مشارق أنوار اليقين في أسرار أمير المؤمنين(ع) 


تأليف

حافظ رجب البرسي‏


جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

http://www.masaha.org


http://www.masaha.org

5

[مقدمات التحقيق‏]

[مقدمة المحقق‏]

ترجمة المصنف‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ كتاب مشارق أنوار اليقين للحافظ رجب البرسي من الكتب التي جمعت مناقب و أسرار آل محمد صلوات المصلين عليهم ما طلع نجم، بل لنا أن نقول أنه تفرد في نقل بعض المناقب و الأسرار، مما واجهتنا مشكلة في تخريج تلك المناقب.

و مؤلف هذا الكتاب من الحفاظ المشهورين بالعلم و التقوى و العرفان، و شدة و ولائه لآل محمد (عليهم السلام)، و إبراز ما أخفوه عن بعض شيعتهم، حتى رماه من لا تحقيق له و لا اطلاع له على جلّ روايات أهل البيت (عليهم السلام) بالغلو.

و سوف تعرف من كلام العلامة الخبير الأميني حقيقة الحال:

* قال العلامة الأميني‏ (1):

الشيخ رضي الدين رجب بن محمد بن رجب البرسي الحلي المعروف بالحافظ: من عرفاء علماء الإماميّة و فقهائها المشاركين في العلوم، على فضله الواضح في فنّ الحديث، و تقدّمه في الأدب و قرض الشعر و إجادته، و تضلّعه في علم الحروف و أسرارها و استخراج فوائدها، و بذلك كله تجد كتبه طافحة بالتحقيق و دقّة النظر، و له في العرفان و الحروف مسالك خاصّة، كما أنّ له في ولاء أئمة الدين (عليهم السلام) آراء و نظريات لا يرتضيها لفيف من الناس، و لذلك رموه بالغلوّ و الارتفاع، غير أنّ الحقّ أنّ جميع ما يثبته المترجم لهم (عليهم السلام) من الشؤون هي دون مرتبة الغلوّ و غير درجة النبوّة، و قد جاء عن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) قوله: إيّاكم و الغلوّ فينا.

قولوا: إنّا عبيد مربوبون. و قولوا في فضلنا ما شئتم‏ (2). و قال الإمام الصادق (عليه السلام): اجعلوا لنا

____________

(1) الغدير: 7/ 33- 68.

(2) عن الخصال لشيخنا الصدوق و سوف يأتي مع تخريجه.

6

ربّا نئوب إليه و قولوا فينا ما شئتم.

و قال (عليه السلام): اجعلونا مخلوقين و قولوا فينا ما شئتم فلن تبلغوا (1).

و أنّى لنا البلاغ مدية ما منحهم المولى سبحانه من فضائل و مآثر؟ و أنّى لنا الوقوف على غاية ما شرّفهم اللّه به من ملكات فاضلة، و نفسيّات نفيسة؛ و روحيّات قدسيّة، و خلائق كريمة، و مكارم و محامد؟ فمن ذا الذي يبلغ معرفة الإمام؟ أو يمكنه اختياره؟ هيهات هيهات ضلّت العقول، و تاهت الحلوم، و حارت الألباب، و خسئت العيون، و تصاغرت العظماء، و تحيّرت الحكماء، و تقاصرت الحلماء، و حصرت الخطباء، و جهلت الألبّاء، و كلّت الشعراء، و عجزت الأدباء، و عييت البلغاء عن وصف شأن من شأنه، و فضيلة من فضائله، و أقرّت بالعجز و التقصير؛ و كيف يوصف بكلّه؟ أو ينعت بكنهه؟ أو يفهم شي‏ء من أمره؟ أو يوجد من يقوم مقامه و يغني غناه؟ لا. كيف؟ و أنّى؟ فهو بحيث النجم من يد المتناولين و وصف الواصفين، فأين الاختيار من هذا؟ و أين العقول عن هذا؟ و أين يوجد مثل هذا؟ (2).

و لذلك تجد كثيرا من علمائنا المحقّقين في المعرفة بالأسرار يثبتون لأئمة الهدى (صلوات الله عليهم) كلّ هاتيك الشؤون و غيرها ممّا لا يتحمّله غيرهم، و كان في علماء قم من يرمي بالغلو كلّ من روى شيئا من تلكم الأسرار حتى قال قائلهم: إنّ أوّل مراتب الغلوّ نفي السهو عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله). إلى أن جاء بعدهم المحقّقون و عرفوا الحقيقة فلم يقيموا لكثير من تلكم التضعيفات وزنا، و هذه بليّة مني بها كثيرون من أهل الحقائق و العرفان و منهم المترجم، و لم تزل الفئتان على طرفي نقيض، و قد تقوم الحرب بينهما على أشدّها، و الصلح خير.

و فذلكة المقام أنّ النفوس تتفاوت حسب جبلّاتها و استعداداتها في تلقّي الحقائق الراهنة، فمنها ما تبهظه المعضلات و الأسرار، و منها ما ينبسط لها فيبسط إليها ذراعا و يمدّ لها

____________

(1) بصائر الدرجات للصفار و سوف يأتي.

(2) من قولنا: «فمن ذا الذي يبلغ» إلى هنا مأخوذ من حديث رواه شيخنا الكليني ثقة الإسلام في أصول الكافي 1/ 99 عن الإمام الرضا (صلوات الله عليه) (هامش الغدير).

7

باعا، و بطبع الحال أنّ الفئة الأولى لا يسعها الرضوخ لما لا يعلمون، كما أنّ الآخرين لا تبيح لهم المعرفة أن يذروا ما حقّقوه في مدحرة البطلان، فهنالك تثور المنافرة، و تحتدم الضغائن، و نحن نقدّر للفريقين مسعاهم لما نعلم من نواياهم الحسنة و سلوكهم جدد السبيل في طلب الحقّ و نقول:

على المرء أن يسعىبمقدار جهده‏ * * * و ليس عليه أن يكون موفّقا

ألا إنّ الناس لمعادن كمعادن الذهب و الفضة (1) و قد تواتر عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام): أنّ أمرنا- أو حديثنا- صعب مستصعب لا يتحمّله إلّا نبيّ مرسل أو ملك مقرّب، أو مؤمن امتحن اللّه قلبه للإيمان‏ (2).

إذن فلا نتحرّى وقيعة في علماء الدين و لا نمسّ كرامة العارفين، و لا ننقم من أحد عدم بلوغه إلى مرتبة من هو أرقى منه، إذ لا يكلّف اللّه نفسا إلّا وسعها. و قال مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام): لو جلست أحدّثكم ما سمعت من فم أبي القاسم (صلّى اللّه عليه و آله) لخرجتم من عندي و أنتم تقولون: إنّ عليا من أكذب الكاذبين‏ (3).

و قال إمامنا السيّد السجّاد (عليه السلام): لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله، و لقد آخى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بينهما فما ظنّكم بسائر الخلق‏ (4) وَ كُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى‏، وَ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً.

و إلى هذا يشير سيّدنا الإمام السجّاد زين العابدين (عليه السلام) بقوله:

إنّي لأكتم من علمي جواهره‏ * * * كيلا يرى الحقّ ذو جهل فيفتتنا

و قد تقدّم في هذا أبو حسن‏ * * * إلى الحسين و أوصى قبله الحسنا

فربّ جوهر علم لو أبوح به‏ * * * لقيل لي: أنت ممّن بعبد الوثنا

____________

(1) حديث ثابت عند الفريقين (هامش الغدير).

(2) بصائر الدرجات للصفار: 6، أصول الكافي: 1/ 216.

(3) منح المنّة للشعراني: 14.

(4) بصائر الدرجات للصفّار: 7 آخر الباب الحادي عشر من الجزء الأوّل و أصول الكافي لثقة الإسلام الكليني: 1/ 216.

9

يكون له محل صحيح»؟ ليت السيّد يوعز إلى شي‏ء من شذوذ طبع شاعرنا الفحل حتى لا يبقى قوله دعوى مجرّدة. و بعد اعترافه بإمكان محمل صحيح لما أتى به المترجم له فأيّ داع إلى حمله على الخبط و الخلط، و نسيان حديث: ضع أمر أخيك على أحسنه؟ و أيّ ضرر فيه على ذلك التقدير؟ على أنّا سبرنا غير واحد من مؤلّفات البرسي فلم نجد فيه شاهدا على ما يقول، و ستوافيك نبذ ممتعة من شعره الرائق في مدائح أهل البيت (عليهم السلام) و مراثيهم و ليس فيها إلّا إشارة إلى فضائلهم المسلّمة بين الفريقين أو ثناء جميل عليهم هو دون مقامهم الأسمى، فأين يقع الارتفاع الذي رماه به بعضهم؟ و أين المغالاة التي رآها السيّد؟ و البرسي لا يحذو في كتبه إلّا حذو شعره المقبول، فأين مقيل الخبط و الضرر و الغلو التي حسبها سيّد الأعيان؟.

و أمّا ما نقم به عليه من اختراع الصّلوات و الزيارة بقوله: «و اختراع صلاة عليهم و زيارة لهم لا حاجة إليه بعد ما ورد ما يغني عنه و لو سلّم أنّه في غاية الفصاحة كما يقول صاحب الرياض» فإنّه لا مانع منه إلّا ما يوهم المخترع أنّها مأثورة، و أيّ وازع من إبداء كلّ أحد تحيّته بما يجريه اللّه تعالى على لسانه و هو لا يقصد وردا و لا يريد تشريعا؟ و قد فعله فطاحل العلماء من الفريقين ممّن هو قبل المترجم [له‏] و بعده، و لا تسمع اذن الدنيا الغمز عليهم بذلك من أيّ أحد من أعلام الأمّة.

و أمّا قول سيّدنا: «و إنّ مؤلفاته ليس فيها كثير نفع و في بعضها ضرر و للّه في خلقه شئون سامحه اللّه و إيّانا»، فإنّه من شظفة القلم صدر عن المشظف‏ (1) سامحه اللّه و إيّانا.

تآليفه القيّمة:

1- مشارق أنوار اليقين في حقايق أسرار أمير المؤمنين.

2- مشارق الأمان و لباب حقايق الإيمان. ألّفه سنة 813.

3- رسالة في الصّلوات على النبيّ و آله المعصومين.

4- رسالة في زيارة أمير المؤمنين طويلة. قال شيخنا صاحب الرياض: في نهاية الحسن‏

____________

(1) المشظف كمنبر: من يعرض بالكلام على غير القصد.

8

و لاستحلّ رجال مسلمون دمي‏ * * * يرون أقبح ما يأتونه حسنا (1)

و لسيّدنا الأمين في أعيان الشيعة (31: 193- 205) في ترجمة الرجل كلمات لا تخرج عن حدود ما ذكرناه.

و ممّا نقم عليه به اعتماده على علم الحروف و الأعداد الذي لا تتمّ به برهنة و لا تقوم به حجّة، و نحن و إن وافقناه على ذلك إلّا أنّ للمترجم له و من حذا حذوه من العلماء كابن شهرآشوب و من بعده عذرا في سرد هاتيك المسائل فإنّها أشبه شي‏ء بالجدل تجاه من ارتكن إلى أمثالها في أبواب أخرى من علماء الحروف من العامّة كقول العبيدي المالكي في عمدة التحقيق ص 155: قال بعض علماء الحروف: يؤخذ دوام ناموس آل الصدّيق و قيام عزّته إلى انتهاء الدنيا من سرّ قوله تعالى: فِي ذُرِّيَّتِي‏ فإنّ عدّتها بالجمل الكبير ألف و أربعمائة و عشرة و هي مظنّة تمام الدنيا كما ذكره بعضهم فلا يزالون ظاهرين بالعزّة و السيادة مدّة الدنيا، و قد استنبط تلك المدّة عمدة أهل التحقيق مصطفى لطف اللّه الرزنامجي بالديوان المصري من قوله تعالى: لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (2)، قال ما لفظه: إذا أسقطنا مكرّرات الحروف كان الباقي (ل ا ي ب ث و ن خ ف ك ق) أحد عشر حرفا عددهم بالجمل الكبير ألف و ثلاثمائة و تسعة و تسعين زدنا عليه عدد الحروف و هو أحد عشر صار المجموع و هو ألف و أربعمائة و عشرة و هو مطابق لقوله تعالى: ذُرِّيَّتِي‏.

و سمعت ختام الأعلام شيخنا الشيخ يوسف الفيشي (رحمه الله) يقول: قال محمّد البكري الكبير: يجلس عقبنا مع عيسى ابن مريم على سجّادة واحدة و هذا يقوي تصحيح ذلك الاستنباط. ه.

[تهويل ليس عليه تعويل‏]

و نحن لا ندري ما ذا يعني سيّدنا الأمين بقوله: «و في طبعه شذوذ و في مؤلّفاته خبط و خلط و شي‏ء من المغالاة لا موجب له و لا داعي إليه و فيه شي‏ء من الضرر و إن أمكن أن‏

____________

(1) تفسير الآلوسي: 6/ 190 و سوف يأتي مع مصادره.

(2) الإسراء: 76.

10

و الجزالة و اللطافة و الفصاحة معروفة.

5- رسالة اللمعة من أسرار الأسماء و الصفات و الحروف و الآيات و الدعوات. فيها فوائد لا تخلو من غرابة كما قاله شيخنا صاحب الرياض.

6- الدرّ الثمين في خمسمائة آية نزلت في مولانا أمير المؤمنين باتّفاق أكثر المفسّرين من أهل الدين، ينقل عنه المولى محمد تقي الزنجاني في كتابه: طريق النجاة.

7- أسرار النبيّ و فاطمة و الأئمّة (عليهم السلام).

8- لوامع أنوار التمجيد و جوامع أسرار التوحيد في أصول العقائد.

9- تفسير سورة الاخلاص.

10- رسالة مختصرة في التوحيد و الصّلوات على النبيّ و آله.

11- كتاب في مولد النبيّ و عليّ و فاطمة و فضائلهم.

12- كتاب في فضائل أمير المؤمنين غير المشارق.

13- كتاب الألفين في وصف سادة الكونين.

شعره الرائق:

أضاء بك الافق المشرق‏ * * * و دان لمنطقك المنطق‏

و كنت و لا آدم كائنا * * * لأنّك من كونه أسبق‏

و لو لاك لم تخلق الكائنات‏ * * * و لا بان غرب و لا مشرق‏

و له في العترة الطاهرة و سيّدهم (صلوات الله عليه و عليهم) قوله:

إذا رمت يوم البعث تنجومن اللظى‏ * * * و يقبل منك الدين و الفرض و السنن‏

فوال عليّا و الأئمة بعده‏ * * * نجوم الهدى تنجو من الضيق و المحن‏

فهم عترة قد فوّض اللّه أمره‏ * * * إليهم لما قد خصّهم منه بالمنن‏

أئمّة حقّ أوجب اللّه حقّهم‏ * * * و طاعتهم فرض بها الخلق تمتحن‏

نصحتك أن ترتاب فيهم فتنثني‏ * * * إلى غيرهم من غيرهم في الأنام من؟

فحبّ عليّ عدّة لوليّه‏ * * * يلاقيه عند الموت و القبر و الكفن‏

11

كذلك يوم البعث لم ينج قادم‏ * * * من النار إلّا من تولّى أبا الحسن‏

* و قال السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (1):

كان حيّا سنة 813 و توفي قريبا من هذا التاريخ.

(و البرسي) نسبة إلى برس في الرياض بضم الباء الموحدة و سكون الراء ثم السين المهملة، قال: و يظهر من القاموس أنه بضم الباء و فتحها و كسرها. في القاموس قرية بين الكوفة و الحلة و قيل برس جبل يسكن به أهله. و عن مجمع البحرين: قرية معروفة بالعراق، ذكر ذلك في ذيل قوله في الخبر أحلى من ماء برس، أي ماء الفرات لأنها واقعة على شفيره أو هو موضع بين البلدتين المذكورتين و ضبطه بكسر الباء، و كذا عن شرح المولى خليل القزويني على الكافي. أقول: الشائع على لسان أهل العراق اليوم بكسر الباء، و الظاهر أنه اسم قرية هي اليوم خراب كانت على ذلك الجبل، و هذا الجبل اليوم على يمين الذاهب من النجف إلى كربلاء و أهل العراق يسمّونه برس و يضربون به المثل للشخص الذي أينما ذهبت وجدته فيقولون فلان مثل برس. و هذا الجبل لعلوّه و عدم وجود جبل سواه في تلك السهول أينما كنت تراه. و أصل الشيخ رجب من تلك القرية ثم سكن الحلّة، و ليست النسبة إلى بروسا المدينة المعروفة في الأناضول لأنّ المترجم لم يرها. و في الرياض قد يتوهّم كون النسبة إليها. و حكى عن الصدر الكبير الميرزا رفيع الدين محمد في رد شرعة التسمية للسيّد الداماد أن كتاب مشارق أنوار اليقين في كشف أسرار حقايق أمير المؤمنين (عليه السلام) للشيخ الفاضل رضي الدين رجب بن محمد البروسي قال: و لا شك أن البروسي نسبة إلى بلدة بروسا ا ه. و كيف كان فكونه نسبة إلى بروسا غير صواب مع إمكان كون الواو من زيادة النسّاخ.

أقوال العلماء فيه:

في مسودة الكتاب: كان فقيها محدّثا حافظا أديبا شاعرا مصنّفا في الأخبار و غيرها.

____________

(1) أعيان الشيعة: 6/ 465- 467.

13

[مقدمة المؤلف‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ تمهيد الحمد للّه الواجد لا من قلّة، الموجود لا من علّة، و الصلاة على المبعوث لأشرف ملّة، و آله النجوم و الأهلة.

و بعد فيقول المخلوق من الماء المهين العبد الفقير المسكين المستكين المؤمن بوحدانية ربّ العالمين، المنزّه عن أقوال الظالمين، و شبه الظالمين، و ضلال المشبهين، و إلحاد المبطلين، و إبطال الملحدين، الشاهد بصدق الأنبياء و المرسلين، و عصمة الأولياء الصدّيقين، و الخلفاء الصادقين، المصدّق بيوم الدين، رجب الحافظ صان اللّه إيمانه، و أعطاه في الدارين أمانه، هذه رسالة في أصول الكتاب سمّيتها (لوامع أنوار التمجيد، و جوامع أسرار التوحيد) أودعتها ديني و اعتقادي، و جعلتها زادي ليوم معادي، قدّمتها لوجوب تقديم التوحيد، على سائر العلوم، و أتبعتها كتابا سمّيته (مشارق أنوار اليقين، في إظهار أسرار حقائق أمير المؤمنين) فكان هذا الكتاب الشريف جامعا لحقائق أسرار التوحيد، و النبوّة و الولاية، موصلا لمن تأمّله و أم له إلى الغاية و النهاية، و اللّه المعين و الهادي.

فأقول متوكّلا و متوسّلا: أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، شهادة يوافق فيها السرّ الإعلان، و القلب اللسان، الحي القيوم، الموجود بغير أنية، المعروف بغير كيفية، سبحان اللّه العظيم في مجده، قيوم بذاته و صفاته، غني عن جميع مخلوقاته، وحده لا شريك له بعد فاقترب، و ظهر فاحتجب، فلا بعده بعد مسافة، و لا قربه قرب كثافة، قرب إلى الأسرار ببرّه و رحمته، و بعد عن الأبصار بأشعة جلال عظمته، نأى عن العيون بشدّة جماله؛ و اختفى عن العيان بكمال نوره، فظهر بغيبه، و غاب بظهوره، فهو ظاهر لا يرى، و باطن لا يخفى، يعرف بفطر القلوب، و هو في سواتر الغيوب، تجلّى بجمال صفاته من كل الجهات، فظهر و تجلّى‏

12

و في أمل الآمل: الشيخ رجب الحافظ البرسي كان فاضلا شاعرا منشئا أديبا له كتاب مشارق أنوار اليقين في حقائق أسرار أمير المؤمنين (عليه السلام) و له رسائل في التوحيد و غيره و في كتابه إفراط و ربما نسب إلى الغلو.

و في الرياض: الشيخ الحافظ رضي الدين رجب بن محمد بن رجب البرسي مولدا و الحلّي محتدا الفقيه المحدّث الصوفي المعروف صاحب كتاب مشارق الأنوار المشهور و غيره، كان من متأخّري علماء الإمامية لكنّه متقدّم على الكفعمي صاحب المصباح و كان ماهرا في أكثر العلوم و له يد طولى في علم أسرار الحروف و الأعداد و نحوها كما يظهر من تتبّع مصنّفاته، و قد أبدع في كتبه حيث استخرج أسامي النبي و الأئمة (عليهم السلام) من الآيات و نحو ذلك من غرائب الفوائد و أسرار الحروف و دقائق الألفاظ و المعميات و لم أجد له إلى الآن مشايخ من أصحابنا و لم أعلم عند من قرأ (أقول) ستعرف أنه يروي عن شاذان بن جبرئيل القمي.

و قال المجلسي في مقدّمات البحار عند تعداد الكتب التي نقل منها: و كتاب مشارق الأنوار و كتاب الألفين للحافظ رجب البرسي و لا أعتمد على ما ينفرد بنقله لاشتمال كتابيه على ما يوهم الخبط و الخلط و الارتفاع و إنّما أخرجنا منهما ما يوافق الأخبار المأخوذة من الأصول المعتبرة. و في الرياض التأمّل في مؤلّفاته يورث ما أفاده الأستاذ المجلسي و المعاصر صاحب الأمل من الغلو و الارتفاع لكن لا إلى حدّ يوجب عدم صحّة الاعتقاد (1).

2/ شوال/ 1420 ه حرره علي عاشور الموافق 10/ 1/ 2000 م لبنان/ شقراء

____________

(1) أعيان الشيعة: 6/ 466.

14

بكمال ذاته عن كل الجهات، فاستتر الفرد المجرّد عن المواد و الصور، فهو الرفيع في جلاله، البديع في جماله، وحده لا شريك له، وجوده وجود إيمان لا وجود عيان، دلّت عليه آياته، و شهدت بوحدانيته مصنوعاته، و أقرّت بربوبيته أرضه و سماواته، كل حادث دليل عليه، و مستند في وجوده إليه، و مشير بالعظمة و الكبرياء إليه، فمفهومه و معناه، تقدّس في عزّه و علاه، أنه ذات واحدة لا تحدّها فكرة، و لا تحاولها كثرة، لها الجلال و الإكرام، و البقاء و الدوام، و الملك المؤبد، و السلطان السرمد، و العزّ المنيع، و المجد الرفيع، فالحق عزّ اسمه و جل جلاله، واحد من جميع الجهات، فرد صمد بكل العبادات، قيوم أحد بأكمل الدلالات، ربّ وتر بالذات و الصفات، معبود حقّ بسائر اللغات، لا تحكيه العبارات، و لا تحويه الإشارات، فذاته الأزلية الأبدية القيومية الرحمانية، المقدّسة بالوحدة الحقيقية، المنزّهة عن الكثرة الصورية، مبدأ لسائر الموجودات، و منبع لسائر الكمالات، موصوفة بأكرم الصفات، مسلوب عن جمال كمالها النقائص و الحاجات، متعالية عن الأحياز و الجهات، منزّهة عن مشابهة المحدثات، مبراة عن المقولات، فسبحان القيوم، الذي لم يزل و لا يزال، الفرد المنزّه عن الحلول و الانتقال، وحده لا شريك له، كان و لم يزل كائنا، و لا سماء مبنية، و لا أرض مدحية، و لا خافق يخفق، و لا ناطق ينطق، و لا ليل داج، و لا صبح مشرق، كان اللّه و لا شي‏ء معه، و هو على ما كان لم يتكثر بخلقه أبدا، فسبحان من أيّن الأين، فلا أين يحويه، و كيّف الكيف فلا كيف يحكيه، و تعالى عن المكان و الزمان، فلا وقت يباريه، وحده لا شريك له، جل عن أجل معدود، و أمد ممدود، و تعالى عن وقت محدود، الحي الحميد المحمود، قدوس، سبوح، ربّ الملائكة و الروح، حي لا يموت.

فسبحانه من أزلي قديم، سبق العدم وجوده، و الأزل قدمه، و المكان كونه، و عزّ عن المزاوجة اسمه، وحده لا شريك له، ليس لقدمه رسم، و لا حدّ، و لا لملكه قبل و لا بعد، و لا لأمره دفع و لا ردّ، و لا لسلطانه ضدّ و لا ندّ، تقدّس القيوم في جلال عظمته، و دوام سلطنته، وحده لا شريك له، لا تدركه الحواس، فيوجد له شكل، و لا يشبه بالناس فيكون له مثل، امتنعت عن إدراك ذاته عيون العقول، و انقطعت دون وصف صفاته أسباب الوصول، حي قيوم، وجوده لذاته بذاته عن ذاته، لا لعلّة تقوّمه فيكون ممكنا، و لا لسبب يتقدّمه فيكون‏

15

محدثا، و لا لكثرة تزاحمه فيكون للحوادث محلّا، حي قبل كل حي، و حي بعد كل حي، واجب الحياة لكل حي، و حي لم يرث الحياة من حي، فهو المعبود الحق، و الإله المطلق، أحدي الذات، واحدي الصفات، أزلي اللاهوت، أبدي الملكوت، سرمدي العظمة، و الجلال و الجبروت، حي قيوم لا يموت، لا تحكيه الشواهد، و لا تحويه المشاهد، و لا تحجبه السواتر، و لا تبلغه النواظر، لا يدركه بعد الهمم، و لا يناله غوص الفطن، وجهه حيث توجهت، و طريقه حيث استقمت، لا تجري عليه الحركة و السكون، فكيف يجري عليه ما هو أجراه، لا إله إلّا هو اللّه، فمن وصف اللّه سبحانه فقد حدّه، و من حدّه فقد عدّه، و من عدّه فقد ثنّاه، و من ثناه فقد أبطله، إذ ليس في الأشياء؛ و إلّا لكان محدودا، و لا منها؛ و إلّا لكان معدودا، فهو بعيد عنها، دان إليها، قائم بها، قيوم عليها، لا يتجزى فيعد، و لا يتكثّر فيحدّ، ما وحّده من كيّفه، و لا حقيقته أصاب من مثله، و لا إيّاه عنى من شبّهه، و لا حمده من أشار إليه و توهّمه، الحكم العدل الذي لا يتوهم و لا يتهم، شهدت العقول و النفوس، و شاهدت العيون و المحسوس: أن العالم متغيّر، و كل متغيّر جسم، و كل جسم حادث، و كل حادث له محدث، و ذلك المحدث هو الخالق المقدر، و البارى‏ء المصوّر، و الجبّار المتكبّر، لافتقار الأثر إلى المؤثر، فهو الربّ القديم، العلي العظيم، الغني الكريم، الجواد الرحيم، الذي صدر العالم عنه و ابتدعه، و تعالى عنه، فهو المبتدئ الأوّل، الذي فاض عن وجود وجود كل موجود، و المبدأ الأوّل واجب لذاته، و الواجب لذاته حي قيوم، و الحي القيوم قديم أزلي، و القديم واجب الوجود و دائم الوجود، واحد من جميع الجهات، و الواحد الحق يستحيل أن يكون جسما، لأن الجسم يلزمه التركيب و الكثرة، و كل مركّب له أوّل، و ما له أوّل محدث، و القيوم الحق مجرّد عن كل مادة، منزّه عن كل صورة، مقدّس عن كل كثرة، مبرأ عن كل وصف، لا يشمله حدّ أو يبدأ له عدّ، أو يتناوله رسم، أو يكشفه اسم، لا تحويه الأقطار، و لا تبديه الأفكار، و لا تدركه الأبصار، و كيف تدركه الأبصار و هي خلقه؟ أو كيف تحويه الأقطار و هي صنعه؟ و الصنعة على نفسها تدل، و في مثلها تحل، فسبحانه قيوم حق، لا أوّل لوجوده، و لا نهاية لملكه وجوده، و العالم كله بالعدم مسبوق، و بالفناء ملحوق، فكلها سوى الحي القيوم محدث و مركب و مفتقر، و الحق عز اسمه فرد مجرّد، لا كثرة في ذاته و صفاته،

17

فرجع الطرف خاسئا حسيرا، و العقل مبهوتا مبهورا، و الفكر متحيّرا مذعورا، و الوهم مذموما مدحورا؛ فسبحان الملك الحق المتعالي عن الجهات و الأمكنة، الذي لا تأخذه نوم و لا سنة، و لا تصف جلال كمال عظمته الألسنة اللسنة، لا يحويه مكان، و لا يخلو منه مكان، و لا يصفه لسان، به كان الخلق لا بالخلق كان.

إن قلت: متى فقد سبق الكون كونه؛ أو قلت قبله فالقبل بعده؛ أو قلت أين؟ فقد تقدّم المكان وجوده؛ أو قلت كيف؟ فقد أصحت‏ (1) عن الوصف صفته؛ أو قلت مم؟ فقد باين الأشياء كلّها؛ أو قلت هو، فالهاء و الواو كلامه.

بالكلمة تجلّى الصانع للعقول، و بها احتجب عن العيون، فسبحان من جوده آية وجوده، و أنوار عظمته مانعة من سهوده، لم يزل، و لا يزال، أزليا أبديا في الغيوب، ليس فيها أحد غيره و لا معبود سواه، لا يجوز عليه التشبيه الذي يرقبه فهمك، و لا التشكيك الذي ينتجه و همك، الجبّار الذي فتق و رتق ظلام العدم بقوّته و قهره، فأهلّ الوجود بلا إله إلّا اللّه، و أتقن نظام الموجودات بقدرته و أمره، فليس خالق إلّا اللّه خالق السّماوات، و بالعدل فطرها، و أجرى فيها شمسها و قمرها، فهي دائرة بقهره، طالعة لأمره، ملأها بالأنوار، و قدّسها بالأبرار، و حرسها بالشهب الثواقب من الأغيار، و حفظها من الأود و الانفطار، فهي عالم الملكوت، و قبة الجبروت، و سرادق العظمة و الجلال و الجبروت، سقفا مرفوعا، و سمكا محفوظا، بغير عمد يدعمها، و لا دسار يقبضها، لم يشيّدها سبحانه خوفا من سطوة سلطان، و لا خشية من نزول حدثان، بل جعلها دليلا للناظر، و علما للسائر، تدلّ آياتها على عظمته، و رفعتها على قدرته، و كمال لطفه و حكمته، فمن نظر في خلق السّماوات، و تعاقب حركات السيارات، و اختلاف الليل و النهار، و ما تضمن ذلك من الحكمة العجيبة، و القدرة الغريبة، بل في نفسه، و تركيب جسده، شاهد في كل لحظة، و عاين في كل لمحة، شاهد حق، و ناطق صدق، ينطق بأن صانعه حي قيوم قدير، و يشهد بأن موجده ربّ حكيم خبير.

سماء ذات أبراج، و أرض ذات فجاج، و بحار ذات أمواج، و قمر ذو إشراق، و سراج و هاج، و سحاب صاعد، و ماء فجاج، و أجسام ذات أعضاء، و أحياء و أمشاج، و الكل يدلّون‏

____________

(1) كذا بالأصل.

18

على الصانع القدير، فسبحان من فطر الخلائق على عظائم المختلفات، و أنطقهم بغرائب اللغات، و قدّر لهم الأعمار و الأرزاق و الأقوات، فهو الخالق العليم، الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة، و لا يغيب عن حفظه مكيال قطرة، فكيف يغيب عنه ما هو أبداه، و يخفى عليه ما هو أنشأه، لأن الخالق عالم بخلقه، محيط بصنعه، و مؤلف بين عناصره، شاهد بحقائقه و سرائره، مدرك بباطنه و ظاهره، فهو العالم بخفيات الغيوب، الشاهد لسرائر القلوب، فالأعضاء شهوده، و الجوارح جنوده، و الضمائر غيوبه، و السرائر عيانه، فلا يخفى عليه شي‏ء من خلقه، و لا يعزب عنه شي‏ء من صنعه، و كيف يغيب عنه ما هو أبداه، و يخفى عليه ما هو أنشأه، فسبحانه من قادر عليم؛ لم يزل على الأسرار رقيبا، و من الأرواح قريبا، و على الأعمال حسيبا، فهو الرقيب القريب، الشاهد الذي لا يغيب، فسبحان القيوم القدير، المتكلّم الخبير، السميع البصير، سمعه منزّه عن الأصمخة و الآذان، و بصره منزّه عن الحدقة و الأجفان، و كلامه جل عن الآلات و اللسان، فطر العقول فلا ضدّ حضره حين فطرها، و برأ النفوس فلا ندّ خبره حين اختبرها، وحده لا شريك له، الروح قطرة من قطرات بحار ملكوته، و النفس شعلة من شعلات جلال جبروته، و السّماوات السبع و الأرض و من فيهن ذرة من ذرات قدرته، و سبعون ألف عالم أثر من آثار حكمته، و العالم بأسره سرّ من أسرار صنعته، و الكل شاهد بأنه هو الذي لا إله إلّا هو وحده لا شريك له في جلال كبريائه و عظمته، أهل السّماوات يظنونه من الأرض، و أهل الأرض يظنونه في السماء، و هو الصمد الديان، المنزّه عن الأين و المين، الموجود في كل مكان، المتعالي عن الإدراك بالبصر و العين، العالي عن الحدوث و الحدثان، الواحد الفاضل عن الاثنين، المعبود في كل زمان.

خلق الإنسان فقدره، و أحسن خلقه و صوّره، و شقّ سمعه و بصره، خلقه من ماء مهين نطفة، و أنشأه من الحق شرعة و منهاجا، و فطره على التوحيد، و أوقد له من العقل سراجا، و حل له رباط الضريح‏ (1) بأنامل الفرج و الاعتبار، و أخرجه من مشيمة الرحم بيد المشية و الرحمة و الاقتدار، و دفع له دم الطمث في الصدر لبنا، و غذاه برزقه، و أخرجه إليه سهلا لينا و رباه بلطفه، و أنبته نباتا حسنا، و جعل له سمعا يسمع آياته، و عقلا يفهم كلماته، و يدرك‏

____________

(1) كذا بالأصل.

16

هو واحد لا ينقسم تقديرا و لا حدا، و احدا لا يقارب نظيرا و لا ضدّا، و احدا ذاتا و نعتا، و كلمة وعدا، فله الوحدة اللائقة بكرم وجهه، و عز جلاله، كالإلهية المحضة، و الإله المطلق هو اللّه سبحانه، كل الكل، و معبود الكل، و خالق الكل، و العالي على الكل، و المتعالي عن الكل، و العلي عن الكل، و المنزّه عن الكل، و البري‏ء عن الكل، و العالم بالكل، و المظل على الكل؛ و المطّلع على الكل، و الحافظ الكل، و الحفيظ على الكل، و القائم بالكل، و القيوم على الكل.

فالرب الأزل القديم واحد حقا، و صمد يبقى، و قيوم معبود صدقا؛ فسبحان من تفرّد بالوحدانية و الجلال، و تقدّس بالمجد و الجمال، و تعزّز بالبقاء و الكمال، و حكم على الخليقة بالفناء و الزوال، فكل شي‏ء هالك إلّا وجهه، فليس على الحقيقة معبود حق إلّا اللّه وحده لا إله إلّا اللّه، لا إله إلّا اللّه نفي و إثبات، و الحق ثابت لم يزل و لا يزال، و الضد جل عن الضدّ، عدم محض، ينفي الغير من وقع النفي و الإثبات، فمعنى كلمة التوحيد، و آية التجريد أنه لا إله في وجود، حي موجود، له الركوع و السجود، واحد لذاته، غني عن جميع مخلوقاته، قادر عالم، حي سميع، بصير مريد، كاره غني، واحد منزّه عن كل نقص، طاهر من كل عيب، ذاته و صفاته، مستحق للعبادة، لا إله إلّا اللّه اسمه، و الرحمن نعته، و الأحد ذاته، و الواحد صفاته، و اسمه اللّه، عز عن اسم، علم لذاته المقدّسة، جامع لجلال صفات الجلال و العظمة، مانع من الشركة في الحقيقة و التسمية الرحمن، و لا شبيه [له و لا] يسمّى أحد بأسمائه، و لا شريك له في ملكه و كبريائه، و لا شبه له في عظمته و آلائه، و لا منازع له في أمره و قضائه، و لا معبود سواه في أرضه و سمائه، ربّ قديم، و ملك عظيم، غني كريم، لا شريك له في الإلهية، و لا شبيه له في الماهية، جلّ عن الشبيه و المثيل، و تعالى عن التشبيه و التمثيل، عز عن ولد ينفعه، و تقدّس عن عدد يجمعه، الواحد الأحد، الذي لا يشبهه أحد، و لا يساويه أحد، له الجلال الباهر، و الجبروت القاهر، و الملكوت الزاهر، و السلطان الفاخر، هو الأوّل و الآخر، و الباطن و الظاهر، الأوّل بالذات، و الآخر بالصفات، و الظاهر بالآيات، و الباطن عن التوهمات، حارت في إدراك ملكات ملكوته مذاهب التفكير، و غارت عن الرسوخ في علمه جوامع التفسير، تاهت العقول في تيه عظمته، و هامت الأوهام في بيداء عزّته، حماها نور الأحدية، و غشاها جلال سبحات الربوبية، عن إدراك حقيقته الإلهية،

20

تجري الأمور على ما يقضيه لا على ما يرتضيه، و أعتقد أنه من عرف بهذا الاعتقاد وحّده، و نزّهه عن مشاهدة المحدثات و عبده، و أعلن شكر الإله و حمده، فهو مؤمن مخلص قد شملته العناية و المنة، و وجبت له النجاة و الجنة، و ذلك كله بلطفه و عنايته و حوله و قوّته و منّه و هدايته و إرشاده و دلالته.

فسبحان من ابتدأ بالفضل، و كلف بالعدل، و مدح العلم و ذم الجهل، و أفاض اللطف، و أوضح السبيل، و نصب الدليل، و أرسل الرسل، و بعث الأنبياء (عليهم السلام) حكاما لإظهار أمره، و نشر عدله، و نصب الأوصياء (عليهم السلام) أعلاما لكمال دينه، و بيان فضله، بعثهم بالهدى و دين الحق، رسلا مبشّرين و منذرين، صادقين معصومين، إليه يدعون، و عنه يقولون، و بأمره يعملون، ثم جعلنا و له الحمد من أمّة خير الأنبياء (عليهم السلام)، و أطيب مخلوق من الطين و الماء، و أشرف مبعوث شرفت به الأرض و السماء، الجسد المطهر، و الروح المقدس المعطر، الذي تعطرت به البطحاء، البشير النذير، السراج المنير، أوّل الأنبياء بالنور، و آخرهم بالظهور، و سرهم في الأصلاب و الظهور، أكرمهم شيعة، و أعظمهم شريعة، و أفصحهم كلاما، و أرفعهم قدرا، و أشرفهم كتابا، و أعزّهم جنابا، أشرف من تشرّفت به الأعواد و الأعضاء (1) المنطق الالهي، أفصح من نطق بالضاد، النبي الكريم (صلّى اللّه عليه و آله)، و الرءوف الرحيم، الأوّل، الآخر، الباطن، الظاهر، الفاتق، الراتق، الفاتح، الخاتم، العالم، الحاكم، الشاهد، القاسم، المؤيّد، المنصور، أبي القاسم محمد بن عبد اللّه، الحميد المحمود، الصادق الأمين، العزيز المبين، المنتجب من خاص الطين، المبعوث رحمة للعالمين، صفي اللّه و صفوته، و إمام أصفيائه يوم البعث و النشور، خاتم الأنبياء و المرسلين، و سيّد الأوّلين و الآخرين، (صلّى اللّه عليه و آله الطاهرين).

آمنّا باللّه و بمحمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، و بما دعانا إليه، و اتبعنا النور الذي أنزل معه‏ (2)، و هدانا إليه، وصيّه الذي خصّ بالولاء و اللواء و الإخاء (3)، نص النبي عليه، أخاه و أمينه، و خليفته و قائد جيشه، و حامل رايته، و سلطان رسالته، و إمام أمّته، مفديه بروحه، و متساويه‏

____________

(1) كذا بالأصل.

(2) و في الحديث أنه أمير المؤمنين (عليه السلام) راجع: تفسير نور الثقلين: 2/ 83 ح 300.

(3) إشارة إلى حديث المؤاخاة و حديث الغدير و حديث الراية في خيبر.

19

صفاته، و بصرا يرى قدرته، و فؤادا يعرف عظمته، و قلبا يعتقد توحيده، و لسانا ينشر تمجيده، و جعل جسده مدينته، و الروح منه خليفته، و قلبه كعبته و بيته، الذي أطاف به ملائكته، و كرّمه و فضّله، و فض له سوابغ النعماء، و أمره بمعرفته، ليشكره على عميم العطاء و النعماء، و أسكنه دار المحنة و الابتلاء، و أرسل عليه الرسل و نصب له الأدلّاء، و ساقه بسوط القهر إلى ميدان الفناء، و ساوى بالموت بين الملوك و الفقراء، ذلك لطف و عدل لنفوذ قلم القضاء، و الوصول إلى دار البقاء، و إعادتهم بعد الموت لطفا واجبا لإيصال العوض و الجزاء، فسبحان من فطر الخلائق، فلم يعي بخلقهم حين ابتدأهم، و لم يستأنس بهم حين أوجدهم و أنشأهم، و لم يستوحش لفقدهم إذ أماتهم و أفناهم، و لم يعجزه بعثهم إذ هو أهون عليه إذا دعاهم، للمحسنات و ناداهم، تبارك القوي القدير، علمه بهم قبل التكوين كعلمه بهم بعد الإيجاد و التبيين، فسبحان من ألهم، و من له الفضل و المنن.

آمنت بذي الملك و الملكوت، و أسلمت لذي العزّة و الجبروت، و توكّلت على الحي الذي لا يموت، الربّ المنفرد بالوحدانية و عدم القرين، الحي القوي، العلي الغني عن المعين، شهدت بواجب الوجود، و مفيض الكرم و الجود، بالأحدية التي لا تحد و الوحدانية التي لا تعد، و الصمدانية التي ليس لها قبل و لا بعد، و الإلهية البسيطة التي كل لها ملك و مملوك، و عبدت من سري و فؤادي و روحي و خيالي و سوادي، بأن اللّه هو الحق المبين وحده لا شريك له، له الملك، و له الحمد، الرب الفرد الصمد، لم يلد و لم يولد، و لم يكن له كفوا أحد.

شهدت لربي و مولاي مصور ذاتي، و مقدّر صفاتي، الذي له نسكي و صلاتي و محياي و مماتي، بأنه هو الذي لا إله إلّا هو ربّ كل شي‏ء، و خالق كل شي‏ء و معبود كل شي‏ء، و ملك كل شي‏ء، و مالك كلّ شي‏ء و بيده ملكوت كل شي‏ء، القيوم الأوّل، قبل وجود كل شي‏ء، و الحي الباقي بعد فناء كل شي‏ء، الواحد المسلوب عنه الشبيه و النظير، الأحد الذي لا كمثله شي‏ء، و هو السميع البصير، لا تدركه الأبصار، و هو يدرك الأبصار، و هو اللطيف الخبير، و أن هذه الصفات الإلهية، و المدائح الربانية، لا يستحقها أحد سواه، و لا يملكها و يستوجبها إلّا اللّه و أنه سبحانه حكم عدل لا جور في قضيته، و لا ظلم في مشيئته و أنه‏

21

بمحنه، عضده المعاضد، و ساعده المساعد يوم شدّته، سيّد الوصيّين، و إمام المتّقين، و ديّان الدين، و صاحب اليمين، و علم المهتدين، و خليفة ربّ العالمين، و سرّ اللّه و حجّته، و آية اللّه و كلمته، في الأوّلين و الآخرين، القائم بالحق، الإمام المبين مولانا و سيّدنا علي بن أبي طالب أمير المؤمنين (عليه السلام)، الذي كمل بحبّه الدين، و قال بولايته أهل اليقين، و رجحت به الموازين، و بعده عترته الطاهرين، و ذريّته الأكرمين، و أبناءه المعصومين، و أوصياءه المنتجبين، و أسباطه المرضيين (عليهم السلام)، الهداة المهديين، خلفاء النبي الكريم، و أبناء الرءوف الرحيم، و امناء العلي العظيم، ورثة المرسلين، و بقية النبيين، و سادة الأوّلين و الآخرين، نواميس العصر، و أخيار الدهر، ذرية بعضها من بعض، و اللّه سميع عليم، و أشهد يا رب، و أعتقد أن قولك حق، و وعدك صدق، و أمرت بالبعث و النشور، و أن الساعة آتية لا ريب فيها، و أن اللّه يبعث من في القبور، و أن الدين عند اللّه الإسلام، جزى اللّه محمدا (صلّى اللّه عليه و آله) خير الجزاء، و حيّى اللّه محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله) بالسلام.

اللّهم فلك الحمد على ما أنطقتني به من حمدك، و علمتني من مدحك، و لك الحمد على ما ألهمتني من شكرك، و أرشدتني إليك من ذكرك، و لك الحمد على أيسر ما كلفتني من طاعتك، و أوفر ما أنعمتني من نعمتك، اللهم فلك الحمد حمدا متواليا متعاليا مترادفا مباركا طيبا، أبدا سرمدا مجردا مؤبدا، باقيا لقيامك لا أمد له، حمدا يزيد على حمد الحامدين لك، حمدا لا يندرس في الأزمان و لا ينتقص في العرفان، و لا ينقص في الميزان، حمدا يزيد و لا يبيد، و يصعد و لا ينفد، و لك الحمد يا من لا تحصى محامده و مكارمه، و منحه، و صنائعه، و عواطفه و عوارفه، و لا تعد أياديه و مواهبه السوابغ السوائغ الدوائم، الدوائب الفوائض، الفواضل، و أياديه الجليلة الجميلة الجزيلة و كرمه الكبير الكثير و فضله الوافر الوافي، وجوده الباقي الهامر، و بره الباهر و شمسه الزاهي الزاهر.

اللهمّ أنت ربّي و رب كل شي‏ء، لك أسلمت، و بك آمنت، و عليك توكلت، و إليك أنبت، و إيّاك أعبد، و لذاتك و صفاتك المنزّهة أنزّه و أوحد، و باسمك العظيم أسبح و أقدّس، و أهلل و أمجد، و لجلال وجهك الكريم أركع و أسجد، و لفضلك القديم و برّك العميم أشكر و أحمد، و إلى أبواب كرمك و جودك الفياض و نعمك أسعى و أقصد، أسألك اللهم بجلال الوحدانية،

22

و القدرة الربّانية، و المحامد الإلهية، و المدائح الرحمانية، و الأنوار المحمدية، و الأسرار العلوية، و العصمة الفاطمية، و العزّة الزكية، الهادية، المهدية، مقاماتك، و آياتك، و علاماتك، و تجلياتك، لا فرق بينها و بينك، إلّا أنّهم عبادك و خلقك، أن تصلّي على محمد و آل محمد، الذين لأجلهم ثبتت السماء، و ثبتت الأرض على الماء، و اخترتهم على العالمين، و فرضت طاعتهم على الخلائق أجمعين، و أبقيتني على إيمانك، و التصديق بمحمد عبدك، و رسولك، و الولاية بخير الوصيين عليّ أمير المؤمنين، و التمسك بالهداة من عترته الطاهرين، سفينة النجاة و سادة الوصيين، و البراءة من أعدائهم الضالين، فإنّي رضيت بذلك يا رب العالمين، اللهم و هذا صراطك الحق، و دينك الصدق، الذي تحبّه و ترضاه، و تحبّ من دانك به، و تجيب دعاه، اللّهم صلّ على محمد و آل محمد، و ثبتني على هذا الدين القيّم، و اجعله ثابتا، و حازما و ناطقا به لساني، و مؤمنا و موقنا و مصدقا له سرّي و إعلاني، و منقادا و تابعا و عاملا به جوارحي، و أركاني، و نورا و إقبالا في لحدي و أكفاني، فقد تشبثت بأذيال الكرم و الرجاء، و قرعت بأنامل التصديق و التوفيق أبواب الإيمان و الولاء، فاجعله اللهم خالصا لوجهك، يا ديّان العباد، و زادا ليوم الحشر و التناد، إنّك الكريم الجواد، و أعظم من سئل فجاد، يا أرحم الراحمين.

