طريقته (عليه السلام) 57 136
8- أبواب معجزاته (عليه السلام): 205
(1) أبواب معجزاته (عليه السلام) في إخباره بالمغيّبات 6 205
(2) أبواب معجزاته (عليه السلام) في الأشجار و الأثمار 4 274
(3) أبواب معجزاته (عليه السلام) في الجبال 3 282
(4) أبواب معجزاته (عليه السلام) في البحار و الجبّ و الأنهار 4 284
(5) أبواب معجزاته (عليه السلام) في الطيور، و علمه بمنطق الطير 7 290
(6) أبواب معجزاته (عليه السلام) في الحيوانات و السبع 5 298
(7) أبواب معجزاته (عليه السلام) في طيّ الأرض و نحوه 4 307
(8) أبواب إراءته (عليه السلام) العجائب 9 311
(9) أبواب إراءته (عليه السلام) سبائك الذهب و الدنانير و غيرها 4 316
(10) أبواب إراءته (عليه السلام) الأشخاص بحيث لا يراهم الناس 2 320
(11) أبواب إحضاره (عليه السلام) المغيّبات عنده 3 322
(12) أبواب معجزاته (عليه السلام) في المنامات و غيرها 3 324
608
(13) أبواب معجزاته (عليه السلام) في إبراء الأكمه 4 327
(14) أبواب معجزاته (عليه السلام) في استجابة دعواته في دفع الأمراض و ... 13 330
(15) أبواب معجزاته و استجابة دعواته (عليه السلام) فيمن دعا عليه 3 340
(16) أبواب معجزاته و استجابة دعواته (عليه السلام) في إحياء اللّه تعالى الأموات 10 344
(17) أبواب معجزاته (عليه السلام) في عدم الحرق بالنار و القتل بالسيف 3 356
(18) أبواب معجزاته (عليه السلام) في معرفته بجميع اللّغات 6 367
(19) أبواب ما اشتمل على معجزتين منه (عليه السلام) 3 368
(20) أبواب جوامع معجزاته (عليه السلام) 4 372
9- أبواب جمل تواريخه و أحواله (عليه السلام) مع خلفاء زمانه 3 379
10- أبواب أحواله (عليه السلام) مع خلفاء بني مروان 4 383
11- أبواب جمل أحواله (عليه السلام) مع خلفاء بني العبّاس و ولايتهم 3 389
12- أبواب أحواله (عليه السلام) مع أبي العبّاس الملقب بالسفّاح، و ما جرى بينهما 4 396
13- أبواب أحواله (عليه السلام) مع أبي جعفر عبد اللّه الملقّب بالمنصور ... 9 399
14- أبواب بعض معجزاته (عليه السلام) الّتي ظهرت عند المنصور ... 3 448
15- أبواب ما جرى بينه (عليه السلام) و بين المنصور في العلم و غيره 4 450
16- أبواب سائر ما جرى بينه (عليه السلام) و بين المنصور 4 456
17- أبواب سائر أحواله (عليه السلام) في الحيرة ... 3 463
18- أبواب أحواله (عليه السلام) مع ولاة المنصور و عمّاله بالمدينة 6 466
19- أبواب شفاعته و رقاعه (عليه السلام) إلى حكّام زمانه لأصحابه 4 480
20- أبواب شكاياته (عليه السلام) من طواغيت زمانه 3 485
21- أبواب مناظراته (عليه السلام) مع المخالفين، و ما ذكره المخالفون من علومه (عليه السلام) 487
(1) أبواب مناظراته (عليه السلام) مع الأجلّاء 15 487
(2) أبواب مناظراته (عليه السلام) في علوم شتّى 6 569
(3) أبواب مناظراته (عليه السلام) و ردّه على جماعة المخالفين 5 588