23

[خطبة الكتاب‏]

مشارق أنوار اليقين في حقائق أسرار أمير المؤمنين (عليه السلام) الحمد للّه المتفرّد بالأزل، و الأبد، و الصلاة على أول العدد، و خاتم الأمد، محمد و آله الذين لا يقاس بهم من الخلق أحد (1).

و بعد يقول الواثق بالفرد الصمد رجب الحافظ البرسي أعاذه اللّه من الحسد، و آمنه يوم يفرّ الوالد من الولد.

اعلم أن بعض الحاسدين، الذين ليس لهم حظ في الدين، من باب كاد الحسد أن يغلب القدر، لما بسطت لهم تجويد الكتاب المجيد، فكان مطويا عنهم أخذوا بطرفيه و أزاحوني، و لما نشرت لهم مطوي منثور الأخبار، و أبرزت إليهم بواطن الأسرار، من خدور الأفكار، حسدوني، و كذّبوني، و لاموني، و ملّوني، و ساموني، و سأموني؛ و كلّما وضعت لهم سرير التواضع، و مددت لمودتهم يمين الخاضع، جزموا بعامل الهجر بودّي و خفضوني، و أنكروني بعد أن عرفوني، و نكروني بعد أن عرفوني، و لا ذنب لي غير أني رويت زبد الأخبار، و وريت زند الأخيار، فذاع ندها، و نظم خيطها، و ذاع شذاها، فضمخ طيبا قبل منها العليل. و بل الغليل، و لما كان أكثرها من الأمر الخفي، و السرّ المخفي، الذي يضطرب لإيراده القلب السقيم اضطراب السليم، و يطرب لسماعه الفؤاد السليم، إذ لا حظّ للمزكوم و المشموم، عند ملاحظة طيب المشروب و المشموم، فهو كما قيل:

و من يك ذا فم مرّ مريض‏ * * * يجد مرّا به الماء الزلالا

فحمل بعض ما أوردت، جهلا بما أردت، قوم من القردة، إلى آخرين من الحسدة، و أداها من لا يعلم إلى من لا يفهم، و المرء عدوّ ما جهله، بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه فكانوا كما

____________

(1) كما في الروايات: راجع الاختصاص: 13، و ينابيع المودة: 1/ 301- 214، و بحار الأنوار: 26/ 12 و كنز العمال: 12/ 104 ح 34201 و قد أتينا على طرقها في كتابنا: الولاية التكوينية: 243.

24

قيل:

يعرفها من كان من جنسها * * * و سائر الناس لها منكر

أو كما قيل:

لو كنت تعلم كل ما علم الورى‏ * * * طرا لكنت صديق كل العالم‏

لكن جهلت فصرت تحسب كل من‏ * * * يهوى بغير هواك ليس بعالم‏

حتى أوصلوها بلسان البغضاء، إلى الإخوان من الفقهاء، و هم أهل المذهب المذهب، و المنهاج الذي ليس لهم منهاج، لكن لا يدرك غامض المعقول بالمنقول، فكيف بما وراء العقول، و لا يلزم من معرفة علم واحد الإحاطة بسائر العلوم، و ما منّا إلّا له مقام معلوم، و كل ميسر لما خلق له، و مبتهج بما فضله اللّه و فض له، و نعم اللّه السوابغ و السوائغ (التوابع) الشرائع الدوائم الدوائب، الفوائض الفواضل، السائرة إلى عباده، الواصلة إلى بلاده، لا تنقطع ركائبها، و لا تنقشع سحائبها، و باب الفيض مفتوح، و كل من الجواد الكريم ممنوح، و ليس وصول المواهب الربّانية، و العثور على الأسرار الإلهية، بأب و أم، بل اللّه يختص برحمته من يشاء، و إن تقطعت من الحاسد الأحشاء، و لما أوردوها لهم بلسان يحرّفون الكلم عن مواضعه، لم يلمحوا بالنظر الباطن زواهر جواهرها من أصداف أصدقائها (1)، و لم ينهوا عيون العقول عن زيغها و إصدافها، و لم يتحلوا بها فيتزيّنوا و لم يصغوا بأسماع العقول إلى استماع‏ إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا (2) بل صدقوهم في الفتنة و الريبة، و صادقوهم في استماع النميمة و الغيبة، فجعلوا الكذب الشنيع، لسهام التشنيع غرضا، فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً (3) فنسبوه- إذ لم يفهموه- إلى قول الغلاة، و لا من أسرار الهداة (4)، فكانوا كما قال أمير المؤمنين علي: لقلنا غير مأمون على الدين، بصرت فيهم بما بصرت كما قيل:

أعادي على ما يوجب الحب للفتى‏ * * * و أهدأ و الأفكار فيّ تجول‏

____________

(1) كذا بالأصل.

(2) الحجرات: 6.

(3) البقرة: 10.

(4) كذا بالأصل.

25

أو كما قيل:

حاسد يعنيه حالي‏ * * * و هو لا يجري ببالي‏

قلبه ملآن مني‏ * * * و فؤادي منه خالي‏

و غير ملومين في الإنكار لأنه صعب مستصعب، لا يحتمله إلّا نبي مرسل أو ملك مقرّب، أو مؤمن قد امتحن اللّه قلبه للإيمان‏ (1)، و إذا ردّ المنافق أسرار علي (عليه السلام) لبغضه، و ردّها الموافق بجهله بعد ما نقل أنّه صعب مستصعب فإن كان يعلمه فما هو الصعب المستصعب، و إن لم يعرفه فكيف شهد على نفسه أنّه ليس بمؤمن ممتحن، فهلّا صمت فسلم، أو قال إن علم، فمن وجد فؤاده عند الامتحان، ورود نسمات أسرار ولي الرحمن، قد اشمأز و قشعر، و مال عن التصديق و أزور، فذاك بعيد عن الإيمان، قريب من الشيطان، لأن حبّ علي (عليه السلام) هو المحك بلا شك، فمن تخالجته الشكوك فيه فليسأل أمّه عن أبيه‏ (2)، من نقص جوهره عن العيار، فليس له مطهر إلّا النار، و إنّما دعاهم إلى الإنكار الجهل و الحسد، و حب الدنيا التي حبّها رأس كل خطيئة، و الميل مع النفس و الهوى، و من يتّبع الهوى فقد هوى، لأنّ هذه النفس الإنسانية هي التي تحب أن تعبد من دون اللّه و أن لا ترى الفخر و السؤدد إلّا لها، و أن ترى الكلّ عبيدا لها، لأنّها سلسلة الشيطان التي بها يتدلّى إلى هذا الحرم الربّاني، و إليها الإشارة بقوله و أجريته مجرى الدم منّي، و لذلك قال (عليه السلام) «أعدى عدوّك نفسك التي بين جنبيك» (3) و في النقل أن اللّه تعالى لما خلق النفس ناداها من أنا؟ فقالت النفس: فمن أنا؟

فألقاها في بحر الرجوع الباطن حتى وصلت إلى الألف المبسوط و خلصت من رذائل دعوى الأنانية الأينية و رجعت إلى نشأتها، ثم ناداها: من أنا؟ فقالت: أنت الواحد القهّار (4)، و لهذا قال: «اقتلوا أنفسكم فإنّها لا تدرك مقاماتها إلّا بالقهر» (5).

____________

(1) كما في الأحاديث، راجع بحار الأنوار: 25/ 366 ح 7 و بصائر الدرجات: 26 ح 1 و ما بعده.

(2) روي أن مبغضه ابن زنا أو حيضة، راجع إرشاد القلوب: 2/ 433، و ترجمة علي من تاريخ دمشق: 2/ 224.

(3) بحار الأنوار: 70/ 36 ح 1 باب 44.

(4) مجموعة و رام: 59 باب العتاب.

(5) بحار الأنوار: 60/ 294 باب 39.

27

و قال رجل للصادق (عليه السلام): أخبرني لما ذا رفع النبي عليّا على كتفه؟ قال: ليعرف الناس مقامه و رفعته. فقال: زدني يا ابن رسول اللّه. فقال: ليعلم الناس أنّه أحق بمقام رسول اللّه. فقال:

زدني. فقال: ليعلم الناس أنّه إمام بعده و العلم المرفوع. فقال: زدني. فقال: هيهات و اللّه لو أخبرتك بكنه ذلك لقمت عنّي و أنت تقول إنّ جعفر بن محمد كاذب في قوله أو مجنون.

و كيف يطلع على الأسرار غير الأبرار. و قال علي بن الحسين (عليهما السلام):

إني لأكتم من علمي جواهره‏ * * * كيلا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا

و قد تقدم في هذا أبو حسن‏ * * * إلى الحسين و أوصى قبله الحسنا (1)

و لا غرو فقد كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول للملإ من قريش: قولوا لا إله إلّا اللّه. فيقولون، ثم يقول: اشهدوا أنّي محمّد رسول اللّه، فيشهدون، ثم يقول: صلّوا إلى هذه البنية، فيصلّون، ثم يقول: صوموا رمضان في الهواجر، فيصومون، ثم يأمرهم بإخراج الزكاة فيخرجون، ثم يقول: حجّوا و اعتمروا، فيحجّون و يعتمرون، ثم يدعوهم إلى الجهاد و ترك الحلائل و الأولاد، فيجيبون. ثم يقول: إنّ عليا وليّكم بعدي، فيعرضون، و لا يسمعون، فيناديهم بلسان التوبيخ و هم لا يسمعون: قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ‏ (2)، ثم يتلو عليهم مناديا و هم لا يشعرون: يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَ أَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ‏ (3).

و يؤيّد هذه القواعد: ما رواه الحسن بن محبوب عن جابر بن عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال لعلي (عليه السلام): يا علي أنت الذي احتجّ اللّه بك على الخلائق حين أقامهم أشباحا في ابتدائهم و قال لهم: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا: بَلى‏. فقال: و محمّد نبيّكم، قالوا: بلى.

قال: و علي إمامكم. قال: فأبى الخلائق جميعا عن ولايتك و الإقرار بفضلك و عتوا عنها استكبارا إلّا قليلا منهم و هم أصحاب اليمين و هم أقل القليل، و إن في السماء الرابعة ملكا يقول في تسبيحه: سبحان من دلّ هذا الخلق القليل من هذا العالم الكثير، على هذا الفضل‏

____________

(1) غرر البهاء الضوي: 318، و جامع الأسرار: 35 و الأصول الأصيلة: 167 و فيه زيادة:

يا ربّ جوهر علم لو أبوح به‏ * * * لقيل لي: أنت ممن يعبد الوثنا

و لاستحلّ رجال مسلمون دمي‏ * * * يرون أقبح ما يأتونه حسنا

(2) ص: 68.

(3) النحل: 83.

28

الجزيل‏ (1).

و يؤيّد ذلك: ما ورد في كتاب الوحدة عن ابن عبّاس أنّه قال: مبغض علي من يخرج من قبره و في عنقه طوق من نار، و على رأسه شياطين يلعنونه، حتى يرد الموقف‏ (2).

و عنه مرفوعا إليه من كتاب بصائر الدرجات عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: يا علي و الذي بعثني نبيّا بالحق، و اصطفاني على سائر الخلق، إنك لو صببت الدنيا على المنافق ما أحبّك، و لو ضربت خيشوم المؤمن ما أبغضك، فلا يحبّك إلّا مؤمن، و لا يبغضك إلّا كافر منافق‏ (3).

و عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: المخالف لعلي بعدي كافر و مشرك و غادر، و المحبّ له مؤمن صادق، و المبغض له منافق، و المحارب له مارق، و الراد عليه زاهق، و المقتفي لأثره لا حق‏ (4):

بحبّ علي تزول الشكوك‏ * * * و يعلو الولاء و يزكو النجار

فإما رأيت محبّا له‏ * * * فثم العلاء و ثم الفخار

و إما رأيت عدوا له‏ * * * ففي أصله نسب مستعار

فلا تعذلوه على بغضه‏ * * * فحيطان دار أبيه قصار

فوجب عليّ تنزيها للدين عن ظن الملحدين، و شك الجاحدين، و اعتذارا إلى المؤمنين، بحكم من صنف، فقد استهدف، أن أورد في هذه الرسالة لمعة من خفي الأسرار، و مكنون الآثار، و بواطن الأخيار، و أميط عن محياها سدف الخفاء، ليبدو للطالب شهاب الاقتداء، في سماء الليلة الليلاء.

فإذا اتضحت بذلك خفايا الأسرار، و فضحت عن دررها أصداف الآثار، و بان بيان البيان، لمن ينظر فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ، وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ (5).

____________

(1) بحار الأنوار: 26/ 311 ح 77 و 25/ 25 ح 45.

(2) بحار الأنوار: 27/ 226 ح 21.

(3) بحار الأنوار: 39/ 280 ح 62.

(4) بحار الأنوار: 27/ 226 ح 22.

(5) الكهف: 29.

26

فصل [قصور الفهم عن إدراك مرتبة أمير المؤمنين (عليه السلام)‏]

و كيف أنكروه، و ما عرفوه، و بمجرّد السمع له ردّوه، و هو لعمري غرّة فخر الأنوار، و درّة بحر الأسرار و زبدة مخض الأسرار و معرفة أسرار الجبّار، لأنه النهج الأسلم، و الاسم الأعظم، و الترياق الأكبر، و الكبريت الأحمر، و لكن ذا المذاق الوثي، و الصدر الشجي، لا يفرق بين الحنظل و السكر.

و لمّا كانت الموهبة من الكلم‏ (1) المخزون أنكرتها العقول لقصورها عن ارتقاء عالي قصورها، و صعقت عند سماع نفخة صورها، فالغالي و القالي هلكا في بحر الإفراط و التفريط، و التالي و الموالي وقفا عند ظاهر التشكيك و التخليط. فالقالي حجبه عن نورهم العالي ظلمة الكبر و الحسد، و الغالي تاه في تيه أسرارهم فضلّ عن سبيل الرشد، و التالي قاسهم بالبشر فوقف عن أسرارهم و قعد، و العارف نظر إلى ما فضلوا به من المواهب الإلهية فعرف أنّهم سرّ الواحد الأحد، و أن ظاهرهم باطن الخلائق، و باطنهم عين الحقائق، و غيب الإله الخالق، فعلم من قوله تعالى: وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ (2)، فهم مفاتح غيب اللّه التي لا يعلم فضلها و سرّها إلّا اللّه، و إن رفيع شرفهم لا تنال أيدي العقول علاه، و خفي سرّهم لا تدرك الأفهام و الأوهام معناه، و لهذا قيل في الحكمة: لا تحدّث الناس بما يسبق إلى العقول إنكاره، و إن كان عندك اعتذاره، فليس كل من أسمعته نكرا يوسعك منه عذرا، و ليس كل ما يعلم يقال، و لا كل ما يقال تجد له رجال. و قال ابن عبّاس للنبي (صلّى اللّه عليه و آله): يا رسول اللّه أ أحدث بكل ما أسمع؟ فقال: نعم إلّا أن يكون حديثا لا تبلغه العقول، فيجد السامع منه ضلالة و فتنة.

____________

(1) الصعب المستصعب (خ. ل).

(2) الأنعام: 59.

31

نقط: الواحدة و الواحدة و الواحدة، و بحثها يأتي فيما بعد. و باطنه الأوّل (3) و هي: العقل، و الروح، و النفس. و باطنه الثاني (11) و هو عدد بسائط الاسم الأعظم فإذا أخذ منه (12) و هي موضوع الأسماء و الأعداد بقي (99) و هي عدد الأسماء الحسنى، و باطنه الثاني (71) و هو عدد اللام الفائض عنه، و هذا العدد مادّة الاسم الأعظم و حرف من ظاهر الاسم الأعظم، و باطنه الثالث (42) و هو فيض اللام، و هو الميم، و عدده (45) و عددان في الألف و اللام، و هذا العدد ظاهر الاسم الأعظم و باطنه، الرابع إن ضرب مفرداته في نفسها (9) و الفتق الفائض عنه في فتق الحروف أيضا (9) و هي ألف ل ف ألف م م ى م، و العرش، و اللوح، و القلم، مفرداتها أيضا (9) و هي ع ر ش ل و ح ق ل م، و العقل، و النفس، و الروح، أيضا كذلك ع ق ل ن ف س روح، فألف هي الكلمة التي تجلّى فيها الجبّار بخفي الأسرار.

فمن عرف ظاهره و باطنه، أدرك خفي الأسرار، و مكنون الأنوار، لأنّه حرف يستمد من قيومية الحق و الكل يستمد منه.

فصل‏

و أما الألف المبسوط و هو الباء فهي أوّل وحي نزل على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أوّل صحيفة آدم و نوح و إبراهيم و سرّها، من انبساط الألف فيها سرّ القيامة بقيام طرفه، و هو سرّ الاختراع و الأنوار، و الأسرار الحقيقية مرتبطة بنقطة الباء، و إليها الإشارة بقول أمير المؤمنين (علي):

«أنا النقطة التي تحت الباء المبسوطة» (1)، يشير إلى الألف القائم المنبسط في ذاتها، المحتجب فيها، و لذلك قال محي الدين الطائي: الباء حجاب الربوبية، و لو ارتفعت الباء لشهد الناس ربّهم تعالى‏ (2).

____________

(1) شرح دعاء السحر: 64 و جامع الأسرار: 563- 411 ح 1163- 823 و الأنوار النعمانية: 1/ 47.

(2) قال بعض العارفين: ما رأيت شيئا إلّا و رأيت الباء عليه مكتوبة. جامع الأسرار: 701، و قيل: بالباء ظهر الوجود و بالنقطة تميز العابد عن المعبود. جامع الأسرار: 563 ح 1163 و نسبه لابن عربي، و شرح دعاء السحر: 64.

29

فصل [أسرار علم الحروف‏]

و لمّا كان سرّ اللّه مودعا في خزانة علم الحروف و هو علم مخزون، في كتاب مكنون، لا يمسّه إلّا المطهرون، و لا يناله إلّا المقرّبون، لأنّه منبع أسرار الجلال، و مجمع أسماء الكمال، افتتح اللّه به السور، و أودعه سرّ القضاء و القدر، و ذلك بأن اللّه تعالى لما أراد إخراج الوجود من عالم العدم إلى عالم الكون، أراد العلويات و السفليات باختلاف أطوار تعاقب الأدوار و أبرزها من مكامن التقدير، إلى قضاء التصوير، عبأ فيها أسرار الحروف التي هي معيار الأقرار، و مصدار الآثار؛ لأن الباري تعالى بالكلمة تجلّى لخلقه و بها احتجب ثم أوجد طينة آدم في العمل الذي هو عبارة عن الاختراع الأوّل، من غير مثال، و لا تعديل تمثال.

ثم ركز في جبلة العماء (1) نسبة من تلك الحروف و رتّبها حتى استشرق منها في عالم الإيجاد، بلطائف العقل لإشراق الظهور، ثم نقله بعد ذاك في أطوار الهباء الذي هو عبارة عن الاختراع الثاني، و رتّب فيه رتبة من الحروف التي ركزها في جبلة العماء حتى استشرقها في عالم الإيجاد بلطائف روحه في الاختراع الثاني، ثم نقله بأطوار الذر الذي هو عبارة عن الإبداع الثاني، و أوجد فيه نسبة من الحروف التي وضعها في جبلتها الفطرية، حتى استشرق بها في عالم الإيجاد بلطائف القلب في الإبداع الثاني، فالحروف معانيها في العقل، و لطائفها في الروح، و صورها في النفس، و انتقاشها في القلب، و قوّتها الناطقة في اللسان، و سرّها المشكل في الأسماع. و لما كان المخاطب الأوّل هو المخترع الأوّل، و هو العقل النوراني، كان خطاب الحق بما فيه من معاني الحروف، و مجموع هذه الحروف في سرّ العقل كان ألفا واحدا لأنّه بالقوّة الحقيقية مجموع الحروف، و هو الذي سمع أسرار العلوم بحقيقة هذه الحروف قبل سائر الأشياء، و العقل هو صاحب الرمز و الإشارة، و الحقيقة و الإيماء،

____________

(1) في الأصل: العملى و المثبت عن: خ. ل.

30

و الإدراك. و الحروف في لطيفة الروح شكل الضلعين من أضلاع المثلث المتساوي الأضلاع، ضلع قائم، و آخر مبسوط على هذه الصورة، و القائم ضلع الألف، و المبسوط ضلع الباء، و إنّما قلنا بأن الحروف في لطيفة الروح شكل ضلعين، لأنّ فيض الأنوار البسيطة التي في العقل بالفعل هي في الروح بالقوة فاتفقا في وجود الأسرار، و تباينا في اختلاف الأطوار، و من حيث إن الروح تستمد من العقل، و النفس تستمد من الروح، و جميع الأنوار العلوية تستمد من نور العرش، كذلك سائر الحروف تستمد من نور الألف، و رجوع السفلي و العلوي منها إليها، و كل حرف من الحروف قائم بسرّ الألف و الألف سرّ الكلمة، و ملائكة النور الحاملون للعرش من ذوات هذه الحروف، و الأوّل منها المتعلّق بالعقل اسمه الألف و الموحدون لحضرة الجلال أربعة: العقل، و الروح، و النفس، و القلب هو الموحد الرابع، و توحيده بسر الحروف التي أوجدها الحق في جبلته، لأنّ القلب لوح النقوش الربّانية، بل هو اللوح المحفوظ بعينه. و من هاهنا اختلفت الحروف باختلاف أوضاعها و نسبتها إلى أحوال آدم؛ فالدال يوم خلقه، و خط الجيم يوم تسويته، و خط الباء يوم نفخ الروح فيه، و خط الألف يوم السجود؛ فكان تركيب البنية الإنسانية بالحكمة الإلهية من شكل تربيعي، و تربيع طبيعي، و من عالمي الاختراع و الإبداع، فعلم أن العالم العلوي و السفلي بأجمعه داخلان تحت فلك الألف الذي هو عبارة عن الاختراع الأوّل، و العرش العظيم، و العقل النوراني، و الجبروت الأعلى، و سرّ الحقيقة و حضرة القدس و سدرة المنتهى، و ساير الحروف إجمالا و تفصيلا انبعثت عنه، و جميعها باختلاف أطوارها و تباين آثارها تستمد منه؛ و ترجع إلى الرب سبحانه.

خلق الخلق بسرّ هذه الحروف، و عالم الأمر كن فيكون، و كلامه سبحانه في حضرة قدسه إنّما سمع بهذه الحروف، و هي قائمة بذات الحق سبحانه، و أسماؤه المخزونة المكنونة مندرجة تحت سجل هذه الحروف، و الألف منها أوّل المخترعات، و منها سائر مراتب العالم، و جميع الحروف محتاجة إليه و هو غني عنها لأن سائر الأعداد لا تستغني عنه، و هو لا يحتاج إليها. و من عرف ظاهر الألف و باطنه، وصل إلى درجة الصدّيقين، و مرتبة المقرّبين، لأن له ظاهرا و بطونا، فظاهره (3): العرش، و اللوح، و القلم. و هو مركّب من (3)

32

فصل‏

و حرف القاف باطن القلم و سرّ الأمر. و المراد بسرّ الأمر، القدر. و القلم ببسائطه (3) أحرف و هو الكائن لأسرار القدر، و هو سر الاسم الأعظم، و القلم حرفه الأوّل القاف المحيط بالعالم ظاهرا، و بالعلم باطنا و عدده (181). فإذا أخذ منه عدد الاسم الأعظم، و هو (111) بقي (70) و هي مادة الاسم الأعظم، و حرف من حروفه، كما أن السين حرف من حروف ظاهر الاسم الأعظم، و من علم باطن السين علم الاسم الأعظم، و حرفه الثاني: ل، و الثالث:

م، و من هذه الحروف تتركّب العوالم بأسرها، و سائر الموجودات بأجمعها داخلة تحت (299) اسما، و الأسماء داخلة تحت الاسم الأعظم، و الاسم الأعظم هو المائة و القاف بحسابه العددي مائة.

فصل‏

و حرف: ط طيار في جميع العالم، و سرّه في المبادئ الأوليات، و تعححت‏ (1) نشأة الاختراعيات و سرّها في العلويات و السفليات، و لها أسرار في ظهورها، فظهرت في آخر اسم لوط، فكان من سرّها تدمير قومه، كما ظهرت الهاء في أوّل اسم هود، فكان من سرّها خسف الأرض بقومه و تدميرها، و ظهرتا معا في اسم محمد (صلّى اللّه عليه و آله) في قوله تعالى: طه‏ و هو محمّد بلغة طي.

فصل‏

و حرف الجيم (ج) حرف ملكوتي يتلقّى عن الباء، يشترك فيه جميع العوالم الملكوتية و هو حرف أظهره اللّه في أوّل أسماء الجلال، و العرش قائم بجلال الجيم، و القلم يستمد منه الكرسي أيضا في صفة الجمال قائم به، و هو المثلث الذي انبسط فيه سرّ الألف و الباء، و ظهر

____________

(1) كذا.

33

في أطوار الغضب، و مركز اللطف، فتجلّى في الجبّار و الجواد، فله الجبروت و الجود.

فصل‏

و حرف: ك حرف ظهر في آخر اسم الملك، و له العزيز و هو باطن العلم و باطن الأمر و باطن العرش و الكرسي، و باطن الصور السمائية و الأرضية.

فصل‏

و حرف: ع هو أوّل أسرار العرش، و العقل، و هو حامل أسرار العالم، لأن العرش حامل الكرسي، و القلم و اللوح و الأفلاك و الأرضين، و العقل حامل الروح، و الروح حامل النفس، و النفس حامل القلب، و القلب حامل الجسم، و القدرة حاملة للكل.

فصل‏

و حرف: ث حرف ظهر في الوارث و الباعث، و ظهوره في الوارث إشارة إلى فناء الموجودات، و في الباعث إشارة إلى القدرة على بعثهم بعد الممات، و جمعهم بعد الشتات.

فصل‏

و حرف الزاي حرف شريف، ظهر في العزيز، فالعزة للّه جميعا، و منه وصول العز إلى سائر العالم بالترتيب، فبعض العالم يستمد لعزّه من بعض فكره، التراب يستمد من الماء، و الماء من الهواء، و الهواء من النار، و النار من الفلك، و هكذا ترتيب العزّة في الأكوان، و إليه الإشارة بقوله تعالى: وَ تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَ تُذِلُّ مَنْ تَشاءُ (1).

____________

(1) آل عمران: 26.

35

فصل‏

و سر اللّه مودع في كتبه، و سر الكتب في القرآن، لأنّه الجامع المانع، و فيه تبيان كل شي‏ء، و سر القرآن في الحروف المقطعة في أوائل السور، و علم الحروف في لام ألف، و هو الألف المعطوف المحتوي على سرّ الظاهر و الباطن، و علم اللام ألف في الألف، و علم الألف في النقطة، و علم النقطة في المعرفة الأصلية، و سرّ القرآن في الفاتحة، و سر الفاتحة في مفتاحها، و هي بسم اللّه، و سر البسملة في الباء، و سر الباء في النقطة.

فصل‏

و الفاتحة هي سورة الحمد، و أمّ الكتاب، و قد شرّفها اللّه تعالى في الذكر فأفردها، و أضاف القرآن إليها فقال عزّ اسمه: وَ لَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ‏ (1). فذكرها إجمالا و إفرادا و ذلك لشرفها، و هذا مثل قوله: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى‏ (2) أدخلها إجمالا، و أفردها إجلالا، و الصلاة الوسطى هي صلاة المغرب ظاهرا، و في وقت أدائها تفتح أبواب السماء، و يجب التعجيل بها لقوله (صلّى اللّه عليه و آله): «عجلوا بالمغرب».

و أما في الباطن و الرمز، فهي فاطمة الزهراء (عليها السلام)، لأن الصلوات الخمس بالحقيقة هم: السادة الخمسة الذين إذا لم يعرفوا و لم يذكروا، فلا صلاة؛ فالظهر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و من ثم بدا النور أوّل ما خلق اللّه نوره‏ (3) أوّل ما خلق اللّه اللوح‏ (4)، أوّل ما خلق اللّه القلم‏ (5)، فالعقل نور محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)(6)، و اللوح و القلم علي و فاطمة، و إليه الإشارة بقوله تعالى: ن وَ الْقَلَمِ وَ ما

____________

(1) الحجر: 87.

(2) البقرة: 238.

(3) كما يأتي.

(4) نظم المتناثر: 185.

(5) تاريخ ابن كثير: 1/ 39.

(6) العقل الأوّل نور خاتم النبوّة. راجع نبراس الضياء: 102.

34

فصل‏

و حرف الواو، حرف من حروف العرش، سيار في أجزاء العالم، متعلّق بطرفي الخلق، و الأمر كن فيكون.

فصل‏

و لما كان هذا العلم الشريف، إشارات و رموزا، أوردت منه هاهنا ما فيه إشارة و تنبيه.

فصل‏

و أما علم النقط و الدوائر، فهو من أجلّ العلوم، و غوامض الأسرار، لأن منتهى الكلام إلى الحروف، و منتهى الحروف إلى الألف، و منتهى الألف إلى النقطة، و النقطة عندهم عبارة عن نزول الوجود المطلق الظاهر بالباطن، و من الابتداء بالانتهاء، يعني ظهور الهوية التي هي مبدأ الوجود التي لا عبارة لها و لا إشارة.

فصل‏

و لمّا كان الألف، قائما بسر العقل، و العقل قائم به، و تمام الحروف في سر الألف، لكن بينهما تباين في الرتبة، فألف العقل قائم، و ألف الروح مبسوط، و هذا العلم الشريف لو كشف للناس منه سرّ ما بين الألف و اللام و الميم التي هي جوامع الأمر الحكيم، لاضطرب كل سليم، و جهل كل عليم، كما ورد عن ابن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال: يا محمد إنّ في سورة الأحزاب آيا محكما، لو قدرنا أن ننطق به، لنطقنا، و لكفر الناس إذا و جحدوا و ضلّوا، و لكن كما قيل:

و مستخبر عن سر ليلى أجبته‏ * * * بعمياء عن ليلى بغير يقين‏

يقولون خبرنا فأنت أمينها * * * و ما أنا إن خبرتهم بأمين‏

36

يَسْطُرُونَ‏ (1) و فريضة العصر أمير المؤمنين (عليه السلام)، و المغرب الزهراء، أمرهم اللّه تعالى بالمحافظة على حبّها و حبّ عترتها، فصغروا قدرها، و حقروا عظيم أمرها، لما غربت عنها شمس النبوّة، و حبّها الفرض، و تمام الفرض، و قبول الفرض، لأن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) حصر رضاه في رضاها فقال: «و اللّه يا فاطمة لا يرضى اللّه حتى ترضي، و لا أرضى حتّى ترضي» (2).

و معنى هذا الرمز أن فاطمة (عليها السلام) ينبوع الأسرار و شمس العصمة، و مقرّ الحكمة، لأنّها بضعة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و حبيبة الولي، و معدن السرّ الإلهي، فمن غضبت عليه أمّ الأبرار، فقد غضب عليه نبيّه و وليّه، و من غضب عليه النبي و الولي، فهو الشقي كل الشقي.

و صلاة العشاء الحسن (عليه السلام) حيث احتجب عنه نور النبي و الولي، و الصبح الحسين (عليه السلام) لأنه بذل نفسه في مرضاة اللّه تعالى، حتى أخرج نور الحق في دجنة الباطل، و لولاه لعمّ الظلام إلى يوم القيامة.

فصل‏

و مثل هذا الباب من الحديث القدسي بقول اللّه سبحانه «ولاية علي حصني، فمن دخل حصني، أمن عذابي» (3). فحصر الأمان من العذاب في ولاية علي، لأنّ الإقرار بالولاية يستلزم الإقرار بالنبوّة، و الإقرار بالنبوّة، يستلزم الإقرار بالتوحيد، فالموالي هو القائل بالعدل، و القائل بالإمامة، و العدل مع التوحيد هو المؤمن، و المؤمن من آمن. فالموالي لعلي هو المؤمن الآمن، و إلّا فهو المنافق الراهق من غير عكس.

و مثال هذا من قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «أنا مدينة العلم و علي بابها» (4)، و المدينة لا تؤتى إلّا بالباب، فحصر أخذ العلم بعده في علي و عترته، فعلم أن كل من أخذ علمه بعد النبي (صلّى اللّه عليه و آله) من غير علي و عترته (عليهم السلام) فهو بدعة و ضلال، و في هذا الحديث إشارة لطيفة، و ذلك أن كل‏

____________

(1) القلم: 1.

(2) الصراط المستقيم: 2/ 93.

(3) شواهد التنزيل: 1/ 170.

(4) ينابيع المودّة: 1/ 75- 81 و اسد الغابة: 4/ 24.

37

وحي يأتي إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) من حضرة الربّ العلي فإنّه لا يصل به إلّا الملك حتى يمرّ به على الباب، و يدخل به من الباب، و إليه الإشارة بقوله (صلّى اللّه عليه و آله): يا علي إن اللّه أطلعني على ما شاء من غيبه و حيا و تنزيلا و أطلعك عليه إلهاما (1)، و هذا إشارة إلى ما خصّ به نبيّه ليلة المعراج خطابا، فإن ذلك خصّ به وليّه إلهاما.

و أما قوله: إنّك ترى ما أرى، و تسمع ما أسمع‏ (2)، فإنّه إشارة إلى نزول الملائكة إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بالتحف الإلهية، فانّ اللّه خص وليّه بأن يسمع بعضها و يراه، و أمر نبيّه بإيصال باقيه إليه لأنّه الخازن لأسرار النبوّة، الولي في علو مقامه، تلميذ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و وزيره لأنّ سائر البحار داخلة تحت البحر المحيط.

____________

(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 13/ 197.

(2) بحار الأنوار: 37/ 270 ح 40.

39

سورة الحمد و هي هذه: ا ل ر ح ي م‏ (1) ن ك س ه ص ق ط و أعدادها (699) و من هذه الحروف النورانية تستخرج أسماء اللّه الحسنى، و اسم اللّه الأعظم؛ و علم الأدوار و الأسرار، صريحا و ظاهرا و باطنا جملة و أفرادا، لأن اسم اللّه الأعظم قد يكون في حرف واحد، و قد يكون في عدد واحد، و قد يكون في حروف و في أعداد و كلمات حسب الإرادة الإلهية و الحكمة الربّانية، و هو في الحروف على هذا المثال:

ا ل ر ع ح ي م ن ك س ه ص ق ط

1 3 2 7 8 10 4 5 2 6 5 9 1 9

و هذه «110» و هذا رمز آخر من السر المكتوم قد أبرزته مكشوفا، و معرفته مدفونة على من كان له حظ من علم الحروف و أعدادها الظاهرة و الباطنة هي هذه:

ا ل ر ع ح ي م ن ك س ه ص ق ط

1 3 2 7 8 10 4 5 2 6 5 9 1 9

فهذه «99» بعدد الأسماء الحسنى، و هذا الوجه الثالث من هذا السرّ و هو:

ا ل م ر ك ه ي ع ص ط س ن ح ق‏

1 3 4 2 2 5 10 7 9 9 6 5 8 1

و هذه «112» و هذا وجه آخر: ا ل ر ع ح ي م ن ك س ه ص ق ط «72» فإذا أخذنا من هذه الحروف صريح الاسم الأعظم، و هي «3» حروف و «3» أعداد بقي منها «11» حرفا و هي العدد الخفي، و السرّ المخفي، ا ر ح م ن ك س ه ص ق ط و هذه «11» عددا و هي مادة الاسم الأعظم.

فصل [حروف الاسم الأعظم‏]

و حروف الاسم الأعظم الأكبر مع المكرّر (72) و هي هذه: ا ل م ا ل ن ه ا ل ر ا ل م ا ل ر ح م ا ل ر ح م ا ل ك ا ل م ك ه ر ع ا ع س ق ا ى ا ك ا ل ه ا ل م م ص ط س ط ه ع ل ى ا ل ن م و ا

____________

(1) في رسالة الماجد لجابر بن حيان «بول كراوس» الميم حرف ظلماني.

38

فصل [باطن فاتحة الصلاة]

و سورة الحمد فيها اسم اللّه الأعظم عن يقين، و عدد آياتها «7» و هي العدد الكامل، و من العدد الكامل يظهر جذر العشرة، و هو ضرب السنة في أيام الأسبوع و مبلغه (2520) و هو عدد له نصف، و ثلث، و ربع، و خمس، و سدس، و سبع، و ثمن، و تسع، و عشر. و عدد كلمات أمّ الكتاب مع البسملة (29) كلمة، و عدد السور المتوّجة بالحروف المقطعة (29) سورة، و عدد أيام الشهر (29) يوما فإذا أخذ منها الألف، كانت «28» بعدد منازل القمر و إذا قسّمت كان منها للأفلاك «9» و للبروج «12» و للعناصر «4» و للمواليد «3» فهذه ثمانية و عشرون بعدد حروف المعجم، و عدد حروف الفاتحة «324» و أعداد حروفها «9361» و ساير أعدادها تنقسم إلى الفردانية، و تشير إليها و تنقسم بأعداد الاسم الأعظم قسمين ظاهر و باطن، فالظاهر «86» مرّة، و الباطن «993» مرّة تأويلا، و عدد بساط حروفها (942) و أعداد بسائط حروفها (18) ألفا، و الفردانية تدور معها حيث دارت.

فصل [حروف المعجم‏]

و حروف المعجم (28) حرفا كما مرّ، و عددها بالهجاء يعني بسائطها (12) حرفا و عدد الحروف المقطعة [في‏] سور القرآن (12) حرفا، و تحت هجاء بسائط الحروف اسم العزيز الفتاح «19» مرة و في بسائطها الاسم الأعظم (66) مرة، و الاسمان معا «2» مرتين، و إذا أخذ المكرور الدني من هذه الحروف في «14» حرفا و هي الحروف النورانية و هي مقطعة في‏

40

ل ر ص ه

و أعداد هذه الحروف (264) و هذه الحروف الاسم الأعظم و أعدادها، فإذا أراد النبي أو الإمام ألفها و دعا بها.

فصل‏

و هذا العدد من أعداد الاسم الأعظم (124) و مضاعفتها (1331) و هذه تكتب لكل ألم فيشفى، أو تعلّق أو تسقى و تعلّق، فهي شفاء من كل داء، و إن أراد كتب موضعها حروفا من العنصر الحار المطلق «ه ط»، و من البارد اليابس المطلق «ي»، و من الحار الرطب «ك»، و من البارد الرطب «ل»، على هذا المثال «11، 7، 111» و الباقي على هذا المثال.

فصل [خواص الفاتحة]

و من خواص الفاتحة أنه من قرأها مع صوم و قطع حيوان «7» أيام في كل يوم (1511) مرّة و صلّى على محمد و آله هذا العدد لا يطلب شيئا إلّا وجد فيها، قد تجاسرت و أوردت في هذه الرسالة لمعة من حقائق الأسرار، تسر المؤمن التقي، و تضرّ المنافق الشقي، (و سمّيتها مشارق أنوار اليقين) في حقايق أسرار أمير المؤمنين، فجاءت كالسيف المنتضى، في كشف أسرار علي المرتضى، و اللّه ولي الإنعام و الإحسان و الرضى، و رتبتها على فصول فأقول: إن أعلى مطالب الكمال، و أعلى مراتب الجلال للإنسان، العلم الذي ينال به الحياة الأبدية و السعادة السرمدية، و أجلّ العلوم ما يبحث فيها عن أجلّ المعلومات، و أجلّ العلوم ما يبحث فيه عن حقيقة الوجود و الموجود.

42

و الطرفين، فقد تمسّك بعروة الحقيقة.

فصل‏

و العالم أعراض و أجسام، و الأجسام مركّبة من الخط و السطح خطا ثم سطحا ثم جسما، و مدار الكل على النقطة، و مرجعه إليها، و الكلام أيضا على الحروف، و الحروف على الألف، و الألف على النقطة، و كذلك بني آدم فإنّ كثرتهم منحصرة في وحدة آدم، دليله قوله تعالى:

خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ (1)؛ أي من صورة واحدة، و مادة واحدة، و ذلك تنبيها للغافلين، و إيجازا للعارفين، و كثرة آدم راجعة في بستان الوحدة إلى النقطة، و كذلك الأعداد فإنّ مرجعها إلى الواحد، و منبعها منه.

فصل [معنى الواحد و الألف‏]

و اعلم أنّ سرّ العدد في النفوس مطابق لصور الموجودات، و هو عنصر الحكمة، و مبدأ المعارف و الإكسير الأوّل، و الكيمياء الأكبر و العهد المأخوذ، و أوّل الابتداع، ابتدعه الربّ و جعله أصلا لخلقه، و قبلة لعباده و وجهه، و أطلعه من سرّه المكنون، و علمه المخزون، على ما كان و ما يكون، و هو واحد العدد، خلقه من نور جلاله، و هو الإبداع المحض، و الأحد الذي ليس قبله شي‏ء من العدد، و هو أول موجود، و الواحد المبدع و الأحد، بإثبات الألف هو المبدع لأن الألف يتقدّم الحروف ففي الأحد هي الأحدية، و في الواحد هي الوحدانية، و الأحد لا حدّ له و لا يوصف بإشارة أبنية فهو الأحد المطلق و الواحد الحق؛ هو الذي تنبعث منه الآحاد و هو ينبوع الأزواج و الأفراد، فعلم العدد أوّل فيض العقل على النفس، و لذلك صار مركوزا في قوّة النفس، أول فيض العقل على النفس و العدد لسان ينطق بالتوحيد لأنّ لفظ الواحد متقدّم على الاثنين فالسبق للواحد، و في تقدّم أحد الاثنين على الآخر تأخّر

____________

(1) الزمر: 6.

41

فصل [الوجود المطلق و المقيّد]

الوجود قسمان: خاص، و عام، و جنس الوجود معول عليه، و فصل الإمكان و الوجوب فارق بينهما و مميّز لهما فالوجود المطلق وجود الحق سبحانه الذي وجوده عين ذاته، و نفس حقيقته، فهو لم يزل، و لا يزال، أحدا أبدا. و وجود ما عداه منه و به و عنه، فهو الوجود المقيّد، و ذات الحق سبحانه غير معلومة للبشر، و إلّا لأحاط الممكن بالواجب، و هو محال، و أين التراب و ربّ الأرباب، فلم يبق إلّا معرفة الوجود المقيّد، و حقيقته هي النقطة التي تبيناها و إليها معرفة العارفين، و سلوك السالكين، و هو عين اليقين، و حق اليقين، و لها اعتبارات: فهي النقطة، و هي الفيض الأوّل، و هي العقل، و هي النور الأوّل، و هي علّة الموجودات، و حقيقة الكائنات، و مصدر الحادثات، دليل ذلك من القدسيات، قوله: «كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف، فخلقت الخلق لأعرف» (1).

فيا عجبا ممّن كان خفاؤه و لا شي‏ء معه. فقوله: كنت كنزا مخفيا، أي في سواتر الغيوب؛ إذ ليس هناك خلق يعرفه، و ذاك إشارة إلى وحدة الذات، كان اللّه و لا معه شي‏ء.

و قوله: «فأحببت أن أعرف» إشارة إلى ظهور الصفات. قوله: «فخلقت الخلق لأعرف» إشارة إلى ظهور الأفعال، و انتشار الموجودات، التي كانتا رتقا في صحراء ففتقناهما.

قوله: «و هو الآن على ما كان» إشارة إلى أنّه أحد أبد، لم يتكثّر بخلقه، لأنّه هو هو، فكما تجلّت ذاته المقدّسة في صفة من صفات الألوهية مدحت بها، و للأفعال وجود بين عدمين، و الوجود بين العدمين في حيّز العدم إن كان من وجود فليس إلّا اللّه وحده، و لذلك قال الحلاج: من لا حظ الأزلية و الأبدية، و غمض عينيه عمّا بينهما، فقد أثبت التوحيد، و من غمض عينه عن الأزلية و الأبدية و لا حظ بينهما، فقد أتى بالعبادة، و من أعرض عن البين‏

____________

(1) بحار الأنوار: 87/ 199 ح 6.

44

النور الأوّل، الاسم البديع الفتاح، قوله الحق: «أوّل ما خلق اللّه نوري» (1)، و قوله: «أنا من اللّه و الكلّ منّي». و قوله ممّا رواه أحمد بن حنبل: «كنت و علي نورا بين يدي الرحمن قبل أن يخلق عرشه بأربع عشرة سنة» (2).

فمحمد و علي حجاب الحضرة الإلهية و نوابها و خزّان أسرار الربوبية و بابها.

أمّا الحجاب فلأنّهم اسم اللّه الأعظم و الكلمة التي تجلّى فيها الرب لسائر العالم لأن بالكلمة تجلّى الصانع للعقول، و بها احتجب عن العيون، سبحان من تجلّى لخلقه بخلقه حتى عرفوه، و دلّ بأفعاله على صفاته حتى وحّدوه، و دلّ بصفاته على ذاته حتى عبدوه.

و أما الولاية، فلأنّهم لسان اللّه في خلقه، نطقت فيهم كلمته، و ظهرت عنهم مشيئته، فهم خاصّة اللّه و خالصته.

و أما الباب، فلأنّهم أبواب المدينة الإلهية التي أودعها مبدعها نقوش الخلائق، و أسرار الحقائق، فهم كعبة الجلال التي تطوف بها المخلوقات، و نقطة الكمال التي ينتهي إليها الموجودات، و البيت المحرم الذي تتوجّه إليه سائر البريات لأنّهم أوّل بيت وضع للناس فهم الباب، و الحجاب، و النوّاب، و أمّ الكتاب، و فصل الخطاب، و إليهم يوم المآب، و يوم الحساب، فهم لا هوت الحجاب، و نوّاب الجبروت، و أبواب الملكوت، و وجه الحي الذي لا يموت.

فصل‏

و إن قلت: معنى قوله: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏ (3) يعني منوّر السّماوات و الأرض، و هادي أهل السّماوات و الأرض،

قلت: نعم هم الهداة و الدعاة إلى اللّه عز و جل، و النور المشرق من حضرة الأزل و لم يزل،

____________

(1) نظم المتناثر: 185 ح 194، و أخبار الدول: 4، و بحار الأنوار: 15/ 24، و ينابيع المودة: 1/ 10.

(2) رواه الإمام أحمد في فضائل الصحابة: 2/ 663 ح 1130 و فيه: قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام.

(3) النور: 35.

45

و الاسم الفتاح الذي أخرج بنوره الوجود من العدم، فبهم بدا و بهم هدى، و بهم ختم، و هم المعاذ في المعاد للعباد عند زلّة القدم، فهم مصابيح الظّلم، و مفاتيح النّعم.

فصل‏

فإذا استقرينا الموجودات، فإنّها تنتهي إلى النقطة الواحدة التي هي صفة الذات و علّة الموجودات، و لها في التسمية عبارات، فهي العقل من قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «أوّل ما خلق اللّه العقل» (1)، و هي الحضرة المحمّدية من قوله: «أوّل ما خلق اللّه نوري» (2). و من حيث إنّها أوّل الموجودات صادرة عن اللّه تعالى بغير واسطة سمّيت العقل الأوّل، و من حيث إن الأشياء تجد منه قوّة التعقيل سمّي العقل الفعّال، و من حيث إنّ العقل فاض منه إلى جميع الموجودات فأدركت به حقائق الأشياء سمّي عقل الكل، فعلم بواضح البرهان أن الحضرة المحمدية هي نقطة النور و أوّل الظهور، و حقيقة الكائنات، و مبدأ الموجودات، و قطب الدائرات، فظاهرها صفة اللّه، و باطنها غيب اللّه، فهي ظاهر الاسم الأعظم، و صورة سائر العالم، و عليها مدار من كفر و أسلم، فروحه (صلّى اللّه عليه و آله) نسخة الأحدية في اللاهوت، و جسده صورة معاني الملك و الملكوت، و قلبه خزانة الحي الذي لا يموت، و ذلك لأن اللّه تعالى تكلّم في الأوّل بكلمة فصارت نورا، ثم تكلّم بكلمة فصارت روحا، و أدخلها ذلك النور و جعلها حجابا فهي كلمته و نوره و روحه و حجابه، و سريانها في العالم كسريان النقطة في الحروف و الأجسام، و سريان الواحد في الأعداد و سريان الألف في الكلام، و سريان الاسم المقدّس في الأسماء، فهي مبدأ الكل و حقيقة الكل، فكل ناطق بلسان الحال و المقال، فإنّه شاهد للّه بالوحدانية الأوّلية، و لمحمد و علي بالأبوّة و الملكية، دليله قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «أنا و علي أبوا هذه الامّة» (3)؛ و إذا كانا أبوي هذه الامّة دل بالتزام أن يكونا أبوي سائر الأمم لدلالة الخاص على العام، و الأعلى على الأدنى من غير عكس، فلولاهما لم يكن خلق أبدا لاختصاصه ب

____________

(1) تقدّم الحديث.

(2) تقدّم تخريجه.

(3) كمال الدين: 1/ 261، و البحار: 36/ 254.

43

الثاني، فصح بذلك التوحيد، و لهذا قيل: من عرف طبيعة العدد عرف إتقان الحكمة، و أمّا إبطال الاثنين و الثلاثة فإنّ الواحد الحق لا يتجزّأ إذ لو تجزأ لا نقسم، و المنقسم ليس بإله، و أما الواحد الذي فاض عن الأحد المشار إليه بالعظمة الذي هو مبدأ كل موجود فهو العقل الأوّل، فعلم العدد الدال على معرفة الواحد الأحد هو أصل العلوم و مبدأ المعارف، و تقدّمه على سائر العلوم، كتقدّم العقل على سائر الموجودات، و كما أن جميع الأشياء موجودة في العقل بالقوّة فكذلك كل العلوم موجودة في العدد، و صورتها مطابقة لصور الموجودات، فله صورة البسائط بالقوة، و صورة المركبات بالفعل، فلذلك كان علم العدد من الإشارات العقلية لأنه يقود النفس إلى علم التوحيد و الإقرار بالمبدع الأوّل فهو العقل الذي نزعت منه المقولات، و هو شجرة اليقين، و مبدأ الشرع و الدين، عليه ثبتت الصلاة، و منه عرفت العبادات، و به تعرف أدوار الزمان، و هو هلال العارفين و مبدأ كل مقال؛ أوّله مطابق لآخره، و آخره مطابق لأوّله، فأوّله الواحد الذي لا أوّل له فيعرف، و آخره الواحد الذي لا نهاية له فيوصف.

فصل [حقيقة النقطة و أنّها الفيض الأوّل‏]

و كذلك الأسماء الإلهية فإنّ مرجعها إلى الاسم المقدّس، فهو جامع لشملها، و شامل لجمعها، متجلّ في أحدها؛ و نهاية الحروف النقطة فتناهت الأشياء بأسرها إلى النقطة و دلّت عليها، و دلّت النقطة على الذات، و هذه النقطة هي الفيض الأوّل الصادر عن ذي الجلال المسمّى في أفق العظمة و الجمال بالعقل الفعّال، و ذاك هو الحضرة المحمدية؛ فالنقطة هي نور الأنوار، و سرّ الأسرار، كما قال أهل الفلسفة: النقطة هي الأصل و الجسم حجابه، و الصورة حجاب الجسم، و الحجاب غير الجسد الناسوتي. دليله من صريح الآيات قوله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ‏ (1)، معناه منوّر السّماوات، فاللّه اسم للذات و النور من صفات الذات، و الحضرة المحمدية صفة اللّه و صفوته، صفته في عالم النور، و صفوته في عالم الظهور، فهي‏

____________

(1) النور: 35.

46

«لولاك لما خلقت الأفلاك» (1) فعلم أن صدور الأفعال عن الصفات، و صدور الصفات عن الذات، و الصفة التي هي إمام الصفات في ظهور الموجودات، هي الحضرة المحمّدية فهي عين الوجود و شرف الموجود و هي النقطة الواحدة التي هي صفة الأحد و الجمال، الصادرة عن الجلال، و النور المبتدع من سحاب العظمة المشعشع من فيض قدس الرحمة و هي عرش النور و الكتاب المسطور و اللوح المحفوظ و أوّل الظهور، و ختم الأيام و الدهور.

يؤيّد ذلك ما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه سئل: هل رأيت في الدنيا رجلا؟ فقال:

رأيت رجلا و أنا إلى الآن أسأل عنه. فقلت له: من أنت؟

فقال: أنا الطين. فقلت: من أين؟

فقال: من الطين. فقلت: إلى أين؟ فقال: إلى الطين. فقلت: من أنا؟

فقال: أبو تراب. فقلت: أنا أنت. فقال: حاشاك، حاشاك، هذا من الدين في الدين، أنا أنا، و أنا أنا، أنا ذات الذوات، و الذات في الذوات الذات، فقال: عرفت. فقلت نعم. فقال:

فامسك.

فأقول: في حل هذا الرمز الشريف إشارة إلى خطاب عالم اللاهوت مع عالم الناسوت، و هو الروح للجسد ليبيّن للناس الفرق بين هيكل قدسه و سرّ نفسه، فقوله: رأيت رجلا، و أنا أسأل إلى الآن عنه. و ذلك لأن الروح لم تزل لها تعلّق بالجسد و نظر إليه لأنه بيت غربتها، و مسكن كربتها، و مركب سيرها، و سرير تحصيلها، و الثاني أن العارف أبدا يجب عليه أن يعرف الفرق بين مقام التراب و سرّ ربّ الأرباب، لأنّه إذا عرف نفسه عرف ربّه، لأنّه إذا عرف نفسه بالحدوث، و الفقر، و المسكنة؛ عرف ربّه بالعزّة و الكبرياء، و العظمة. و قوله: أنا الطين، إشارة إلى أن العارف، لم يزل في مقام الفقر و الإقرار بالحدوث و العجز. و قوله: من أنا؟ لما أقر الجسد بالمعرفة، و الحدوث و الإمكان، و الموت، و الرجوع إلى عنصره و معدنه، و تلاشيه و تحلله بعد تركيبه.

و قوله: أنت أبو تراب، يشير به إلى معنيين: خاص، و عام. فالأوّل معناه أن المراد من الأب المربّي و المرشد، و الروح قيم هذا الجسد و مربيه؛ و الثاني أن أبا تراب هو الماء، و المراد به:

____________

(1) الفوائد المجموعة: 326، و جامع الأسرار: 381 ح 758.

47

أنت أبو الأشياء و مبدأها و حقيقتها و معناها، لأنّ الكلمة الكبرى عنها برزت الموجودات، و هي سرّ سائر الكائنات.

و قوله: فقلت له: أنا أنت. يعني أنا مثلك ميّت و مركّب. فقال: حاشاك، حاشاك، أنا أنا، و أنا أنا، يعني ابن التراب و النور.

و قوله: أنا ذات الذوات، و الذات في الذوات للذات، صرّح بإظهار السرّ المكنون، و الكلمة المتعلّقة بطرفي «كن فيكون»، و ذلك أنه اسم اللّه الأعظم و حقيقة كل كائن و أنه ذات كل موجود لذات واجب الوجود لأنّه سرّه و كلمته و أمره و وليّه على كلّ شي‏ء، و ذلك أمر خصّه اللّه به؛ لأنّه هو هو، بل إنه كلمة اللّه و آيته و سرّه.

فبان بحل هذا المبهم كفر الغالي و القالي، و سلوك التالي و الموالي، و وصول العارف العالي، فعلي سرّ اللّه في الكل و وليه على الكل، لأن الربّ سبحانه سلم ما أوجده بإرادته، و خلقه بقدرته و مشيئته، إلى وليّه و كلمته، فقد سلم ما صدر منه إليه لأن المولى الولي مقامه في الخلق مقام الربّ العلي و إليه الإشارة بقوله: «لا فرق بينهم و بينك إلّا انّهم عبادك و خلقك» (1).

و قوله في الدعاء: «جئت بك إليك» يعني جئت بصفاتك إلى ذاتك، و بعدلك إلى عفوك.

و قوله له: فقال: عرفت، فقلت نعم، فقال: فامسك.

هذا إشارة إلى أن الإنسان إذا عرف أن عليّا هو السرّ الخفي، وجب عليه الإمساك لقبول‏ (2) العقول عن هذا الإدراك.

____________

(1) الإنسان الكامل: 128، و الرسائل الثمانية: 88.

(2) لنبو- خ ل.

50

فصل [أسرار حروف اسم النبي (صلّى اللّه عليه و آله)‏]

و من أسرار اسمه الشريف و عدده «132» أنه يشير إلى اسمه تعالى و ا ل م ل ك و هذا العدد الشريف من الأنماط الالهية اسمان جليلان و هما ح ي ع د ل، و هذا العدد الشريف إذا قسّمت أجزاؤه فإنّه ينقسم بخمسة أقسام نصف و هو «26» و ربع و هو «33» و ثلث و هو «44» و سدس و هو «11» و هو عدد الاسم الأعظم باطنا، و كل عدد فوقه فإنه يؤخذ منه و راجع إليه، و هذه الأعداد مجموعها «166» فقد زادت على الأصل «44» و هذه الزيادة له من الأسماء الأحد (ا ل ا ح د) فدل على أنه أحد الكونين و واحدها، و أحمدها و محمدها و أمانها و أمينها و مولاها و سيّدها، النبي الكريم، الرءوف الرحيم، الحبيب النجيب، القريب المجيب، البشير النذير، السراج المنير، العزيز الخبير، الصادق الأمين، طه و ياسين، الأوّل الآخر، الباطن الظاهر، الفاتق الراتق، الفاتح الخاتم، العالم الحاكم، الشافع الراحم، الهيكل العاصم، الشاهد القاسم، المؤيّد المنصور، أبي القاسم فهو كما قيل:

فإن من جودك الدنيا و ضرتها * * * و من علومك علم اللوح و القلم‏

فهو الدليل المبين.

فصل‏

و أما أسرار حروفه، فأوّلها «م» و هو حرف ناري علوي صامت من حروف الدائرة و له عالمان لأنه م ي م و ميمه الأول ميم الملك و الآخر ميم الملكوت و عدده «40» و هذا العدد افتتاح كل مغلق و لهذا افتتح باسمه الجود و الوجود، و إذا فصلت حروفه كانت «50» و إذا اضيفت إليها عدده و هو «40» كانت «90» و هي حقايق اسم الميم و يظهر عنها بالضرب من الأسماء الإلهية (ا ل م ل ك ا ل س ي د ا ل س ل ا م انا ه و م ح م د).

48

فصل [الصفات الإلهية]

و ذلك لأنّ الصفات الإلهية «7» الحي و هو إمام الأئمة و العليم، و المريد و القادر و المتكلّم و الجواد و المقسط؛ و لهذه الأسماء مظاهر فمظهر ركن الحياة إسرافيل، و مظهر ركن العلم جبرئيل، و مظهر ركن الإرادة ميكائيل، و مظهر ركن القدرة عزرائيل؛ و لهذه الاصول سبع مظاهر كوكبية تسمّى النيرات السبع، و كل كوكب منها خدم لاسم من هذه الأسماء، فمظهر تجلّي الحياة الشمس، و مظهر تجلّي العلم المشتري، و مظهر تجلّي القدرة المريخ، و مظهر تجلّي الإرادة الزهرة، و مظهر تجلّي الكلام القمر، و مظهر تجلّي الإقساط عطارد، و مظهر تجلّي الجود زحل؛ و الأسماء هي المؤثرة فيما تحتها من العوالم لكن بواسطة هذه المظاهر كما تقتضيه الحكمة الأزلية من ترتيب الأسباب على المسببات، و إليه الإشارة بقوله:

وَ أَوْحى‏ فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها (1).

فصل [الأنبياء مظاهر أسماء اللّه‏]

و كذلك الأنبياء فإنّهم مظاهر أسماء اللّه فمن كان منهم مظهر اسم كلّي، كانت شريعته كلية؛ و جميع الأسماء ترجع إلى الاسم الجامع الذي هو اللّه، و جميع الرسل و الأنبياء ترجع إلى هذه الأسماء السبعة: آدم و إدريس و إبراهيم و يوسف و موسى و هارون و عيسى (عليهم السلام) و مرجع هذه السبعة إلى الاسم الجامع الواحد و هو محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) فآدم مظهر الاسم الناطق و للخالق فيه أثر تام، و محله فلك القمر و هو بيت العزّة، و فيه جوامع الكلم الطيب.

____________

(1) فصلت: 12.

49

«و إدريس» مظهر الاسم الحي و فلكه الشمس التي هي منبع الحياة الحيوانية و النباتية، و من ثم أعطي العلم بأسرار المعادن و النبات.

«و إبراهيم» مظهر الاسم الجواد و للإله فيه أثر تام و فلكه زحل و هو أوّل من أطعم الضيف.

«و يوسف» مظهر الاسم المريد و للجميل فيه اثر عظيم و فلكه فلك الزهرة.

«و موسى» مظهر الاسم القادر و للقوي و للشديد فيه أثر، و فلكه فلك المريخ.

«و هارون» مظهر الاسم العليم و الآمر و الناهي و فلكه فلك المشترى.

«و عيسى» مظهر الاسم المقسط و للحكيم فيه أثر و لذلك أبرأ الأكمه و الأبرص و أحيى الموتى و فلكه فلك العطارد.

و محمد (صلّى اللّه عليه و آله) له جملة هذه الأفلاك أو الأسماء و الأعداد، و هو مظهر الاسم الجامع و فلكه قاب قوسين أو أدنى، و هو جامع الأسرار، و مظهر الأنوار، و جامع الكلم فهو كل الكل و جملة الجمال و خلاصة الأكوان، و خاصة الرحمن و هو كما قيل:

فما أعجز الأفكار عن كنه وصفه‏ * * * و ما أقصر التفسير عن كل معناه‏

و عدد اسم محمد (صلّى اللّه عليه و آله) «132» لأنه م ح م د و فيه ميم مدغمة و اسمه أمين، و اشتقاق لفظ الأمين من الأمن، و عدده خطا لا رسما (92) و هو عدد يشير إلى اسمه م ل ك و امان ا م ان و هو «92» كما قيل:

لاسم خير الرسل فضل‏ * * * عند ذي الفضل متين‏

فهو في الخط أمان‏ * * * و هو في اللفظ أمين‏

51

الثاني من حروف اسمه (ح) و هي حرف مائي نوراني علوي و محل الحاء الكرسي و هو الثامن لأنّ حقيقتها الثمانية و هي من حملة العرش.

الرابع من حروفه (د) و هو حرف مائي مظلم و له حقيقة الدوام و عنه ظهر اسمه الدائم و له دوام الملك و النور.

فصل [باطن الأسماء الإلهية]

و اعلم أن لكل اسم من الأسماء الإلهية صورة باطنة في العالم تسمّى الصورة العينية، و لكل اسم من الأسماء رب هي مربوبة له، و الحقيقة المحمدية هي صورة الاسم الجامع الإلهي الذي منه استمرار جميع الأشياء. تلك الحقيقة هي التي ترب صور العالم بالرب الظاهر فيها و هو رب الأرباب لأنّها هي الظاهرة في تلك المظاهر، فبصورتها الظاهرة التي هي مظهر الاسم الأعظم المتناسبة لصور العالم ترب العالم، و بباطنها ترب باطن العالم لأنه صاحب الاسم الأعظم و له الربوبية المطلقة.

فعلم بهذا الكشف التام من هو روح العالم و ممن يستمد الحياة، و لذلك قال و قوله الحق:

«خصصت بفاتحة الكتاب و خواتيم البقرة و اعطيت جوامع الكلم» (1)؛ و هي مصدرة بقوله:

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏.

و هذا مجمع الأرواح و الأجساد و العوالم فعلم من هذا الكشف الظاهر أنه هو روح العالم لأنّ الروح الظاهر يسري في الصور كضوء الشمس في جسم الهواء. فمحمّد (صلّى اللّه عليه و آله) هو سرّ الوجود ظاهرا و باطنا، فسبحان من دلّ على ذاته بتجليه في صفاته.

____________

(1) الشفاء بتعريف حقوق المصطفى: 1/ 170 باب 3 فصل 1 بتفاوت، و الفضائل لابن شاذان: 5.

52

فصل [نشوء الحروف من الألف‏]

و اعلم أن الكلام تناهى إلى الحروف، و الحروف إلى النقطة، و هي الألف المفقود و ينشأ عنه «28» حرفا كما مرّ و هي الصورة الإلهية القائمة بذات اللّه، و هي قسمان جلال و جمال، و حروف الجلال قسم واحد و هي الحروف النارية، و حروف الجمال ثلاثة أقسام و ليس في الحروف حرف إلّا و هو صادر عن الألف و هو شهادة الوجود و الموجود بوحدانية الربّ المعبود، و هي محيطة بكل شي‏ء و هو بكل شي‏ء محيط كما قيل:

ففي كل شي‏ء له آية * * * تدلّ على أنّه واحد

فصل [تركيب الأسماء من سرّ الحروف‏]

و من سرّ الحروف تتركّب الأسماء، و لكل كلمة ظاهر و باطن، و الظاهر لأهل التقليد، و الباطن لأهل التحقيق و التجريد، لأنّ الظاهر جسم الروح و قشوره، و الباطن روح الجسم و لبابه، و الناس على أربعة أقسام: قسم لهم حظّ من الظاهر و الباطن، و هم الراسخون في العلم، و قسم ليس لهم حظّ في الظاهر و الباطن و هم الكفّار، و قسم ليس لهم حظ في الظاهر دون الباطن و هم المحجوبون في الظلمة المقرون بالنبوّة دون الإمامة، و قسم ليس لهم حظ من الباطن دون الظاهر و هم عقلاء المجانين.

و روى ابن عباس في قوله تعالى: وَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا (1) قال: معناه شرحناه شرحا بيّنا بحساب الجمل فهم من فهم و هذا هو العلم الذي أسرّه اللّه إلى نبيّه ليلة المعراج‏

____________

(1) الاسراء: 12.

53

و جعله عند أمير المؤمنين (عليه السلام) في عقبه إلى آخر الدهر و هي «8» كلمات و «28» حرفا و كل حرف منها يتضمّن اسم محمد و علي ظاهرا و باطنا يخرجه من له وقوف على أسرار علم الحروف و أعدادها.

فصل [معاني القرآن في أربعة أحرف‏]

و بهذه الحروف نزل القرآن، و هي ترجمان ذات الرب سبحانه، و القرآن له ظاهر و باطن، و معانيه منحصرة في أربعة أقسام، و هي أربعة أحرف و عنها ظهر باقي الكلام و هي (ا ل ل ه) و الألف و اللام منه آلة التعريف، فإذا وضعت على الأشياء عرفتها أنّها منه و له، و إذا أخذ منه الألف بقي للّه، و للّه كل شي‏ء. و إذا أخذ منه ل بقى إله و هو إله كل شي‏ء، و إذا اخذ منه ألف و اللام بقي له و له كل شي‏ء، و إذا أخذ منه الألف و اللامان بقي هو، و هو هو وحده لا شريك له، و العارفون يشهدون من الألف و يهيمون من اللام و يصلون من الها.

و الألف من هذا الاسم إشارة إلى الهوية التي لا شي‏ء قبلها و لا بعدها، و له الروح و اللام وسطا، و هو إشارة إلى أن الخلق منه و به و إليه و عنه، و له العقل. و هو الأوّل و الآخر، و ذلك لأنّ الألف صورة واحدة في الخط و في الهجاء. فالعدد إما زوج أو فرد ضرورة فهذه ثلاثة، و هي في الضرب تسعة، و هي العدد المكتوم، و الثلاثة هي مواد سائر الأعداد و موضوعاتها، و التسعة هي العدد الطيار كما مرّ المنقسم بالأفراد و فيها مجمع الأزواج و الأفراد و حرفها الطاء، و هي الحرف الاكال و إذا اعيد إلى التسعة الزوج الآل ظهر الاسم الخفي و السرّ الذاتي و هو (ه و و ه و ه و) به سائر الموجودات، فظهرت الهاء الخفية و أصلها الضمة و هي الواو و إذا ضربت (11) في الهاء و هي خمسة كان العدد خمسة و خمسين فظهر اسمه تعالى م ج ي ب، و لما كان أصل الهاء الضمة و هو الواو و لها الجهات الستة و إذا ضربت الستة في (11) كان العدد (66) و هو الاسم المقدّس اللّه جل جلاله و هو اسم الذات و صفة الصفات، و موضوع الأسماء؛ و إذا ضربت ستة و ستون في ستة كان العدد ثلاثمائة و ستة و تسعين، و إذا ضربت ستة و ستون في إحدى عشر كان العدد سبعمائة و ستة و عشرين، و إن ضربت ست‏

54

و ستون في خمسة كان العدد ثلاثمائة و ثلاثين، و منبع الأسرار الهاء المضمومة التي هي قيوم الحروف و الطبيعة الخامسة الفعالة و الهاء باطن كل موجود و حقيقة كل شهود، فإذا قدح زناد الهاء بصوان الألف خرجت الطاء الاكالة، و إذا ضربت الهاء في نفسها كان العدد خمسا و عشرين، فهي لا تظهر إلّا نفسها لأنّ خمسة و عشرين خمس خمسات، و إذا ضربت خمس و عشرون في نفسها كان العدد ستمائة و خمسا و عشرين، و الهاء من حروف المريخ، و من عرف كيف النطق بها أهلك عدوّه و لكن ذاك مودع في الصدور لا في السطور، و نطقها على سبيل الرمز هايابيل أو هو يا هو مذل يا منتقم يا فعال أنت هو.

فصل [شرف لفظة:- هو- و دلالتها]

(1) اعلم أن الاسم إما مشتق، أو علم، أو إشارة؛ و الاسم المشتق كلّي لا يمنع من وقوع الشركة فيه، و الاسم العلم قائم مقام الإشارة فهو فرع عليها، و الإشارة أصل و الأصل أعظم من الفرع، فقولك: هو أشرف الأسماء كلّها يعني:

(2) أن الحق سبحانه فرد مجرّد لا يمكن نعته بصفة زائدة و إلّا لانتفت الفردانية، و الإخبار عنه بعين ذاته محال، فجميع الأسماء المشتقة قاصرة عن الإنباء عن ذاته المقدّسة. و أما لفظ هو فإنه ينبى‏ء عن كنه حقيقته المخصوصة المبرأ عن جميع جهات الكثرة، فاسم هو لوصوله إلى كنه الصمدية أشرف الأسماء.

(3) أن الصفات المشتقة لا تعرف إلّا دالة على الصفات، و الصفات لا تعرف إلّا بالإضافة إلى المخلوقات، و أما لفظ هو فإنّه يدل عليه من حيث هو هو، و هذا الاسم يوصل إلى الحق و يقطع عن الخلق.

(4) أن الأسماء المشتقة دالّة على الصفات، و لفظ هو دال على الموصوف، و الموصوف أشرف من الصفة، و ذلك لأن ذات الباري سبحانه ما كملت بالصفات بل هي لغاية الكمال استلزمت صفات الكمال؛ فلفظ هو يوصل إلى ينبوع العزّة.

(5) أن لفظ هو مركّب من حرفين (ه و) و الهاء أصل الواو فهو حرف واحد يدل على‏

55

الواحد الحق سبحانه.

(6) أن الهاء أوّل المخارج و الواو آخرها فهو الأوّل و الآخر، و الهاء باطن المخارج و باطن الأشياء و الواو ظاهر سائر المخارج فهو الأوّل و الآخر و الباطن و الظاهر.

(7) أن هذا الحرف الذي وضع لتعريف ذات الحق غير معلوم بالحقيقة، و ذات الحق أولى بالتنزيه عن الكيفية، فمنه إليك قوله هو و منك إليه قولك هو.

فصل [مراتب حروف الجلالة]

و حروف الجلالة لها أربع مراتب: الذات، و العقل، و النفس، و الروح؛ و لها أربع ملائكة:

جبرائيل، و ميكائيل، و إسرافيل، و عزرائيل؛ و هي منزلة على أربعة أنبياء: إبراهيم، و موسى، و عيسى (عليهم السلام)، و محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)؛ و هي تتم بأربع حقائق: الأمر، و النهي، و الوعد، و الوعيد؛ و هي منزلة في أربع كتب: المصحف، و التوراة، و الزبور، و الفرقان، فالمصحف صورة القلب، و هي الألف الأوّل، و التوراة صورة العقل، و هي اللام الاولى، و الإنجيل صورة الروح، و هي اللام الثانية، و الفرقان صورة النفس و صورة الحق في عالم الظاهر و الباطن، و حرفها الهاء.

فصل [الباء ظهور الوجود و النقطة تميز للعابد و المعبود]

و اعلم أن الفيض الأوّل عن حضرة الأحدية هي النقطة الواحدة، و عنها ظهر ألف الغيب (القلب خ ل) و امتد حتى صار خطه، و هو مركب من ثلاث نقط واحدة و واحدة و واحدة، فالواحدة لها العلم و العقل و روح القدس، و حرفها الألف، و منها تبتدئ الموجودات و إليها تنتهي، و النقطة الواحدة و هي روح اللّه و نفخت فيه من روحي، و حرفها الباء و هي الحجاب و هو ظاهرة النقطة الواحدة و جسدها، و لها الحكم الظاهر و حقيقتها النبوّة و عنها ظهرت الموجودات و باطنها النقطة الواحدة.

56

قال (عليه السلام): عن الباء ظهر الوجود، و بالنقطة تبين العابد عن المعبود (1)؛ و قال حكيم: بالباء عرفه العارفون، و ما من شي‏ء إلّا و الباء مكتوبة عليه‏ (2)، فإذا قلت «اللّه»، فقد نطقت بسائر الأسماء، و إذا كتبت الألف فقد كتبت سائر الحروف، و إذا نطقت بالواحد فقد ضمنت سائر الأعداد، و إذا قلت النقطة فقد حصرت سائر العوالم، و إذا قلت النور فقد ضمنت الوجود من العدم، و إذا قلت نور النور فقد نطقت بالاسم الأعظم، لمن كان يدري و يفهم، إذ لا حظّ للأصم من طيب النغم، و لا فرق عند الأكمه من الليل إذا أظلم، و الصبح إذا تبسّم؛ و قال العارف هذا:

ألف الحروف هو الحروف جميعها * * * و الفاء دائرة عليه تطوف‏

و قال الآخر:

يا رب بالألف التي لم تعطف‏ * * * و بنقطة هي سرّ كل الأحرف‏

و بقافها الجبل المحيط و صادها * * * البحر الذي بظهوره لا يختفي‏

ثبت عليّ هداي و اتمم نوره‏ * * * يا من به أصبحت عنّي مكتفي‏

الثالث النقطة الواحدة و هي روح الأمر، و عنها نور أن الوجود في عالم الصور، و هي إشارة إلى ظهور الأفعال، لأن الواحد الحق سبحانه يوجد الأشياء و ليس فيها و إلّا لكان محدودا، و لا منها و إلّا لكان معدودا، لكنه متجلّ فيها بنور جماله، متخل عنها بكمال جلاله، دان إليها بكبريائه، قائم بها، قيوم عليها، لأن الأحد الحق سبحانه لا يتجزّأ فيعد، و لا يتكثّر فيحدّ، فالوحدة لازمة له.

فصل [معنى الأحد و الواحد]

أحد و واحد و وحدانية، فالأحد اسم الذات مع سلب تعدّد الصفات، و الواحد اسم الذات مع إثبات تعدّد الصفات، و الوحدانية صفة الواحد؛ و الواحد صفة الأحد، صلى‏

____________

(1) جامع الأسرار: 563 ح 1163 و شرح دعاء السحر: 64 و فيه تميز بدل تبيّن و نسبه إلى ابن عربي.

(2) جامع الأسرار: 701 و نسبه لبعض العارفين بلفظ: «ما رأيت شيئا إلّا و رأيت ...».

57

الأحد على الواحد، الواحد سر لأحد الواحد، صفة الأحد الواحد نور الأحد الواحد، ظاهر الأحد الواحد أوّل العدد الأحد، باطن الواحد الأحد، معنى الواحد الفائض عن حقيقة الأحد هو معنى الموجودات، الأحد ذو الجلال، الواحد هو العقل الفعّال، جل الأحد الحق في أحديته التي لا تحد تعالى الواحد المطلق في وحدانيته، التي لا تعد تقدس الصمد في صمدانيته التي ليس لها قبل و لا بعد، جلّ المعبود الحق في ألوهيته التي كلها ملك و مملوك و عبد.

58

فصل [أوّل الخلق نور محمّد و علي (عليهما السلام)‏]

ظهر الواحد عن الأحد، و فاض عن الواحد سائر العدد، و ذاك كما ظهر الخط عن النقطة، و السطح عن الخط، و الجسم عنهم، و الحروف عن النقطة، و الكلام عن الحروف، و المعاني عن الكلام، و الكل من واحد، منه المبدأ و إليه المعاد، بدؤها منك و عودها إليك، فالنقطة الواحدة هي حقيقة الموجودات، و مبدأ الكائنات، و قطب الدائرات، و عالم الغيب و الشهادة، و ظاهرها النبوّة، و باطنها الولاية، و هما نور واحد في الظاهر و الباطن، و لكن الولاية من النبوّة و عنها لأنهما الاسمين الأيمنين اللذين جمعا فاجتمعا، و لا يصلحان إلّا معا، يسمّيان فيفرقان محمد و علي، و يوصفان فيجتمعان نبي و ولي، و تمامهما في تمام أحدهما، تمام الولي من النبي، لأن القمر يستمد من الشمس، فإذا كمل صار بدرا فإذا غابت الشمس كان الحكم للبدر (1).

____________

(1) قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):

«يا عمر بن الخطاب أ تدري من أنا؟! انا الذي خلق اللّه أول كل شي‏ء نوري، فسجد له فبقي في سجوده سبعمائة عام، فاول كل شي‏ء سجد له نوري و لا فخر. يا عمر أ تدري من أنا؟ أنا الذي خلق اللّه العرش من نوري و الكرسي من نوري و اللوح و القلم من نوري، و الشمس و القمر من نوري، و نور الأبصار من نوري و العقل الذي في رءوس الخلائق من نوري، و نور المعرفة في قلوب المؤمنين من نوري و لا فخر»

(شرح الشمائل المحمدية: 1/ 49، و لوامع أنوار الكوكب الدري: 1/ 13).

و في حديث مستفيض: «كنت أول الأنبياء [الناس‏] في الخلق و آخرهم في البعث» (كنز العمال:

11/ 452 ح 32126، و الجامع الصغير: 2/ 162، و الطبقات الكبرى: 1/ 119، و الفردوس بمأثور الخطاب: 3/ 282 ح 4850، و الوفا بأحوال المصطفى: 361، و ينابيع المودة: 1/ 220 و 18، و الخصائص الكبرى: 1/ 3 الباب الأول).

و قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام): «كنت وليّا و آدم بين الماء و الطين» (جامع الأسرار: 382- 460 ح‏

59

____________

763- 927، و الإنسان الكامل: 77، و المراقبات: 259.).

و أخرج المسعودي و سبط ابن الجوزي بسنده إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال بعد حمد اللّه: «لما أراد اللّه أن ينشى‏ء المخلوقات و يبدع الموجودات أقام الخلائق في صورة قبل دحو الأرض و رفع السّماوات، ثم أفاض نورا من نور عزه فلمع قبسا من ضيائه و سطع. ثم اجتمع في تلك الصورة و فيها هيئة نبينا (صلّى اللّه عليه و آله) فقال له تعالى: أنت المختار و عندك مستودع الأنوار و أنت المصطفى المنتخب الرضا المنتجب المرتضى، من أجلك أضع البطحاء و أرفع السماء و أجري الماء و أجعل الثواب و العقاب و الجنة و النار، و أنصب أهل بيتك علما للهداية، و أودع أسرارهم من سرّي بحيث لا يشكل عليهم دقيق، و لا يغيب عنهم خفي، و أجعلهم حجتي على بريتي و المنبهين على قدري و المطلعين على أسرار خزائني ....

ثم بيّن لآدم حقيقة ذلك النور و مكنون ذلك السر، فلما حانت أيامه أودعه شيئا، و لم يزل ينتقل من الأصلاب الناضرة إلى الأرحام الطاهرة إلى أن وصل إلى عبد المطلب ثم إلى عبد اللّه، ثم إلى نبيه (صلّى اللّه عليه و آله) فدعا الناس ظاهرا و باطنا و ندبهم سرا و علانية و استدعى الفهوم إلى القيام بحقوق ذلك السر اللطيف و ندب العقول إلى الإجابة لذلك المعنى المودع في الذر قبل النسل، فمن وافقه قبس من لمحات ذلك النور و اهتدى إلى السر و انتهى إلى العهد المودع في باطن الأمر و غامض العلم، و من غمرته الغفلة و شغلته المحنة استحق البعد.

ثم لم يزل ذلك النور ينتقل فينا و يتشعشع في غرائزنا، فنحن أنوار السّماوات و الأرض و سفن النجاة، و فينا مكنون العلم و إلينا مصير الأمور و بمهدينا تقطع الحجج، فهو خاتم الأئمّة و منقذ الأمة و منتهى النور و غامض السر، فليهن من استمسك بعروتنا و حشر على محبتنا» (تذكرة الخواص:

121- 122 الباب السادس- المختار من كلام علي- خطبة في مدح النبي و الائمة، و مروج الذهب:

1/ 17 ذكر المبدأ و شأن الخليقة، و نزهة المجالس: 2/ 96 مولد النبي (صلّى اللّه عليه و آله) مختصرا)

و قال (صلّى اللّه عليه و آله): «إن اللّه خلقني و خلق عليا و فاطمة و الحسن و الحسين قبل أن يخلق آدم (عليه السلام) حين لا سماء مبنية، و لا أرض مدحية، و لا ظلمة و لا نور، و لا شمس و لا قمر و لا جنة و لا نار».

فقال العباس: كيف كان بدء خلقكم يا رسول اللّه؟

فقال: «يا عم لما أراد اللّه أن يخلقنا تكلم بكلمة خلق منها نورا، ثم تكلم بكلمة أخرى فخلق منها روحا، ثم مزج النور بالروح، فخلقني و خلق عليا و فاطمة و الحسن و الحسين، فكنا نسبحه حين لا تسبيح، و نقدسه حين لا تقديس، فلما أراد اللّه تعالى أن ينشى‏ء خلقه فتق نوري فخلق منه العرش، فالعرش من نوري، و نوري من نور اللّه، و نوري أفضل من العرش.

ثم فتق نور أخي علي فخلق منه الملائكة، فالملائكة من نور علي و نور علي من نور اللّه و علي أفضل من الملائكة. ثم فتق نور ابنتي فخلق منه السّماوات و الأرض، فالسّماوات و الأرض من نور ابنتي فاطمة، و نور ابنتي فاطمة من نور اللّه، و ابنتي فاطمة أفضل من السّماوات و الأرض.

63

(أنه خ ل) كان يكتب إلى شيعة علي (عليه السلام) إلى المختارين في الأظلة، المنتجبين في الملة، المسارعين في الطاعة، المبصرين في الكرة، سلام عليكم تحية منّا إليكم، أما بعد. فقد دعاني الكتاب إليكم لاستبصاركم من العمى، و دخولكم في باب الهدى، فاسلكوا في سبيل السلامة، فإنّها جوامع الكرامة، إن العبد إذا دخل حفرته جاءه ملكان فسألاه عن ربّه و نبيّه و وليّه، فإن أجاب نجا، و إن أنكر هوى‏ (1).

و عن محمد بن سنان قال: كنت عند أبي جعفر الثاني (عليه السلام) فذكرت اختلاف الشيعة فقال:

إنّ اللّه لم يزل فردا في وحدانيته ثم خلق محمدا و عليا و فاطمة فمكثوا ألف ألف دهر ثم خلق الأشياء و أشهدهما خلقها، و أجرى عليهم طاعتها و جعل فيهم منه ما شاء و فوّض أمر الأشياء إليهم منّا منه عليهم، فهم يحلّلون ما شاءوا، و يحرّمون ما شاءوا، و لا يفعلون إلّا ما شاء اللّه، فهذه الديانة التي من تقدّمها غرق، و من تأخّر عنها محق، خذها يا محمد فإنّها من مخزون العلم و مكنونه‏ (2).

و عن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت علي بن الحسين (عليهما السلام) يقول: إن اللّه خلق محمدا و عليا و الطيبين من نور عظمته، و أقامهم أشباحا قبل المخلوقات؛ ثم قال: أ تظن أن اللّه لم يخلق خلقا سواكم؟ بلى و اللّه لقد خلق اللّه ألف ألف آدم، و ألف ألف عالم، و أنت و اللّه في آخر تلك العوالم‏ (3).

و من ذلك ما رواه سعد بن عبد اللّه عن جابر عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه قال: إن اللّه مدينتين إحداهما بالمشرق و الاخرى بالمغرب، عليهما سور من حديد له سبعون ألف باب، من الباب إلى الباب فرسخ على كل باب سبعون مصراع من الذهب الأحمر، أهلها يتكلّمون بسبعين ألف لغة، كل لغة بخلاف الأخرى، و أنا و اللّه أعرف لغاتهم، و أنا الحجّة عليهم‏ (4).

____________

(1) بصائر الدرجات: 518 ح 9 باب 16 بتفاوت.

(2) بحار الأنوار: 25/ 25 ح 44.

(3) بحار الأنوار: 25/ 25 ح 45. و 57/ 336 ح 24.

(4) بحار الأنوار: 57/ 326 ح 6 و: 27/ 41 ح 2.

60

فصل‏

و إليه الإشارة بقوله تعالى: خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ‏ (1) و إلى هذا المعنى أشار بقوله (صلّى اللّه عليه و آله): أوّل ما خلق اللّه نوري، ثم فتق منه نور علي، فلم نزل نتردّد في النور حتى وصلنا حجاب العظمة في ثمانين ألف سنة، ثم خلق الخلائق من نورنا فنحن صنائع اللّه،

____________

ثم فتق نور ولدي الحسن فخلق منه الشمس و القمر فالشمس و القمر من نور ولدي الحسن و نور الحسن من نور اللّه، و الحسن أفضل من الشمس و القمر.

ثم فتق نور ولدي الحسين فخلق منه الجنة و الحور العين، فالجنة و الحور العين من نور ولدي الحسين، و نور ولدي الحسين من نور اللّه، و ولدي الحسين أفضل من الجنة و الحور العين» (بحار الأنوار: 15/ 10- 11 باب بدء خلق النبي ح 11.).

إلى أن قال: «فتكلم اللّه بكلمة فخلق منها روحا ... ثم نورا فأزهرت المشارق و المغارب فهي فاطمة» (الأنوار النعمانية: 1/ 17- 18 مع تفاوت عما في بحار الأنوار ليس بيسير رواه عن ابن مسعود).

و عن الإمام علي (عليه السلام): «ألا إني عبد اللّه و أخو رسوله و صديقه الأول قد صدقته و آدم بين الروح و الجسد، ثم إني صديقه الأول في أمتكم حقا، فنحن الأولون و نحن الآخرون» (بحار الأنوار: 15/ 15 ح 19.).

و عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «يا جابر كان اللّه و لا شي‏ء غيره، لا معلوم و لا مجهول، فأوّل ما ابتدأ من خلقه أن خلق محمدا (صلّى اللّه عليه و آله) و خلقنا أهل البيت معه من نور عظمته، فأوقفنا أظلة خضراء بين يديه حيث لاسماء و لا أرض و لا مكان و لا ليل و لا نهار و لا شمس و لا قمر» (بحار الأنوار: 15/ 23 ح 41).

و عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إن اللّه كان إذ لا كان، فخلق الكان و المكان و خلق نور الأنوار الذي نوّرت منه الأنوار، و أجرى فيه من نوره الذي نوّرت منه الأنوار، و هو النور الذي خلق منه محمدا و عليا، فلم يزالا نورين أولين إذ لا شي‏ء كون قبلهما» (بحار الأنوار: 15/ 24 ح 46.).

و عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «كان اللّه و لا شي‏ء معه، فأول ما خلق نور حبيبه محمد (صلّى اللّه عليه و آله) قبل خلق الماء و العرش و الكرسي و السّماوات و الأرض و اللوح و القلم و الجنة و النار و الملائكة و آدم و حواء» (بحار الأنوار: 15/ 27- 28 ح 48.).

* أقول: ذكر المجلسي في بحاره و الجزائري في الأنوار و غيرهما عدة روايات أخرى في أنهم أول الخلق اقتصرنا على ما يكفي لإقناع الناصبي فضلا عن غيره (بحار الأنوار: 15/ 2 إلى 50 ح 2 إلى 48 باب بدء خلق النبي من كتاب تاريخ نبينا (صلّى اللّه عليه و آله)، و إرشاد القلوب: 2/ 404- 405 و 415- 416- 421، و الأنوار النعمانية: 14- 15- 17- 18- 22)

(1) فصلت: 9.

61

و الخلق من بعد صنائع لنا أي مصنوعين لأجلنا (1).

يؤيّد ذلك (ما رواه) جابر بن عبد اللّه في تفسير قوله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ‏ (2)، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أوّل ما خلق اللّه نوري ابتدعه من نوره و اشتقه من جلال عظمته فأقبل يطوف بالقدرة حتى وصل إلى جلال العظمة في ثمانين ألف سنة، ثم سجد للّه تعظيما فتفتّق منه نور علي فكان نوري محيطا بالعظمة، و نور علي محيطا بالقدرة، ثم خلق العرش، و اللوح، و الشمس، و القمر، و النجوم، وضوء النهار، وضوء الأبصار، و العقل و المعرفة، و أبصار العباد، و أسماعهم و قلوبهم، من نوري، و نوري مشتق من نوره، فنحن الأوّلون، و نحن الآخرون، و نحن السابقون، و نحن الشافعون، و نحن كلمة اللّه و نحن خاصة اللّه، و نحن أحبّاء اللّه، و نحن وجه اللّه، و نحن أمناء اللّه، و نحن خزنة وحي اللّه، و سدنة غيب اللّه، و نحن معدن التنزيل، و عندنا معنى التأويل، و في آياتنا هبط جبرائيل، و نحن مختلف أمر اللّه، و نحن منتهى غيب اللّه، و نحن محال قدس اللّه، و نحن مصابيح الحكمة، و مفاتيح الرحمة، و ينابيع النعمة، و نحن شرف الامّة، و سادة الأئمة، و نحن الولاة و الهداة، و الدعاة و السقاة، و الحماة، و حبّنا طريق النجاة، و عين الحياة، و نحن السبيل و السلسبيل، و المنهج القويم، و الصراط المستقيم، من آمن بنا آمن باللّه، و من ردّ علينا ردّ على اللّه، و من شك فينا شك في اللّه، و من عرفنا عرف اللّه، و من تولّى عنّا تولّى عن اللّه، و من تبعنا أطاع اللّه، و نحن الوسيلة إلى اللّه، و الوصلة إلى (رضوان الله)، و لنا العصمة و الخلافة و الهداية، و فينا النبوّة و الإمامة و الولاية، و نحن معدن الحكمة و باب الرحمة، و نحن كلمة التقوى و المثل الأعلى و الحجّة العظمى، و العروة الوثقى، التي من تمسّك بها نجا و تمّت البشرى‏ (3).

و عن محمد بن سنان، عن ابن عباس قال: كنّا عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فأقبل علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال له النبي (صلّى اللّه عليه و آله): مرحبا بمن خلقه اللّه قبل أبيه آدم بأربعين ألف سنة. قال: فقلنا:

يا رسول اللّه أ كان الابن قبل الأب؟

____________

(1) بحار الأنوار: 33/ 58 ح 398.

(2) آل عمران: 110.

(3) بحار الأنوار: 25/ 22 ح 38.

62

فقال: نعم إنّ اللّه خلقني و عليا من نور واحد قبل خلق آدم بهذه المدّة ثم قسّمه نصفين، ثم خلق الأشياء من نوري و نور علي، ثم جعلنا عن يمين العرش فسبّحنا، فسبّحت الملائكة، و هلّلنا فهلّلوا و كبّرنا فكبّروا، فكل من سبّح اللّه و كبّره فإن ذلك من تعليمي و تعليم عليّ‏ (1).

و من ذلك ما رواه محمد بن علي بن بابويه مرفوعا إلى عبد اللّه بن المبارك عن سفيان الثوري عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جدّه أمير المؤمنين (عليهم السلام) أنّه قال: إنّ اللّه خلق نور محمد قبل خلق المخلوقات كلّها بأربعمائة ألف سنة و أربعة و عشرين ألف سنة، خلق منه اثني عشر حجابا (2).

و المراد بالحجب الأئمّة فهم الكلمة التي تكلّم اللّه بها ثم أبدى منها سائر الكلم، و النعمة التي أفاضها و أفاض منها سائر النعم و الامة التي أخرجها و أخرج منها سائر الأمم و لسانه المعبّر عنه و يده المبسوطة بالفضل و الكرم و قوامه على عباده بالحكم و الحكم.

و عن أبي حمزة الثمالي قال: دخلت حبابة الوالبية على أبي جعفر (عليه السلام) فقالت: أخبرني أي شي‏ء كنتم في الأظلة؟ قال: كنّا نورا بين يدي اللّه قبل خلقه الخلق فلما خلق الخلق سبّحنا فسبّحوا، و هللنا فهللوا و كبّرنا فكبّروا، و ذلك قوله تعالى: وَ أَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً (3) و معناه لو استقاموا على حبّ علي كنّا وضعنا أظلتهم في الماء الفرات، و هو حب علي‏ لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ‏ (4)، يعني في حب علي، وَ مَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ‏ (5) يعني عن ذكر علي (عليه السلام).

و في هذه لغات كثيرة:

(الأوّل) أن الرب هنا المولى و علي هو المولى و معناه من يعرض عن ذكر مولاه.

(الثاني) أن ذكر علي في القرآن.

(الثالث) أن ذكر المولى هو ذكر الرب العلي. دليل ذلك: ما رواه ابن عبّاس عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله)

____________

(1) بحار الأنوار: 26/ 345 ح 18، و الأنوار النعمانية: 1/ 22.

(2) بحار الأنوار: 15/ 4 ح 4.

(3) الجن: 16.

(4) طه: 131.

(5) الجن: 17.

66

الظلمة، و الظلمة على جهنم و جهنم على الطمطام، و الطمطام تحت الحوت، و ما وراء ذلك لا يعلمه إلّا اللّه، قال: و في البر ثمانية عشر ألف عالم كأن اللّه لم يخلق في السّماوات و الأرض غيرهم لكثرتهم و خلف البحر السابع قوم يقال لهم الروحانيون في أرض من فضة بيضاء لا تقطعها الشمس إلّا في كل أربعين يوما.

و من ذلك ما رواه ابن بابويه في كتاب الخصال قال: إنّ للّه تبارك و تعالى ملائكة لو أن الملك منهم هبط إلى الأرض لما وسعته لعظم خلقته، و منهم من بين منكبيه و شحمتي أذنيه مسيرة سبعمائة عام، و منهم من سدّ الأفق بجناح من أجنحته، و منهم من السّماوات إلى حجرته و منهم من قدمه على غير قرار في جو الهواء الأسفل و الأرضون إلى ركبتيه، و منهم من لو ألقي في نقرة إبهامه مياه البحار بأسرها لما وسعته، و منهم من لو ألقيت السفن في دموع عينه لجرت دهر الداهرين.

و سئل (عليه السلام) عن الحجب فقال: الحجب سبعة كل حجاب منها مسيرة سبعمائة عام ما بين كل حجاب منها سبعون ألف ملك، قوّة كل ملك منها قوّة الثقلين، و منها نور و منها نار، و منها دخان و منها ظلمة، و منها برق و منها رعد، و منها ضوء و منها عجاج، و منها ماء و منها أنهار، و هي حجب مختلفة كل حجاب مسيرة سبعين ألف عام، ثم سرادقات الجلال و هي ستون سرادقا، كل سرادق سبعون ألف ملك، بين كل سرادق خمسمائة عام، ثم سرادق العزّة ثم سرادق الجبروت، ثم سرادق الفخر ثم سرادق النور الأبيض، ثم سرادق الوحدانية، و هي مسيرة سبعين ألف عام، ثم الحجاب الأعلى و ليست هذه الحجب مضروبة على اللّه و لكنّها مضروبة على العظمة العليا من خلقه، فتبارك أحسن الخالقين‏ (1).

و من ذلك ما رواه ابن عباس عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: إنّ من وراء قاف عالما لا يصل إليه أحد غيري و أنا المحيط بما وراءه، و العلم به كعلمي بدنياكم هذه، و أنا الحفيظ الشهيد عليها، و لو أردت أن أجوب الدنيا بأسرها، و السّماوات السبع كالأرضين في أقل من طرفة عين لفعلت؛ لما عندي من الاسم الأعظم، و أنا الآية العظمى، و المعجز الباهر (2).

____________

(1) بحار الأنوار: 58/ 39 ح 1.

(2) بحار الأنوار: 57/ 336 ح 26.

64

فصل [ما وراء الحجاب من عوالم‏]

أنكر هذا الحديث من في قلبه مرض، فقلت: أ تنكر القدرة أم النعمة أم ترد على المؤيّدين بالعصمة؟ فإن أنكرت قدرة الرحمن، فقد ورد عن سليمان (عليه السلام) أن سماطه في كل يوم ملحه سبعة أكرار فخرجت دابّة من دواب البحر يوما و قالت له: يا سليمان اضفني اليوم، فأمر أن يجمع لها مقدار سماطه شهرا فلمّا اجتمع ذلك على ساحل البحر و صار كالجبل العظيم، أخرجت الحوت رأسها و ابتلعته، و قالت: يا سليمان أين تمام قوتي اليوم فإنّ هذا بعض طعامي، فأعجبت سليمان، و قال لها: هل في البحر دابة مثلك؟ فقالت: ألف أمة. فقال سليمان: سبحان الملك العظيم في قدرته، و يخلق ما لا تعلمون‏ (1).

و أما نعمته الواسعة فقد قال لداود: يا داود و عزّتي و جلالي لو أن أهل سمواتي و أرضي، أمّلوني فأعطيت كل مؤمل أمله بقدر دنياكم سبعين ضعفا لم يكن ذاك إلّا كما يغمس أحدكم إبرة في البحر و يرفعها فكيف ينقص شي‏ء، أنا أعطيته.

فقل لأعمى البصيرة و العيان، أ في القدرة أم النعمة تمتريان، بل يداه مبسوطتان فبأي آلاء ربكما تكذّبان، و الآلاء محمد و علي خاصة الرحمن.

و عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه قال: إنّ اللّه خلق هذا النطاق من زبرجدة خضراء، فقيل: و ما النطاق؟ قال: الحجاب و للّه خلف ذلك سبعون ألف عالم أكثر من عدد الجن و الإنس و الكل يدينون بحبّنا أهل البيت و يلعنون فلانا و فلانا (2).

و عن جابر بن عبد اللّه عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال: إنّ من وراء شمسكم هذه أربعين شمسا، من الشمس إلى الشمس أربعون عاما فيها خلق لا يعلمون أن اللّه خلق آدم و لا إبليس فقد

____________

(1) بحار الأنوار: 14/ 94 ح 3.

(2) بحار الأنوار: 57/ 330 ح 15 بتفاوت.

65

ألهموا في كل الأوقات حبّنا و بغض أعدائنا (1).

و عن ابن عباس في تفسير قوله‏ رَبِّ الْعالَمِينَ‏ قال: إن اللّه عز و جل خلق ثلاثمائة عالم و بضعة عشر عالم كل عالم منهم يزيدون على ثلاثمائة و ثلاثة عشر مثل آدم و ما ولد آدم، و ذلك معنى قوله‏ رَبِّ الْعالَمِينَ‏.

قال: و من ذلك من كتاب الواحدة عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال: إنّ للّه مدينتين، إحداهما بالمشرق و الأخرى بالمغرب، يقال لهما جابلصا و جابلقا طول كل مدينة منهما اثنا عشر ألف فرسخ، في كل فرسخ باب يدخل في كل يوم من كل باب سبعون ألفا و يخرج منها مثل ذلك و لا يعودون إلّا يوم القيامة لا يعلمون أنّ اللّه خلق آدم و لا إبليس و لا شمسا و لا قمرا، هم و اللّه أطوع لنا منكم يأتونا بالفاكهة في غير أوانها موكلين بلعنة فرعون و هامان و قارون‏ (2).

و عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام) من كتاب الواحدة قال: إن اللّه سبحانه تفرّد في وحدانيته، ثم تكلّم بكلمة فصارت نورا، ثم خلق من ذلك النور محمدا و عليا و عترته، ثم تكلّم بكلمة فصارت روحا، و أسكنها ذلك النور و أسكنه في أبداننا، فنحن روح اللّه في ذلك و كلمته احتجب بنا عن خلقه فما زلنا في ظلة خضراء مسبّحين نسبّحه و نقدّسه حيث لا شمس و لا قمر، و لا عين تطرف، ثم خلق شيعتنا، و إنّما سمّوا شيعة لأنّهم خلقوا من شعاع نورنا (3).

و من ذلك ما ورد في كتاب التفسير أن اللّه خلق الأرضين السبع و جعل عرش إبليس لعنه اللّه في الرابعة منها و فيها مسكنه و مسكن جنوده بعد أن كان خازن الجنة و كان في يده ملك السماء الرابعة، و إبليس ابن الجان، و الجان هم الذين يصوغون الحلي لأهل الجنّة، و الأرض السابعة على ملك يقال له ارياكيل بين مفصل إبهامه و راحته أربعون عاما، و هو في صورة ثور له أربعون ألف قائمة و سبعمائة ألف قرن مشتبكة إلى العرش، و هو على صخرة من زمردة خضراء، و الصخرة على جناحي حوت، و الحوت في بحر يقال له عقيوس، عمقه عمق السّماوات و الأرض، و البحر على الثرى، و الثرى على الريح و الريح على الهواء، و الهواء على‏

____________

(1) بحار الأنوار: 27/ 45 ح 6 بتفاوت و تفصيل.

(2) بحار الأنوار: 57/ 336 ح 25 و فيه: جابلقا و جابرسا.

(3) بحار الأنوار: 25/ 23 ح 39 و: 26/ 291 ح 51 و الأنوار النعمانية: 2/ 99.

67

فصل [منزلة الولي و معاني الولاية]

و إلى هذا السرّ إشارة من كلامه البليغ في نهج البلاغة فقال: و هو يعلم أن محلّي منها محلّ القطب من الرحى‏ (1)، و هذه إشارة إلى انّه (عليه السلام) غاية الفخار و منتهى الشرف و ذروة العزّ، و قطب الوجود و عين الوجود، و صاحب الدهر و وجه الحق و جنب العلى، فهو القطب الذي دار به كل دائر و سار به كل سائر، لأنّ سريان الولي في العالم كسريان الحق في العالم لأن الولاية هي الكلمة الجارية السارية فهي لكل موجود مولاه و معناه، لأن المولى هو الاسم الأعظم المتقبل لأفعال الربوبية و المظهر القائم بالأسرار الإلهية، و النقطة التي أدير عليها بركار (2) النبوّة فهي حقيقة كل موجود فهي باطن الدائرة و النقطة السارية السائرة، التي بها ارتباط سائر العوالم، و إلى هذا المعنى أشار ابن أبي الحديد فقال:

تقبلت أفعال الربوبية التي‏ * * * عذرت بها من شك أنك مربوب‏

و يا علة الدنيا و من بدء خلقها * * * إليه سيتلو البدء في الحشر تعقيب‏

(3) فهو قطب الولاية و نقطة الهداية، و خطة البداية و النهاية، يشهد بذاك أهل العناية و ينكره أهل الجهالة، و العماية، و قد ضمنه أمير المؤمنين (عليه السلام) أيضا في قوله: «كالجبل ينحدر عنّي السيل و لا يرقى إليّ الطير»، و هذا رمز شريف لأنّه شبه العالم في خروجهم من كتم العدم بالسيل و شبّه ارتفاعهم في ترقيهم بالطير لأنّ الأوّل ينحدر من الأعلى إلى الأدنى، و الثاني يرتفع من الأدنى إلى الأعلى فقوله ينحدر عنّي السيل إشارة إلى أنّه باطن النقطة التي عنها ظهرت الموجودات و لأجلها تكوّنت الكائنات، و قوله «و لا يرقى إليّ الطير» إشارة إلى انّه‏

____________

(1) في خطبته الشقشقية راجع نهج البلاغة الخطبة الثالثة.

(2) فركار خ ل.

(3) الصراط المستقيم: 1/ 169 الفصل الرابع.

69

فصل [منازل الآل (عليهم السلام) العالية]

و عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه قال: نحن شجرة النبوّة و معدن الرسالة، و نحن عهد اللّه و نحن ذمّة اللّه، لم نزل أنوارا حول العرش نسبّح فيسبّح أهل السماء لتسبيحنا، فلمّا نزلنا إلى الأرض سبّحنا فسبّح أهل الأرض فكل علم خرج إلى أهل السّماوات و الأرض فمنّا و عنّا، و كان في قضاء اللّه السابق أن لا يدخل النار محبّ لنا و لا يدخل الجنّة مبغض لنا لأنّ اللّه يسأل العباد يوم القيامة عمّا عهد إليهم و لا يسألهم عمّا قضى عليهم‏ (1).

و عن محمد بن سنان عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) انّه قال: يا ابن سنان إن محمدا كان أمين اللّه في خلقه فلمّا قبض كنّا نحن أهل بيته و خلفاؤه، و عندنا علم المنايا و البلايا و أنساب العرب، و مولد الإسلام و الجفر و الجامعة، و ما من فئة تضلّ بآية أو تهدي بآية إلّا و نحن نعرف ناعقها و قايدها و سائقها، و إنّا لنعرف الرجل إذا رأيناه بحقيقة الإيمان أو النفاق، و إنّ شيعتنا المكتوبين بأسمائهم أخذ اللّه علينا و عليهم العهد قبل خلق السّماوات و الأرض، يردون موردنا و يدخلون مدخلنا، ليس على حملة الإسلام غيرنا و غيرهم إلى يوم القيامة (2).

و عنهم (عليهم السلام) انّهم قالوا: نحن الليالي و الأيام، من لم يعرف هذه الأيام لم يعرف اللّه حق معرفته، «فالسبت» رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) النبوّة و لا نبي بعده، «و الأحد» أمير المؤمنين (عليه السلام) و هو أوّل من وحّد اللّه، «و الاثنين» نور الحسن و الحسين، «و الثلاثاء» ثلاثة أنوار: نور الزهراء و خديجة و أمّ سلمة، «و الأربعاء» أربعة أنوار: الساجد، و الباقر، و الصادق، و الكاظم، «و الخميس» خمسة أنوار: الرضا، و الجواد، و الهادي، و العسكري، و المهدي، «و الجمعة»

____________

(1) بحار الأنوار: 25/ 24 ح 41.

(2) بحار الأنوار: 26/ 241 ح 5.

68

أعلى الموجودات مقاما و لسائر البريات إماما، و لهم في الحشر قايدا و قساما، فهو قسيم نور الحضرة النبوية المحمدية صاحب الولاية الإلهية فهو الكلمة الربّانية و مولى سائر البرية، و لقد أحسن ابن أبي الحديد إذ فوق سهم التوفيق راميا لهذا المرمى الدقيق عن قوس التحقيق فقال:

و اللّه لو لا حيدر ما كانت ال * * * دنيا و لا جمع البرية مجمع‏

و إليه في يوم المعاد حسابنا * * * و هو الملاذ لنا غدا و المفزع‏

أقول: هذا رجل من المعتزلة اعتقاده عن الإقرار بالحق ما عزله، و أنت حوشيت من الرد تزعم أنك مولى من العبيد و الموالي فما لي كلّما أراك حاوي الأراك بشراك و شراك من شراك الإشراك، و بان لك باني البيّنات دراك حيث الإدراك و ما أدراك فعلك علك تشيم نور الأزهار، و عشاك غشاك عظيم أنوار الأسرار؛ قال: ما غشاك فعانقت ابتكار الأفكار في هاوية هواك فأهواك فهذا يا هذا أو ذاك و رأيك و رأيك، فأنت كما قيل من لا يحرّكه الربيع و أزهاره و العود و أوتاره، فقد فسد مزاجه و امتنع علاجه.

و لا ينفع مسموع‏ * * * إذا لم يك مطبوع.

71

لسيئاتهم، يا علي ذكرك و ذكر شيعتك في التوراة قبل أن يخلقوا بكل خير، و كذلك الإنجيل فإنّهم يعظمون إلينا شيعتك، يا علي ذكر شيعتك في السماء أكثر من ذكرهم في الأرض.

فبشّرهم بذلك، يا علي قل لشيعتك و أحبّائك يتنزّهون من الأعمال التي يعملها عدوّهم فما من يوم و ليلة إلّا و رحمة من اللّه نازلة إليهم، يا علي اشتدّ غضب اللّه على من أبغضك و أبغض شيعتك و استبدل بك و بهم يا علي ويل لمن استبدل بك سواك و أبغض من والاك يا علي أقرئ شيعتك السلام و أعلمهم أنّهم إخواني، و أنّي مشتاق إليهم فليتمسكوا بحبل اللّه و ليعتصموا به و يجتهدوا في العمل، فإنّ اللّه عز و جل راض عنهم يباهي بهم الملائكة لأنّهم و فوا بما عاهدوا و أعطوك صفو المودّة من قلوبهم و اختاروك على الآباء و الإخوة و الأولاد، و صبروا على المكاره فينا مع الأذى و سوء القول فيهم فكن بهم رحيما فإنّ اللّه سبحانه اختارهم لنا و خلقهم من طينتنا، و استودعهم سرّنا و ألزم قلوبهم معرفة حقّنا، و جعلهم متحلين بحلّتنا لا يؤثرون علينا من خالفنا بالناس في غمة من الضلال، قد عموا عن الحجّة و تنكبوا عن المحجّة، يصبحون و يمسون في سخط اللّه، و شيعتك على منهاج الحق لا يستأنسون إلى من خالفهم، و ليست الدنيا لهم و لا همهم منها أولئك مصابيح الدجى‏ (1).

و عنه (عليه السلام) أنّه قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا (2)، فلا ينجو إلّا من كان منهم و معهم لصدق الحديث و الباقون إلى النار، فشيعتنا آخذون بحجزتنا و نحن آخذون بحجزة نبيّنا، و نبيّنا آخذ بحجزة ربّنا- و الحجزة: النور- من فارقنا هلك و من تبعنا نجا، الجاحد لولايتنا كافر و الجاحد لفضلنا كافر (3).

لأنّه لا فرق بين جحود الولاية و جحود الفضل، و جحود النبوّة و جحود الربوبية، فإنّ جحود كل مقام من هذه يستلزم جحود الآخر، و الإقرار بكل واحد منهما يستدعي الإقرار بالآخر.

و قال (عليه السلام): و لا يبغضنا مؤمن و لا يجحدنا موقن، و لا يحبّنا كافر، و من مات على حبّنا كان‏

____________

(1) بحار الأنوار: 68/ 48 ح 91 و 39/ 309 ح 124 بتفاوت.

(2) تقدّم الحديث.

(3) بحار الأنوار: 23/ 312 ح 20.

72

حقّا على اللّه أن يبعثه معنا. نحن نور لمن تبعنا، و هدى لمن اهتدى بنا، و من لم يكن منّا فليس من الإسلام في شي‏ء، بنا فتح اللّه، و بنا ختم اللّه و بنا أطعمكم عشب الأرض، و بنا يمسك السّماوات و الأرض أن تزولا، و بنا ينزل غيث السماء و بنا آمنكم من الخسف في البر، و من الغرق في البحر، و بنا ينفعكم اللّه في حياتكم و عند موتكم و في قبوركم و عند الصراط و عند الميزان و عند دخول الجنّة، مثلنا في كتاب اللّه مثل المشكاة، و المشكاة في القنديل نور علي و فاطمة، يهدي اللّه لنوره من يشاء و من أحبّنا كان حقّا على اللّه أن يبعثه، نيرا برهانه، ثابتة حجّته، فنحن النجباء، و نحن النور و الضياء، و نحن أفراط الأنبياء و أولاد الأوصياء و بقية الأوصياء، و شيعتنا السعداء و الشهداء، و هذا كلام فيه الشفاء (1).

و من كتاب الأربعين ما رواه عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إذا كان يوم القيامة نادى مناد: يا علي يا ولي يا سيّد يا صابر يا ديّان يا والي يا هادي يا زاهد يا طيب يا طاهر مر أنت و شيعتك إلى الجنّة بغير حساب‏ (2).

و يؤيّد ذلك «ما رواه» صاحب كتاب النخب قال: تشاجر رجلان في [خلافة] «علي» و إمامته فجاءا إلى شريك فسألاه فقال: حدّثني الأعمش عن حذيفة بن اليمان عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: إنّ اللّه خلق [عليا] قضيبا في الجنة من تمسّك به فهو من أهل الجنّة، فاستعظم الرجل ذلك و جاء إلى ابن دراج فأخبره فقال: لا تعجب، حدّثني الأعمش عن أبي سعيد الخدري أن رسول اللّه قال: إنّ اللّه خلق قضيبا في بطنان العرش لا يناله إلّا «علي» و من تولّاه، فقال الرجل: هذا من ذاك، فمضى إلى وكيع بن الحارث فجاء فأعلمه فقال: لا تعجب، حدّثني الأوزاعي عن أبي سعيد الخدري عن رسول اللّه قال: أركان العرش لا ينالها إلّا «علي» و شيعته فاعترف الرجل بفضله‏ (3) ...

و من كتاب المناقب: أن للّه عمودا من نور يضي‏ء لأهل الجنّة كالشمس لأهل الدنيا لا يناله إلّا علي و شيعته‏ (4).

____________

(1) بطوله في البحار: 23/ 312- 313 ح 20.

(2) في الدعاء: السلام عليك يا باب اللّه و ديّان دينه. بحار الأنوار: 102/ 81 ح 1.

(3) بحار الأنوار: 39/ 259 ح 34 و الحديث طويل اختصره المصنّف.

(4) بحار الأنوار: 39/ 268 ح 45 باب 87.

70

اجتماع شيعتنا على ولايتنا، و لعنة اللّه على أعدائنا (1).

و عن ابن عبّاس من كتاب الأمالي قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): شيعة علي هم الفائزون يوم القيامة، (يا علي) أنا منك و أنت منّي روحك روحي و شيعتك شيعتي، و أولياؤك أوليائي، من أحبّهم فقد أحبّني و من أبغضهم فقد أبغضني، و من عاداهم فقد عاداني، يا علي شيعتك مغفور لهم على ما كان منهم من عيوب و ذنوب، و أنا الشفيع لهم غدا إذا قمت المقام المحمود فبشّرهم بذلك، يا علي شيعتك شيعة اللّه و أنصارك أنصار اللّه و حزبك حزب اللّه و حزب اللّه هم المفلحون، يا علي سعد من والاك و شقي من عاداك.

و عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن أمير المؤمنين قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يا علي إنّ اللّه وهب لك حبّ المساكين و المستضعفين في الأرض فرضيت بهم إخوانا و رضوا بك إماما فطوبى لمن أحبّك و ويل لمن أبغضك، يا علي أهل مودّتك كل حفيظ و كل ذي طمرين، لو أقسم على اللّه لأبرّ قسمه، يا علي أحباؤك كل محتقر عند الخلق عظيم عند الحق، يا علي محبّوك جيران اللّه في الفردوس و لا يأسفون على ما خلفوا من الدنيا، يا علي أنا ولي لمن واليت و عدوّ لمن عاديت، يا علي إخوانك ذبل الشفاه تعرف الربانية في وجوههم يفرحون في ثلاث مواطن عند الموت و أنا شاهدهم، و عند المساءلة في قبورهم و أنت تلقاهم، و عند العرض الأكبر إذا دعي كل أناس بإمامهم، يا علي بشّر إخوانك أنّ اللّه قد رضي عنهم، يا علي أنت أمير المؤمنين و قائد الغرّ المحجلين، و أنت و شيعتك الصادقون المسبّحون، و لو لا أنت و شيعتك ما قام للّه دين، [و لو لا] من في الأرض منكم لما نزل من السماء قطر، يا علي لك في الجنّة كنز و أنت ذو قرنيها، و شيعتك حزب اللّه هم الغالبون، يا علي أنت و شيعتك القائمون بالقسط، يا علي أنت و شيعتك القائمون على الحوض تسقون من أحبّكم، و تمنعون من أبغضكم و أنتم الآمنون يوم الفزع الأكبر، يا علي أنت و شيعتك تظلّون في الموقف و تنعمون في الجنان، يا علي إنّ الجنّة مشتاقة إلى شيعتك و إنّ حملة العرش المقرّبين يستغفرون لهم و يفرحون بقدومهم، و إنّ الملائكة يخصونهم بالدعاء، يا علي شيعتك الذين يتنافسون في الدرجات و يلقون اللّه و لا ذنب عليهم، يا علي أعمال شيعتك تعرض عليّ في كل جمعة فأفرح بصالح أعمالهم و أستغفر

____________

(1) بحار الأنوار: 24/ 238 ح 1 بتفاوت.

73

و قال الصادق (عليه السلام) لملأ من الشيعة بعد أن سلّم عليهم: انّي و اللّه أحبّ ريحكم و أرواحكم فأعينونا بورع و اجتهاد، و اعلموا أن ولايتنا لا تنال إلّا بالورع فأنتم شيعة اللّه، و أنتم أنصار اللّه و أنتم السابقون الأوّلون و السابقون الآخرون في الدنيا إلى ولايتنا و في الآخرة إلى الجنّة، قد ضمنا لكم الجنة بضمان اللّه و ضمان رسوله فتنافسوا في فضائل الدرجات و أنتم الطيّبون و نساؤكم الطيبات كل مؤمنة حوراء «عيناء»، و كل مؤمن صدّيق، و لقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لقنبر: أبشر، و استبشر، و بشّر، فلقد مات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هو ساخط على امّته إلّا الشيعة، ألا و إن لكل شي‏ء عروة و عروة الإيمان الشيعة، ألا و إنّ لكلّ شي‏ء دعامة و دعامة الإسلام الشيعة، ألا و إن لكل شي‏ء شرفا و شرف الإسلام الشيعة، ألا و إن لكل شي‏ء سيّدا و سيّد المجالس مجلس الشيعة، ألا و إن لكل شي‏ء إماما و إمام الأرض أرض تسكنها الشيعة، و اللّه لو لا من في الأرض منكم لما أنعم اللّه على أهل الخلاف و ما لهم في الآخرة من نصيب، و إن تعبدوا و اجتهدوا ألا إن شيعتنا ينظرون بنور اللّه و من خالفنا ينقلب في سخط اللّه، و اللّه إن حاجّكم و عماركم خاصّة اللّه، و إن فقراءكم أهل الغنى و إن أغنياءكم أهل القنوع، و إن كلكم أهل دعوة اللّه و أهل إجابته‏ (1).

و مما وجد بخط العسكري (عليه السلام) أنه كتب: صعدنا ذرى الحقائق بأقدام النبوّة و الولاية و نحن أعلام الهدى و بحار الندى و مصابيح الدجى، و ليوث الوغى و طعان العدى، و فينا نزل السيف و القلم في العاجل، و لنا الحوض و اللوى في الآجل، و أسباطنا خلفاء الدين و صفوة ربّ العالمين‏ (2).

و من ذلك ما وجد بخطّه (عليه السلام) أيضا: أعوذ باللّه من قوم حذفوا محكمات الكتاب، و نسوا اللّه ربّ الأرباب، و النبي و ساقي الكوثر في مواطن الحساب، و لظى و الطامة الكبرى و نعيم يوم المآب، فنحن السنام الأعظم، و فينا النبوّة و الإمامة و الكرم، و نحن منار الهدى و العروة الوثقى، و الأنبياء كانوا يغترفون من أنوارنا و يقتفون آثارنا، و سيظهر اللّه مهدينا على الخلق و السيف المسلول لإظهار الحق، و هذا بخط الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن‏

____________

(1) بعضه في البحار: 68/ 80 ح 141 و بعضه في: 26/ 134 ح 9.

(2) البحار: 26/ 264 ح 50 و شرح الزيارة الجامعة: 1/ 55.

74

جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)(1).

يؤيّد ذلك ما رواه جابر الأنصاري عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه خرج يوما و معه الحسن و الحسين (عليهما السلام) فخطب الناس ثم قال في خطبته: أيّها الناس ان هؤلاء عترة نبيّكم و أهل بيته، و ذريّته و خلفاؤه، شرّفهم اللّه بكرامته و استودعهم سرّه و استحفظهم غيبه و استرعاهم عباده، و أطلعهم على مكنون علمه و لقّنهم كلمته، و ولّاهم أمر عباده و أمرهم على خلقه، و اصطفاهم لتنزيله و أخدمهم ملائكته، و صرفهم في مملكته، و ارتضاهم لسرّه، و اجتباهم لكلماته و اختارهم لأمره، و جعلهم أعلاما لدينه، و جعلهم شهداء على عباده و أمناء في بلاده، فهم الأئمة المهدية، و العترة الزكية، و الذرية النبوية، و السادة العلوية، و الامّة الوسطى، و الكلمة العليا، و سادة أهل الدنيا، و الرحمة الموصولة لمن لجأ إليهم، و نجاة لمن تمسّك بهم، سعد من والاهم و شقي من عاداهم، من تلاهم أمن من العذاب و من تخلّف عنهم ضلّ و خاب، إلى اللّه يدعون، و عنه يقولون، و بأمره يعملون، و في أبياتهم هبط التنزيل، و إليهم بعث الأمين جبرائيل‏ (2).

فهم كما قيل:

إذا رمت يوم البعث تنجو من اللظى‏ * * * و يقبل منك الدين و الفرض و السنن‏

فوال عليا و الأئمة بعده‏ * * * نجوم هدى تنجو من الضيق و المحن‏

فهم عترة قد فوّض اللّه أمره‏ * * * إليهم فلا ترتاب في غيرهم فمن‏ (3)

أئمّة حق أوجب اللّه حبّهم‏ (4) * * * و طاعتهم فرض بها الخلق يمتحن‏

فحبّ علي عدة لوليه‏ * * * يلاقيه عند الموت و القبر و الكفن‏

كذلك يوم البعث لم ينج قادم‏ * * * من النار إلّا من تولّى أبا الحسن‏

[نصحتك أن ترتاب فيهم فتثني‏ * * * إلى غيرهم من غيرهم في الأنام من!] (5)

____________

(1) بحار الأنوار: 26/ 264 ح 49.

(2) بحار الأنوار: 26/ 255 ح 30- 35.

(3) في الغدير: 7/ 49: إليهم لما قد خصّهم منه بالمنن.

(4) في الغدير: حقّهم.

(5) مستدرك عن الغدير: 7/ 49.

75

فصل [بركات آل محمد (عليهم السلام) على الخلائق‏]

و بيان هذا الحديث الشريف الرفيع أن اللّه خلق ألف صنف من الخلق و كرّم آدم على سائر من خلق، أخدمهم الملائكة و سخّر لهم السّماوات و الأرض، و فضّل الرجال منهم على النساء، و كرّمهم بالإسلام و فضّل الإسلام على سائر الأديان، و شرّفهم بمحمّد، و فضّله على جميع الأنبياء و المرسلين و اختار لهم عليّا و فضّله على جميع الوصيّين، و جعل حبّه الإيمان و كمال الدين و عين اليقين، و جعل شيعته يدخلون الجنّة بغير حساب، فمن كان رجلا مسلما مؤمنا مواليا لعلي و عترته فقد رزق الخير كله، ثم جعل الخلائق عشرة أجزاء منهم تسعة شياطين و مردة، و جعل واحدا منهم الإنس، و جعل الإنس مائة و عشرين صنفا، و جعل منهم يأجوج و مأجوج تسعا و تسعين صنفا، و باقي الخلائق اثني عشر صنفا، و جعل من ذلك الروم و السقالبة أحد عشر صنفا، و جعل الحبش و الزنج في المغرب و الترك و البربر و الكيماك‏ (1) في المشرق، و الكل كفّار و بقي أهل الإسلام صنف واحد ثم افترق هذا الصنف إلى ثلاثة و سبعين فرقة منهم اثنان و سبعون أهل البدع و الضلال و فرقة واحدة في الجنة، و هي التي بقيت بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على ما بقي عليه أهل بيته، فمن وجد نفسه من أهل النجاة من هذه الفرق فليحمد اللّه.

و عن محمد بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سمعته يقول: نحن جنب اللّه و نحن صفوة اللّه و نحن خير اللّه و نحن مستودع مواريث الأنبياء و نحن امناء اللّه، و نحن وجه اللّه و نحن أئمة الهدى، و نحن العروة الوثقى و بنا فتح اللّه و بنا ختم اللّه و نحن الأوّلون، و نحن الآخرون و نحن أخيار الدهر و نواميس العصر، و نحن سادة العباد و ساسة البلاد، و نحن النهج القويم و الصراط المستقيم و نحن عين الوجود، و حجّة المعبود و لا يقبل اللّه عمل عامل جهل حقّنا و نحن قناديل‏

____________

(1) في نسخة: الكتمال.

76

النبوّة، و مصابيح الرسالة و نحن نور الأنوار و كلمة الجبّار، و نحن راية الحق التي من تبعها نجا و من تأخّر عنها هوى و نحن أئمّة الدين و قادة الغرّ المحجلين و نحن معدن النبوة و موضع الرسالة و إلينا تختلف الملائكة و نحن السراج لمن استضاء، و السبيل لمن اهتدى و نحن القادة إلى الجنة و نحن الجسور و القناطر، و نحن السنام الأعظم و بنا ينزل الغيث و بنا ينزل الرحمة، و بنا يدفع العذاب و النقمة، فمن سمع هذا الهدى فليتفقّد قلبه في حبّنا فإن وجد فيه البغض لنا و الإنكار لفضلنا، فقد ضلّ عن سواء السبيل لأننا نحن عين الوجود، و حجّة المعبود و ترجمان وحيه و غيبة علمه و ميزان قسطه، و نحن فروع الزيتونة و ربائب الكرام البررة، و نحن مصباح المشكاة التي فيها نور النور و نحن صفوة الكلمة الباقية، إلى يوم الحشر المأخوذ لها الميثاق و الولاية من الذرّ (1).

و يؤيّد هذا ما ورد في الأمالي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: نزل إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ملك اسمه محمود و له أربعة و عشرون ألف وجه فقال: بعثني إليك ربّ العزّة لتزوج النور بالنور فقال:

من بمن؟ فقال عليّا بفاطمة. قال: فلما ولى الملك إذا بين كتفيه مكتوب لا إله إلّا اللّه محمد رسول اللّه علي ولي اللّه، فقال له النبي: منذ كم كتب هذا بين كتفيك؟ فقال: قبل أن يخلق اللّه آدم بثمان و عشرين ألف عام‏ (2).

و من كتاب الأمالي مرفوعا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال يوما: ما بال قوم إذا ذكر إبراهيم و آل إبراهيم استبشروا، و إذا ذكر محمّد و آل محمّد اشمأزت قلوبهم، فو الذي نفس محمد بيده لو جاء أحدكم بأعمال سبعين نبيّا، و لم يأت بولاية أهل بيتي لدخل النار صاغرا و حشر في جهنّم خاسرا، أيّها الناس نحن أصل الإيمان و تمامه و نحن وصيّة اللّه في الأوّلين و الآخرين، و نحن قسم اللّه الذي أقسم بنا فقال: وَ التِّينِ وَ الزَّيْتُونِ* وَ طُورِ سِينِينَ* وَ هذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ‏ (3) و لو لانا لم يخلق اللّه خلقا و لا جنّة و لا نارا (4).

و من ذلك ما رواه أبو سعيد الخدري قال: خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: أيّها الناس نحن‏

____________

(1) بحار الأنوار: 26/ 259 ح 36.

(2) بحار الأنوار: 43/ 109 ح 22.

(3) التين: 1- 3.

(4) كنز العمال: 11/ 431 ح 32025 و إرشاد القلوب: 2/ 414.

77

أبواب الحكمة و مفاتيح الرحمة و سادة الأمّة و أمناء الكتاب، و فصل الخطاب و بنا يثيب اللّه، و بنا يعاقب، و من أحبّنا أهل البيت عظم إحسانه، و رجح ميزانه و قبل عمله و غفر زلله، و من أبغضنا لا ينفع إسلامه، و إنّا أهل بيت خصّنا اللّه بالرحمة و الحكمة و النبوّة و العصمة، و منّا خاتم الأنبياء ألا و إنا راية الحق التي من تلاها سبق و من تأخّر عنها مرق، ألا و إننا خيرة اللّه اصطفانا على خلقه و ائتمننا على وحيه، فنحن الهداة المهديون، و لقد علمت الكتاب، و لقد عهد إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ما كان و ما يكون، و أنا أخو رسول اللّه و خازن علمه، أنا الصدّيق الأكبر و لا يقولها غيري إلّا مفتر كذّاب و أنا الفاروق الأعظم‏ (1).

و أنا أقول ختما لهذا الكلام و مدحا للسادة الكرام:

هم القوم آثار النبوّة منهم‏ * * * تلوح و أنوار الإمامة تلمع‏

مهابط وحي اللّه خزّان علمه‏ * * * و عندهم سرّ المهيمن موسع‏

إذا جلسوا للحكم فالكل أبكم‏ * * * و إن نطقوا فالدهر أذن و مسمع‏

و إن ذكروا فالكون ندّ و مندل‏ * * * له أرج من طيبهم يتضوّع‏

و إن بادروا فالدهر يخفق قلبه‏ * * * لسطوتهم و الأسد في الغاب تجزع‏

و إن ذكر المعروف و الجود في الورى‏ * * * فبحر نداهم زاخر يتدفع‏

أبوهم سماء المجد و الأمّ شمسه‏ * * * نجوم لها برج الجلالة مطلع‏

____________

(1) مناقب الخوارزمي: 72 و المعجم الكبير: 6/ 269.

78

فيا نسبا كالشمس أبيض مشرقا * * * و يا شرفا من هامة النجم أرفع‏

فمن مثلهم إن عدّ في الناس مفخرا * * * إذا عدّ نظرا يا صاح إن كنت تسمع‏

ميامين قوامون عزّ نظيرهم‏ * * * هداة ولاة للرسالة منبع‏

فلا فضل إلّا حين يذكر فضلهم‏ * * * و لا علم إلّا علمهم حين يرفع‏

و لا عمل ينجي غدا غير حبّهم‏ * * * إذا قام يوم البعث للخلق مجمع‏

و لو أن عبدا جاء في اللّه جاهدا * * * بغير و لا أهل العبا ليس ينفع‏

فيا عترة المختار يا راية الهدى‏ * * * إليكم غدا في موقفي أتطلّع‏

خذوا بيد البرسي عبد ولائكم‏ * * * فمن غيركم يوم القيامة يشفع‏

فمن حاد عنكم أو تولّى سواكم‏ * * * فليس له في رحمة اللّه مطمع‏

عليكم سلام اللّه يا راية الهدى فويل لعبد غيرها جاء يتبع‏ (1)

____________

(1) أعيان الشيعة: 6/ 467.

79

فصل [أثر حبّ علي و أثر بغضه (عليه السلام)‏]

و عن ابن عبّاس عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن اللّه نصب عليا علما بينه و بين خلقه فمن عرفه كان مؤمنا و من أنكره كان كافرا و من جهله كان ضالّا و من ساواه بغيره كان مشركا، و من جاء بولايته كان فائزا، و دخل الجنة آمنا و من جاء بعداوته دخل النار صاغرا (1).

و عن سديف عن جابر بن عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و عنه عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من كتاب ما اتفق من الأخبار قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يا علي أنت صاحب حوضي و وارث علمي، و حامل لوائي و منجز و عدي، و مفرّج همّي، و مستودع مواريث الأنبياء، و أنت أمين اللّه في أرضه، و خليفته على خلقه، و أنت مصباح النجاة و طريق الهدى و إمام التقى، و الحجّة على الورى، و أنت العلم المرفوع في الدنيا و الصراط المستقيم يوم القيامة (2).

و عن أبي سعيد الخدري قال: خطب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقال في خطبته: أيّها الناس من أبغضنا أهل البيت بعثه اللّه يهوديا لا ينفعه إسلامه، و إن أدرك الدجال آمن به، و إن مات بعثه اللّه من قبره حتى يؤمن به‏ (3).

و في رواية: من أبغضنا أهل البيت لم يبعثه اللّه يهوديا و لا نصرانيا، و لكن خيرا منه.

و هذا أفصح الكلام و معناه يكون خيرا منه اليهود و النصارى فويل لمبغضهم و طوبى لمحبّهم.

أيّها الناس: إنّ ربّي عز و جل مثّل لي أمّتي في الطين و علّمني أسماءهم كما علّم آدم الأسماء، فمرّ بي أصحاب الرايات فاستغفرت لشيعة علي، ألا إن أصحاب الجنة علي‏

____________

(1) بحار الأنوار: 32/ 324 ح 300.

(2) أمالي الصدوق: 306 المجلس 50، و بحار الأنوار: 38/ 100 ح 2.

(3) بحار الأنوار: 27/ 135 ح 132.

81

و من ذلك من كتاب الفردوس للديلمي مرفوعا إلى جابر بن عبد اللّه قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): مكتوب على باب الجنّة لا إله إلّا اللّه محمد رسول اللّه علي أخوه ولي اللّه‏ (1)، أخذت ولايته و عهده على الذر قبل خلق السّماوات و الأرض بألفي عام، من سرّه أن يلقى اللّه و هو عنه راض فليتولّ عليا و عترته فهم نجبائي و أوليائي و خلفائي و أحبّائي‏ (2).

و عن كعب بن عياض عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: لعلي نوران نور في السماء، و نور في الأرض، فمن تمسّك بنور منهما دخل الجنّة، و من أخطأهما دخل النار و ما بعث اللّه وليا إلّا و قد دعاه إلى ولاية علي طائعا أو كارها (3).

و من ذلك من كتاب اللباب مرفوعا إلى ابن عباس قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): ستكون بعدي فتنة مظلمة لا ينجو منها إلّا من تمسّك بالعروة الوثقى، قيل: و من هي يا رسول اللّه؟ قال:

علي بن أبي طالب‏ (4).

يؤيّد ذلك ما رواه في مناقب الغزالي الشافعي مرفوعا إلى أبي ذر قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): من ناصب عليا الخلافة بعدي فهو كافر (5)، و هذا فلان قد ناصب عليا الخلافة و غضبه، فما تقول؟

و عن سعيد بن جبير قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): جحود نعمة اللّه كفر و جحود نبوّتي كفر، و جحود ولاية علي كفر، لأنّ التوحيد لا يبنى إلّا على الولاية.

و عن الأسماخ بن الخزرج قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يا علي لا يتقدّمك بعدي إلّا كافر، و لا يتخلّف عنك إلّا كافر، أنت نور اللّه في عباده و حجّة اللّه في بلاده و سيف اللّه على أعدائه، و وارث علوم أنبيائه، أنت كلمة اللّه العليا و آيته الكبرى، و لا يقبل اللّه الإيمان إلّا بولايتك‏ (6).

____________

(1) كنز العمّال: 11/ 624 ح 33043.

(2) بحار الأنوار: 8/ 131 ح 34.

(3) البحار: 11/ 60 ح 69.

(4) البحار: 36/ 20 ح 16 و 37/ 307 ح 40.

(5) مناقب ابن المغازلي: 46 ح 68، و مسند شمس الأخبار: 1/ 105.

(6) كنز الفوائد: 185، و مائة منقبة: 79، و كفاية الطالب: 215، و مناقب ابن المغازلي: 46 ح 69 و تاريخ بغداد: 11/ 102.

82

و من ذلك ما رواه ابن عباس عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: إنّ يوم القيامة يوم شديد الهول فمن أراد منكم أن يتخلّص من أهوال القيامة و شدائده فليوال وليّي، و ليتّبع وصيّي و خليفتي و صاحب حوضي علي بن أبي طالب، فإنّه غدا على الحوض يذود عنه أعداءه و يسقي منه أولياءه فمن لم يشرب لم يزل ظمآنا لم يرو أبدا و من شرب منه لم يظمأ بعده أبدا، ألا و إن حبّ علي علامة بين الإيمان و النفاق فمن أحبّه كان مؤمنا، و من أبغضه كان منافقا، فمن سرّه أن يمرّ على الصراط كالبرق الخاطف و يدخل الجنّة بغير حساب، فليوال وليّي و خليفتي على أهلي و أمّتي علي بن أبي طالب، فإنّه باب اللّه و الصراط المستقيم، و علي يعسوب الدين، و قائد الغرّ المحجلين و مولى من أنا مولاه، لا يحبّه إلّا طاهر الولادة زاكي العنصر و لا يبغضه إلّا من خبث أصله و ولادته، و ما كلّمني ربّي ليلة المعراج إلّا قال لي: يا محمد اقرأ عليا مني السلام و عرّفه أنّه إمام أوليائي و نور من أطاعني فهنيئا له بهذه الكرامة منّي‏ (1).

و قال (صلّى اللّه عليه و آله): لا تستخفّوا بالفقير من شيعة علي فإنّ الرجل منهم يشفع في مثل ربيعة و مضر (2).

____________

(1) بعضه في بحار الأنوار: 8/ 19 ح 6.

(2) بحار الأنوار: 8/ 56 ح 68.

80

و شيعته‏ (1).

و من ذلك ما رواه ابن عباس قال: خطب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقال: يا معاشر الناس، إن اللّه أوحى إليّ أني مقبوض و أن ابن عمّي هو أخي و وصيّي و ولي اللّه و خليفتي، و المبلّغ عنّي و هو إمام المتّقين و قائد الغرّ المحجلين و يعسوب الدين، و إن استرشدتموه أرشدكم، و إن تبعتموه نجوتم، و إن أطعتموه فاللّه أطعتم، و إن عصيتموه فاللّه عصيتم، و إن بايعتموه فاللّه بايعتم، و إن نكثتم بيعته فبيعة اللّه نكثتم، إن اللّه عز و جل نزّل عليّ القرآن و عليّ سفيره، فمن خالف القرآن ضلّ، و من ابتغى علمه من غير علي زلّ، معاشر الناس ألا إن أهل بيتي خاصّتي و قرابتي، و أولادي و ذريّتي و لحمي و دمي و وديعتي و إنكم مجموعون غدا و مساءلون عن الثقلين فانظروا كيف تخلفوني فيهم، فمن آذاهم فقد آذاني، و من ظلمهم فقد ظلمني، و من نصرهم فقد نصرني و من أعزّهم فقد أعزّني، و من طلب الهدى من غيرهم فقد كذّبني، فاتقوا اللّه و انظروا ما أنتم قائلون غدا فإني خصم لمن كان خصمهم و من كنت خصمه فالويل له‏ (2):

بني الوحي و الآيات يا من مديحهم‏ * * * علوت به قدرا و طبت به ذكرا

مهابط سرّ اللّه خزّان غيبه‏ * * * و أعلى الورى فخرا و أرفعهم قدرا

ركائب آمالي إليكم حثثتها * * * فلا أرتجي في الناس زيدا و لا عمرا

و من ذا الذي أضحى برفع نداكم‏ * * * نزيلا و ما أبدلتم عسره يسرا؟

و من ذلك ما رواه حذيفة بن اليمان قال: رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) آخذ بيد الحسن بن علي و هو يقول: أيّها الناس هذا ابن علي فاعرفوه، فو الذي نفس محمد بيده إنّه لفي الجنّة و محبّه في الجنّة، و محبّ محبيه في الجنّة (3).

و عن أبي الطيب الهروي عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لعلي و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام): أنا حرب لمن حاربكم و سلم لمن سالمكم، مبغض لمن أبغضكم، محبّ لمن أحبّكم، شافع لمن والاكم آخذ بيد من مال إليكم‏ (4).

____________

(1) بصائر الدرجات: 86 ح 15 باب انه عرف ما رأى في الأظلة، و بحار الأنوار: 17/ 153 ح 59.

(2) بحار الأنوار: 23/ 153 ح 118 و: 38/ 94 ح 10.

(3) بحار الأنوار: 27/ 136 ح 134.

(4) بحار الأنوار: 22/ 286 ح 55، و كفاية الطالب: 330.

84

و كان يخبرني بالأحداث التي تكون بعدي، و يأمرني أن أخبر بذلك عليا و أوصيه، يا أم سلمة اسمعي و اشهدي هذا علي بن أبي طالب أخي في الدنيا و الآخرة، يا أم سلمة اسمعي و اشهدي هذا علي بن أبي طالب صاحب لوائي في الدنيا و الآخرة (1).

و عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): علي خليفة اللّه و وليّه و حجّته على جميع خلقه، طاعته مقرونة بطاعة اللّه و طاعتي، فمن عرفه عرفني، و من أنكره أنكرني، ثم قال: أنا و علي و فاطمة و الحسن و الحسين و تسعة من ولد الحسين حجج اللّه على خلقه، أعداؤنا أعداء اللّه و أولياؤنا أولياء اللّه‏ (2).

____________

(1) الحديث بطوله في بحار الأنوار و المصنّف اختصره: 22/ 221 ح 1.

(2) بحار الأنوار: 36/ 227 ح 5. و الحديث طويل.

83

فصل [إقرار الأمم بفضل علي (عليه السلام)‏]

و عن أبي الحمراء قال: قال لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يوما: أبا الحمراء انطلق و ادع لي مائة من العرب و خمسين رجلا من العجم، و ثلاثين رجلا من القبط، و عشرين رجلا من الحبشة.

قال: فذهبت فأتيت بهم، فقام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فصف العرب ثم صف العجم خلف العرب، ثم صف القبط خلف العجم ثم صف الحبشة خلف القبط، ثم حمد اللّه و أثنى عليه بمحامد لم تسمع الخلائق مثلها ثم قال: معاشر العرب و العجم و القبط و الحبشة شهادة لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له و أنّ محمدا عبده و رسوله و أن عليا أمير المؤمنين ولي اللّه، قالوا:

نعم. قال: اللهمّ اشهد حتى قالها ثلاثة، ثم قال: يا علي آتني بدواة و بياض فأتاه بهما، فقال:

اكتب «بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا ما أقرّت به العرب و العجم و القبط و الحبشة أقرّوا بأن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له و أنّ محمدا عبده و رسوله و أن عليا أمير المؤمنين ولي اللّه» ثم ختم الصحيفة و دفعها إلى علي بن أبي طالب‏ (1).

و من ذلك في كتاب الأمالي مرفوعا إلى أمّ سلمة قالت: كان يومي من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فجئت لأدخل فردّني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فرجعت خائفة ثم رجعت ثانية و أتيت الباب لأدخل فمنعني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فكبوت لوجهي خوفا من ذلك، ثم لم ألبث أن أتيت الباب ثالثة فقلت: أ أدخل يا رسول اللّه؟ فقال: ادخلي فدخلت و علي جاث بين يديه و هو يقول: فداك أبي و امّي يا رسول اللّه فإذا كان كذا و كذا فبم تأمرني؟ فقال: آمرك بالصبر ثم أعاد ثانية فأمره بالصبر، ثم أعاد الثالثة فقال: يا علي «يا أخي» إذا كان ذلك منهم فقم و اشهر سيفك وضعه على عاتقك و اضرب به قدما حتى تلقاني و سيفك شاهرا يقطر من دمائهم، ثم التفت إلي و قال: يا أم سلمة ما رددتك لأمر تحذرينه، و لكن كان جبرائيل عن يميني و علي عن يساري،

____________

(1) بحار الأنوار: 38/ 108 ح 38 و الحديث طويل.

85

فصل [علي (عليه السلام) الإمام المبين‏]

و من ذلك ما رواه ابن عباس قال: لمّا نزلت هذه الآية: وَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ‏ (1) قام رجلان فقالا: يا رسول اللّه، أ هي التوراة؟ قال: لا. قالا: فهو الإنجيل؟ قال: لا.

قالا: فهو القرآن؟ قال: لا. فأقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: هو هذا الذي أحصى اللّه فيه علم كل شي‏ء، و إن السعيد كل السعيد من أحبّ عليا على حياته و بعد وفاته، و الشقي كل الشقي من أبغض هذا في حياته و بعد وفاته‏ (2).

قال حذيفة بن اليمان: رأى أمير المؤمنين (عليه السلام) رجلا من شيعته و قد أثر فيه السن و هو يتجلد، فقال له: كبر سنك يا رجل، فقال: في طاعتك يا أمير المؤمنين. فقال: إنّك تتجلّد.

فقال: على أعدائك. فقال: أجد فيك بقيّة، فقال: هي لك يا أمير المؤمنين‏ (3).

و قال أمير المؤمنين (عليه السلام): نحن أئمّة المسلمين و حجّة اللّه على العالمين، و نحن أمان لأهل السّماوات و الأرضين، و لو لانا لساخت الأرض بأهلها (4).

و قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إن اللّه اختارني و اصطفاني، و جعلني سيّد المسلمين و اختار لي وزيرا من أهلي، و جعله سيّد الوصيّين، الحياة معه سعادة، و الموت معه سعادة، أوّل من آمن بي و صدّقني اسمه في التوراة مقرون مع اسمي، و زوجته الصدّيقة الكبرى فاطمة الزهراء ابنتي، و ابناه ريحانتاي من الدنيا و سيدا شباب أهل الجنّة، و الأئمة من ولده حجج اللّه على خلقه، من تبعهم نجا من النار و من اقتدى بهم هدي إلى الصراط المستقيم، ما وهب اللّه‏

____________

(1) يس: 12.

(2) بحار الأنوار: 35/ 427 ح 2، و: 21/ 143 ح 6.

(3) بحار الأنوار: 42/ 186 ح 1.

(4) أصول الكافي: 1/ 179 ح 12، و بصائر الدرجات: 488.

87

كمل ثلثا الإيمان، و من أحبّك بيده و قلبه و لسانه فقد كمل الإيمان، و الذي بعثني بالحق نبيّا لو أحبّك أهل الأرض كمحبّة أهل السماء لما عذّب اللّه أحدا بالنار، يا علي بشرني جبرائيل عن ربّ العالمين فقال لي: يا محمد بشّر أخاك عليا أنّي لا أعذّب من تولّاه و لا أرحم من عاداه‏ (1).

و عن سعيد بن جبير عن عائشة قالت قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يوما لعلي: أنت سيّد العرب، فقلت: يا رسول اللّه أ لست سيّد العرب؟ فقال: أنا سيّد ولد آدم و علي سيّد العرب‏ (2)، فقلت:

و ما السيد؟ فقال: من فرضت طاعته كما فرضت طاعتي.

و قال لعلي (عليه السلام): أنت منّي بمنزلة شيث من آدم و بمنزلة سام من نوح، و بمنزلة إسحاق من إبراهيم، و بمنزلة هارون من موسى، و بمنزلة شمعون من عيسى، إلّا أنّه لا نبي بعدي، يا علي أنت وصيّي و خليفتي، و من نازعك في الإسلام بعدي فليس من الإسلام في شي‏ء، و أنا خصيمه يوم القيامة، يا علي أنت أفضل أمّتي فضلا، و أقدمهم سلما و أكثرهم علما و أوفرهم حلما (3)، و أشجعهم قلبا و أسخاهم كفّا، و أنت الإمام بعدي، و أنت الوزير و أنت الوزير و أنت قسيم الجنّة و النار (4) تعرف الأبرار من الفجّار، و تميّز الأخيار من الأشرار و المؤمنين من الكفّار (5).

و عن ابن عباس قال: رأيت جابر بن عبد اللّه متوكئا على عصى يدور في سكك الأنصار و يقول: يا معاشر الأنصار أدّبوا أولادكم بحبّ علي، فمن أبى فانظروا في حال أمّه‏ (6).

و عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يا علي من أحبّك فقد أحبّني، و من سبّك فقد سبّني، يا علي أنت منّي و أنا منك، روحك من روحي و طينتك من طينتي، و إنّ اللّه سبحانه خلقني و إيّاك و اصطفاني و إيّاك، و اختارني للنبوّة و اختارك للإمامة فمن أنكر إمامتك فقد أنكر نبوّتي، يا علي أنت وصيّي و خليفتي، أمرك أمري و نهيك نهيي، أقسم بالذي بعثني بالنبوّة و جعلني خير البرية إنّك حجّة اللّه على خلقه، و أمينه على وحيه و خليفته على عباده‏

____________

(1) بحار الأنوار: 22/ 317 ح 2.

(2) ذخائر العقبى: 70.

(3) كنز العمال: 13/ 114 ح 36370.

(4) ذخائر العقبى: 1/ 95، مناقب ابن المغازلي: 67 ح 97.

(5) بحار الأنوار: 37/ 254 ح 1.

(6) بحار الأنوار: 38/ 7 ح 13.

86

محبّتهم لعبد إلّا دخل الجنّة (1).

و عن سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن بن عروة قال: قلت: يا رسول اللّه أرشدني إلى النجاة، فقال: إذا اختلفت الأهواء، و افترقت الآراء فعليك بعلي بن أبي طالب فانّه إمام أمّتي و خليفتي عليهم بعدي و الفاروق بين الحق و الباطل من سأله أجابه، و من استرشده أرشده، و من طلب الحق عنده وجده، و من التمس الهدى لديه صادفه و من لجأ إليه آمنه، و من استمسك به نجاه، و من اقتدى به هداه، يا ابن سمرة، سلم من سلم إليه و والاه، و هلك من ردّ عليه و عاداه، يا ابن سمرة، إن عليا منّي و أنا منه، روحه روحي و طينته طينتي، و هو أخي و أنا أخوه و زوجه سيّدة نساء العالمين من الأوّلين و الآخرين و أبناؤه سيدا أهل الجنة الحسن و الحسين، و تسعة من ولد الحسين هم أسباط النبيين تاسعهم قائمهم يملأ الأرض عدلا و قسطا، كما ملئت ظلما و جورا (2).

و عن ابن عباس رضى اللّه عنه قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إنّ اللّه عز و جل أمرني أن أقيم عليا إماما و حاكما و خليفة، و أن اتخذه أخا و وزيرا و وليا و هو صالح المؤمنين أمره أمري، و حكمه حكمي، و طاعته طاعتي، فعليكم طاعته و اجتناب معصيته فإنّه صدّيق هذه الأمّة، و فاروقها و محدثها و هارونها و يوشعها و آصفها و شمعونها، و باب حطتها و سفينة نجاتها و طالوتها، و ذو قرنيها ألا إنه محنة الورى و الحجّة العظمى و العروة الوثقى، و إمام أهل الدنيا و إنه مع الحق و الحق معه و إنه قسيم الجنّة فلا يدخلها عدوّ له و لا يزحزح عنها ولي له، قسيم النار فلا يدخلها ولي له، و لا يزحزح عنها عدو له، ألا إن ولاية علي ولاية اللّه و حبّه عبادة اللّه، و اتباعه فريضة اللّه و أولياؤه أولياء اللّه، و حربه حرب اللّه و سلمه سلم اللّه‏ (3).

و قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لعلي: يا علي مثلك في أمتي كمثل‏ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ من قرأها مرّة فكأنما قرأ ثلث القرآن، و من قرأها مرّتين فكأنّما قرأ ثلثي القرآن، و من قرأها ثلاث مرّات فكأنّما ختم القرآن فمن أحبّك بلسانه فقد كمل ثلث الإيمان، و من أحبّك بلسانه و قلبه فقد

____________

(1) بحار الأنوار: 38/ 92 ح 6.

(2) بحار الأنوار: 36/ 226 ح 2.

(3) بحار الأنوار: 38/ 93 ح 7 بتفاوت ليس بيسير.

89

إلى إسحاق، و أوصى إسحاق إلى يعقوب و يعقوب إلى يوسف، و يوسف إلى شريا و شريا إلى شعيب و دفعها شعيب إلى موسى، و موسى إلى يوشع بن نون و يوشع إلى داود و داود إلى سليمان، و أوصى سليمان إلى آصف بن برخيا و أوصى آصف زكريا، و دفعها زكريا إلى عيسى ابن مريم و أوصى عيسى إلى شمعون و أوصى شمعون إلى يحيى، و يحيى إلى منذر و منذر إلى سليمة و دفعها سليمة إلى بردة و دفعها بردة إليّ، و أنا دافعها إليك يا علي و تدفعها أنت إلى الحسن و يدفعها الحسن إلى الحسين، و يدفعها الحسين إلى أوصيائه حتى تدفع خير أهل الإرث بعدك، و لتكفرن بك الامّة و لتختلفنّ عليك، و الثابت عليك كالثابت معي، و الشاذّ عنك في النار، و النار مثوى الكافرين‏ (1).

و إن اللّه جعل لكل نبي عدوّا من شياطين الإنس و الجن. احتج خصم، فقال: كيف تجدد النص (كذا) (عليه السلام) مخالفة هذه الوصية إذ كتمها بعد هذا النص الصريح على علي؟

فقلت له: أ لست تعلم أنت و كل مسلم أن اليهود و النصارى كتموا نصّ موسى و عيسى على محمد (صلّى اللّه عليه و آله) و نسوا اسمه الموجود في التوراة و الإنجيل المذكور في صريح القرآن و استدبروه و جحدوه و كتموه و لم يلتفتوا إليه، و أن قوم موسى شهدوا على موسى باستخلافه لهارون أخيه، و لما غاب عنهم عكفوا على العجل و أرادوا قتل هارون، و قد صرّح القرآن بذلك، و أن اليهود جحدوا صريح النص على محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) في كتابهم جهلا و حبّا للرئاسة، و هكذا ضلّ من هو دونهم طلبا للرئاسة و حسدا على النعمة و الفضيلة، أو ليس قد قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): ستفترق هذه الأمّة على ثلاثة و سبعين‏ (2) واحدة ناجية و الباقون في النار، و هذا عذر واضح لعلي (عليه السلام) و عترته و قعودهم عن حقّهم، لأنه لا تقوى فرقة واحدة على اثنتين و سبعين، و أين أهل النصر لهم و قد أعذر القرآن من (اقر) (3) عن أكثرهم مرائين بغير خلاف، ثم إن اللّه سبحانه قد نصّ على معرفته أبلغ ممّا نصّ على أوليائه في المشارق و المغارب من حكم هو صانعها، و آيات هو موجود بدئها، كل عاقل يشهد بوجود الصانع و قدرته، و قد كان قوم جحدوا

____________

(1) بحار الأنوار: 23/ 57، ح 1.

(2) راجع: سنن أبي داود ح 4597 كتاب السنّة، و مسند أحمد: ح 16490 و في رواية اثنين و سبعين.

(3) كذا بالأصل.

88

و أنت مولى كل مسلم و إمام كل مؤمن، و قائد كل تقي، و بولايتك صارت أمّتي مرحومة، و بعداوتك صارت الفرقة المخالفة منها ملعونة، و إن الخلفاء بعدي اثنا عشر أنت أوّلهم و آخرهم القائم الذي يفتح اللّه به مشارق الأرض و مغاربها كأنّي أنظر إليك و أنت واقف على شفير جهنّم و قد تطاير شررها و علا زفرها و اشتد حرّها، و أنت آخذ بزمامها فتقول لك جهنم:

أجرني يا علي فقد أطفأ نورك لهبي، فتقول لها: قري يا جهنم خذي هذا و اتركي هذا (1).

و قال (صلّى اللّه عليه و آله): من كتب فضيلة من فضائل علي لم تزل الملائكة تغفر له، و من ذكر فضيلة من فضائله غفر اللّه له ما تقدّم من ذنوبه و ما تأخّر، و لا يتم إيمان عبد إلّا بحبّه و ولايته، و إنّ الملائكة تتقرّب إلى اللّه تعالى بمحبّته، و من حفظ من شيعتنا أربعين حديثا بعثه اللّه يوم القيامة فقيها عالما، و غفر له‏ (2).

و عن سعيد بن جبير من كتاب الأمالي قال: أتيت ابن عبّاس أسأله عن علي بن أبي طالب و اختلاف الناس فيه، فقال: يا ابن جبير جئت تسألني عن خير هذه الامّة بعد محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، جئت تسألني عن رجل له ثلاثة آلاف منقبة في ليلة واحدة- و هي ليلة الفدية-، وصي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و خليفته، و صاحب حوضه و لوائه، ثم قال: و الذي اختار محمدا خاتما لرسله، لو كان نبت الدنيا و أشجارها أقلاما و أهلها كتّابا و كتبوا مناقب علي و فضائله من يوم خلق اللّه الدنيا إلى فنائها ما كتبوا معشار ما آتاه اللّه من الفضل‏ (3).

و قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)(4): أنا سيّد النبيّين و وصيّي سيّد الوصيين، و إن اللّه أوحى إلى آدم يا آدم إني أكرمت الأنبياء بالنبوّة، و جعلت لهم أوصياء و جعلتهم خير خلقي، فأوص إلى شيث ابنك. و أوصى شيث إلى سنان، و سنان إلى محلث و أوصى محلث إلى محقوق و محقوق إلى عيثما و عيثما إلى أخنوخ، و هو إدريس و أوصى إدريس إلى ناحور، و ناحور إلى نوح و نوح إلى سام، و سام إلى عابر و عابر إلى برعانا، و برعانا إلى يافث و يافث إلى أبره و أبره إلى خفيسة، و خفيسة إلى عمران و دفعها عمران إلى إبراهيم، و إبراهيم إلى إسماعيل و إسماعيل‏

____________

(1) بحار الأنوار: 28/ 38 ح 1 بتفاوت و الحديث طويل.

(2) بحار الأنوار: 39/ 92 ح 1 باختصار.

(3) بحار الأنوار: 40/ 7 ح 17 و فيه: ليلة القربة بدل الفدية مع تفاوت في بقيّة الحديث.

(4) إلى هنا الرواية في بحار الأنوار: 23/ 57 ح 1.

90

و أنكروا وجود الصانع و ما آمن بوحدانيته إلّا قليل، فعند ذلك تهذيب للبس الأمر، و الثابت عليك كالثابت معي، و الشاذ عنك في النار و النار مثوى للكافرين، إن اللّه جعل لكل نبي عدوّا [من‏] شياطين الإنس و الجن و عدوّا من المجرمين، فعدو آدم إبليس و عدو سليمان الشياطين، و عدوّ شيث أولاد قابيل و عدو انوش كيومرث، و عدو إدريس الضحاك و عدو نوح عوج و جهانيان، و عدو صالح افراسياب، و عدو إبراهيم نمرود بن كنعان، و عدو موسى فرعون و قارون و هامان و عوج بن بلعام، و عدو يوشع بن نون لهراسب، و عدو داود جالوت، و عدو عيسى أشبح بن اشجان، و عدو شمعون بخت نصر، و عدو محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) أبو جهل و أبو لهب، و عدوّك يا علي تيم وعدي و بنو أمية، و اللّه عدوّ للكافرين. و إنّما حسدك على فضلك أهل العداوة و الحسد.

و قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إن حبّ أهل بيتي ينفع من أحبّهم في سبع مواطن مهولة: عند الموت، و في القبر و عند القيام من الأجداث، و عند تطاير الصحف و عند الميزان، و عند الصراط، فمن أحبّ أن يكون آمنا في هذه المواطن فليوال عليا بعدي و ليتمسك بالحبل المتين علي بن أبي طالب (عليه السلام) و عترته من بعده، فإنّهم خلفائي و أوليائي، علمهم علمي و حلمهم حلمي، و أدبهم أدبي و حبّهم حبّي، سادة الأولياء و قادة الأتقياء، و بقية الأنبياء، حربهم حربي و عدوّهم عدوّي‏ (1).

و قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لحذيفة بن اليمان: يا حذيفة إن عليا حجة اللّه الإيمان به إيمان باللّه، و الكفر به كفر باللّه و الشرك به شرك باللّه؛ و الشك فيه شك في اللّه و الإلحاد فيه إلحاد في اللّه و الإنكار له إنكار للّه، و الإيمان به إيمان باللّه، يهلك فيه رجلان و لا ذنب له: محبّ غال، و مبغض قال‏ (2).

و قال (صلّى اللّه عليه و آله): خذوا بحجزة الأنزع البطين علي بن أبي طالب فهو الصدّيق الأكبر و الفاروق الأعظم، من أحبّه أحبّه اللّه و من أبغضه أبغضه اللّه و من تخلّف عنه محقه اللّه‏ (3).

____________

(1) بحار الأنوار: 27/ 162 ح 10.

(2) بحار الأنوار: 38/ 97 ح 14 و الحديث طويل اختصره المصنّف، ينابيع المودّة: 1/ 253.

(3) بحار الأنوار: 23/ 129 ح 60.

91

و قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يوما و قد أخذ بيدي الحسن و الحسين (عليهما السلام) قال: أنا رسول اللّه و هذان الطيّبان سبطاي و ريحانتاي، فمن أحبّهما و أحب أباهما و امّهما كان معي يوم القيامة و في درجتي، ألا و إن اللّه خلق مائة ألف نبي و أربعة و عشرين ألف نبي، أنا أكرمهم على اللّه و لا فخر، و خلق مائة ألف وصي و أربعة و عشرين ألف وصي، علي أكرمهم و أفضلهم عند اللّه، ألا و إن اللّه يبعث أناسا وجوههم من نور على كراسي من نور عليهم ثياب من نور في ظل عرش الرحمن بمنزلة الأنبياء، و ليسوا أنبياء، و بمنزلة الشهداء و ليسوا شهداء.

فقال رجل: أنا منهم يا رسول اللّه؟

فقال: لا، فقال آخر: أنا منهم.

فقال: لا.

فقيل: من هم يا رسول اللّه؟

فوضع يده الشريفة على كتف علي و قال: هذا و شيعته، ألا إن عليا و الطيبين من عترته كلمة اللّه العليا و عروته الوثقى و أسماؤه الحسنى مثلهم في أمّتي كسفينة نوح من ركبها نجا، و من تخلّف عنها غرق، و مثلهم في أمّتي كالنجوم الزاهرة كلما غاب نجم طلع نجم إلى يوم القيامة، ألا و إن الإسلام بني على خمس دعائم: الصلاة و الزكاة، و الصوم و الحج، و ولاية علي ابن أبي طالب (عليه السلام)، و لم يدخل الجنة حتى يحب اللّه و رسوله و علي بن أبي طالب و عترته‏ (1).

و روى السديّ في قوله تعالى: وَ مِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ‏ (2)، قال:

شيعة علي يعدلون بالحق من صدّ عنه و يهتدون بالدين القيم و هو حب علي و عترته.

و روى أيضا قوله تعالى: يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ هُوَ عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏ (3) قال: شيعة علي على الصراط المستقيم و هو حب علي‏ (4)، و يأمرون به و هو العدل.

(و روى) أحمد أن الصراط لا يجوز عليه إلّا من عرف عليا و عرفه؛ و أنّ الجنة لا يدخلها

____________

(1) بحار الأنوار: 23/ 125 ح 53 و: 68/ 376 ح 22.

(2) الأعراف: 181.

(3) و ورد أن حبّ آل محمد جواز على الصراط. ضوء الشمس: 1/ 99.

(4) في البحار: 35/ 363 الصراط المستقيم هو علي، و في 39/ 202 جواز الصراط المستقيم حب علي.

92

إلّا من كان في صحيفته حب علي و عترته‏ (1).

و روى ابن عباس أن جبرئيل يجلس يوم القيامة على باب الجنة فلا يدخلها إلّا من كان معه براءة من علي‏ (2).

و روى في تفسيره الوكيع بن الجراح عن السدي و سفيان الثوري أن الصراط المستقيم حبّ علي‏ (3).

و من كتاب الأمالي عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لمّا عرج بي إلى السماء السابعة، و منها إلى سدرة المنتهى و منها إلى حجب النور ناداني ربّي جل جلاله يا محمد أنت عبدي و أنا ربك فلي فاخضع، و إيّاي فاعبد و عليّ فتوكّل فإنّي قد رضيتك عبدا و حبيبا و رسولا و رضيت لك عليا خليفة و بابا، و جعلته حجّتي على عبادي و أمانا لخلقي، به يقام ديني و تحفظ حدودي و تنفذ أحكامي، و يعرف أعدائي من أوليائي و بالأئمة من ولده أرحم عبادي، و بالقائم المهدي أعمر أرضي بتسبيحي و تقديسي و تهليلي و تمجيدي، و به أطهّر الأرض من أعدائي و به أحيي عبادي و بلادي و به أظهر الكنوز و الذخائر و أظهره على الأسرار و الضمائر، و أنصره بأوليائي و أمده بملائكتي فهو وليّي حقا و مهديّ عبادي صدقا (4).

و من كتاب المناقب مرفوعا إلى ابن عمر قال: سألت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقلت: يا رسول اللّه ما منزلة علي منك؟

فغضب ثم قال: ما بال قوم يذكرون رجلا عند اللّه منزلته كمنزلتي و مقامه كمقامي، إلّا النبوّة يا ابن عمر إن عليا منّي بمنزلة الروح من الجسد، و إن عليا مني بمنزلة النفس من النفس، و إن عليا منّي بمنزلة النور من النور، و إن عليا منّي بمنزلة الرأس من الجسد، و إن عليا مني بمنزلة الزر من القميص، يا ابن عمر؛ من أحبّ عليا فقد أحبّني، و من أحبّني فقد أحب اللّه و من أبغض عليا فقد أبغضني، و من أبغضني فقد غضب اللّه عليه و لعنه، ألا و من أحب عليا فقد اوتي كتابه بيمينه و حوسب حسابا يسيرا، ألا و من أحب عليا لا يخرج من الدنيا حتى يشرب‏

____________

(1) ورد أن حبّ علي براءة من النار. الفردوس: 2/ 142 ح 2723.

(2) مناقب الخوارزمي: 320، و مائة منقبة: 63.

(3) ورد أن أهل البيت هم الصراط المستقيم. راجع رشفة الصادي: 25.

(4) بحار الأنوار: 23/ 128 ح 58.

93

من الكوثر و يأكل من طوبى، و يرى مكانه من الجنّة.

ألا من أحب عليا هانت عليه سكرات الموت و جعل قبره روضة من رياض الجنة، ألا و من أحب عليا أعطاه اللّه بكل عضو من أعضائه خولا و شفاعة ثمانين من أهل بيته، ألا و من عرف عليا و أحبه بعث اللّه إليه ملك الموت كما يبعث إلى الأنبياء و جنّبه أهوال منكر و نكير و فتح له في قبره مسيرة عام، و جاء يوم القيامة أبيض الوجه يزفّ إلى الجنة كما تزفّ العروس إلى بعلها، ألا و من أحب عليا أظلّه اللّه تحت ظل عرشه و آمنه يوم الفزع الأكبر، ألا و من أحب عليا قبل اللّه حسناته و دخل الجنة آمنا، ألا و من أحبّ عليا سمّي أمين اللّه في أرضه، ألا و من أحبّ عليا وضع على رأسه تاج الكرامة مكتوبا عليه أصحاب الجنّة هم الفائزون، و شيعة علي هم المفلحون، ألا و من أحبّ عليا مرّ على الصراط كالبرق الخاطف، ألا و من أحبّ عليا لا ينشر له ديوان و لا ينصب له ميزان، و تفتح له أبواب الجنة الثمان، ألا و من أحبّ عليا و مات على حبّه صافحته الملائكة و زارته أرواح الأنبياء، ألا و من مات على حب علي فأنا كفيله الجنّة، ألا و إن للّه بابا من دخل منه نجا من النار و هو حب علي، ألا و من أحب عليا أعطاه اللّه بكل عرق في جسده و شعرة في بدنه مدينة في الجنة، يا ابن عمر، ألا و إن عليا سيّد الوصيّين و إمام المتّقين، و خليفتي على الناس أجمعين، و أبو الغرّ الميامين، طاعته طاعتي، و معرفته هي معرفتي، يا ابن عمر و الذي بعثني بالحق نبيا لو كان أحدكم صف قدميه بين الركن و المقام يعبد اللّه ألف عام، ثم ألف عام صائما نهاره قائما ليله، و كان له مل‏ء الأرض مالا فأنفقه، و عباد اللّه ملكا فأعتقهم، و قتل بعد هذا الخير الكثير شهيدا بين الصفا و المروة، ثم لقي اللّه يوم القيامة باغضا لعلي لم يقبل اللّه له عدلا و لا صرفا و زج بأعماله في النار و حشر مع الخاسرين‏ (1).

فصل‏

علي أمير المؤمنين (عليه السلام) فهو المنتجب بالوصية المنتخب من الطينة الزكية الحاكم بالسوية العادل في القضية، العالي البنية إمام سائر البرية، بعل فاطمة الرضية، والد العترة الزكية، ليث‏

____________

(1) بحار الأنوار: 24/ 45 ح 17 بتفاوت.

94

الحروب و مفرّج الكروب، الذي لم يفرّ من معركة قط، و لا ضرب بسيفه إلّا قط، و لا لقي كتيبة إلّا انهزمت و لم يقاتل تحت راية إلّا غلبت، و لم يفلت من بأسه بطل و لا ضرب بحسامه شجاعا إلّا قتل، و لم يرافق سرية إلّا كان النصر معها، و لم يلق جحفلا إلّا ولّوا مدبرين و انقلبوا صاغرين، و كانت وثبته إلى عمرو أربعين ذراعا و رجوعه إلى خلف عشرين ذراعا، و ضرب الكافر يوم أحد فقطعه و جواده نصفين ثم حمل على سبعة عشر كتيبة جمعها سبعون ألفا ففرّقها، و بدّد شملها و مزّقها، حتى تحيّر الفريقان من بأسه و تعجّبت الأملاك من حملاته، و هذه خواص إلهية و آيات ربّانية، الليث الباسل و البطل الجلاجل، و الهزبر المنازل و الخطب النازل، و القسورة الذي ليس له منازل، ولايته فريضة و اتباعه فضيلة، و محبّته إلى اللّه وسيلة، و من أحبّه في حياته و بعد وفاته كتب اللّه له من الأمن و الإيمان ما طلعت عليه الشمس و غربت. و ها أنا أقول:

هي الشمس أم نور الضريح يلوح‏ * * * هو المسك أم طيب الوصي يفوح‏

و بحر ندى أم روضة حوت الهدى‏ * * * و آدم أم سر المهيمن نوح‏

و داود هذا أم سليمان بعده‏ * * * و هارون أم موسى العصا و مسيح‏

و أحمد هذا المصطفى أم وصيّه‏ * * * علي سماه هاشم و ذبيح‏

سماه محيط المجد بدر دجنة * * * و صبح جلال في الأنام يلوح‏

حبيب حبيب اللّه بل سرّ سرّه‏ * * * و عين الورى بل للخلائق روح‏

له النص في يوم الغدير و مدحه‏ * * * من اللّه في الذكر المبين صريح‏

إمام إذا ما المرء جاء بحبّه‏ * * * فميزانه يوم المعاد رجيح‏

له شيعة مثل النجوم زواهر * * * إذا جاء ولت تلقى العدو طريح‏

عليك سلام اللّه يا راية الهدى‏ * * * سلام سليم يغتدي و يروح‏ (1)

____________

(1) أعيان الشيعة: 6/ 468.

97

الظاهر و الباطن. فلهذا لو جاء العبد يوم القيامة و في ميزانه الجبال الراسيات من الأعمال الصالحات، و ليس فيه ولاية علي التي هي كمال الدين، و رجح الموازين لا بل كمال سائر الأديان، لأن دين محمد كمال كل دين و ختم كل شريعة للنبيّين و تصديقا للمرسلين، و حبّ علي كمال هذا الكمال، و ختم هذا الخاتم و تمام هذا المتمّم و المكمّل للكمال كمال الكمال، و الكمال جمال فحبّ علي كمال كل دين، لأن اللّه لم يبعث نبيّا يدعو الناس إليه و يدل عباده عليه، إلّا و قد أخذ عليه ولاية علي طوعا أو كرها فكل دين ليس معه حبّ علي و ولايته فلا كمال له، و ما لا كمال له ناقص، و الناقص لا يقبل و لا يوزن و لا يعرض، لأن اللّه لا يقبل إلّا الطيب، و إليه الإشارة بقوله: وَ الْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُ‏ (1) و الحق هو العدل و العدل هو الولاية، لأن الحق علي فمن كملت موازينه بحب علي رجع و أفلح، و إليه الإشارة بقوله:

فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏ (2) و هم أهل الولاية الذين سبقت لهم من اللّه العناية، و إليه الإشارة بقوله: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ‏ (3) قال: الكلم الطيب: لا إله إلّا اللّه محمد رسول اللّه، و العمل الصالح يرفعه، قال: العمل الصالح حب علي، فكل عمل ليس معه حب علي فلا يرفع، و ما لا يرفع لا يسمع، و ما لا يسمع فلا ينفع، و ما لا يرفع و لا يسمع و لا ينفع، فهو وبال و ضلال و هباء منثور.

يؤيّد هذه المقالة و يحقّق هذه الدلالة أن جبرائيل سيّد الملائكة، و الأنبياء سادة أهل الأرض، و الرسل سادة الأنبياء و كل منهم سيّد أهل زمانه، و محمد (صلّى اللّه عليه و آله) سيّد الأنبياء و المرسلين و سيّد الخلائق أجمعين لأنه الفاتح و الخاتم و الأول و الآخر، له سؤدد التقدّم و التختم، لأنه لولاه ما خلقوا و ما كانوا فلأحديته على سائر الآحاد شرف الواحد على سائر الأعداد، و جبرائيل خادمه و الأنبياء نوّابه، لأنّهم بعثوا إلى اللّه يدعون و بنبوّة محمد يخبرون و بفضله على الكل يشهدون و بولاية علي يقرّون و بحبّه يدينون و علي سلطان رسالة محمد و حسامها و تمام أحكامها و ختامها. دليله قوله: وَ اجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً (4)

____________

(1) الأعراف: 8.

(2) الأعراف: 8.

(3) فاطر: 10.

(4) الاسراء: 80.

96

فصل [علي (عليه السلام) الميزان يوم القيامة]

قال اللّه سبحانه: وَ نَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ (1) قال ابن عباس: الموازين الأنبياء و الأولياء (2)، و الميزان يقتضي كفتين و شاهدين ضرورة فالكفة الأولى منه: لا إله إلّا اللّه، و قسطاسه المرفوع: محمد رسول اللّه قائما بالقسط، و الكفة الأخرى: علي ولي اللّه، و إليه الإشارة بقوله: وَ السَّماءَ رَفَعَها وَ وَضَعَ الْمِيزانَ‏.

قال العالم (عليه السلام): السماء رسول اللّه و الميزان علي‏ (3) لأن بحبّه توزن الأعمال، و قوله: وَ لا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ‏ (4) أي لا تظلموا عليا حقّه لأنه من جهل حقّه لا ميزان له.

و روي في قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَ الْمِيزانَ‏ (5) قال: الكتاب القرآن و الميزان الولاية، و قال علي بن إبراهيم‏ (6): الكتاب علي و الميزان أيضا علي، لأنه ما لم تكن لك الولاية فلا دين و لا كتاب، لأن الولاية بها يتم الدين و بها ينعقد اليقين، فالولاية هي ميزان العباد يوم المعاد، فإذا وضعت السّماوات و الأرض و ما بينهما من الراسيات و الشامخات، مقابل لا إله إلّا اللّه فلا يلزم يقوم لها وزن، وضعت الولاية مقابلها و هي علي ولي اللّه رجحت الميزان لأن الولاية معها التوحيد و النبوة، لأنها جزء من التوحيد و جزء من النبوة، فهي جامعة لسرّ التوحيد، و النبوة خاتمة لهما و ذلك لأن لا إله إلّا اللّه روح الإيمان و ظرف الباطن محمد رسول اللّه رسوخ الإسلام و ظرف الظاهر علي ولي اللّه ظرف الإسلام و الإيمان، و روح‏

____________

(1) الأنبياء: 47.

(2) في البحار 7/ 251 عن الإمام الصادق (عليه السلام): الموازين الأنبياء و الأوصياء.

(3) بحار الأنوار: 24/ 67 ح 1.

(4) الرحمن: 7- 8.

(5) الشورى: 17.

(6) تفسير القمي: 1/ 30.

95

فصل‏

قال سبحانه و تعالى: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها (1) قال ابن عباس: هي في ثلاث كلمات لا إله إلّا اللّه محمد رسول اللّه علي ولي اللّه.

و كل واحدة من هذه رباط الأخرى، و هي المسئول عنها في القبر و إليها الإشارة بقوله:

إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا (2) فالسمع للتوحيد، و البصر للنبوّة، و الفؤاد للولاية.

فصل‏

الدين عدل اللّه و العدل قسط اللّه، و القسط هو القسطاس المستقيم، و القسطاس هو الميزان، فالدين هو الولاية.

____________

(1) الروم: 30.

(2) الاسراء: 36.

98

يعني عليا و أميرا و وزيرا، فمحمد سيّد أهل السّماوات و الأرضين، و علي نفس هذا السيّد و روحه و لحمه و دمه، و أخوه و فتاه و مؤانسه و مؤاسيه و مفديه، و سلطان دولته و حامي ملّته و فارس مملكته، فعلي سلطان أهل السّماوات و الأرضين، و أميرهم و وليّهم و مالكهم، لأنّه أولى بهم من أنفسهم لأنه أمين اللّه و أميره، و وليّه و والده في الفخار على الإنس و الجنة، سيّدا لشباب أهل الجنة، فكل من سكن الجنة من الإنس و الجن فالحسن و الحسين سيداه، و أهل الجنة سادة الخلائق، فالحسن و الحسين سادة السادات، و لا يسود أهل الآخرة إلّا من ساد أهل الدنيا، و أبوهما خير منهما بنص الحديث الذي عليه الإجماع، فأمير المؤمنين سيد سادات أهل الدنيا و الآخرة، و زوجته الزهراء سيّدة النساء لأنّها بضعة النبوّة و لحمة الرسالة، و شمس الجلالة و دار العصمة، و بقيّة النبوّة، و معدن الرحمة، و منبع الشرف و الحكمة، فهو السيد ابن السيد أخو السيد أبو السادة قرين السيادة و الزيادة، فهو الولي الذي حبّه أمان و بغضه هوان، و معرفته إيقان، و إليه الإشارة بقوله: وَ لَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ‏ (1) فالرحمة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، و الفضل علي. دليله قوله: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَ بِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا (2) يعني بدين محمد و ولاية علي، لأن لأجلهما خلق الخلق و بهما أفاض عليه الرزق، لأن كل ما ينظره الإنسان فهو الحسن أو الإحسان، فالحسن هما و الإحسان بهما، أما الحسن فدليله قوله: «أوّل ما خلق اللّه نوري» (3) فهو النور الجاري في آحاد الموجودات، و أفرادها، و أما الاحسان فقوله: «أنا من اللّه و الكل منّي» (4) فالكل من أجله و بأجله، فهو الحسن و الإحسان كما قيل:

جميع ما أنظره جماله‏ * * * و كل ما خيّل لي خياله‏

و كل ما أنشقه نسيمه‏ * * * و كل ما أسمعه مقاله‏

ولي فم شرفه مديحه‏ * * * ولي يد كرمها نواله‏

ما يعرف العشق سوى متيم‏ * * * لذله قيل الهوى و قاله‏

____________

(1) النساء: 83.

(2) يونس: 58.

(3) تقدّم تخريجه.

(4) تقدّم الحديث.

99

و ذلك لأنه مصدر الأشياء، و من هو مصدر الأشياء فعودها إليه ضرورة، بدؤها منك و عودها إليك، و من هو المبدأ و المعاد فزمام الأمور منوط به، فتقها و رتقها بيدك و من بيده الفتق و الرتق له الحكم و إليه ترجعون.

فصل‏

و لما طلعت شموس الأسرار من مطالع العناية، و لمعت بوارق الأسرار من مشارق الهداية، و عرفت أن الحي القيوم جلّ اسمه فضل الحضرة المحمدية أن جعل نورها هو الفيض الأوّل، و جعل سائر الأنوار تشرق منها، و تتشعشع عنها، و جعل لها السبق الأوّل فلها السبق على الكل، و الرفعة على الكل و الإحاطة بالكل، و اللّه من ورائهم محيط، فكنت كما قيل:

تركت هوى ليلى و سعدى بمعزل‏ * * * و ملت إلى محبوب أوّل منزل‏

و نادتني الأشواك و يحك هذه‏ * * * منازل من تهوى فدونك فانزل‏

غزلت لهم غزلا دقيقا فلم أجد * * * له ناسجا غيري فكسرت مغزلي‏

أو كما قيل:

نقّل فؤادك ما استطعت من الهوى‏ * * * ما الحب إلّا للحبيب الأوّل‏

فاعلم أن اللّه سبحانه ما أنعم على عبد بمعرفة محمد و حبّ علي فعذّبه قط، و لا حرمه عبدا فرحمه قط.

فصل [اتّحاد النور و معناه‏]

محمد و علي نور واحد قديم، و إنّما انقسما تسمية ليمتاز النبي عن الولي كما امتاز الواحد عن الأحد، فكل أحد واحد و لا ينعكس، و كذا كل نبي ولي و لا ينعكس، فلهذا لا توزن الأعمال يوم القيامة إلّا بحب علي لأن الولاية هي الميزان كما تقدّم.

100

فصل [أثر حبّ علي و طاعته (عليه السلام)‏]

التوحيد لا يقابله شي‏ء قلّ أم جلّ، و كذا حبّ علي إذا كان في الميزان لا ينقصه شي‏ء من الذنوب قل أم جل، فإذا كان حبّه في الميزان فلا سيئة، و إذا لم يكن فلا حسنة، لأنّ الحسنات بالتحقيق حبّه، و السيئات بغضه، لأنّ حبّه حسنة لا يضرّ معها سيئة، و بغضه سيئة لا ينفع معها حسنة (1)، و إليه الإشارة بقوله: فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ‏ (2) و قوله:

وَ قَدِمْنا إِلى‏ ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً (3) و ليس في القيامة إلّا مؤمن و كافر و منافق، و الكافر ليست له حسنات توزن و لا للمنافق، فتعين أن ذلك للمؤمنين المذنبين و إنّما وسعه الرحمن لأن من جاء بالإيمان فكان كتابه متصل الحكم ثابتا في دار القضاء لأن مبناه التوحيد، و شهوده النبوّة، و سجله الولاية، فوجب له الإيمان من اللّه، المؤمن لإنصافه يوم لقائه، و أما المنافق فهو يجهد في الدنيا قد ضيّع الأصل و أكبّ على الفرع، و الفرع لا يثبت إلّا مع الأصل، و لا أصل هناك فلا فرع إذا فهو يسعى مجدا لكنه ضائع جدا و إليه الإشارة بقوله: الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (4)

فإذا ورد القيامة لا يرى شيئا ممّا كان يظن أنه يلقاه، لأن المنافق لا برهان له فأعماله بالظن، و الظن لا يغني من الحق شيئا، لأن ما لا برهان له لا أصل له، و ما لا أصل له لا فرع له، فلا قبول له و لا وجود له، و المنافق لا برهان له فلا أصل له و لا فرع له، فلا إيمان له، فلا نجاة له.

و دليله ما رواه صاحب الكشاف من الحديث القدسي من الرب العلي أنه قال: لأدخلن‏

____________

(1) بحار الأنوار: 39/ 248 ح 10 و 256 ح 33.

(2) الفرقان: 70.

(3) الفرقان: 23.

(4) الكهف: 104.

101

الجنة من أطاع عليا و إن عصاني، و لأدخلن النار من عصاه و إن أطاعني‏ (1)، و هذا رمز حسن و ذلك لأن حب علي هو الإيمان الكامل، و الإيمان الكامل لا تضر معه السيئات، فقوله: و إن عصاني فإنّي أغفر له إكراما له و أدخله الجنة بإيمانه فله الجنة بالإيمان، و بحب علي العفو و الغفران، و قوله: و لأدخلن النار من عصاه و إن أطاعني، و ذلك لأنه إذا لم يوال عليا فلا إيمان له، فطاعته هناك مجاز لا حقيقة لأن الطاعة بالحقيقة حبّ علي المضاف إليها سائر الأعمال، فمن أحب عليا فقد أطاع اللّه، و من أطاع اللّه نجا، فمن أحب عليا فقد نجا؛ فاعلم: أن حبّ علي الإيمان، و بغضه الكفر (2)، و ليس هناك إلّا محب و مبغض، فمحبّه لا سيئة له فلا حساب عليه و من لا حساب عليه فالجنة داره، و مبغضه لا إيمان له، و من لا إيمان له لا ينظر اللّه إليه فطاعته عين المعصية فعدوّه هالك، و إن جاء بحسنات العباد بين يديه، و وليّه ناج و لو كان في الذنوب إلى شحمتي أذنيه، و أين الذنوب مع الإيمان المنير؟ أم أين من السيئات مع وجود الإكسير؟ فمبغضه من العذاب لا يقال، و محبّه لا يوقف و لا يقال، فطوبى لأوليائه و سحقا لأعدائه.

يؤيّد هذا ما رواه ابن عباس، قال: جاء رجل إلى رسول اللّه فقال: يا رسول اللّه أ ينفعني حبّ علي في معادي؟ فقال له النبي (صلّى اللّه عليه و آله): لا أعلم حتى أسأل جبرائيل، فنزل جبرائيل مسرعا فقال له النبي (صلّى اللّه عليه و آله): أ ينفع هذا حبّ علي؟ فقال: لا أعلم حتى أسأل إسرافيل، ثم ارتفع فسأل إسرافيل، فقال: لا أعلم حتى أناجي ربّ العزّة، فأوحى اللّه إلى إسرافيل قل لجبرائيل يقل لمحمد: أنت منّي حيث شئت، و أنا و علي منك حيث أنت منّي، و محب علي منّي حيث علي منك‏ (3).

يؤيّد هذا ما رواه الرازي في كتابه مرفوعا إلى ابن عباس قال: إذا كان يوم القيامة أمر اللّه مالكا أن يسعر النار، و أمر رضوان أن يزخرف الجنة ثم يمد الصراط، و ينصب ميزان العدل تحت العرش، و ينادي مناد: يا محمد قرّب أمتك إلى الحساب، ثم يمدّ على الصراط سبع‏

____________

(1) في الحديث: من أطاعه فقد أطاع اللّه و من عصاه فقد عصى اللّه. البحار: 52/ 350 ح 103.

(2) بحار الأنوار: 26/ 263 ح 48.

(3) مائة منقبة: 43، و الجواهر السنية: 303.

102

قناطر بعد كل قنطرة سبعة آلاف سنة، و على كل قنطرة ملائكة يتخطفون الناس فلا يمرّ على هذه القناطر إلّا من و الى عليا و أهل بيته، و عرفهم و عرفوه، و من لم يعرفهم سقط في النار على أمّ رأسه و لو كان معه عبادة سبعين ألف‏ (1) عابد لأنه لا يرجح في الحشر ميزان، و لا تثبت على الصراط قدم انسان إلّا بحب علي.

و إليه الإشارة بقوله: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ (2) يعني في الدنيا وليه يغلب خصمه، و في الآخرة يثبت قدمه، دليل ذلك ما رواه ابن عباس قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يا علي ما ثبت حبّك في قلب مؤمن إلّا و ثبت قدمه على الصراط حتى يدخله الجنّة (3).

____________

(1) بحار الأنوار: 39/ 209 ح 32.

(2) إبراهيم: 27.

(3) بحار الأنوار: 27/ 77 ح 8 بتفاوت بسيط.

104

يؤيّد ذلك ما رواه صاحب كتاب النخب قال: تشاجر رجلان في خلافة علي و إمامته فجاءا إلى شريك فسألاه، فقال لهما: حدّثني الأعمش عن حذيفة بن اليمان عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال: إنّ اللّه خلق عليا قضيبا في الجنة من تمسّك به فهو من أهل الجنة، فاستعظم الرجل ذلك فجاء إلى ابن الدراج فأخبره، فقال: لا تعجب حدّثني الأعمش عن أبي سعيد الخدري أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: إن اللّه خلق قضيبا من نور في بطنان العرش لا يناله إلّا علي و من تولاه.

فقال الرجل: هذا من ذاك نمضي إلى وكيع، فجاء فأعلمه فقال: لا تعجب، حدّثني الأعمش عن أبي سعيد الخدري عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال: أركان العرش لا ينالها إلّا علي و شيعته، فاعترف الرجل بفضل علي (عليه السلام)(1).

و من كتاب المناقب قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إن للّه عمودا من نور يضي‏ء لأهل الجنّة كالشمس لأهل الدنيا لا يناله إلّا علي و شيعته‏ (2)، و إن حلقة باب الجنة من ياقوتة حمراء طولها خمسون عاما، صفائح من ذهب إذا نقرت طنت و قالت في طنينها: يا علي‏ (3).

و كيف لا يكون كذلك؟ و هو الاسم الأعظم الذي به تنفعل الكائنات، الحاكم المتصرّف في سائر الموجودات، فهو الأوّل و الآخر و الباطن و الظاهر، الأوّل بالأنوار و الآخر بالأدوار، و الباطن بالأسرار، الظاهر بالآثار، فهو مقام الربّ العلي في وجوب الطاعة و الأمر نطقت فيه كلمته، و ظهرت عنه مشيته، فهو كهو في وجوب الطاعة و امتثال الأمر و الرفعة على الموجودات، و الحكم على البريات، و ليس هو هو بالذات المقدّسة المنزّهة عن الأشباه و الأمثال، المتعالية عن الصورة و المثال، لا فرق بينهما و بينك إلّا أنّهم عبادك و خلقك.

يؤيّد هذا ما ورد في الحديث القدسي عن الرب العلي أنه يقول: عبدي أطعني اجعلك مثلي أنا حي لا أموت، اجعلك حيّا لا تموت، أنا غني لا أفتقر أجعلك غنيّا لا تفتقر، أنا مهما أشأ يكن أجعلك مهما تشأ يكن‏ (4).

____________

(1) تقدّم الحديث.

(2) بحار الأنوار: 39/ 268 ح 45.

(3) بحار الأنوار: 39/ 235 ح 18.

(4) رواه باختصار في جامع الأسرار: 204 ح 393.

103

فصل [موالاة علي و عدم إدراك كنهه (عليه السلام)‏]

أيّها الطائر في جو التقليد لا يأوي على غدران الحكماء، و لا يرتع في رياض العلماء، و لا ينبت في قلبه حبّ الحب، و لا يثبت إلّا في محجبات الكتاب، إلى متى أنت بعيد عن النور؟ محجوب عن السرور، غافل عن أسرار السطور، مكبّ على النظر في سواد المسطور، أما أسمعك منادي الرحمن؟ أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى‏ قُلُوبٍ أَقْفالُها (1)، إلى متى أنت كشارب ماء البحر كلّما ازداد شربا ازداد عطشا؟ أ لم تعلم أن اللّه سبحانه خلق تسع عشر ألف عالم و ألف ألف عالم مبدؤها نور الحضرة المحمدية و سرّها الولاية الإلهية و ختمها الخلافة المهدية و العصمة الفاطمية؟ و ذلك كلّه فاض عن الكلمة الإلهية (الغيب) و هو ألف غير معطوف كما قالوا: (1111) ألف معطوف، و ألف غير معطوف، و ألف عنده الوقوف، و ألف هو منتهى الألوف، خلقها و هو غني عن خلقها، و سلمها إلى الولي الكامل لأنه وليه الذي أقامه في الخلق مقامه، فهو الولي المطلق و المتصرّف العادل، فلا يسأل عمّا يفعل، و كيف يسأل المؤيّد بالحكمة؟ المخصوص بالعصمة، الذي يريد اللّه ما يفعل لأن فعله الحق، و العدل، و يفعل اللّه ما يريد، لأنه لا يريد إلّا ما يريد اللّه، لأن قلبه مكان مشيئة اللّه، أوجده موجد الكل قبل الكل، و أوجد لأجله الكل و اختاره على الكل، و ولّاه أمر الكل و حكمه على الكل، فهو الكلمة التامة، و الحاكم يوم الطامة، و كيف لا يكون كذلك و شيعته غدا بيض الصحائف، خضر الملابس، آمنين من العذاب، يدخلون الجنة بغير حساب.

دليل ذلك ما رواه صاحب كتاب الأربعين عن أنس بن مالك قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد يا علي يا ولي، يا سيّد يا صدّيق يا ديّان يا هادي، يا زاهد يا فتى يا طيب يا طاهر، مرّ أنت و شيعتك إلى الجنة، بغير حساب.

____________

(1) محمد: 24.

106

و انهمر، و اخضر العود اليابس في يديه و أثمر، و كان يرى من خلفه كما يرى بين يديه إذا نظر (1)، و لا ينام قلبه لنوم عينيه‏ (2)، و لا يؤثر في الرمل وطء قدميه، و يؤثر في الحجر، و كان يظلّه الغمام إذا سار و سفر (3)، و ركب البراق فاخترق السبع الطباق في أقل من لمح البصر، الجوهر الشفاف الذي ليس له ظل كظلّ البشر (4)، و في ذلك آيات لمن نظر و اعتبر، و كان أمير المؤمنين (عليه السلام) مشاركا له فيما غاب و حضر، فهو السرّ الذي لا ينكره إلّا من أبى و كفر، و الولي الذي تعرض عليه أعمال البشر (5)، و إليه الإشارة بقوله: «ظاهري إمامة و باطني غيب لا يدرك» (6)، فهم في الأجساد أشباح، و في الأشباح أرواح، و في الأرواح أنوار، و في الأنوار أسرار، فهم الصفوة و الصفات و الأصفياء، و إليه الإشارة بقوله: «لولانا ما عرف اللّه و لو لا اللّه ما عرفنا» (7)، كما قيل:

فلولاه و إيانا * * * لما كان الذي كانا

فصار الأمر مقسوما * * * بإياه و إيّانا

و الشبح هو الذي يرى شخصه، و لا يعرف معناه.

____________

(1) أخبار الدول: 84 و المعجم الأوسط: 3/ 323.

(2) الشفاء: 2/ 153.

(3) بحار الأنوار: 35/ 129 ح 74.

(4) من علامات الإمامة عدم وجود الظلّ، راجع بحار الأنوار: 25/ 116 ح 1.

(5) بحار الأنوار: 22/ 550 ح 2.

(6) بحار الأنوار: 25/ 171 ح 38 بتفاوت.

(7) البحار: 26/ 107 ح 10 و: 22/ 147 ح 141.

108

____________

و قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبة يصف فيها الإمام: «فهو الصدق و العدل. يطلع على الغيب و يعطى التصرف على الإطلاق» (بحار الأنوار: 25/ 170 ح 38 و مشارق أنوار اليقين: 115).

و قال الإمام الصادق (عليه السلام): «يا مفضل من زعم أن الإمام من آل محمد يعزب عنه شي‏ء من الأمر المحتوم فقد كفر بما نزل على محمّد، و إنّا لنشهد أعمالكم و لا يخفى علينا شي‏ء من أمركم، و إن أعمالكم لتعرض علينا، و إذا كانت الروح و ارتاض البدن أشرقت أنوارها، و ظهرت أسرارها و أدركت عالم الغيب» (مشارق أنوار اليقين: 138).

و قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «و اللّه لو شئت أن أخبر كل رجل منكم بمخرجه و مولجه و جميع شأنه لفعلت، و لكن أخاف أن تكفروا في رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، ألا و إني مفضيه إلى الخاصّة» (نهج البلاغة:

250 الخطبة 175).

و قالت عائشة للإمام الحسن (عليه السلام) بعد أن أخبرها بما فعلته يوم وفاة الأمير و لم يطلع عليه أحد سواها:

يا ابن خبوت جدّك و أبوك في علم الغيب، فمن ذا الذي أخبرك بهذا عنّي!! (الهداية الكبرى: 197- 198، ذيل الباب الرابع).

و عند ما أخبرها بخفايا ضميرها و ما أخبرها به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من حربها الأمير (عليه السلام) قالت: جدّك أخبرك بذلك أم هذا من غيبك؟!

قال (عليه السلام): «هذا من علم اللّه و علم رسوله و علم أمير المؤمنين» (الهداية الكبرى: 197- 198، ذيل الباب الرابع).

و قال الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) لمن سأله عن القائم المنتظر عجل اللّه فرجه: «ألسنا قد قلنا لكم لا تسألونا عن علم الغيب فنخرج ما علمنا منه إليكم فيسمعه من لا يطيق استماعه فيكفر» (الهداية الكبرى: 334 باب 13).

و عن الإمام زين العابدين (عليه السلام): «ألا إن للعبد أربع أعين: عينان يبصر بهما أمر دينه و دنياه، و عينان يبصر بهما أمر آخرته، فإذا أراد اللّه بعبد خيرا فتح له العينين في قلبه فأبصر بهما الغيب في أمر آخرته [و أمر آخرته‏]» (الخصال: 1/ 240 ح 90 باب الأربعة).

و رواه المتقي الهندي في كنز العمال بلفظ: «ما من عبد إلّا و في وجهه عينان يبصر بهما أمر الدنيا، و عينان في قلبه يبصر بهما أمر الآخرة، فإذا أراد بعبد خيرا فتح عينيه اللتين في قلبه: فأبصر بهما ما وعده بالغيب، فآمن بالغيب على الغيب» (كنز العمّال: 2/ 42 ح 3043).

و في قصة أبي يوسف و محمد بن الحسن صاحبي أبي حنيفة ما يؤكّد علم الإمام الكاظم (عليه السلام) للغيب حيث قال أحدهما لصاحبه: جئنا لنسأله عن الفرض و السنّة و هو الآن جاء بشي‏ء من علم الغيب.

فسألاه: من أين أدركت أمر هذا الرجل الموكل بك أنّه يموت في هذه الليلة؟

قال الإمام (عليه السلام): «من الباب الذي أخبر بعلمه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) علي بن أبي طالب (عليه السلام)» (الخرائج و الجرائح: 287- 288 الباب الثامن).

105

و منه أن للّه عبادا أطاعوه فيما أراد فأطاعهم فيما أرادوا يقولون للشي‏ء كن فيكون‏ (1).

و ذلك لأن الكل عباد اللّه فإذا اختار اللّه عبدا ألبسه خلعة التفضيل، و نادى له في الممالك بالتصرّف و التبجيل، و جعل له الولاية المطلقة فصار عبدا لحضرته و خالصا لولايته، و مولى لعباده و بريته و واليا في مملكته، و هو المتصرّف الوالي بإذن الربّ المتعالي، و لهذا قالوا:

جنبونا آلهة تعبد، و اجعلوا لنا ربّا نئوب إليه، و قولوا فينا ما استطعتم‏ (2) و ذاك كما قيل:

جنبوهم قول الغلاة و قولوا * * * ما استطعتم في فضلهم أن تقولوا

فإذا عدت سماء مع الأرض‏ * * * إلى فضلهم فذاك قليل‏

و عنهم (عليهم السلام)، أنّهم قالوا: كونوا لنا زينا، و لا تكونوا علينا شينا (3)، فانّه ليس بين اللّه و بين أحد من خلقه قرابة. ألا من ائتم بإمام فليعمل بعمله، فما معنا براءة من النار، و ليس لنا على اللّه من حجّة فاحذروا المعصية لنا و المغالاة فينا، فإنّ الغلاة شرّ خلق اللّه يصغرون عظمة اللّه و يدعون الربوبية لعباد اللّه، و اللّه إن الغلاة شرّ من اليهود و النصارى و المجوس و الذين أشركوا، و إلينا يرجع الغالي فلا نقبله لأن الغالي اعتاد ترك الصلاة و الزكاة و الصوم، فلا يقدر على ترك عادته و بنا يلحق المقصر فنقبله لأنّ المقصّر إذا عرف عمل.

و عنهم (عليهم السلام) أنّهم قالوا: نزّهونا عن الربوبية و ارفعوا عنّا حظوظ البشرية (4)- يعني الحظوظ التي تجوز عليكم- فلا يقاس بنا أحد من الناس‏ (5)، فإنّا نحسن الأسرار الإلهية المودعة في الهياكل البشرية، و الكلمة الربّانية الناطقة في الأجساد الترابية، و قولوا بعد ذاك ما استطعتم فانّ البحر لا ينزف، و عظمة اللّه لا توصف.

فيا أيّها الواقف بين جدران التقليد، تنظر إلى الحق من بعيد، أ ما بلغك أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) حنّ الجذع اليابس إليه، و قبّل البعير قدميه، و انشق لعظمته القمر و نبع الماء الطاهر من بين يديه‏

____________

(1) تقدّم الحديث مع تخريجه.

(2) بحار الأنوار: 25/ 347 و 283 ح 30 بتفاوت. و قريب منه في بصائر الدرجات: 241 ح 5.

(3) بحار الأنوار: 71/ 286 ح 41.

(4) شرح الزيارة الجامعة: 1/ 201 بلفظ ... و ادفعوا عنا، و ورد: لا تجعلونا أربابا و قولوا في فضلنا ما شئتم. البحار: 26/ 2 ح 1.

(5) تقدّم الحديث مع تخريجه.

107

فصل [علم آل محمّد للغيب‏]

و ها إننا نورد في هذا الفصل شمة من أسرار الأئمة الهداة و البررة السادات، و الميامين الولاة، و نطقهم بالمغيبات، و إظهارهم الكرامات و إبرازهم الخفيات، توبيخا لأهل الجهالات، الذين أنكروا هذه الحالات، و منعوا هذه الصفات، و زعموا أنهم من العداة.

و كيف لا يطلعون على الغيب‏ (1)؟

____________

(1) إن الذي يدّعي علم الغيب للإمام و النبي: لا يدّعيه على نحو الاستقلالية، بل يدعي أن اللّه أطلع نبيّه و أهل بيته على الامور الغيبية التي لم يطلع عليها أحدا.

و إن شئت قلت: علم الغيب لذات الشخص و بلا توسط من الغير هو العلم الثابت لواجب الوجود و الذي هو عين الذات، و هذا مختص باللّه و لغيره كفر.

أمّا العلم بالغيب الذي هو بتوسط اللّه تعالى و ليس هو عين الذات، فهذا الذي علمته الأئمة و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و عليه دلت الآيات و الروايات:

فعن أبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام) قال: «و اللّه لقد أعطينا علم الأوّلين و الآخرين».

فقال له رجل من أصحابه: «جعلت فداك أ عندكم علم الغيب؟

فقال له (عليه السلام): «ويحك إنّي أعلم ما في أصلاب الرجال و أرحام النساء، و يحكم وسّعوا صدوركم و لتبصر أعينكم و لتع قلوبكم، فنحن حجّة اللّه تعالى في خلقه و لن يسع ذلك إلّا صدر كلّ مؤمن قوي قوّته كقوّة جبل تهامة إلّا بإذن اللّه، و اللّه لو أردت أن أحصي لكم كل حصاة عليها لأخبرتكم» (بحار الأنوار: 26/ 28 ح 28 باب جهات علومهم عن مناقب آل أبي طالب: 3/ 374).

و قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لعلي: «إنّ اللّه أطلعني على ما شاء من غيبه و حيا و تنزيلا و اطلعك عليه إلهاما» (مشارق أنوار اليقين: 135- 136 و 25 و في بحار الأنوار: 26/ 4 ح 1: «أنا صاحب اللوح المحفوظ ألهمني اللّه علم ما فيه».

و قيل لأبي جعفر (عليه السلام): إن شيعتك تدعي أنك تعلم كيل ما في دجلة. و كانا جالسين على دجلة.

فقال له أبو جعفر (عليه السلام): «يقدر اللّه عز و جل أن يفوض علم ذلك إلى بعوضة من خلقه؟»

قال: نعم.

فقال (عليه السلام): «أنا أكرم على اللّه من بعوضته» ثم خرج. (إثبات الوصية: 191- 192).

109

____________

و أيضا في قصة إخبار الإمام الرضا (عليه السلام) ابن هذاب بما يجري عليه ما يزيل الشكّ في الباب حيث قال (عليه السلام) له: «إن أخبرتك أنّك ستبلى في هذه الأيام بذي رحم لك كنت مصدّقا لي؟»

قال: لا، فإن الغيب لا يعلمه إلّا اللّه تعالى.

قال (عليه السلام): «أو ليس اللّه يقول: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى‏ غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى‏ مِنْ رَسُولٍ‏ فرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عند اللّه مرتضى، و نحن ورثة ذلك الرسول الذي أطلعه اللّه على ما يشاء من غيبه، فعلّمنا ما كان و ما يكون إلى يوم القيامة، و إن الذي أخبرتك يا ابن هذاب لكائن إلى خمسة أيّام، فإن لم يصح ما قلت فبهذه المدّة، و إلّا فإنّي كذّاب مفتر، و إن صحّ فتعلم أنّك الراد على اللّه و على رسوله.

و لك دلالة أخرى فتصاب ببصرك و تصير مكفوفا فلا تبصر سهلا و لا جبالا و هذا كائن بعد أيام.

و لك عندي دلالة أخرى أنّك ستحلف يمينا كاذبة فتضرب بالبرص».

قال محمد بن الفضل: باللّه لقد نزل ذلك كلّه بابن هذاب (الخرائج و الجرائح: 306 الباب التاسع).

* أقول: هذه رواية صريحة في علمهم للغيب لا ينكرها إلّا ناصبي.

و عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبة له: «و الإمام يا طارق بشر ملكي و جسد سماوي، و أمر إلهي و روح قدسي، و مقام عليّ و نور جليّ و سرّ خفيّ، فهو ملك الذات إلهي الصفات، زائد الحسنات عالم بالمغيبات؛ خصّا من ربّ العالمين و نصّا من الصادق الأمين» (بحار الأنوار: 25/ 172 ح 38 باب جامع في صفات الإمام).

و عن أبي جعفر الجواد (عليه السلام) لما أخبر أمّ الفضل بنت المأمون بما فاجأها ممّا يعتري النساء عند العادة.

قالت له: لا يعلم الغيب إلّا اللّه.

قال (عليه السلام): «و أنا أعلمه من علم اللّه تعالى» الإرشاد إلى ولاية الفقيه: 254.

* أقول: و هذه رواية أخرى تنص على علمهم للغيب فلا تغفل و أزل الشك من قلبك.

و في خطبة لأمير المؤمنين يذكر فيها صفات الإمام جاء فيها: «و يلبس الهيبة و علم الضمير، و يطلع على الغيب و يعطى التصرّف على الإطلاق» مشارق أنوار اليقين: 115 ..

هذا إضافة إلى روايات إخبارهم بأمور غيبية جزئية ليس هنا محل ذكرها.

و قال تعالى: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى‏ غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى‏ مِنْ رَسُولٍ‏ الجن: 26.

قال الإمام الرضا (عليه السلام) لعمرو بن هذاب عند ما نفى عن الأئمة (عليهم السلام) علم الغيب محتجا بهذه الآية: «إن رسول اللّه هو المرتضى عند اللّه، و نحن ورثة ذلك الرسول الذي أطلعه اللّه على غيبه فعلّمنا ما كان و ما يكون إلى يوم القيامة» (بحار الأنوار: 12/ 22 و 15/ 74).

و قال أبو جعفر (عليه السلام): «إِلَّا مَنِ ارْتَضى‏ مِنْ رَسُولٍ‏ و كان و اللّه محمد ممن ارتضاه» (الإرشاد الى ولاية الفقيه: 257، و قريب منه في الخرائج و الجرائح: 306).

و قال: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ‏- تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ‏ آل عمران: 44، هود:

49، يوسف: 102.

110

و علمه واجب لهم من وجوه: الأوّل أن اللّه سبحانه سطّر في اللوح المحفوظ علم ما كان و ما يكون، ثم أبرز إلى كل نبي منهم ما يكون له و لأوصيائه، إلى ظهور الشريعة التي تأتي بعده حتى ختمت الرسل بفاتحهم، و ختمت الشرائع بخاتمها، فوجب أن يكون عنده علم ما سبق و ما يلحق إلى يوم القيامة، لكونه خاتما لأن كتابه الجامع المانع، ثم إنه ليلة المعراج لما وصل المقام الأسنى، و كان قاب قوسين أو أدنى، و علا على اللوح المحفوظ رفعة و علما، و خوطب من الأسرار الإلهية بما ليس في اللوح، فكان علم الغيب الأول و الآخر عنده و له‏ (1)، بل هو اللوح المحفوظ لأنه السابق على الكل وجودا، و الممد للكل جودا،

____________

و قال: وَ عَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ‏. النساء: 113، و هي عامة.

وَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ‏ يس: 12. و الإمام المبين هو أمير المؤمنين علي (عليه السلام) (ينابيع المودة: 1/ 77 ط. اسلامبول و 87 ط. النجف، و تفسير نور الثقلين: 4/ 379 مورد الآية و الهداية الكبرى: 98 الباب الثاني و الأنوار النعمانية: 1/ 47 و: 2/ 18).

و قال تعالى: وَ ما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ وَ لا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ‏ يونس: 61، و سبأ: 3.

و قال عز من قائل: وَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً النبأ: 29. و هم الكتاب المبين (ينابيع المودة:

1/ 81 ط. النجف و 1/ 71 ط. تركيا و مشارق أنوار اليقين: 136).

و قال تعالى: وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ الأعراف: 156.

فروي عن الإمام الباقر (عليه السلام) في تفسيرها: «علم الإمام، و وسع علمه الذي هو من علمه كل شي‏ء» (نور الثقلين: 2/ 78 ح 288 عن الكافي).

و قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «أنا رحمة اللّه التي وسعت كل شي‏ء» (الهداية الكبرى: 400).

(1) الصحيح أن زمن علمهم هو عالم الأنوار و قد فصلناه في كتاب علم آل محمد (عليهم السلام) و إليك مجمله:

* زمن علم آل محمد (عليهم السلام) قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) «نبئت و آدم بين الروح و الجسد» «و جبت النبوّة لي و آدم بين الروح و الجسد» «كنت نبيّا و آدم بين الروح و الجسد» (فضائل ابن شاذان: 34، كنز العمال: 12/ 426 ح 35584 و 11/ 409- 450 ح 32115 و 31917، و الشريعة للآجري: 416- 421- عدّة أحاديث-، و الشفاء:

1/ 166، و سنن الترمذي: 5/ 585، و المعجم الكبير: 20/ 353، و الفردوس بمأثور الخطاب:

3/ 284 ح 4854).

فكونه نبيّا ينبأ في غاية الوضوح و الدلالة على تلقيه العلوم في ذلك العالم؛ إذ يستحيل أن اللّه اتخذه نبيا و نبأه و هو فاقد للعلم.

و عن الإمام الباقر (عليه السلام): «إن اللّه أوّل ما خلق خلق محمّدا و عترته الهداة المهديين، فكانوا أشباح نور

112

فعلم ما كان و ما يكون عنده و عند أوصيائه.

و احتجاج الجاهلين، و وقوف المقلّدين عند قوله «لا أعلم ما وراء هذا الجدار إلّا ما علّمني ربّي» فيه أسرار كثيرة: الأوّل أنه شهد أن علمه من اللّه الذي اختاره و اصطفاه، الثاني قوله: لا أعلم، أي لا أنطق من العلم و لو بما وراء هذا الجدار إلّا إذا أمرت لأنه كان ينتظر

____________

أنا أعلم بسرائركم فظواهركم، و ما أنتم صائرون إليه، علم منحنا به من قبل خلق الخلق أجمعين في الهداية الكبرى: علما أورثناه اللّه قبل الخلق أجمعين، و بعد فناء السّماوات و الأرضين، و لو لا تظاهر أهل الباطل و دولة أهل الضلالة، و وثوب أهل الشكّ؛ لقلت قولا تعجب منه الأوّلون و الآخرون».

ثم وضع يده الشريفة على فيه و قال: «يا محمّد اصمت كما صمت آباؤك من قبل».

(مشارق أنوار اليقين: 98 الفصل الحادي عشر، و الهداية الكبرى: 296 باب 11).

و روى صاحب بستان الكرامة أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كان جالسا و عنده جبرائيل (عليه السلام) فدخل علي (عليه السلام) فقام له جبرائيل (عليه السلام).

فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «أتقوم لهذا الفتى؟».

فقال له (عليه السلام): نعم إنّ له عليّ حق التعليم.

فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): كيف ذلك التعليم يا جبرائيل؟

فقال: لمّا خلقني اللّه تعالى سألني من أنت و ما اسمك و من أنا و ما اسمي؟

فتحيّرت في الجواب و بقيت ساكتا، ثم حضر هذا الشاب في عالم الأنوار و علّمني الجواب، فقال: «قل: أنت ربّي الجليل و اسمك الجليل و أنا العبد الذليل و اسمي جبرائيل».

و لهذا قمت له و عظمته. (الأنوار النعمانية: 1/ 15).

و روى الصفوري قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «سلوني قبل أن تفقدوني عن علم لا يعرفه جبرائيل و ميكائيل» (نزهة المجالس: 2/ 129 ط. التقدم العلمية بمصر 1330 ه، و 2/ 144 ط. بيروت المكتبة الشعبانية المصورة عن مصر الأزهرية 1346 ه).

و قد أشار محيي الدين ابن عربي في خطبة الفتوحات المكية إلى ذلك بقوله:

«الحمد للّه الذي جعل الإنسان الكامل معلّم الملك و أدار بانقساره طبقات الفلك».

و في حديث الإمام الصادق (عليه السلام) مع المفضل بعد ذكر الإمام رجعة أصحاب الكساء و شكايتهم إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ما حلّ بهم قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لفضّة: «يا فضّة لقد عرفه رسول اللّه و عرف الحسين اليوم بهذا الفعل (ضرب فاطمة و إسقاط المحسن (عليهما السلام)) و نحن في نور الأظلة أنوار عن يمين العرش» (الهداية الكبرى: 408 باب 14).

هذا و روي عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قوله: «في قاب قوسين علّمني اللّه القرآن و علّمني اللّه علم الأولين» (لوامع أنوار الكوكب الدريّ: 1/ 117- 118).

111

____________

بين يدي اللّه».

قلت: و ما الأشباح؟

قال: «ظلّ النور أبدان نورانية بلا أرواح، و كان مؤيدا بروح واحدة هي روح القدس» (أصول الكافي: 1/ 442 ح 10 مولد النبي).

و عن الإمام العسكري (عليه السلام): «هذا روح القدس الموكل بالأئمة (عليهم السلام) يوفقهم و يسددهم و يزينهم بالعلم» (الأنوار النعمانية: 2/ 18).

و في حديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال فيه: «فلما أراد أن يخلق الخلق نشرهم بين يديه فقال لهم من ربكم؟

فكان أول من نطق رسول اللّه و أمير المؤمنين و الأئمة (صلوات الله عليهم)، فقالوا: أنت ربنا، فحمّلهم العلم و الدين، ثم قال للملائكة: هؤلاء حملة علمي و ديني و أمنائي في خلقي و هم المسئولون» (بحار الأنوار: 15/ 16 باب بدء خلق النبي ح 22، و: 26/ 277 ح 19 باب تفضيلهم على الأنبياء، و التوحيد للصدوق: 319 باب معنى: وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ ح 1 باب 49 ط. قم).

و عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في حديث جاء فيه: «ثم جعلنا عن يمين العرش، ثم خلق الملائكة فهللنا فهللت الملائكة، و كبّرنا فكبّرت الملائكة، و كان ذلك من تعليمي و تعليم علي، و كان ذلك في علم اللّه السابق أن الملائكة تتعلّم منّا التسبيح و التهليل، و كل شي‏ء يسبّح للّه و يكبّره و يهلّله بتعليمي و تعليم علي» (بحار الأنوار: 26/ 345 باب فضل النبي و آله ح 18، و مشارق أنوار اليقين: 40، و الأنوار النعمانية: 1/ 22).

و قال (صلّى اللّه عليه و آله): «يا علي نحن أفضل (من الملائكة) خير خليقة اللّه على بسيط الأرض و خيرة اللّه المقرّبين، و كيف لا نكون خيرا منهم؟ و قد سبقناهم إلى معرفة اللّه و توحيده؟! فبنا عرفوا اللّه و بنا عبدوا اللّه و بنا اهتدوا السبيل إلى معرفة اللّه» (بحار الانوار: 26/ 349- 350 ح 33).

و عن الإمام الصادق (عليه السلام): «نحن شجرة النبوّة و معدن الرسالة، و نحن عهد اللّه و نحن ذمّة اللّه، لم نزل أنوارا حول العرش نسبّح فيسبّح أهل السماء لتسبيحنا، فلما نزلنا إلى الأرض سبّحنا فسبّح أهل الأرض؛ فكل علم خرج إلى أهل السّماوات و الأرض فمنّا و عنّا» (بحار الأنوار: 25/ 24 ح 41 و مشارق أنوار اليقين: 45).

و قال الإمام الصادق (عليه السلام): قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «إن اللّه مثّل لي أمّتي في الطين و علّمت الأسماء كما علم آدم الأسماء كلّها» (بصائر الدرجات: 85 باب أنّه عرف ما رأى في الأظلة ح 7).

و في رواية عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «إن ربي مثّل لي أمّتي في الطين و علّمني أسماء الأنبياء- و في نسخة الأشياء- كما علّم آدم الأسماء كلّها فمر بي أصحاب الرايات، فاستغفرت لعلي و شيعته» (بصائر الدرجات: 86 باب أنه عرف ما رأى في الأظلة ح 15).

و قال الإمام الجواد (عليه السلام): «أنا محمّد بن علي الرضا أنا الجواد، أنا العالم بأنساب الناس في الأصلاب‏

113

الغيب إذا سئل، و هم يقولون: معلم مجنون، فكيف لو نطق به قبل أن يسأل أو قبل أن يؤمر و ادعاه و هم متهموه بالسحر و الكهانة، لكان ذاك منافيا للحكمة، و كان إذا سئل صبر حتى يؤمر، ليندفع ظن الملحدين فيه. و كيف يحجب عنهم علم الغيب و الكرامات و هم خلفاء اللّه على الخلائق و أمناؤه على الحقائق؟ و ويل للمنكر و المنافق.

فمن ذلك. (الفصل الأوّل): في أسرار النبي المصطفى و بعده آله الذين اصطفى.

115

الكعبة يقول:

يا قريش جاءكم البشير، جاءكم النذير، معه عمر الأبد، و الرمح الأكبر، و هو خاتم الأنبياء، و نجد في الكتب أن عترته خير البشر، و لا تزال الناس في أمان من العذاب ما دامت عترته في الدنيا، فقال معاوية: يا أبا إسحاق و من عترته؟ فقال: من ولد فاطمة، فعبس معاوية وجهه، و عضّ على شفته، و قام من مجلسه‏ (1).

و من ذلك من خواص مولده (صلّى اللّه عليه و آله) ما نزل في الإنجيل: يا عيسى جد في أمري و لا تهزل، و اسمع و أطع يا ابن الطهر البتول، خلقتك من غير فحل آية للعالمين، فإيّاي فاعبد و عليّ فتوكّل، خذ الكتاب بقوّة فبشّر لأهل سوريا بالسريانية، تلمح من بين يديك أنّي أنا اللّه الدائم، صدقوا النبي الأمّي صاحب الجمل، و الدرع و التاج، و هي العمامة، و البغل و الهراوة، و هي القضيب، الأكحل العين الصلت الجبين الواضح الخدّين الأقنى الأنف المفلج الثنايا كأن عنقه إبريق فضة كأن الدهن يجري في تراقيه، أسمر اللون إذا مشى فكأنما ينقلع من صخر و ينحدر من صبب، عرقه في وجهه كاللؤلؤ أو ريح المسك، لم ير قبله مثله أو بعده مثله، نكاح النساء قليل النسل و إنّما نسله من مباركة لها بيت في الجنة من قصب لا صخب فيه و لا نصب، يكفلها في آخر الزمان كفل زكريا أمك لها فرخان يستشهدان، كلامه القرآن، و دينه الإسلام، و أنا السلام، طوبى لمن أدرك زمانه، و سمع كلامه‏ (2).

و من ذلك ما رواه ابن عباس عنه من نطقه بالغيب و إخباره بالملاحم، قال: حججنا مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حجّة الوداع فجاء حتى أخذ بحلقة باب الكعبة ثم أقبل علينا بوجهه و هو كالشمس في الضحية ثم قال: أ لا أخبركم بأشراط الساعة؟

فقلنا: بلى يا رسول اللّه،

فقال: إنّ من اشراط الساعة إضاعة الصلاة، و اتباع الشهوات، و تعظيم المال، و بيع الدين بالدنيا فعندها يذوب قلب المؤمن في جوفه كما يذوب الملح في الماء، ممّا يرى من المنكر فلا يستطيع إنكاره، فقال سلمان: و كل هذا كائن يا رسول اللّه؟ فقال: إي و الذي نفس محمد

____________

(1) الحديث بطوله في البحار: 15/ 261 ح 12 مع تفاوت ببعض الألفاظ.

(2) بحار الأنوار: 14/ 284 ح 6، و فيه تفاوت ببعض الألفاظ مثلا بدل الدهن الذهب.

114

[الفصل الأوّل‏] أسرار النبي الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله)

فمن ذلك أسرار مولده: رواه زياد بن المنذر عن ليث بن سعيد قال: قلت لكعب الأحبار و هو عند معاوية، كيف تجدون صفة مولد النبي (صلّى اللّه عليه و آله)؟ و هل تجدون لعترته فضلا؟ فالتفت إلى معاوية لينظر كيف هو فأنطقه اللّه فقال: هات يا أبا إسحاق، فقال كعب: إنّي قرأت اثنين و سبعين كتابا نزلت من السماء، و قرأت صحيفة دانيال و وجدت في الكل مولده و مولد عترته، و إن اسمه لمعروف، و لم يولد نبي نزلت عليه الملائكة قط ما خلا عيسى و أحمد، و ما ضرب على آدمية حجب البتّة غير مريم و آمنة، و كان علامة حمله أن نادى مناد في السماء في الليلة التي حملت به آمنة (عليها السلام): أبشروا يا أهل السماء، فقد حمل الليلة بأحمد، و في الأرض كذلك حتى في البحور، و ما بقي يومئذ في الأرض دابة تدبّ و لا طائر يطير، إلّا و علم بمولده (صلّى اللّه عليه و آله)، و لقد بني في الجنة ليلة ولادته سبعون ألف قصر من ياقوت أحمر، و سبعون ألف قصر من اللؤلؤ الرطب، و سمّيت قصور الولادة، و قيل للجنة: اهتزّي و ازّيني، فإن نبي أولئك قد ولد، فضحكت الجنّة يومئذ فهي ضاحكة إلى يوم القيامة، و بلغنا أن حوتا من حيتان البحر يقال له طموسا و هي سيّدة الحيتان، لها سبعمائة ألف ذنب تمشي على ظهور سبعمائة ألف ثور، الواحد أكبر من الدنيا، لكل ثور منها سبعمائة ألف قرن من زمرد أخضر اضطرب فرحا لمولده، و لو لا أن اللّه تعالى ثبته لجعل عاليها سافلها، و بلغنا يومئذ أنه ما بقي جبل إلّا لقي صاحبه بالبشارة و يقول: لا إله إلّا اللّه، و لقد خضعت الجبال كلّها لأبي قبيس كرامة لمحمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، و لقد قدّست الأشجار أربعين يوما بأغصانها، و أزهارها و ثمارها، فرحا بمولده، و لقد ضرب بين السماء و الأرض سبعون عمودا من نور، و لقد بشّر آدم بمولده فزاد في حسنه سبعين ضعفا، و لقد بلغني أن الكوثر اضطرب فرحا و طما ماؤه حتى رمى ألف قصر من قصور الجنة من الدر و الياقوت نثارا لمولده، و لقد زم إبليس و سبل و ألقي في الحفير أربعين يوما، و لقد تنكست الأصنام كلّها و صاحت، و سمعوا صوتا من‏

117

الأرض أفلاذ أكبادها ذهبا و فضة، فيومئذ لا ينفع ذهب و لا فضّة (1).

و من ذلك من إخباره بالغيب أنه مسح التراب عن وجه عمّار بن ياسر يوم الخندق و قال:

تقتلك الفئة الباغية (2).

و قال لأبي ذر: كيف أنت إذا طردت و نفيت و أخرجت إلى الربذة (3)؟

و قال: تبنى مدينة بين دجلة و دجيل و الفرات و قطر، بل تجبى إليها خزائن الأرض و يكون الخسف بها (4)، يعني بغداد.

و من كراماته (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه لما اشتد الأمر على المسلمين يوم الخندق صعد (صلّى اللّه عليه و آله) مسجد الفتح و صلّى ركعتين ثم قال: اللهمّ إن تهلك هذه العصابة لن تعبد بعدها في الأرض، فجاءت الملائكة فقالت: يا رسول اللّه إن اللّه قد أمرنا بالطاعة لك فمرنا بما شئت، فقال: زعزعوا المشركين و اطردوهم، و كانوا من ورائهم، ففعلوا ذلك، فقال أبو سفيان لأصحابه: إن كنّا نقاتل أهل الأرض فلنا القدرة عليهم و إن كنّا نقاتل أهل السماء فما لنا طاقة بأهل السماء (5).

و من ذلك من أسرار مولده (صلّى اللّه عليه و آله) أن الملك سيف بن ذي يزن قال لعبد المطلب رضى اللّه عنه: إني أجد في الكتاب المكنون، و العلم المخزون، أنه إذا ولد بتهامة غلام بين كتفيه شامة، كانت له الإمامة، و لكم الزعامة إلى يوم القيامة، تموت امّه و أبوه و يكفله جدّه و عمّه، ولد في عام الفيل و توفي أبوه و هو ابن شهرين. و ماتت امّه و هو ابن أربع سنين، و مات عبد المطلب و هو ابن ثمان سنين، و كفله عمّه أبو طالب (عليه السلام)(6).

و من كراماته (صلّى اللّه عليه و آله) أن أبا ذر لما جاء إليه و أسلم على يده قال له: ارجع إلى بلادك فإنّ ابن عمّك قد مات، و قد خلف مالا فاحتو عليه و البث في بلادك إلى وقت كذا و أتني.

____________

(1) بحار الأنوار: 6/ 307 ح 6 بتفاوت.

(2) مسند البزار: 2/ 215 ح 604، و المعجم الأوسط: 9/ 198 ح 8427، و مسند الشاسي: 1/ 342، و المستدرك: 3/ 131.

(3) البحار: 18/ 111 ح 18.

(4) البحار: 18/ 111 ح 18.

(5) بحار الأنوار: 20/ 248 ح 17.

(6) بحار الأنوار: 15/ 188 ح 11 عن الكافي.

116

بيده، فعندها يليهم من الأمراء الجور و الوزراء الفسق، و العرفاء الظلم، و الامناء الخيانة، فعندها يكون المنكر معروفا و المعروف منكرا، و يصدّق الكاذب و يكذّب الصادق، و تتأمّر النساء و تشاور الإماء و تعلو الصبيان المنابر، و يكون الفجور طرفا، و الزكاة مغرما و الغي مغنما، و يجفو الرجل والديه و يبرّ (1) صديقه، و يطلع الكوكب المذنّب فعندها تشارك المرأة زوجها في التجارة، و يكون المطر قضا فإذا دخلت السوق فلا ترى إلّا ذاما لربّه، هذا يقول: لم أبع شيئا، و هذا يقول: لم أربح شيئا، فعندها يملكهم قوم إن تكلّموا قتلوهم، و إن سكتوا استباحوهم، يسفكون دماءهم و يملئون قلوبهم رعبا، فلا تراهم إلّا خائفين مرعوبين، فعندها يؤتى بشي‏ء من المشرق و شي‏ء من المغرب، فالويل لضعفاء أمّتي منهم و الويل لهم من اللّه، لا يرحمون صغيرا و لا يوقّرون كبيرا، قلوبهم قلوب الشياطين، فعندها يلتقي الرجال بالرجال، و النساء بالنساء، و يغار على الغلام كما يغار على الجارية في بيت أهلها، و تشبّه الرجال بالنساء و النساء بالرجال، و تعلو الفروج السروج، فعلى أولئك من أمّتي لعنة اللّه، فعندها تزخرف المساجد و المصاحف، و تعلى المنابر و تكثر الصفوف، قلوب متباغضة، و ألسن مختلفة، فعندها تحلى ذكور أمّتي بالذهب، و يلبسون الحرير و الديباج و يظهر الربا و يتعاملون بالرشوة، و يستعملون الغيبة، فعندها يكثر الطلاق، فلا يقام للّه حدّ فعندها يحجّ ملوك أمّتي للنزهة، و تحجّ أوساطهم للتجارة، و تحجّ فقراؤهم للرياء و السمعة، فعندها يتعلّمون القرآن لغير اللّه و يتخذونه مزامير و يتفقهون للجدال، و يكثر أولاد الزنا و يعفون بالقرآن، و يتهافتون على الدنيا، فإذا انتهكت المحارم، و اكتسبت المآثم، سلّط الأشرار على الأخيار، فهنالك يفشو الكذب، و يتهافتون في اللباس و يمطرون في غير أوان المطر، و ينكرون الأمر بالمعروف في ذلك الزمان حتى يكون المؤمن أذلّ من الأمة، و تظهر قراؤهم فيما بينهم التلاوة و العداوة، أولئك يدعون في ملكوت السماء الأرجاس و الأنجاس فهناك يخشى الغني من الفقير أن يسأله، و يسأل الناس في محافلهم فلا يضع أحد في يده شيئا فعندها يتكلّم من لم يكن متكلّما فلم يلبثوا هناك إلّا قليلا حتى تخور الأرض خورة حتى يظن كل قوم أنّها خارت في ناحيتهم، ثم يمكثون ما شاء اللّه، ثم يمكثون في مكثهم فتلقي لهم‏

____________

(1) في المطبوع يئر و جاء في نسخة خطية: يبر.

118

فرجع إلى اليمن فوجد كما أخبره رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاحتوى على المال، و بقي في بلاده حتى ظهر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أتى إليه.

و من ذلك ما رواه وهب بن منبه عن ابن عباس: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): لمّا عرج بي إلى السماء ناداني ربي يا محمد، إنّي أقسمت بي و أنا و اللّه الذي لا إله إلّا أنا أني أدخل الجنة جميع أمّتك إلّا من أبى، فقلت: ربي و من يأبى دخول الجنّة؟ فقال: إنّي اخترتك نبيّا، و اخترت عليا وليّا، فمن أبى عن ولايته فقد أبى دخول الجنّة لأنّ الجنّة لا يدخلها إلّا محبّه، و هي محرّمة على الأنبياء حتى تدخلها أنت و علي و فاطمة و عترتهم و شيعتهم، فسجدت للّه شكرا، ثم قال لي: يا محمد إنّ عليا هو الخليفة بعدك، و إنّ قوما من أمّتك يخالفونه و إن الجنّة محرّمة على من خالفه و عاداه، فبشّر عليا أن له هذه الكرامة منّي و أني سأخرج من صلبه أحد عشر نقيبا منهم سيّد يصلّي خلفه المسيح ابن مريم يملأ الأرض عدلا و قسطا كما ملئت جورا و ظلما، فقلت: ربّي متى يكون ذاك؟ فقال: إذا رفع العلم، و كثر الجهل، و كثر القراء، و قلّ العلماء، و قلّ الفقهاء، و كثر الشعراء، و كثر الجور و الفساد، و التقى الرجال بالرجال، و النساء بالنساء، و صارت الأمناء خونة، و أعوانهم ظلمة، فهناك أظهر خسفا بالمشرق و خسفا بالمغرب، ثم يظهر الدجّال بالمشرق، ثم أخبرني ربي ما كان و ما يكون من الفتن من أمية و بني العباس، ثم أمرني ربي أن أوصل ذلك كلّه إلى علي فأوصلته إليه و عن أمر اللّه‏ (1).

و من ذلك من كراماته (صلّى اللّه عليه و آله) ما رواه ابن عباس قال: لمّا زوّج النبي عليا بفاطمة، استدعى تميرات و فضلة من سمن عربي، و حفنة من سويق، و جعلها في قصعة كانت لهم، ثم فركه بيده الشريفة التي هي منبع البركات و معدن الخيرات، و فياض النعمات، و رحمة أهل الأرض و السّماوات، ثم قال: قدموا الصحاف و الجفان و القصاع، فقدمت؛ فلم يزل يملأ من ذلك الهيس الجفان و يحملونها الى بيوت المهاجرين و الأنصار، و القصعة تمتلئ و تفيض حتى اكتفى سائر الناس و القصعة على حالها.

و من كراماته (صلّى اللّه عليه و آله) و مكاشفاته ممّا تكلّم به عند موته و الناس حوله فقال: ابيضت وجوه و اسودت وجوه، و سعد أقوام و شقي آخرون، سعد أصحاب الكساء الخمسة، و أنا سيّدهم و لا

____________

(1) بعضه في البحار: 8/ 5 ح 8 و: 47/ 381 ح 102.

119

فخر، عترتي أهل بيتي السابقون أولئك المقرّبون، سعد من تبعهم و شايعهم، على ديني و دين آبائي، أنجزت موعدك يا رب، و اسودت وجوه أقوام يردون ظماء إلى نار جهنّم مرق البغل الأوّل الأعظم، و الآخر و الثاني حسابهم على اللّه، و ثالث و رابع كل امرئ بما كسب رهين، و علقت الرهون، و اسودت الوجوه، و هلكت الأحزاب و قادت الأمراء بعضها بعضا إلى النار، كتاب دارس و باب مهجور و حكم بغير علم، مبغض علي و آل علي في النار، محبّ علي و آل علي في الجنّة (1).

____________

(1) بحار الأنوار: 22/ 494 ح 40.

120

الفصل الثاني [أسرار أمير المؤمنين (عليه السلام) و غيبه‏]

و في أسرار أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه لمّا ولد في البيت الحرام، و كعبة الملك العلام، خرّ ساجدا ثم رفع رأسه الشريف فأذّن، و أقام و شهد للّه بالوحدانية، و لمحمّد (صلّى اللّه عليه و آله) بالرسالة و لنفسه بالخلافة و الولاية، ثم أشار إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقال: اقرأ يا رسول اللّه؟ فقال: نعم، فابتدأ بصحف آدم فقرأها حتى لو حضر شيث لأقرّ أنّه أعلم بها منه، ثم تلا صحف نوح و صحف إبراهيم و التوراة و الإنجيل، ثم تلا قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ‏ (1) فقال له النبي: نعم.

أفلحوا إذ أنت إمامهم. ثم خاطبه بما خاطب به الأنبياء الأوصياء، ثم سكت، فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): عد إلى طفولتك فامسك‏ (2).

و من كراماته التي لا تحدّ و فضائله التي لا تعدّ: أن راهب اليمامة الأثرم كان يبشّر أبا طالب (عليه السلام) بقدوم علي (عليه السلام) و يقول له: سيولد لك ولد يكون سيّد أهل زمانه، و هو الناموس الأكبر، و يكون لنبي زمانه عضدا و ناصرا و صهرا و وزيرا، فاني لا أدرك أيّامه فإذا رأيته فأقرئه منّي السلام، و يوشك أنّي أراه، فلما ولد أمير المؤمنين (عليه السلام) مرّ أبو طالب (عليه السلام) عليه ليعلمه فوجده قد مات، فرجع إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فأخذه و قبّله فسلّم عليه أمير المؤمنين و قال:

أبتي جئت من عند الراهب الأثرم الذي كان يبشرك بي و قصّ عليه قصة الراهب، فقال له أبو عبد مناف: صدقت يا ولي اللّه‏ (3).

و من ذاك ما رواه محمد بن سنان قال: بينما أمير المؤمنين (عليه السلام) يجهّز أصحابه إلى قتال معاوية إذا اختصم إليه اثنان، فلغى أحدهما في الكلام فقال له: اخسأ يا كلب، فعوى الرجل‏

____________

(1) المؤمنون: 1.

(2) بحار الأنوار: 35/ 18 و 37 ح 14 و 37 بتفاوت و الحديث طويل.

(3) في المصادر: الراهب المثرم.

121

لوقته و صار كلبا، فبهت من حوله، و جعل الرجل يتضرّع إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) و يشير بإصبعه فنظر إليه و حرّك شفته فإذا هو بشر سوي، فقام إليه بعض أصحابه و قال مالك: أ نجهّز الناس إلى قتال معاوية و لك مثل هذه القدرة؟ فقال: و الذي فلق الحبّة، و برأ النسمة، لو شئت أن أضرب برجلي هذه القصيرة بهذه الفلوات حتى أضرب بها صدر معاوية فأقبله عن سريره لفعلت، و لكن‏ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ* لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ‏ (1).

و من ذلك قوله لمروان بن الحكم يوم الجمل و قد بايعه: خفت يا ابن الحكم أن ترى رأسك في هذه البقعة، كلا لا يكون ذلك حتى يكون من صلبك طواغيت يملكون هذه الأمة (2).

و من ذلك كلامه في كربلاء و هو في التوجّه إلى صفّين فقال: صبرا أبا عبد اللّه بشاطي الفرات ثم بكى، و قال: هذا و اللّه مناخ القوم و محطّ رحالهم‏ (3).

و من ذلك قوله بصفين و قد سمع الغوغاء يقولون: قتل معاوية، فقال: ما قتل و لا يقتل حتى تجتمع عليه الامّة (4).

و من ذلك ما رواه القاضي ابن شاذان عن أبان بن تغلب عن الصادق (عليه السلام) قال: كان أمير المؤمنين على منبر الكوفة يخطب و حوله الناس فجاء ثعبان ينفخ في الناس و هم يتحاودون عنه، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «وسّعوا له» فأقبل حتى رقي المنبر و الناس ينظرون إليه، ثم قبّل أقدام أمير المؤمنين (عليه السلام) و جعل يتمرّغ عليها، و نفخ ثلاث نفخات، ثم نزل و انساب، و لم يقطع أمير المؤمنين (عليه السلام) خطبته، فسألوه عن ذلك فقال: هذا رجل من الجن ذكر أن ولده قتله رجل من الأنصار اسمه جابر بن سبيع عند خفان‏ (5) من غير أن يتعرّض له بسوء و قد استوهبت دم ولده. فقام إليه رجل طوال بين الناس و قال: أنا الرجل الذي قتلت الحية في المكان المشار إليه، و إني منذ قتلتها لا أقدر أن أستقر في مكان من الصياح و الصراخ فهربت إلى الجامع، و أنا منذ سبع ليال هاهنا.

____________

(1) الأنبياء: 26، و الحديث في بحار الأنوار: 32/ 385 ح 357.

(2) مدينة المعاجز: 2/ 39.

(3) بحار الأنوار: 22/ 386 ح 28.

(4) بحار الأنوار عن الخرائج: 41/ 298 ح 27 و فيه لا يهلك.

(5) خفان موضع بالكوفة.

123

المسوخ كما ترى‏ (1).

فصل‏

نازع في هذا الحديث من اعترضه الشك فقال: نطق بلسان الحال أو بلسان المقال، فقلت له: أ ما تسمع قول اللّه تعالى: تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَ الْأَرْضُ وَ مَنْ فِيهِنَ‏ (2) فجعله لمن يعقل، ثم عطف على من لا يعقل فقال: وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ‏، ثم قال: إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً (3)، أخبر سبحانه أن كل شي‏ء يسبّح لربّه بلسان الحال و لسان المقال، و لكن لسان المقال منه مستور عنكم لم يلزمكم اللّه بمعرفته، لأن العفو هو الستر فلو كشف الستر عنه عرفتموه مثل تسبيح الحصى بكف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و إذا نطق الحصى الصوان بلسان المقال فلم لا ينطق الجري و هو حيوان، و قوله:

إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً، يعني أن سائر المخلوقات غير المكلّفين يسبّحون و لا يسأمون، و أنتم مع وجوب التكليف عليكم تنسون و تسأمون، و هو مع جهلكم و سهوكم، حليم عنكم و غفور لكم.

و من ذلك ما رواه عبيد السكسكي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إنّ عليا (عليه السلام) لمّا قدم من صفين وقف على شاطئ الفرات، و أخرج قضيبا أخضر و ضرب به الفرات، و الناس ينظرون إليه فانفجرت اثنتى عشرة عينا كل فرق كالطود العظيم ثم تكلّم بكلام لم يفهموه، فأقبلت الحيتان رافعة أصواتها بالتهليل و التكبير، و قالت: السلام عليك يا حجّة اللّه في أرضه و عين اللّه الناظرة في عباده خذلك قومك كما خذل هارون بن عمران قومه، فقال لأصحابه: سمعتم؟

فقالوا: نعم، فقال هذه آية لي و حجّة عليكم‏ (4).

و من ذلك من قضاياه الغريبات و حلّه للمشكلات، أن رجلا حضر مجلس أبا بكر فادّعى‏

____________

(1) بحار الأنوار: 27/ 271 ح 24.

(2) الاسراء: 44.

(3) الاسراء: 44- 45.

(4) بحار الأنوار عن الخرائج: 33/ 46 ح 391.

122

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): خذ جملك و اعقره في مكان قتل الحية و امض لا بأس عليك‏ (1).

و من كرامته (عليه السلام) قوله: إنّ اللّه أعطاني ما لم يعط أحدا من خلقه، فتحت لي السبل، و علمت الأسباب و الأنساب، و أجري لي السحاب، و لقد نظرت في الملكوت فما غاب عنّي شي‏ء ممّا كان قبلي، و لا شي‏ء ممّا يأتي بعدي، و ما من مخلوق إلّا و بين عينيه مكتوب مؤمن أو كافر نحن نعرفه، إذا رأيناه‏ (2).

و من ذلك قوله (عليه السلام) لرميلة و كان قد مرض و أبل و كان من خواصّ شيعته فقال له: وعكت يا رميلة، ثم رأيت خفا فأتيت إلى الصلاة، قال: نعم يا سيدي، و ما أدراك؟ فقال: يا رميلة ما من مؤمن و لا مؤمنة يمرض إلّا مرضنا لمرضه، و لا حزن إلّا حزنا لحزنه، و لا دعا إلّا أمّنا على دعائه، و لا سكت إلّا دعونا له، و ما من مؤمن و لا مؤمنة في المشارق و المغارب إلّا و نحن معه‏ (3).

و من ذلك ما رواه الأصبغ بن نباتة عن زيد الشحام أن أمير المؤمنين (عليه السلام) جاءه نفر من المنافقين فقال له: أنت الذي تقول أن هذا الجري مسخ حرام؟ فقال: نعم، فقالوا: أرنا برهانك؟ فجاء بهم إلى الفرات، ثم نادى مناش مناش‏ (4)، فأجابه الجري: لبيك، فقال له أمير المؤمنين: من أنت؟ فقال: ممّن عرضت ولايتك عليه فأبى فمسخ، و إن فيمن معك من يمسخ كما مسخنا و يصير كما صرنا، فقال أمير المؤمنين: بيّن قصّتك ليسمع من حضر فيعلم.

فقال: نعم كنّا أربعة و عشرين قبيلة من بني إسرائيل، و كنّا قد تمرّدنا و عصينا و عرضت علينا ولايتك فأبينا، و فارقنا البلاد و استعملنا الفساد فجاءنا آت أنت و اللّه أعلم به منّا فصرخ فينا صرخة فجمعنا جمعا واحدا، و كنّا متفرّقين في البراري فجمعنا لصرخته ثم صاح صيحة اخرى و قال: كونوا مسوخا بقدرة اللّه فمسخنا أجناسا مختلفة، ثم قال: أيّتها القفار كوني أنهارا تسكنك هذه المسوخ و اتصلي ببحار الأرض حتى لا يبقى ماء إلّا و فيه من هذه‏

____________

(1) بصائر الدرجات: 201 باب انّهم جرى لهم ما جرى للرسول ح 3- 4 و البحار: 39/ 172 ح 14.

(2) بحار الأنوار: 39/ 336 ح 5.

(3) بحار الأنوار: 26/ 154 ح 43.

(4) في البحار: هناس.

124

أنه لا يخاف اللّه و لا يرجو الجنّة و لا يخشى النار، و لا يركع و لا يسجد، و يأكل الميتة و الدم و يشهد بما لم ير و يحبّ الفتنة، و يكره الحق و يصدّق اليهود و النصارى، و أن عنده ما ليس عند اللّه و له ما ليس للّه، و أنا أحمد النبي و أنا علي و أنا ربّكم، فقال له عمر: ازددت كفرا على كفرك، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): هوّن عليك يا عمر، فانّ هذا رجل من أولياء اللّه لا يرجو الجنة، و لكن يرجو اللّه و لا يخاف النار، و لكن يخاف ربّه و لا يخاف اللّه من ظلم، و لكن يخاف عدله لأنّه حكم عدل، و لا يركع و لا يسجد في صلاة الجنازة و يأكل الجراد و السمك، و يحبّ الأهل و الولد و يشهد بالجنّة و النار، و لم يرهما و يكره الموت و هو الحق، و يصدّق اليهود و النصارى في تكذيب بعضهم بعضا، و له ما ليس للّه لأن له ولدا و ليس للّه ولد، و عنده ما ليس عند اللّه، فإنّه يظلم نفسه و ليس عند اللّه ظلم، و قوله: أنا أحمد النبي، أي أنا أحمده عن تبليغه الرسالة عن ربّه، و قوله: أنا علي يعني علي في قولي و قوله، و أنا ربّكم أي لي كم أرفعها و أضعها.

ففرح عمر و قام فقبّل رأس أمير المؤمنين (عليه السلام) و قال: لا بقيت بعدك يا أبا الحسن‏ (1).

و من ذلك أن ابن الكواء قدم إلى أمير المؤمنين و هو يخطب فقال: إنّي وطأت على دجاجة ميتة فخرجت منها بيضة أ فآكلها؟ قال: لا، قال: فإن استفرختها فخرج منها فروخ فآكله؟

فقال: نعم. فقال: كيف ذاك؟ فقال: لأنّه حي خرج من ميت، و تلك ميتة خرجت من ميت‏ (2).

أقول: و كيف لا يكون ذاك كذلك؟ و قد روى الحسن البصري أن الخضر لما التقى بموسى و كان بينهما ما كان جاء عصفور فأخذ قطرة من البحر فوضعها على يد موسى فقال الخضر: ما هذا؟ قال: يقول ما علمنا و علم سائر الأولين و الآخرين في علم وصي النبي الأمّي إلّا كهذه القطرة في هذا البحر (3).

و روى ابن عباس عنه أنه شرح له في ليلة واحدة من حين أقبل ظلامها حتى أسفر صباحها و طفى مصباحها في شرح الباء من بسم اللّه و لم يتعد إلى السين، و قال: لو شئت‏

____________

(1) بحار الأنوار عن المناقب: 40/ 221 ح 4 و الحديث طويل.

(2) شرح الأخبار للقاضي: 2/ 324، و مناقب آل أبي طالب: 2/ 196 و فيهما: استحضنتها.

(3) بحار الأنوار: 40/ 186 ح 71.

125

لأوقرت أربعين بعيرا من شرح بسم اللّه‏ (1).

نعم هذا أخو النبي و وصيّه، و نائب الحق و وليّه، و أسد اللّه و عليه، و مختاره و رضيّه، الذي واسى النبي و ساواه، و بمهجته في الملمات وقاه، و أجابه حين دعاه و لباه، و شيّد الدين بعزمه و بناه، و كان بيت النبوة مرباه، و مبناه، و شمس الرسالة عرسه، و غصن الجلالة و النبوة ولداه، الذي نصر الرسول و حماه، و غسّل النبي و واراه، و قام بدينه و دينه و قضاه، وليد الحرم و ربيب الكرم، و فتاه الذي أباد الشرك و أفناه.

و من ذلك: أن رجلا من الخوارج مرّ بأمير المؤمنين (عليه السلام) و معه حوتان من الجري قد غطاهما بثوبه فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): بكم شريت أبويك من بني إسرائيل؟

فقال له الرجل: ما أكثر ادّعاءك للغيب؟ فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): أخرجهما.

فأخرجهما.

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): من أنتما؟ فقالت إحداهما: أنا أبوه، و قالت الأخرى: أنا أمّه.

و من ذلك ما رواه محمد بن سنان قال: سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول للرجل: يا مغرور إنّي أراك في الدنيا قتيلا بجراحة من عبد أم معمر تحكم عليه جورا فيقتلك توفيقا يدخل بذلك الجنة على رغم منك، و إن لك و لصاحبك الذي قمت مقامه صلبا و هتكا تخرجان من عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فتصلبان على أغصان دوحة يابسة فتورق فيفتتن بذاك من والاك، فقال عمر: و من يفعل ذاك يا أبا الحسن؟ فقال: قوم قد فرّقوا بين السيوف و أغمادها، ثم يؤتى بالنار التي أضرمت لإبراهيم و يأتي جرجيس و دانيال و كل نبي و صدّيق، ثم يأتي ريح فينسفكما في أليم نسفا (2).

و من ذلك: أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال يوما للحسن: يا أبا محمد ما ترى عند ربي تابوتا من نار يقول يا علي استغفر لي، لا غفر اللّه له.

و روي في تفسير قوله تعالى: إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (3)، قال: سأل رجل‏

____________

(1) تذكرة الخواص: 153، و الطرائف: 1/ 205 بتحقيقنا، و البحار: 40/ 186 ح 71.

(2) مدينة المعاجز: 2/ 44، و البحار: 53/ 13 بتفاوت.

(3) لقمان: 19.

126

أمير المؤمنين (عليه السلام) ما معنى هذه الحمير؟

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): اللّه أكرم من أن يخلق شيئا ثم ينكره، إنّما هو زريق و صاحبه في تابوت من نار في صورة حمارين إذا شهقا في النار انزعج أهل النار من شدّة صراخهما.

و من ذلك: أن الخوارج يوم النهروان جاءهم جواسيسهم فأخبروهم أن عسكر أمير المؤمنين (عليه السلام) أربعة آلاف فارس فقالوا: لا ترموهم بسهم و لا تضربوهم بسيف، و لكن يروح كل واحد منكم إلى صاحبه برمحه فيقتله، فعلم أمير المؤمنين (عليه السلام) بذلك من الغيب، فقال لأصحابه: لا ترموهم و لا تطاعنوهم، و استلوا السيف فإذا جاء كلا منكم غريمه فليقطع رمحه و يمشي إليه فيقتله فإنّه لا يقتل منكم عشرة، و لا يفلت منهم عشرة. فكان كما قال‏ (1).

و من ذلك- أي من كراماته-: ما رواه ابن عباس أن رجلا قدم إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فاستضافه فاستدعى قرصا من شعير يابسة و قعبا فيه ماء ثم كسر قطعة فألقاها في الماء ثم قال للرجل: تناولها فأخرجها فإذا هي فخذ طائر مشوي، ثم رمى له أخرى، و قال: تناولها فأخرجها فإذا هي قطعة من الحلوى، فقال الرجل: يا مولاي تضع لي كسرا يابسة فأجدها أنواع الطعام، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): نعم هذا الظاهر و ذاك الباطن و إن أمرنا هكذا (2).

و من ذلك: قصة فضة الجارية و أنها لما جاءت إلى بيت الزهراء (عليها السلام) و لما دخلت بيت النبوّة و معدن الرحمة و منبع العصمة، و دار الحكمة و أمّ الأئمة، لم تجد هناك إلّا السيف و الدرع و الرحى، و كانت فضة بنت ملك الهند و كان عندها ذخيرة من الإكسير، فأخذت قطعة من النحاس و ألانتها و جعلتها على هيئة سمكة و ألقت عليها الدواء و صبغتها ذهبا، فلما جاء أمير المؤمنين (عليه السلام) وضعتها بين يديه فلما رآها قال: أحسنت يا فضة لكن لو أذنبت الجسد لكان الصبغ أعلى و القيمة أغلى، فقالت: يا سيدي أ تعرف هذا العلم؟

فقال: نعم، و هذا الطفل يعرفه و أشار إلى الحسن (عليه السلام) فجاء و قال كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام)، ثم قال لها أمير المؤمنين: نحن نعرف أعظم من هذا، ثم أومى بيده، و إذا عنق‏

____________

(1) المعجم الأوسط: 2/ 323 و مناقب الخوارزمي: 263.

(2) بحار الأنوار: 41/ 273 ح 29 و فيه: الحلواء.

128

قوله: وَ نَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا (1) قال ابن عباس: و كانت الآية الكبرى لهما هذا الفارس و السلطان.

و من ذلك ما رواه الرضا (عليه السلام) عن آبائه الطاهرين (عليهم السلام) أن يهوديا جاء إلى أبي بكر في ولايته و قال له: إنّ أبي قد مات و خلف كنوزا، و لم يذكر أين هي، فإن أظهرتها كان لك ثلث و للمسلمين ثلث آخر، ولي ثلث و أدخل في دينك، فقال أبو بكر: لا يعلم الغيب إلّا اللّه، فجاء إلى عمر فقال له مقالة أبي بكر، ثم دلّه على علي (عليه السلام) فسأله فقال: رح إلى بلد اليمن و اسأل عن وادي برهوت بحضر موت، فإذا حضرت الوادي فاجلس هناك إلى غروب الشمس فسيأتيك غرابان سود مناقيرها تنعب فاهتف باسم أبيك و قل له: يا فلان أنا رسول وصيّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إليك كلّمني فانّه يكلّمك فاسأله عن الكنوز فإنّه يدلّك على أماكنها، فمضى اليهودي إلى اليمن و استدل على الوادي و قعد هناك، و إذا بالغرابين قد أقبلا فنادى أباه فأجابه، و قال: و يحك ما أقدمك إلى هذا الموطن، و هو من مواطن أهل النار؟ فقال:

جئت أسألك عن الكنوز، أين هي؟ فقال: في موضع كذا و في حائط كذا. ثم قال: ويلك اتبع دين محمد تسلم فهو النجاة. ثم انصرف الغرابان، و رجع اليهودي فوجد كنزا من ذهب و كنزا من فضّة، فأوقر بعيرا و جاء به إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) و هو يقول: أشهد أن لا إله إلّا اللّه و أنّ محمدا رسول اللّه و أنك وصي رسول اللّه و أخوه و أمير المؤمنين حقّا كما سمّيت، و هذه الهدية فاصرفها حيث شئت فإنّك وليه في العالمين‏ (2).

و من ذلك ما رواه ابن عباس أن جماعة من أهل الكوفة من أكابر الشيعة سألوا أمير المؤمنين أن يريهم من عجائب أسرار اللّه فقال لهم: إنّكم لن تقدروا أن تروا واحدة، فتكفروا، فقالوا: لا شك أنك صاحب الأسرار، فاختار منهم سبعين رجلا و خرج بهم إلى ظاهر الكوفة ثم صلّى ركعتين و تكلّم بكلمات و قال: انظروا فإذا أشجار و أثمار حتى تبين لهم أنه الجنة، فقال أحسنهم قولا: هذا سحر مبين، و رجعوا كفّارا إلّا رجلين، فقال لأحدهما: أسمعت ما قال أصحابك و ما هو و اللّه بسحر، و ما أنا بساحر، و لكنه علم اللّه و رسوله، فإذا رددتم عليّ‏

____________

(1) القصص: 35.

(2) مدينة المعاجز: 2/ 47 ح 393.

127

من ذهب و كنوز سائرة، فقال: ضعيها مع أخواتها، فوضعتها فسارت‏ (1).

و من ذلك: ما رواه عمّار بن ياسر قال: كنت مع سيدي أمير المؤمنين (عليه السلام) يوما في بعض صحاري الحيرة، و إذا راهب يضرب ناقوسه، فقال لي: يا عمّار أ تدري ما يقول الناقوس؟

فقلت: يا مولاي، و ما تقول الخشبة؟ فقال: إنها تضرب مثلا للدنيا و تقول:

أهل الدنيا خلوا الدنيا * * * مهلا مهلا رفقا رفقا

إن المولى صمد يبقى‏ * * * حقا حقا صدقا صدقا

يا مولانا إن الدنيا * * * قد أهوتنا و استغوتنا

ما من يوم يمضي منها * * * إلّا أوهت منا ركنا

لسنا ندري ما قدّمنا * * * فيها إلّا إذ قد متنا

قال عمار: فأتيت الراهب من الغد فقلت له: اضرب الناقوس.

فقال: و ما تفعل به و أنت مسلم؟

فقلت: لأريك سرّه، قال: فأخذ يضرب ناقوسه، و أنا أتلو عليه ما يقول، فخرّ ساجدا و أسلم، و قال: إنّ عندي بخط هارون بن عمران بيده أن اللّه يبعث في الاميين رسولا له وزير يعلم ما يقول الناقوس‏ (2).

و من ذلك ما روي من كراماته: أن فرعونا لمّا لحق هارون بأخيه موسى دخلا عليه يوما فأوجسا خيفة منه، فإذا فارس يقدمهما و لباسه من ذهب، و في يده سيف من ذهب، و كان فرعون يحبّ الذهب فقال لفرعون: أجب هذين الرجلين و إلّا قتلتك، فانزعج فرعون لذاك و قال: عودا إليّ غدا، فلما خرجا دعا البوّابين و عاقبهم، و قال: كيف دخل عليّ هذا الفارس بغير إذن؟ فحلفا بعزّة فرعون ما دخل إلّا هذان الرجلان، و كان الفارس مثال علي الذي أيّد اللّه به النبيّين سرّا، و أيّد به محمدا جهرا، لأنه كلمة اللّه الكبرى التي أظهرها اللّه لأوليائه فيما شاء من الصور فنصرهم بها، و بتلك الكلمة يدعون اللّه فيجيبهم و ينجيهم، و إليه الإشارة في‏

____________

(1) بحار الأنوار: 41/ 273 ح 29 بتفاوت بسيط.

(2) بحار الأنوار: 40/ 172 ح 54 و فيه: يفسّر ما يقول الناقوس.

130

اللذين ما طلعا إلّا عن مكيدة، و لا غابا إلّا عن مصيبة، و إنهما طلعا غربا فقتل قابيل هابيل، و لا يظهران إلّا بخراب الدنيا؟ فقال: لا أعلم، فقال: إذا كنت لا تعلم طرق الدنيا فإنّي أسألك عن قريب، أخبرني ما تحت حافر فرسي الأيمن و الأيسر من المنافع و المضار، فقال: أنا في علم الأرض أقصر منّي في علم السماء، فأمر أن يحفر تحت الحافر الأيمن فخرج كنز من ذهب، ثم أمر أن يحفر تحت الحافر الأيسر فخرج أفعى فتعلّق الحكيم فصاح يا مولاي الأمان، فقال: الأمان بالإيمان، فقال: لأطيلن لك الركوع و السجود، فقال: سمعت خيرا، فقال:

خيرا أسجد للّه و تضرّع بي إليه، ثم قال: يا سهر سقيل سوار نحن نجوم القطب، و أعلام الفلك، و إن هذا العلم لا يعلمه إلّا نحن و بيت في الهند (1).

و من ذلك ما رواه أحمد بن عبد العزيز الجلودي قال: خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) بالبصرة فقال: سلوني قبل أن تفقدوني، سلوا من عنده علم المنايا و البلايا، و الأنساب في الأصلاب، و فصل الخطاب‏ (2).

روى الصدوق في العيون بسنده عن أبي الصلت الهروي قال: كان الرضا (عليه السلام) يكلّم الناس بلغاتهم، و كان و اللّه أفصح الناس بلغاتهم و أعلمهم بكل لسان و لغة، فقلت: يا ابن رسول اللّه إنّي لأعجب من معرفتك بهذه اللغات على اختلافها، فقال:

يا أبا الصلت أنا حجّة اللّه، و ما كان اللّه ليتّخذ حجّة على قوم و هو لا يعرف لغاتهم، أ ما بلغك قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «أوتينا فصل الخطاب [فهل فصل الخطاب‏] إلّا معرفة اللغات؟ أنا دابة الأرض، أنا حي لا أموت، و إذا مت يرث اللّه الأرض و من عليها، سلوني فإنّي لا أسأل عمّا دون العرش إلّا أجبت‏ (3)»، و قوله: «عمّا دون العرش» رمز له وجوه: الأوّل منها أن العرش هو العلم، و العرش عند علماء الحروف هو محمد، و العرش العرش و قوله «عما دون العرش» لا يستلزم أنه لا يعلم ما وراء ذلك، بل إن عقول البشر لا تعي القول عمّا وراء العرش، و لا تحتمله بل تعمى دونه البصائر و الأبصار.

____________

(1) بحار الأنوار: 37/ 337 و 41/ 336 ح 57.

(2) بصائر الدرجات: 201 باب انّهم جرى لهم ما جرى للرسول: ح 3- 4.

(3) و في بصائر الدرجات (454 ح 12): بروح القدس علموا ما دون العرش إلى ما تحت الثرى.

129

فقد رددتم على اللّه، ثم رجع إلى المسجد يستغفر لهم، فلمّا دعا تحول حصى المسجد درّا و ياقوتا فرجع أحد الرجلين كافرا و ثبت الآخر (1).

و من ذلك أنه كان يقول لابن عباس: كيف أنت يا ابن عم إذا ظلمت العيون العين؟

فقال: يا مولاي كلّمتني بهذا مرارا و لا أعلم معناه، فقال: عين عتيق و عمر و عبد الرحمن ابن عوف، و عين عثمان و ستضمّ إليها عين عائشة، و عين معاوية و عين عمرو بن العاص، و عين عبد الرحمن بن ملجم، و عين عمر بن سعد (2).

و من ذلك قوله لدهقان فارس و قد حذّره من الركوب و المسير إلى الخوارج فقال له: اعلم أن طوالع النجوم قد نحست فسعد أصحاب النحوس و نحس أصحاب السعود، و قد بدا المريخ يقطع في برج الثور و قد اختلف في برجك كوكبان و ليس الحرب لك بمكان، فقال له: أنت الذي تسيّر الجاريات و تقضي علي بالحادثات، و تنقلها مع الدقائق و الساعات، فما السراري و ما الذراري؟ و ما قدر شعاع المدبرات؟

فقال: سأنظر في الاسطرلاب و أخبرك، فقال له: أ عالم أنت بما تم البارحة في وجه الميزان؟ و أي نجم اختلف في برج السرطان؟ و أي آفة دخلت على الزبرقان؟

فقال: لا أعلم، فقال: أ عالم أنت أن الملك البارحة انتقل من بيت إلى بيت في الصين، و انقلب برج ماجين و غارت بحيرة ساوة، و فاضت بحيرة خشرمة و قطعت باب البحر (3) من سقلبة (4)، و نكس ملك الروم بالروم و ولي أخوه مكانه، و سقطت شرفات الذهب من قسطنطينية الكبرى، و هبط سور كرنديب، و فقد ربان اليهود، و هاج النمل بوادي النمل، و صعد سبعون ألف عالم و ولد في كل عالم سبعون ألفا، و الليلة يموت مثلهم.

فقال: لا أعلم، فقال: أ عالم أنت بالشهب الحرس و الأنجم و الشمس، و ذوات الذوايب التي تطلع مع الأنوار و تغيب مع الأسحار؟ فقال: لا أعلم، فقال: أ عالم أنت بطلوع النجمين‏

____________

(1) مدينة المعاجز: 2/ 47 ح 393.

(2) معاني الأخبار: 387 باب نوادر المعاني و فيه بدل أسماء الرجال قوله: و أما العيون فأعداؤه رابعهم قاتله.

(3) أو الصخرة كما في نسخة أخرى.

(4) في البحار: من سفينته.

131

آه لو أجد له حملة! قال: فقام إليه رجل في عنقه كتاب رافعا صوته: أيّها المدّعي ما لا تعلم، المقلّد ما لا يفهم، إنّي سائلك فأجب، قال: فوثب إليه أصحاب علي ليقتلوه، فقال لهم أمير المؤمنين (عليه السلام): دعوه فإنّ حجج اللّه لا تقوم بالبطش، و لا بالباطل تظهر براهين اللّه، ثم التفت إلى الرجل و قال: سل بكل لسانك فإنّي مجيب إن شاء اللّه تعالى، فقال الرجل: كم بين المشرق و المغرب؟ فقال: مسافة الهواء، و قال: و ما مسافة الهواء؟ قال: دوران الفلك، قال:

و ما دوران الفلك؟ قال: مسيرة يوم الشمس، قال الرجل: صدقت، قال: فمتى القيامة؟ قال:

عند حضور المنيّة، و بلوغ الأجل، قال: صدقت، قال: فكم عمر الدنيا؟ قال: يقال سبعة آلاف ثم لا تحديد، قال: صدقت، قال: فأين مكة من بكة؟ فقال: مكة أكناف الحرم و بكة مكان البيت؟ قال: و لم سمّيت مكة؟ قال: لأنّ اللّه تعالى مك الأرض من تحتها أي دحاها، قال: فلم سمّيت بكة؟ قال: لأنها أبكت عيون الجبّارين و المذنبين، قال: صدقت، قال: و أين كان اللّه قبل خلق عرشه؟ فقال أمير المؤمنين: سبحان اللّه من لا يدرك كنه صفته حملة عرشه على قرب زمراتهم من كراسي كرامته، و لا الملائكة المقرّبون من أنوار سبحات جلاله، ويحك لا يقال لم و لا كيف، و لا أين و لا متى، و لا بم و لا حيث، فقال الرجل: صدقت، قال: فكم مقدار ما لبث العرش على الماء قبل خلق اللّه الأرض و السماء؟ فقال: أ تحسن أن تحسب؟ فقال: نعم، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): أ فرأيت لو صبّ في الأرض خردل حتى سد الهواء و ملأ ما بين الأرض و السماء، ثم أذن لك على ضعفك أن تنقله حبة حبة من المشرق إلى المغرب، ثم مد لك في العمر حتى نقلته و أحصيته لكان ذلك أيسر من إحصاء ما لبث العرش على الماء قبل خلق الأرض و السماء، و إنمّا وصفه لك جزاء من عشر عشير جزء من مائة ألف جزء و أستغفر اللّه من القليل في التحديد، قال: فحرّك الرجل رأسه، و قال: أشهد أن لا إله إلّا اللّه [و أن محمدا رسول اللّه‏] (1).

يؤيّد هذا ما رواه الرازي في كتابه المسمّى بمفاتيح الغيب قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): ليلة اسري بي إلى السماء، رأيت في السماء السابعة ميادينا كميادين أرضكم هذه، و رأيت أفواجا من الملائكة يطيرون لا يقف هؤلاء لهؤلاء، و لا هؤلاء لهؤلاء، قال: فقلت لجبرائيل (عليه السلام): من‏

____________

(1) بحار الأنوار: 57/ 231 ح 188 عن كتاب المختصر مع تفاوت.

132

هؤلاء؟ فقال: لا أعلم، فقلت: و أين يمضون؟ فقال: لا أعلم، فقلت: سلهم، فقال: لا أقدر و لكن سلهم أنت يا حبيب اللّه، قال: فاعترضت ملكا منهم و قلت: ما اسمك؟ فقال: كيكائيل، فقلت:

من أين أتيت؟ فقال: لا أعلم، فقلت: و أين تمضي؟ فقال: لا أعلم، فقلت: و كم لك في السير؟

فقال: لا أعلم، غير أني يا حبيب اللّه أعلم أن اللّه سبحانه يخلق في كل ستّة آلاف سنة كوكبا، و قد رأيت ستّة آلاف كوكبا خلقهن و أنا في السير (1).

و من ذلك ما رواه أصحاب التواريخ أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان جالسا و عنده جني يسأله عن قضايا مشكلة فأقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) فتصاغر الجني حتى صار كالعصفور ثم قال: أجرني يا رسول اللّه، فقال: ممن؟ فقال: من هذا الفتى المقبل، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): و ما ذاك؟ فقال الجني:

أتيت سفينة نوح لأغرقها يوم الطوفان، فلمّا تناولتها ضربني هذا فقطع يدي، ثم أخرج يده مقطوعة فقال النبي: هو ذلك‏ (2).

و بهذا الإسناد أن جنيا كان جالسا عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فأقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) فاستغاث الجنّي و قال: أجرني سليمان فأرسل إليّ نفرا من الجن فطلت عليهم فجاءني هذا الفارس فأسرني و جرحني، و هذا مكان الضربة إلى الآن لم يندمل، فنزل جبرائيل (عليه السلام) و قال: الحق يقرئك السلام و يقول لك: إنّي لم أبعث نبيّا قطّ إلّا جعلت عليا معه سرّا، و جعلته معك جهرا (3).

فيا خامد الفطنة، يا من يقول هذا التناسخ و من أين لك علم التناسخ؟

و قدمك في طريق الحق غير راسخ، أ ما علمت أن اسم اللّه الأعظم نير لك في كل تركيب، و كذا كلمة اللّه العليا تظهر في كل صورة و تفعل كل عجيب، و كيف تشك في قول محمد (صلّى اللّه عليه و آله) إذا قال: أنا الفاتح، أنا الخاتم، و ترتاب في علي، أ ليس هو قسيم النور الأوّل الذي يتشعشع في جسد كل من والاه، فإنّه أمل كل ولي و غاية كل صفي، ثم ظهر مع محمد (صلّى اللّه عليه و آله) في هذا الجسد، كما كان معه في كل مقام.

____________

(1) بحار الأنوار: 57/ 338 ح 29.

(2) حلية الأبرار: 2/ 15، و مدينة المعاجز: 3/ 76- 512.

(3) المراقبات: 259، و جامع الأسرار: 382 ح 763.

134

الفصل الرابع في أسرار الحسن بن علي (عليهما السلام)

فمن ذلك: أنه لما قدم من الكوفة جاءت النسوة يعزينه في أمير المؤمنين (عليه السلام)، و دخلت عليه أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، فقالت عائشة: يا أبا محمد ما مثل فقد جدّك إلّا يوم فقد أبوك، فقال لها الحسن: نسيت نبشك في بيتك ليلا بغير قبس بحديدة، حتى ضربت الحديدة كفك فصارت جرحا إلى الآن فأخرجت جردا أخضر فيه ما جمعته من خيانة حتى أخذت منه أربعين دينارا عددا لا تعلمين لها وزنا ففرقتيها في مبغضي علي (صلوات الله عليه) من تيم و عدي، و قد تشفيت بقتله، فقالت: قد كان ذلك‏ (1).

و من ذلك: أن معاوية لمّا أراد حرب علي (عليه السلام) و جمع أهل الشام، سمع بذلك ملك الروم فقيل له: رجلان قد خرجا يطلبان الملك، فقال: من أين؟ فقيل له: رجل بالكوفة و رجل بالشام، فقال: [فسألهم عن صفتهما، فوصفوهما له، ثم قال لخزان بيوت خزائنه: أخرجوا إلى الأصنام، فنظر إليها فقال: الشامي ضال و الكوفي هاد] (2) ثم كتب إلى معاوية أن ابعث إلي أعلم أهل بيتك، و بعث إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) ابعث إلي أعلم أهل بيتك، حتى أجمع بينهما و أنظر في الانجيل من أحق بالملك منكما و أخبركما، فبعث إليه معاوية ابنه يزيد، و بعث إليه أمير المؤمنين الحسن (عليه السلام)، فلما دخل يزيد أخذ الرومي يده فقبّلها، و لما دخل الحسن (عليه السلام) قام الرومي فانحنى على قدميه فقبلهما، فجلس الحسن (عليه السلام) لا يرفع بصره، فلما نظر ملك الروم إليهما أخرجهما معا، ثم استدعى يزيد وحده، و أخرج له من خزانته 113 صنما تماثيل الأنبياء و صورهم و قد زيّنت بكل زينة، فأخرج صنما فعرضه على يزيد فلم يعرفه، ثم عرض آخر فلم يعرفه، ثم سأله عن أرزاق العباد و عن أرواح المؤمنين، و أرواح‏

____________

(1) الهداية الكبرى للخصيبي: 197.

(2) زيادة عن البحار: (33/ 234 ح 517) لتقويم المعنى.

135

الكفار، أين تجمع بعد الموت؟ فلم يعرف، فدعا الحسن بن علي (عليه السلام) و قال: إنّما بدأت بهذا حتى يعلم أنّك تعلم ما لا يعلم، و أن أباك يعلم [لا] أبوه و أن أباك ربّانيّ هذه الامّة، و قد نظرت في الإنجيل فرأيت الرسول محمدا و الوزير عليا و نظرت إلى الأوصياء فرأيت أباك فيها وصي محمد، فقال للرومي: سلني عمّا بدا لك من علم التوراة، و الإنجيل و الفرقان، أخبرك، فدعا الأصنام، فأوّل صنم عرضه عليه على صفة القمر فقال الحسن (عليه السلام): هذه صفة آدم أبي البشر، ثم عرض عليه آخر في صفة الشمس، فقال: هذه صفة حواء أمّ البشر، ثم عرض آخر، فقال: هذا عليه صفة شيث بن آدم، و هذا أوّل من بعث و كان عمره في الدنيا 1540 سنة، ثم عرض عليه آخر فقال: هذه صفة نوح صاحب السفينة، و كان عمره في الدنيا 2500 سنة و لبث في قومه ألف سنة إلّا خمسين عاما، ثم عرض عليه آخر، فقال: هذه صفة إبراهيم عريض الصدر طويل الجبهة، ثم عرض عليه آخر، فقال: هذه صفة موسى بن عمران و كان عمره 245 سنة و كان بينه و بين إبراهيم 500 سنة، ثم عرض عليه آخر، فقال: هذه صفة إسرائيل و هو يعقوب الحزين، ثم عرض عليه آخر، فقال: هذه صفة إسماعيل، ثم عرض عليه آخر، فقال: هذه صفة يوسف بن يعقوب، ثم عرض عليه آخر، فقال: هذه صفة داود صاحب الجراب، ثم عرض عليه آخر فقال: هذه صفة شعيب، ثم زكريا، ثم عيسى ابن مريم روح اللّه و كلمته، و كان عمره في الدنيا 23 سنة ثم رفعه اللّه إليه ثم يهبط إلى الأرض بدمشق و يقتل الدجّال، ثم عرضت عليه أصنام الأوصياء، و الوزراء، فأخبر بأسمائهم، ثم عرضت عليه أصنام في صفة الملوك و قال له ملك الروم: هذه أصنام لم نجد صفتها في التوراة و الإنجيل، فقال الحسن (عليه السلام): هذه صفة الملوك، فقال عند ذلك ملك الروم عند ذاك:

أشهد لكم يا آل محمد أنكم اوتيتم علم الأوّلين و الآخرين، و علم التوراة و الإنجيل، و صحف إبراهيم و ألواح موسى، و إنا نجد في الإنجيل أن أوّل فتنة هذه الامّة و ثوب شيطانها الضليل على ملك نبيّها و اجتراؤه على ذريته، ثم قال للحسن (عليه السلام): أخبرني عن سبعة أشياء خلقها اللّه تعالى، لم تركض في رحم، فقال الحسن (عليه السلام): آدم و حواء، و كبش إبراهيم، و ناقة صالح، و إبليس و الحية و الغراب الذي ذكر في القرآن، ثم سأله عن أرزاق الخلائق فقال الحسن (عليه السلام):

في السماء الرابعة تنزل بقدر و تبسيط، و سأله عن أرواح المؤمنين أين تكون؟ فقال: تجتمع‏

133

الفصل الثالث في أسرار فاطمة الزهراء (عليها السلام)

فمن ذلك من أسرار مولدها الشريف ما رواه أصحاب التواريخ: أن خديجة لمّا حضرتها الولادة بعث اللّه عز و جل إليها عشرين من الحور العين بطشوت و أباريق و ماء من حوض الكوثر، و جاءتها مريم بنت عمران و سارة و آسية بنت مزاحم، بعثهنّ اللّه يعنها على أمرها، فلما وضعتها أشرقت الدنيا و امتلأت منها الأقطار بالطيب و الأنوار، و فاح عطر العظمة، و امتلأت بيوت مكة بالنور، و لم يبق في شرق الأرض و لا غربها موضع إلّا أشرق نورا، و ظهر في السماء نور أزهر لم يكن قبل هذا، و قالت النسوة: خذيها يا خديجة طاهرة معصومة بنت نبي، زوجة وصي، نور وضي عنصر زكي، أم أبرار، حبيبة جبّار، صفوة أطهار، مباركة بورك فيها و في ولدها.

و لما تناولتها خديجة قالت: أشهد أن لا إله إلّا اللّه و أشهد أن أبي سيّد الأنبياء، و أن بعلي سيّد الأوصياء، و أن ولدي سادة الأسباط.

ثم سلمت على النسوة و سمّت كل واحدة منهن باسمها، و بشّر أهل السماء بعضهم بعضا بولادة الزهراء، و كانت تحدث خديجة في الأحشاء و تونسها بالتسبيح و التقديس، و كان نورها و خلقها و خلالها و جمالها لا يعدو رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)(1).

و من كراماتها على اللّه: أنها لما منعت حقّها أخذت بعضادة حجرة النبي و قالت: ليست ناقة صالح عند اللّه بأعظم منّي، ثم رفعت جنب قناعها إلى السماء و همّت أن تدعو فارتفعت جدران المسجد عن الأرض، و نزل العذاب فجاء أمير المؤمنين (عليه السلام) فمسك يدها و قال: يا بقية النبوّة و شمس الرسالة، و معدن العصمة و الحكمة، إنّ أباك كان رحمة للعالمين فلا تكوني عليهم نقمة، أقسم عليك بالرءوف الرحيم، فعادت إلى مصلّاها (2).

____________

(1) يراجع المجلّد 46 من بحار الأنوار- تاريخ فاطمة (عليها السلام).

(2) وفاة الزهراء: 63، و الاحتجاج: 56 و المسترشد: 382.

136

عند صخرة بيت المقدس في كل ليلة جمعة و هي العرش الأدنى و منها يبسط اللّه الأرض و إليها يطويها و إليها المحشر. ثم سأله عن أرواح الكفّار فقال: تجتمع في وادي حضر موت عند مدينة اليمن ثم يبعث اللّه نارا من المشرق و نارا من المغرب و يتبعها ريح شديد فيحشر الناس عند صخرة بيت المقدس فأهل الجنة عن يمينها، و أهل النار عن يسارها في تخوم الأرض السابعة، فتحشر الناس عند الصخرة، فمن وجبت له الجنة دخلها و من وجبت له النار دخلها، و ذلك قوله: فريق في الجنة و فريق في السعير.

فالتفت الملك إلى يزيد و قال: هذا بقيّة الأنبياء و خليفة الأوصياء، و وارث الأصفياء و ثاني النقباء، و رابع أصحاب الكساء، و العالم بما في الأرض و السماء، أ فقياس هذا بمن طبع على قلبه و هو من الضالين، ثم كتب إلى معاوية: من آتاه اللّه العلم و الحكمة بعد نبيّكم و حكم التوراة و الإنجيل و أخبار الغيب، فالحق و الخلافة له، و من نازعه فإنّه ظالم، ثم كتب إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) إن الحق لك و الخلافة فيك و في ولدك إلى يوم القيامة، فقاتل من قاتلك يعذّبه اللّه بيدك، فإنّ من عصاك و حاربك عليه لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين‏ (1).

و من ذلك من كراماته ما روي عن مولانا الباقر (عليه السلام) أن جماعة من أهل الكوفة قالوا للحسن (عليه السلام): يا ابن رسول اللّه ما عندك من عجائب أسرار أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي كان يرينا أي شي‏ء نريد يرينا إيّاه؟

فقال: هل تعرفون أمير المؤمنين (عليه السلام)؟ فقالوا: نعم، فرفع سترا كان على باب البيت، و قال:

انظروا، فنظروا فإذا أمير المؤمنين، فقالوا: نعم، هذا أمير المؤمنين لا نشك فيه و نشهد أنك خليفة حقا و صدقا (2).

____________

(1) بحار الأنوار: 33/ 237 ح 517 و الحديث طويل جدّا اختصر هنا.

(2) مدينة المعاجز: 3/ 76- 512.

137

الفصل الخامس في أسرار الحسين بن علي (عليهما السلام)

فمن ذلك أنه لمّا أراد الخروج إلى العراق قالت له أمّ سلمة: يا بني لا تحزنّي بخروجك فإنّي سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: يقتل ولدي الحسين بالعراق، فقال لها الحسين (عليه السلام): يا أمّاه إنّي مقتول لا محالة و ليس من الأمر المحتوم بد و إنّي لأعرف اليوم الذي اقتل فيه و الحفرة التي أدفن فيها، و من يقتل معي من أهل بيتي و من شيعتي، و إن أردت أريتك مضجعي و مكاني، ثم أشار بيده فانخفضت الأرض حتى أراها مضجعه و مكانه‏ (1).

و من ذلك من كتاب الراوندي أن رجلا جاء إلى الحسين (عليه السلام) فقال: أمّي توفيت و لم توص بشي‏ء غير أنّها أمرتني أن لا أحدث في أمرها حدثا حتى أعلمك يا مولاي، فجاء الحسين (عليه السلام) و أصحابه فرآها ميتة فدعا اللّه ليحييها فإذا المرأة تتكلّم، و قالت: ادخل يا مولاي و مرني بأمرك، فدخل و جلس و قال لها: أوصي يرحمك اللّه، فقالت: يا سيدي، إنّ لي من المال كذا و كذا و قد جعلت ثلثه إليك لتضعه حيث شئت، و الثلثان لابني هذا إن علمت أنّه من مواليك، و إن كان مخالفا فلا حظّ للمخالف في أموال المؤمنين، ثم سألته أن يتولّى أمرها و أن يصلّي عليها، ثم صارت ميّتة كما كانت‏ (2).

____________

(1) بحار الأنوار عن الكافي: 44/ 330 ح 2.

(2) الخرائج و الجرائح: 245 باب 4، و فرج المهموم: 227.

138

الفصل السادس في أسرار علي بن الحسين (عليهما السلام)

فمن ذلك ما رواه خالد بن عبد اللّه قال: كان علي بن الحسين (عليه السلام) حاجّا فجاء أصحابه فضربوا فسطاطه في ناحية فلما رآه قال: هذا مكان قوم من الجن المؤمنين و قد ضيّقتم عليه، فناداه هاتف: يا ابن رسول اللّه قرّب فسطاطك منّا رحمة لنا، و إنّ طاعتك مفروضة علينا، و هذه هديتنا إليك فاقبلها، قال جابر: فنظرنا و إذا إلى جانب الفسطاط أطباق مملوءة رطبا و عنبا، و موزا و رمّانا، فدعا زين العابدين (عليه السلام) من كان معه من أصحابه، و قال: كلوا من هدية إخوانكم المؤمنين‏ (1).

و من ذلك ما رواه صاحب كتاب الأربعين: أن بني مروان لمّا كثر استنقاصهم بشيعة علي ابن الحسين (عليه السلام) شكوا إليه حالهم فدعا الباقر (عليه السلام) و أخرج إليه حقا فيه خيط أصفر و أمره أن يحرّكه تحريكا لطيفا فصعد السطح و حرّكه، و إذا بالأرض ترجف و بيوت المدينة تساقطت حتى هوى من المدينة ستمائة دار، و أقبل الناس هاربين إليه يقولون: أجرنا يا ابن رسول اللّه، أجرنا يا ولي اللّه، فقال: هذا دأبنا و دأبهم يستنقصون بنا و نحن نفنيهم‏ (2).

و من ذلك أن رجلا سأله فقال: بما ذا فضّلنا على أعدائنا و فيهم من هو أجمل منّا؟ فقال له الإمام (عليه السلام): أ تحبّ أن ترى فضلك عليهم؟ فقال: نعم، فمسح يده على وجهه، و قال: انظر، فنظر فاضطرب، و قال: جعلت فداك ردني إلى ما كنت، فإنّي لم أر في المسجد إلّا دبّا، و قردا و كلبا، فمسح يده فعاد إلى حاله‏ (3).

و إليه الإشارة بقوله: «أعداء عليّ مسوخ هذه الامّة»، و في النقل: اقتلوا الوزغ فإنّها مسوخ بني أمية (4).

____________

(1) بحار الأنوار عن دلائل الطبري: 46/ 45 ح 45 بتفاوت.

(2) الهداية الكبرى: 227- 228 باب 6 و: 322 باب 12، و دلائل الإمامة: 2، و البحار: 25/ 379.

(3) بحار الأنوار: 46/ 49 ح 49.

(4) الخرائج: 823 و بحار الأنوار: 27/ 269 ح 19 بتفاوت.

139

الفصل السابع في أسرار أبي جعفر الباقر (عليه السلام)

فمن ذلك ما رواه محمد بن مسلم قال: كنت عند أبي جعفر (عليه السلام) إذ وقع إليه ورشانان ثم هدلا فرد عليهما فطارا، فقلت: جعلت فداك ما هذه؟ فقال: هذا طائر ظن في زوجته سوءا فحلفت له فقال لها: لا أرضى إلّا بمولاي محمد بن علي (عليه السلام)، فجاءت فحلفت له بالولاية أنّها لم تخنه فصدّقها، و ما من أحد يحلف بالولاية إلّا صدّق إلّا الإنسان، فإنّه حلّاف مهين‏ (1).

و من ذلك ما رواه ميسر قال: قمت بباب أبي جعفر فخرجت جارية جلاسية فوضعت يدي على رأسها فناداني من أقصى الدار: ادخل لا أبا لك فلو كانت الجدران تحجب أبصارنا عنكم كما تحجب أبصاركم لكنّا نحن و إيّاكم سواء (2).

و من ذلك ما رواه محمد بن مسلم قال: خرجت مع أبي جعفر (عليه السلام) إلى مكان يريده فسرنا، و إذا ذئب قد انحدر من الجبل و جاء حتى وضع يده على قربوس السرج، و تطاول فخاطبه فقال له الإمام (عليه السلام): ارجع فقد فعلت، قال: فرجع الذئب مهرولا، فقلت: يا سيدي ما شأنه؟

فقال: ذكر أن زوجته قد عسرت عليها الولادة فسأل لها الفرج و أن يرزقه اللّه ولدا لا يؤذي دواب شيعتنا، فقلت له: اذهب فقد فعلت، قال: ثم سرنا، و إذا قاع محدب يتوقّد حرّا، و هناك عصافير يتطايرون، و درن حول بغلته فرجوها، و قال: لا و لا كرامة، قال: ثم سار إلى مقصده، فلما رجعنا من الغد وعدنا إلى القاع و إذا العصافير قد طارت و دارت حول بغلته و رفرفت، فسمعته يقول: اشربي و ارتوي، قال: فنظرت، و إذا في القاع ضحضاح‏ (3) من الماء، فقلت: يا سيدي بالأمس منعتها و اليوم سقيتها؟ فقال: اعلم أن اليوم خالطتها القنابر فسقيتها،

____________

(1) بحار الأنوار: 65/ 24 ح 40.

(2) بحار الأنوار: 46/ 248 ح 40 و فيه لا أم لك.

(3) الضحضاح في الأصل ما رقّ من الماء على وجه الأرض ما بلغ الكعبين «النهاية».

140

و لو لا القنابر لما سقيتها، فقلت: يا سيدي، و ما الفرق بين القنابر و العصافير؟

فقال: ويحك أما العصافير فإنّهم موالي الرجل‏ (1) لأنهم منه، و أما القنابر فإنّهم موالينا أهل البيت، و إنّهم يقولون في صفيرهم: بوركتم أهل البيت (عليهم السلام)، و بورك شيعتكم، و لعن اللّه أعدائكم، ثم قال: عادانا من كل شي‏ء حتى الطيور الفاختة و من الأيام الأربعاء (2).

أقول: في هذا الحديث رمز حسن يشير إلى أن كلّا يميل إلى شكله و يفرح بنظيره، و ينبعث إلى طبعه، و إليه الإشارة بقوله (صلّى اللّه عليه و آله): يعرف ولد الحرام بأكله للحرام، و هذا أيضا رمز و هو أن ولد الحرام مادته من الحرام فهو يحب ما هو منه، و عدوّهم من الرجل فهو لا يحب إلّا مادته، و محبّهم و وليّهم طينته منهم، و هي طينة خلق منها أولاد الحلال فلا يحبّهم إلّا ولد الحلال، و ليس محبّهم إلّا ولد الحلال.

و من ذلك ما رواه إسماعيل السندي عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعته يقول لرجل من خراسان كان قدم إليه: كيف أبوك؟

فقال الرجل: بخير،

فقال: فأخوك؟

قال: خلفته صالحا، فقال: قد هلك أبوك بعد خروجك بيومين، و أما أخوك فقتلته جاريته يوم كذا، و قد صار إلى الجنة؛ فقال الرجل: جعلت فداك، إن ابني قد خلفته و جعا، فقال:

أبشر فقد برى‏ء و زوّجه عمّه ابنته و صار له غلام و سمّاه عليا، و ليس من شيعتنا، فقال الرجل:

فما إليه من حلية؟ فقال: كلا قد أخذ من صلب آدم أنه من أعدائنا فلا تغرنك عبادته و خشوعه‏ (3).

و من ذلك ما رواه جابر بن يزيد قال: كنّا مع أبي جعفر (عليه السلام) في المسجد فدخل عمر بن عبد العزيز و هو غلام، و عليه ثوبان معصفران فقال أبو جعفر (عليه السلام): لا تذهب الأيام حتى يملكها هذا الغلام، و يستعمل العدل جهرا و الجور سرّا فإذا مات تبكيه أهل الأرض و يلعنه‏

____________

(1) في البحار: عمر.

(2) بحار الأنوار: 27/ 272 ح 25 بتفاوت.

(3) بحار الأنوار: 46/ 243 ح 31 بتفاوت كبير.

141

أهل السماء (1).

و من ذلك ما رواه أبو بصير قال: قال لي مولاي أبو جعفر (عليه السلام): إذا رجعت إلى الكوفة يولد ولد تسمّيه عيسى، و يولد ولد و تسمّيه محمدا و هما من شيعتنا و أسماؤهما في صحيفتنا، و ما يولدون إلى يوم القيامة، قال: فقلت: و شيعتكم معكم؟ قال: نعم، إذا خافوا اللّه و اتقوه و أطاعوه‏ (2).

و من ذلك أنه دخل المسجد يوما فرأى شابّا يضحك في المسجد فقال له: تضحك في المسجد و أنت بعد ثلاثة من أصحاب القبور؟ فمات الرجل في أوّل اليوم الثالث، و دفن في آخره‏ (3).

و من ذلك ما ورد في كتاب كشف الغمة عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له يوما: أنتم ذرية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟

قال: نعم، قلت: و رسول اللّه وارث الأنبياء؟

قال: نعم، قلت: و أنتم ورثة رسول اللّه؟

قال: نعم، قلت: فتقدر أن تحيي الموتى و تبرئ الأكمه و الأبرص و تخبر الناس بما يأكلون، و ما يدخرون؟

قال: نعم، بأمر اللّه، ثم قال: ادن منّي، فدنوت منه فمسح يده على وجهي، فأبصرت السماء و الأرض، ثم مسح يده على وجهي فعدت كما كنت لا أرى شيئا (4).

____________

(1) بحار الأنوار: 46/ 251 ح 44 بتفاوت.

(2) بحار الأنوار: 46/ 274 ح 79.

(3) المصدر نفسه.

(4) بصائر الدرجات: 289 ج 6 باب 3 ح 1 باب انّهم يحيون الموتى. و الهداية الكبرى: 243 باب 7 و بحار الأنوار: 46/ 237 ح 13.

143

أقول: في هذا الحديث أسرار غريبة، الأوّل إطاعة الوحوش لهم عيانا و سماعا، و الثاني إخباره أنه لم يغب عنهم و أنه يشهد سائر أوليائه لأن الإمام مع الخلق كلّهم لم يغب عنهم، و لم يحتجبوا عنه طرفة عين، و لكن أبصارهم محجوبة عن النظر إليه، و إن الدنيا بين يدي الإمام كالدرهم بين يدي الرجل يقلّبه كيف شاء، و الثالث أنه أنكر عليه و قال: أ تراني لم أشهدكم؟ حيث إنه حسب أن الحجّة لا يشهد لمحجوج عليه بعد أن يثبت أنهم عين اللّه الناظرة في عباده، و يده المبسوطة بالفضل في بلاده، و لسانه المترجم عنه، و أن قلوب الأولياء مكان مشيئة اللّه و خزائن أسراره و باب حكمته.

و من ذلك ما رواه أبو بصير قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): إن المعلى بن خنيس ينال درجتنا، و إن المدينة من قابل يليها داود بن عروة، و يستدعيه و يأمره أن يكتب له أسماء شيعتنا فيأبى فيقتله و يصلبه، فينال بذلك درجتنا، فلمّا ولي داود المدينة من قابل أحضر المعلّى و سأله عن الشيعة فقال: أعرفهم، فقال: اكتبهم لي و إلّا ضربت عنقك، فقال: بالقتل تهدّدني و اللّه لو كانوا تحت قدمي ما رفعتها عنهم، فأمر بضرب عنقه و صلبه، فلمّا دخل عليه الصادق (عليه السلام) قال: يا داود قتلت مولاي و وكيلي، و ما كفاك القتل حتى صلبته، و اللّه لأدعون اللّه عليك كما قتله، فقال له داود: أ تهدّدني بدعائك؟ ادع اللّه لك فإذا استجاب لك فادعه عليّ، فخرج أبو عبد اللّه (عليه السلام) مغضبا، فلما جن الليل اغتسل و استقبل القبلة، ثم قال: يا ذا يا ذي يا ذوا إرم داود سهما من سهام قهرك تبلبل به قلبه، ثم قال لغلامه: اخرج و اسمع الصائح. فجاء الخبر أن داود قد هلك، فخرّ الإمام ساجدا و قال: إنّه لقد دعوت اللّه عليه بثلاث كلمات لو قسمت على أهل الأرض لزلزلت بمن عليها (1).

و من كراماته (عليه السلام): أن المنصور يوما دعاه، فركب معه إلى بعض النواحي، فجلس المنصور على تلال هناك و إلى جانبه أبو عبد اللّه، فجاء رجل و همّ أن يسأل المنصور ثم أعرض عنه، و سأل الصادق (عليه السلام) فحثى له من رمل هناك مل‏ء يديه ثلاث مرّات، فقال: اذهب و أغل، فقال له بعض حاشية المنصور: خرجت عن الملك و سألت فقيرا لا يملك شيئا، فقال الرجل و قد عرق وجهه خجلا ممّا أعطاه: إنّي سألت من أنا واثق بعطائه، ثم جاء بالتراب إلى بيته،

____________

(1) بحار الأنوار: 47/ 181 ح 27 و تصويب العبارة منه.

142

الفصل الثامن في أسرار الإمام الصادق (عليه السلام)

من ذلك ما رواه محمد بن سنان أن رجلا قدم عليه من خراسان و معه صرر من الصدقات معدودة مختومة، و عليها أسماء أصحابها مكتوبة، فلما دخل الرجل جعل أبو عبد اللّه يسمّي أصحاب الصرر، و يقول: أخرج صرة فلان فإن فيها كذا و كذا، ثم قال: أين صرّة المرأة التي بعثتها من غزل يدها أخرجها فقد قبلناها؟ ثم قال للرجل: أين الكيس الأزرق، و كان فيما حمل إليه كيس أزرق فيه ألف درهم، و كان الرجل قد فقده في بعض طريقه، فلمّا ذكره الإمام استحيا الرجل و قال: يا مولاي إنّي فقدته في بعض الطريق، فقال له الإمام (عليه السلام):

تعرفه إذا رأيته؟ فقال: نعم، فقال: يا غلام، أخرج الكيس الأزرق، فأخرجه، فلمّا رآه الرجل عرفه، فقال الإمام: إنّا احتجنا إلى ما فيه فأحضرناه قبل وصولك إلينا، فقال الرجل: يا مولاي إنّي ألتمس الجواب بوصول ما حملته إلى حضرتك، فقال له: إن الجواب كتبناه و أنت في الطريق‏ (1).

و من ذلك ما رواه عبد اللّه بن الكاهلي قال: قال لي الصادق (عليه السلام): إذا لقيت السبع فاقرأ في وجهه آية الكرسي، و قل: عزمت عليك بعزيمة اللّه و عزيمة رسوله، و عزيمة سليمان بن داود، و عزيمة علي أمير المؤمنين و الأئمة من بعده، فإنه ينصرف عنك، قال: فخرجت مع ابن عم لي قادما من الكوفة فعرض لنا السبع فقرأت عليه ما علّمني مولاي فطأطأ رأسه و رجع عن الطريق، فلما قدمت إلى سيدي من قبل أن أعلمه بالخبر، فقال: أ تراني لم أشهدكم إن لي مع كل ولي أذن سامعة، و عين ناظرة، و لسان ناطق، ثم قال: يا عبد اللّه أنا و اللّه صرفته عنكما و علامة ذلك أنكما كنتما على شاطئ النهر (2).

____________

(1) بحار الأنوار: 47/ 155 ح 218.

(2) بحار الأنوار: 47/ 95 ح 108.

144

فقالت له زوجته: من أعطاك هذا؟ فقال: جعفر، فقالت: و ما قال؟ قال: قال لي: أغل، فقالت:

إنّه صادق، فاذهب بقليل منه إلى أهل المعرفة فإنّي أشمّ منه رايحة الغنا، فأخذ الرجل منه جزءا و مرّ به إلى بعض اليهود فأعطاه فيما حمل منه إليه عشرة آلاف درهم، و قال له: أتيني بباقيه على هذه القيمة (1).

و من ذلك: أن المنصور لمّا أراد قتل أبي عبد اللّه (عليه السلام) استدعى قوما من الأعاجم يقال لهم البعرعر (2) لا يفهمون و لا يعقلون، فخلع عليهم الديباج المثقل، و الوشي المنسوج، و حملت إليهم الأموال، ثم استدعاهم و كانوا مائة رجل، و قال للترجمان: قل لهم: إنّ لي عدوا يدخل عليّ الليلة فاقتلوه إذا دخل، فأخذوا أسلحتهم و وقفوا ممتثلين لأمره، فاستدعى جعفرا (عليه السلام) و أمره أن يدخل وحده، ثم قال للترجمان: قل لهم هذا عدوّي فقطعوه، فلمّا دخل الإمام تعاووا عوي الكلاب، و رموا أسلحتهم، و كتفوا أيديهم إلى ظهورهم، و خرّوا له سجدا، و مرغوا وجوههم على التراب، فلمّا رأى المنصور ذاك خاف، و قال: ما جاء بك؟ قال: أنت، و ما جئتك إلّا مغتسلا محنطا، فقال المنصور: معاذ اللّه أن يكون ما تزعم، ارجع راشدا، فخرج جعفر (عليه السلام) و القوم على وجوههم سجدا، فقال للترجمان: قل لهم: لم لا قتلتم عدو الملك؟ فقالوا: نقتل وليّنا الذي يلقانا كل يوم و يدبر أمرنا كما يدبّر الرجل أمر ولده و لا نعرف وليا سواه، فخاف المنصور من قولهم فسرّحهم تحت الليل، ثم قتله بعد ذلك بالسمّ‏ (3).

و من كراماته (عليه السلام) أن فقيرا سأله فقال لعبده: ما عندك؟ قال: أربعمائة درهم، فقال: أعطه إياها، فأعطاه، فأخذها و ولّى شاكرا، فقال لعبده: أرجعه، فقال: يا سيدي سألت فأعطيت، فما ذا بعد العطاء، فقال له: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): خير الصدقة ما أبقت غنى، و إنّا لم نغنك فخذ هذا الخاتم فقد أعطيت فيه عشرة آلاف درهم، فإذا احتجت فبعه بهذه القيمة (4).

و من ذلك من كتاب الراوندي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه قال: علمنا غابر و مزبور، و نكت في القلوب، و نقر في الأسماع، و عندنا الجفر الأبيض و الجفر الأحمر، و مصحف فاطمة و الجامعة،

____________

(1) بحار الأنوار: 47/ 155 ح 218.

(2) كذا بالأصل و هي غير موجودة في البحار مع أنه ينقله عن المشارق.

(3) بحار الأنوار: 47/ 181 ح 27.

(4) بحار الأنوار: 47/ 60 ح 116.

145

فأما الغابر فعلم ما كان، و أما المزبور فعلم ما يكون، و أما النكت في القلوب فهو الإلهام، و أما النقر في الأسماع فهو حديث الملائكة، و أما الجفر الأحمر ففيه سلاح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و أما الجفر الأبيض فوعاء فيه التوراة و الإنجيل و الزبور و الكتب الأولى، و أمّا مصحف فاطمة ففيه ما يكون من الحوادث، و اسم من يملك إلى يوم القيامة، و أما الجامعة ففيها جميع ما يحتاج الناس إليه حتى أرش الخدش، و عندنا صحيفة فيها اسم من ولد و من يولد، و اسم أبيه و أمّه من الذر إلى يوم القيامة، ممّن هو من أعدائنا، ذلك فضل اللّه علينا و على الناس‏ (1).

و من ذلك: ما رواه أحمد البرقي عن أبيه عن سدير الصيرفي قال: رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في النوم و بين يديه طبق مغطى، فدنوت منه و سلّمت عليه، فكشف الطبق و إذا فيه رطب، فقلت: يا رسول اللّه ناولني رطبة، فأكلتها، ثم طلبت أخرى فناولني حتى أكلت ثمان رطبات، فطلبت أخرى فقال: حسبك.

قال: فلما استيقظت من الغد دخلت على الصادق (عليه السلام) و إذا بين يديه طبق مغطى كما رأيته في المنام، فكشف عنه، و إذا فيه رطب، فقلت: جعلت فداك ناولني رطبة، فناولنيها فأكلتها، ثم سألته أخرى فأعطاني، فناولني ثمان رطبات فأكلتهن، ثم سألته أخرى، فقال:

حسبك لو زادك جدّي (صلّى اللّه عليه و آله) لزدتك‏ (2).

____________

(1) الإرشاد للمفيد: 2/ 186 كلام الصادق حول ميراث الرسول، و أصول الكافي: 1/ 238.

(2) بحار الأنوار: 47/ 63 ح 2.

146

الفصل التاسع في أسرار أبي الحسن موسى الكاظم (عليه السلام)

فمن ذلك أن الرشيد لمّا حج دخل المدينة فاستأذن عليه الناس، فكان آخر من أذن له موسى بن جعفر (عليهما السلام)، فلما أدخل عليه دخل و هو يحرّك شفتيه، فلما قرب إليه قعد الرشيد على ركبتيه و عانقه، ثم أقبل عليه، و قال: كيف أنت يا أبا الحسن؟ كيف عيالك؟ كيف عيال أبيك؟ كيف أنتم؟ كيف حالكم؟ و هو يقول: خير، خير، خير، فلما قام أراد الرشيد أن ينهض فأقسم عليه أبو الحسن فقعد، ثم عانقه و خرج، فلما خرج قال له المأمون: من هذا الرجل؟

قال: يا بني هذا وارث علوم الأوّلين و الآخرين، هذا موسى بن جعفر، فإن أردت علما حقّا فعند هذا (1).

و من ذلك ما رواه أحمد البزاز قال: إن الرشيد لما أحضر موسى (عليه السلام) إلى بغداد فكّر في قتله، فلمّا كان قبل قتله بيومين، قال للمسيب و كان من الحرّاس عليه لكنّه كان من أوليائه، و كان الرشيد قد سلم موسى إلى السندي بن شاهك و أمره أن يقيّده بثلاثة قيود من الحديد وزنها ثلاثين رطلا قال: فاستدعى المسيب نصف الليل و قال: إنّي ظاعن عنك في هذه الليلة إلى المدينة لأعهد إلى من بها عهدا يعمل به بعدي، فقال المسيب: يا مولاي كيف أفتح لك الأبواب و الحرس قيام؟

فقال: ما عليك، ثم أشار بيده إلى القصور المشيدة و الأبواب العالية، و الدور المرتفعة، فصارت أرضا، ثم قال لي: يا مسيب كن على هيئتك فانّي راجع إليك بعد ساعة، فقال: يا مولاي أ لا أقطع لك الحديد؟ قال: فنفضه و إذا هو ملقى، قال: ثم خطا خطوة فغاب عن عيني، ثم ارتفع البنيان كما كان.

قال المسيب: فلم أزل قائما على قدمي حتى رأيت الأبنية و الجدران قد خرّت ساجدة

____________

(1) بحار الأنوار: 48/ 133 ح 6 و الحديث طويل.

147

إلى الأرض، و إذا بسيدي قد أقبل و عاد إلى محبسه و أعاد الحديد إليه، فقلت: يا سيدي، أين قصدت؟ فقال: كل محب لنا في الأرض شرقا و غربا حتى الجن في البراري و مختلف الملائكة (1).

و من ذلك ما رواه صفوان الجمال بن مهران قال: أمرني سيدي أبو عبد اللّه (عليه السلام) يوما أن أقدم ناقته على باب الدار، فجئت بها، قال: فخرج أبو الحسن موسى مسرعا و هو ابن ست سنين فاستوى على ظهر الناقة و أثارها و غاب عن بصري، قال: فقلت: إنّا للّه و إنّا إليه راجعون، و ما أقول لمولاي إذا خرج يريد ناقته، قال: فلمّا مضى من النهار ساعة إذا الناقة قد انقضت كأنها شهاب و هي ترفض عرقا، فنزل عنها و دخل الدار فخرج الخادم، و قال: أعد الناقة مكانها و أجب مولاك، قال: ففعلت ما أمرني و دخلت عليه، فقال: يا صفوان إنّما أمرتك إحضار الناقة ليركبها مولاك أبو الحسن، فقلت في نفسك: كذا و كذا فهل علمت يا صفوان إلى أين بلغ عليها في هذه الساعة؟ إنّه بلغ ما بلغه ذو القرنين و جاوزه أضعافا مضاعفة و أبلغ كل مؤمن و مؤمنة سلامي‏ (2).

و من ذلك ما رواه المسيب أن الرشيد لما أراد قتل موسى أرسل إلى عمّاله في الأطراف فقال: التمسوا لي قوما لا يعرفون اللّه أستعين بهم في مهمّ لي، فأرسلوا إليه قوما يقال لهم العبدة، فلما قدموا عليه و كانوا خمسين رجلا أنزلهم في بيت من بيوت داره قريب المطبخ، ثم حمل إليهم المال و الثياب و الجواهر و الأشربة و الخدم، ثم استدعاهم و قال: من ربّكم؟

فقالوا: ما نعرف ربّا و ما سمعنا بهذه الكلمة، فخلع عليهم، ثم قال للترجمان: قل لهم إن لي عدوّا في هذه الحجرة فادخلوا إليه فقطعوه، فدخلوا بأسلحتهم على أبي موسى (عليه السلام) و الرشيد ينظر ما ذا يفعلون، فلمّا رأوه رموا أسلحتهم و خرّوا له سجدا فجعل موسى يمرّ يده على رءوسهم و هم يبكون، و هو يخاطبهم بألسنتهم، فلمّا رأى الرشيد ذلك غشي عليه و صاح بالترجمان أخرجهم، فأخرجهم يمشون القهقرى إجلالا لموسى (عليه السلام)، ثم ركبوا خيولهم و أخذوا الأموال و مضوا (3).

____________

(1) مدينة المعاجز: 6/ 384.

(2) الهداية الكبرى: 270 باب 9.

(3) بحار الأنوار: 48/ 249 ح 57.

149

على الأرض فظهرت سبايك من فضة، ثم مسح يده فغابت، فقلت: أعطني واحدة منها، فقال: إنّ هذا الأمر ما آن وقته‏ (1).

أقول: الفرق بين الشعبذة و السحر و السيمياء، و الكرامات و المعجزات، الأول منها قلب العين حتى يرى الإنسان شيئا فيتخيّله و لا حقيقة له و لا يبقى، و أما المعجزات و الكرامات فقلب أعيان الأشياء و تحويلها إلى حقيقة أخرى باقية لا تزول إلّا إذا أراد المظهر لها زوالها.

و من كراماته (عليه السلام) أن أبا نواس مدحه بأبيات فأخرج له رقعة فيها تلك الأبيات فتحير أبو نواس، و قال: و اللّه يا ولي اللّه ما قالها أحد غيري، و لا سمعها أحد سواك، فقال: صدقت، و لكن عندي في الجفر و الجامعة أنك تمدحني بها.

و من ذلك ما رواه أبو الصلت الهروي قال: بينما أنا واقف بين يدي أبي الحسن الرضا (عليه السلام) إذ قال لي: سيحفر لي هاهنا قبر فتظهر صخرة لو اجتمع عليها كل معول بخراسان لم يقدروا على قلعها، فمرهم أن يحفروا لي سبع مرّات إلى أسفل، و أن يشق لي ضريح فإنّ الماء سينبع حتى يمتلئ اللحد و ترى فيه حيتانا صغارا، ثم يخرج حوت كبير يلتقط الحيتان الصغار ثم يغيب، فدع يديك على الماء و تكلّم بهذا الكلام فإنّه ينضب لك و لا يبقى منه شي‏ء، و لا تفعل ذلك إلّا بحضرة المأمون، ثم قال لي: يا أبا الصلت غدا أدخل إلى هذا الفاجر، فإن خرجت مكشوف الرأس فتكلّم أكلّمك، و إن خرجت مغطّى الرأس فلا تكلّمني.

قال أبو الصلت: فلما أصبحنا من الغد لبس ثيابه، و جلس في محرابه، فجاء غلام المأمون و قال: أجب أمير المؤمنين، فلبس نعله و رداءه، و قام يمشي و أنا أتبعه، ثم دخل على المأمون و بين يديه أطباق و فاكهة، و بيده عنقود من عنب قد أكل بعضه و بقي بعضه، فلما رآه مقبلا و ثب قائما و عانقه و أجلسه، ثم ناوله العنقود، و قال: يا ابن رسول اللّه هل رأيت أحسن من هذا العنب؟

فقال: قد يكون في بعض الجنان أحسن منه، ثم قال له: كل منه، فقال له الرضا (عليه السلام):

أعفني، فقال: لا بد من ذلك، ثم قال: و ما يمنعك أ تتهمني؟ ثم تناول العنقود منه و أكل منه، و ناوله الرضا (عليه السلام) فأكل منه ثلاث حبّات، ثم رمى به، و قال له المأمون: إلى أين؟

____________

(1) بحار الأنوار عن الخرائج: 49/ 50 ح 50.

148

الفصل العاشر في أسرار أبي الحسن علي بن موسى (عليهما السلام)

فمن ذلك أن الرضا (عليه السلام) لمّا قدم من خراسان توجّهت إليه الشيعة من الأطراف، و كان علي بن أبي أسباط قد توجّه إليه بهدايا و تحف فأخذت القافلة و أخذ ماله و هداياه و ضرب على فيه، فانتثرت نواجذه فرجع إلى قرية هناك و نام، فرأى الرضا (عليه السلام) في منامه، و هو يقول:

لا تحزن إن هداياك وصلت إلينا، و أما فمك و ثناياك فخذ من السعد المسحوق و احشي به فاك، فانتبه مسرورا و أخذ من السعد وحشى به فاه فرد اللّه عليه نواجذه، قال: فلما وصل إلى الرضا (عليه السلام) و دخل عليه قال له: قد وجدت ما قلناه لك في السعد حقّا فادخل هذه الخزانة فانظر، فدخل فإذا ماله و هداياه كلّا على حدته‏ (1).

و من ذلك أن رجلا من الواقفة جمع مسائل مشكلة في طومار، و قال في نفسه: إن عرف معناه فهو ولي الأمر، فلما أتى الباب، وقف ليخف الناس من المجلس، فخرج إليه خادم و بيده رقعة فيها جواب مسألة بخط الإمام (عليه السلام) فقال له الخادم: أين الطومار؟ فأخرجه، فقال له: يقول لك ولي اللّه هذا جواب ما فيه. فأخذه و مضى‏ (2).

و من ذلك أن الرضا (عليه السلام) قال يوما في مجلسه: لا إله إلّا اللّه مات فلان، ثم صبر هنيهة، و قال: لا إله إلّا اللّه غل و كفر، و حمل إلى حفرته، ثم صبر هنيهة، و قال: لا إله إلّا اللّه وضع في قبره، و سئل عن ربّه فأجاب، ثم سئل عن نبيه فأقرّ، ثم سئل عن إمامه فأخبر، و عن العترة، فعدّهم، ثم وقف عندي فما باله وقف، و كان الرجل واقفيا (3).

و من ذلك ما رواه الراوندي في كتابه عن إسماعيل قال: كنت عند الرضا (عليه السلام) فمسح يده‏

____________

(1) بحار الأنوار: 49/ 71 ح 95.

(2) بحار الأنوار: 49/ 71 ح 95.

(3) المصدر نفسه.

150

فقال له الرضا (عليه السلام): إلى حيث وجّهتني، ثم خرج (عليه السلام) مغطّى الرأس حتى دخل الدار ثم أمر أن تغلق الأبواب، ثم نام على فراشه.

قال: فكنت واقفا في صحن الدار باكيا حزينا إذ دخل إليّ شاب حسن الوجه أشبه الناس بالرضا فبادرت إليه و قلت: من أين دخلت و الباب مغلوق؟ فقال: الذي جاء بي من المدينة في هذا الوقت هو الذي أدخلني الدار و الباب مغلق، فقلت: من أنت؟

فقال (عليه السلام): أنا حجّة اللّه يا أبا الصلت، أنا محمد بن علي، ثم مضى نحو أبيه الرضا (عليه السلام) فدخل، فأمرني بالدخول، فلما نظر إليه الرضا (عليه السلام) نهض إليه ليعتنقه، ثم سجه سجى إلى فراشه و أكبّ عليه محمد بن علي (عليه السلام) فسرّ إليه سرّا لا أفهمه، و رأيت على شفة الرضا بياضا أشدّ بياضا من الثلج، و رأيت أبا جعفر (عليه السلام) يلحسه بلسانه ثم أدخل يده بين صدره و ثوبه فاستخرج منه شيئا شبه العصفور فابتلعه، ثم مضى الرضا (عليه السلام) فقال لي: يا أبا الصلت ايتني المغسل و الماء من الخزانة، فقلت: ما في الخزانة مغسل و لا ماء، فقال: ائتمر بما آمرك به.

قال: فدخلت الخزانة و إذا فيها مغسل و ماء فأتيته بها، ثم شمرت ثيابي لأعاونه، فقال:

تنح فإنّ لي من يساعدني، ثم قال لي: أدخل الخزانة و أخرج السفط الذي فيه كفنه و حنوطه، فدخلت و إذا أنا بسفط لم أره من قبل ذلك فأخرجته إليه و صلّى عليه، ثم قال: ائتني بالتابوت، فقلت: أ أمضي إلى النجار؟

فقال: إنّ في الخزانة تابوتا، فدخلت و إذا تابوت لم أر مثله قط، فأخرجته إليه فوضعته فيه بعد أن صلّى عليه، تباعد عنه و صلّى ركعتين، و إذا بالتابوت قد ارتفع فانشق السقف و غاب التابوت.

فقلت: يا ابن رسول اللّه الساعة يأتي المأمون و يسألنا عن الرضا فما ذا نقول؟

فقال: اسكت يا أبا الصلت، سيعود، إنه ما من نبي في شرق الأرض يموت و وصيّه في غربها إلّا جمع اللّه بين روحيهما.

فما تم الحديث حتى عاد التابوت، فقال: فاستخرج الرضا (عليه السلام) من التابوت و وضعه على فراشه كأنه لم يكفن و لم يغسل، ثم قال: افتح الباب للمأمون، ففتحت الباب، و إذا أنا بالمأمون و الغلمان على الباب، فدخل باكيا حزينا قد شق جيبه و لطم رأسه، و هو يقول:

151

وا سيداه، ثم جلس عند رأسه، و قال: خذوا في تجهيزه، و أمر بحفر القبر، فظهر جميع ما ذكر الرضا (عليه السلام).

فقلت: أمرني أن أحفر له سبع مرّات، و أن أشق ضريحه، قال: فافعل، ثم ظهر الماء و الحيتان، فقال المأمون: لم يزل الرضا (عليه السلام) يرينا عجائبه في حياته حتى أرانا بعد وفاته.

فقال له وزيره الذي كان معه: أ تدري ما أخبرك به؟

قال: لا.

قال: أخبرك أن ملككم يا بني العباس مع كثرتكم و طول مدّتكم مثل هذه الحيتان، حتى إذا انقضت دولتكم و ولّت أيامكم سلّط عليكم رجلا فأفناكم عن آخركم.

فقال له المأمون: صدقت، ثم دفن الرضا (عليه السلام) و مضى‏ (1).

____________

(1) بحار الأنوار: 49/ 293 ح 8.

152

الفصل الحادي عشر في أسرار أبي جعفر محمد بن علي الجواد (عليهما السلام) النور المستضي‏ء

فمن ذلك ما روي عنه أنه جي‏ء به إلى مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بعد موت أبيه الرضا و هو طفل، فجاء إلى المنبر و رقي منه درجة، ثم نطق فقال: أنا محمد بن علي الرضا أنا الجواد، أنا العالم بأنساب الناس في الأصلاب، أنا أعلم بسرائركم و ظواهركم، و ما أنتم صائرون إليه، علم منحنا به من قبل خلق الخلق أجمعين، و بعد فناء السّماوات و الأرضين، و لو لا تظاهر أهل الباطل و دولة أهل الضلال، و وثوب أهل الشك، لقلت قولا يعجب منه الأوّلون و الآخرون، ثم وضع يده الشريفة على فيه و قال: يا محمد اصمت كما صمت آباؤك من قبل‏ (1).

و من ذلك ما رواه أبو جعفر الهاشمي قال: كنت عند أبي جعفر الثاني ببغداد فدخل عليه ياسر الخادم يوما و قال: يا سيّدنا إن سيدتنا أم جعفر تستأذنك أن تصير إليها.

فقال للخادم: ارجع فإني في الأثر، ثم قام و ركب البغلة و أقبل حتى قدم الباب، فخرجت أم جعفر أخت المأمون فسلّمت عليه و سألته الدخول على أم الفضل بنت المأمون، و قالت:

يا سيدي أحب أن أراك مع ابنتي في موضع واحد فتقر عيني، قال: فدخل و الستور تشال بين يديه فما لبث أن خرج راجعا و هو يقول: فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ‏. (2)

قال: ثم جلس فخرجت أم جعفر تعثر ذيولها، فقالت: يا سيدي أنعمت عليّ بنعمة فلم تتمّها، فقال لها: أتى أمر اللّه فلا تستعجلوا، إنه قد حدث ما لم يحسن إعادته فارجعي إلى أم الفضل فاستخبريها عنه، فرجعت أمّ جعفر فأعادت عليها ما قال، فقالت: يا عمة و ما أعلمه بذاك عني، ثم قالت: كيف لا أدعو على أبي و قد زوّجني ساحرا، ثم قالت: و اللّه يا عمّة إنه لما طلع عليّ جماله حدث لي ما يحدث للنساء فضربت يدي إلى أثوابي فضممتها، فبهتت‏

____________

(1) الهداية الكبرى: 296 باب 11 و بحار الأنوار: 50/ 108 ح 27.

(2) يوسف: 31.

153

أمّ جعفر من قولها ثم خرجت مذعورة، و قالت: يا سيدي و ما حدث لها.

قال: «هو من أسرار النساء».

فقالت: يا سيدي أتعلم الغيب؟

قال: لا.

قالت: فنزل إليك الوحي؟

قال: لا.

قالت: فمن أين لك علم ما لا يعلمه إلّا اللّه و هي؟

فقال: «و أنا أيضا أعلمه من علم اللّه‏ (1).

قال: فلما رجعت أمّ جعفر قالت له: يا سيدي و ما كان إكبار النسوة؟

قال: هو ما حصل لأمّ الفضل. فعلمت أنّه الحيض‏ (2).

____________

(1) روحي فداه نفى أوّلا علم الغيب الاستقلالي ثم أثبته بتعليم اللّه تعالى.

(2) الهداية الكبرى: 197 ذيل الباب 4 و الإرشاد إلى ولاية الفقيه: 254.

154

الفصل الثاني عشر في أسرار أبي الحسن الهادي (عليه السلام)

فمن ذلك ما رواه محمد بن الحسن الحضيني‏ (1) قال: حضر مجلس المتوكل مشعبذ (2) هندي فلعب عنده بالحقق فأعجبه، فقال له المتوكل: يا هندي الساعة يحضر مجلسنا رجل شريف فإذا حضر فالعب عنده بما يخجله، قال: فلما حضر أبو الحسن المجلس لعب الهندي فلم يلتفت إليه، فقال له: يا شريف أ ما يعجبك لعبي، كأنك جائع؟ ثم أشار إلى صورة مدوّرة في البساط على شكل الرغيف و قال: يا رغيف مرّ إلى هذا الشريف، فارتفعت الصورة فوضع أبو الحسن يده على صورة سبع في البساط و قال: قم فخذ هذا، فصارت الصورة سبعا، فابتلع الهندي و عاد إلى مكانه في البساط، فسقط المتوكل لوجهه، و هرب من كان قائما (3).

و من ذلك ما رواه محمد بن داود القمي، و محمد الطلحي قال: حملنا مالا من خمس و نذور، و هدايا و جواهر، اجتمعت في قم و بلادها، و خرجنا نريد بها سيّدنا أبا الحسن الهادي (عليه السلام) فجاءنا رسوله في الطريق أن ارجعوا فليس هذا وقت الوصول إلينا، فرجعنا إلى قم و أحرزنا ما كان عندنا فجاءنا أمره بعد أيّام أن قد أنفذنا إليكم إبلا غبراء فاحملوا عليها ما عندكم، و خلوا سبيلها فحملناها و أودعناها اللّه، فلما كان من قابل قدمنا عليه، قال: انظروا إلى ما حملتم إلينا، فنظرنا فإذا المنائح كما هي‏ (4).

____________

(1) في نسخة خطية الحمصي.

(2) كذا في الأصل يريد مشعوذ.

(3) بحار الأنوار: 50/ 211 ح 25.

(4) بحار الأنوار: 50/ 185 ح 62.

156

مناف، و هذا أثر سيّدنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و هذا أثر أمير المؤمنين (عليه السلام)، و هذا أثر الأوصياء من بعده إلى المهدي (عليه السلام) لأنه قد وطئه و جلس عليه.

ثم قال: انظر إلى الآثار و اعلم أنها آثار دين اللّه، و أن الشاك فيهم كالشاك في اللّه، [و من جحدهم‏] كمن جحد اللّه، ثم قال: اخفض طرفك يا علي، فرجعت محجوبا كما كنت‏ (1).

و من ذلك ما رواه الحسن بن حمدان عن أبي الحسن الكرخي قال: كان أبي بزازا في الكرخ فجهّزني بقماش إلى سر من رأى فلما دخلت إليها جاءني خادم و ناداني باسمي و اسم أبي، و قال: أجب مولاك، فقلت: و من مولاي حتى أجيبه؟

فقال: ما على الرسول إلّا البلاغ المبين! قال: فتبعته فجاء بي إلى دار عظيمة البناء لا أشكّ أنّها الجنّة، و إذا رجل جالس على بساط أخضر و نور جلاله يغشي الأبصار فقال لي: إنّ فيما حملت من القماش حبرتين إحداهما في مكان كذا، و الاخرى في مكان كذا في السفط الفلاني، و في كل واحدة منهما رقعة مكتوب فيها ثمنها و ربحها، و ثمن إحداهما ثلاثة و عشرون دينارا و الربح ديناران، و ثمن الأخرى ثلاثة عشر دينارا، و الربح كالأولى، فاذهب فأت بهما.

قال الرجل: فرجعت فجئت بهما إليه فوضعتهما بين يديه فقال لي: اجلس فجلست لا أستطيع النظر إليه إجلالا لهيبته، قال: فمد يده إلى طرف البساط و ليس هناك شي‏ء فقبض قبضة، و قال: هذا ثمن حبرتيك و ربحهما، قال: فخرجت و عددت المال في الباب فكان المشترى و الربح كما كتب أبي لا يزيد و لا ينقص‏ (2).

____________

(1) بحار الأنوار: 50/ 304 ح 81.

(2) بحار الأنوار: 50/ 314 ح 12.

155

الفصل الثالث عشر في أسرار أبي محمد الحسن العسكري (عليه السلام)

فمن ذلك ما رواه علي بن عاصم الكوفي قال: دخلت على أبي محمد العسكري (عليه السلام) فقال لي: يا علي بن عاصم انظر إلى ما تحت قدميك فإنّك على بساط قد جلس عليه كثير من النبيين و المرسلين، و الأئمة الراشدين.

قال: فقلت: يا سيدي لا أتنعل ما دمت في الدنيا إكراما لهذا البساط؟

فقال: يا علي إن هذا النعل الذي في رجلك نجس ملعون [لا يقرّ بولايتنا].

قال: فقلت في نفسي: ليتني أرى هذا البساط، فعلم ما في ضميري، فقال: ادن مني، فدنوت منه، فمسح يده الشريفة على وجهي فصرت بصيرا قال: فرأيت في البساط أقداما و صورا.

فقال (عليه السلام): هذا قدم آدم (عليه السلام) و موضع جلوسه، و هذا أثر هابيل، و هذا أثر شيث، و هذا أثر نوح، و هذا أثر قيدار، و هذا أثر مهلائيل، و هذا أثر دياد (1)، و هذا أثر اخنوخ، و هذا أثر إدريس، و هذا أثر توشلح‏ (2)، و هذا أثر سام، و هذا أثر أرفخشد، و هذا أثر هود، و هذا أثر صالح، و هذا أثر لقمان، و هذا أثر إبراهيم، و هذا أثر لوط، و هذا أثر إسماعيل، و هذا أثر إلياس، و هذا أثر إسحاق، و هذا أثر يعقوب، و هذا أثر يوسف، و هذا أثر شعيب، و هذا أثر موسى، و هذا أثر يوشع بن نون، و هذا أثر طالوت، و هذا أثر داود، و هذا أثر سليمان، و هذا أثر الخضر، و هذا أثر دانيال، و هذا أثر اليسع، و هذا أثر ذو القرنين إسكندر، و هذا أثر سابور بن أرشير (3)، و هذا أثر لؤي، و هذا أثر كلّاب، و هذا أثر قصي، و هذا أثر عدنان، و هذا أثر عبد المطلب، و هذا أثر عبد اللّه، و هذا أثر عبد

____________

(1) في البحار: ياره.

(2) في نسخة متوشلح و هو المشهور و كذا في البحار.

(3) في البحار: شابور بن أردشير.

157

الفصل الرابع عشر في أسرار أبي صالح المهدي (عليه السلام)

فمن ذلك ما رواه الحسن بن حمدان عن حليمة (1) بنت محمد بن علي الجواد قالت: كان مولد القائم ليلة النصف من شعبان سنة 250 (2) و امّه نرجس بنت ملك الروم فقالت حليمة:

فلما وضعته سجد، و إذا على عضده‏ (3) مكتوب بالنور: جاء الحق و زهق الباطل، قال: فجئت به إلى الحسن (عليه السلام) فمسح يده الشريفة على وجهه و قال: تكلّم يا حجّة اللّه و بقية الأنبياء، و خاتم الأوصياء، و صاحب الكرة البيضاء، و المصباح من البحر العميق الشديد الضياء، تكلّم يا خليفة الأتقياء، و نور الأوصياء.

فقال: أشهد أن لا إله إلّا اللّه، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله، و أشهد أن عليا ولي اللّه، ثم عدّ الأوصياء، فقال له الحسن (عليه السلام): اقرأ ما نزل على الأنبياء، فابتدأ بصحف إبراهيم فقرأها بالسريانية، ثم قرأ كتاب نوح و إدريس، و كتاب صالح، و توراة موسى، و إنجيل عيسى، و فرقان محمد صلّى اللّه عليه و عليهم أجمعين، ثم قص قصص الأنبياء إلى عهده (عليه السلام)(4).

هذا بقيّة اللّه في خلقه، و وجه اللّه في عباده، و وديعته المستحفظة، و كلمته الباقية، و هذا بقية أغصان شجرة طوبى، هذا القاف، و سدرة المنتهى، هذا ريحان جنّة المأوى، هذا خليفة الأبرار، هذا بقيّة الأطهار، هذا خازن الأسرار، هذا منتهى الأدوار، هذا ابن التسمية البيضاء، و الوحدانية الكبرى، و حجاب اللّه الأعظم الأعلى، هذا السبب المتصل من الأرض إلى السماء، هذا الوجه الذي يتوجّه إليه الأولياء هذا الولي الذي بيمنه رزق الورى و ببقائه بقيت الدنيا، و بوجوده ثبتت الأرض و السماء، هذا الحجة من الحجج، هذا نسخة الوجود و الموجود، هذا غوث المؤمنين، و خاتم الوصيين و بقية النبيين، و مستودع علم الأوّلين‏

____________

(1) في نسخة خطية حكيمة.

(2) كذا في الأصل المطبوع و في النسخة 225 فأما في كتاب دلائل الإمامة للطبري: سنة 257.

(3) في النسخة الخطية.

(4) بحار الأنوار: 51/ 27 ح 37.

158

و الآخرين، هذا خاتم الألقاب الذاتية، و الأشخاص المحمدية، و العترة الهاشمية، هذا البقيّة من النور القويم، و النبأ العظيم، و الصراط المستقيم، خلفاء النبي الكريم، و أبناء الرءوف الرحيم، و أمناء العلي العظيم، ذرية بعضها من بعض، و اللّه سميع عليم.

هم خلفاء أحمد و النقباء الحكماء * * * أئمة اثنا عشر أشرف من تحت السماء

تعمى العيون عنهم و هم جلاء للعماء

هذا الخليفة الوارث لأسرة النبوّة و الإمامة، و الخلافة و الولاية، و السلطنة (1)، و العصمة و الحكمة، هذا الخلف من الآيات الباهرات، و النجوم الزاهرات، الذين لهم الحكم على الموجودات، و التصرّف في الكائنات، و الاطلاع على الغيوب، و العلم بما في الضمائر و القلوب، و الإحاطة بالمخلوقات و الشهادة لسائر البريات، شهد لهم بذلك الذكر المبين‏ (2)، بأنهم سادة الأوّلين و الآخرين، و الولاة على السّماوات و الأرضين، و إن الذي وصل إلى الأنبياء قطرة من بحرهم، و لمعة من نورهم، و ذرّة من سرّهم، و ذلك لأن الذي كان عند الأنبياء من الاسم الأعظم حرفان لا غير، و كانوا يفعلون بهما العجائب، و عند آل محمد سبعون حرفا، و عندهم ما عند الأنبياء أيضا مضاف إليه، فالكل منهم و عنهم، و إليه الإشارة بقوله حكاية عن موسى (عليه السلام): وَ كَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ (3) و من هنا للتبعيض، و قال حكاية عن عيسى (عليه السلام): لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ‏ (4)، و قال حكاية عن خاتم النبيّين: وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ (5)، و قوله: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ‏

____________

(1) في النسخة الخطية و النقطة كما في المفهوم الذي يراه المؤلف في علم الحروف.

(2) إشارة إلى قوله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ، عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ، حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ‏ هذه الآية في آخر سورة التوبة.

(3) الأعراف: 145.

(4) النحل: 39.

(5) النحل: 89.

159

شَيْ‏ءٍ (1)، فهم اللوح الحاوي لكل شي‏ء، و الكتاب المبين الجامع لكل شي‏ء، لأن كل ما سطر في اللوح صار إليهم، دليله قوله: وَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ‏ (2). و الإمام المبين هو اللوح المحفوظ (3) المتقدّم في الوجود على سائر الموجودات، و سمّاه الإمام لأنه فوق الكل و إمام الكل، دليله قوله: «أوّل ما خلق اللّه اللوح المحفوظ» (4) و نور محمد متقدّم في علم الغيب على الكل و عدل على الكل، و عنه بدأ الكل و لأجله خلق الكل، فاللوح المحفوظ هو الإمام، و إليه الإشارة بقوله: وَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ‏ فالكتاب المبين هو الإمام، و إمام الحق علي، فعلي هو الكتاب المبين، و إليه الإشارة بما روي عن محمد الباقر (عليه السلام) أنّه لما نزلت هذه الآية قام رجلان فقالا: يا رسول اللّه من الكتاب المبين أ هو التوراة؟

قال: لا. قالا: فهو الإنجيل؟

قال: لا. قالا: فهو القرآن؟

قال: لا. فأقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): هذا هو الإمام المبين الذي أحصى اللّه فيه علم كلّ شي‏ء (5).

و إن كبر عليك انّه هو الكتاب المبين، فعنده علم الكتاب و إليه الإشارة بقوله: وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ‏ (6) فعلى الوجهين عنده علم الغيب من غير ريب.

أقول: يؤيّد هذا ما رواه ابن عباس من كتاب المقامات قال: أنزل اللّه على نبيّه كتابا من قبل أن يأتيه الموت عليه خواتيم من ذهب، فقال له: ادفعه إلى النجيب من أهلك علي بن أبي طالب (عليه السلام) و مره أن يفك خاتما منه و يعمل بما فيه، ففك منه خاتما و عمل بما فيه، ثم دفعه إلى الحسن (عليه السلام) ففك خاتما منه و عمل بما فيه ثم دفعه إلى الحسين (عليه السلام) ففك خاتما منه فوجد فيه: اخرج بقومك إلى الشهادة، و اشتر نفسك للّه، ثم دفعه إلى علي ابنه (عليه السلام) فوجد

____________

(1) الأنعام: 38.

(2) يس: 12.

(3) راجع تفسير الميزان: 17/ 67 مورد الآية.

(4) تقدّم الحديث.

(5) تقدّم الحديث و راجع: ينابيع المودّة: 1/ 77 ط تركيا و: 87 النجف، و تفسير الثقلين: 4/ 379.

(6) الرعد: 43.

160

فيه: اصمت و الزم بيتك و اعبد ربّك حتى يأتيك اليقين، ففعل ثم دفعه إلى محمد ابنه (عليه السلام) ففك خاتما فوجد فيه: حدّث الناس وافتهم، و لا تخافنّ إلّا اللّه فلا سبيل لأحد عليك، ففعل، ثم دفعه إلى ابنه جعفر ففك خاتما فوجد فيه: حدّث الناس وافتهم و انشر علوم آبائك و صدق أهل بيتك، و لا تخافنّ أحدا إلّا اللّه هكذا حتى مضى، ثم صار إلى القائم (عليه السلام)(1).

يشهد بصحّة هذا الإيراد حديث اللوح الذي رواه جابر عن الزهراء (عليها السلام) و هو لوح أهداه اللّه إلى رسوله فيه اسمه و اسم الخلفاء من بعده نسخته: «بسم اللّه الرحمن الرحيم» هذا كتاب من اللّه العزيز الحكيم إلى محمد نبيّه و سفيره نزل به الروح الأمين من رب العالمين، عظّم يا محمد أمري، و اشكر نعمائي، إنّني أنا اللّه لا إله إلّا أنا فمن رجا غير فضلي، و خاف غير عدلي، عذّبته عذابا أليما، فإيّاي فاعبد، و عليّ فتوكل، إنني لم أبعث نبيّا قط فأكملت أيّامه إلّا جعلت له وصيّا و إني فضلتك على الأنبياء و جعلت لك عليا وصيّا، و كرمتك بشبليك و سبطيك حسن و حسين، و جعلت حسنا معدن و حيي بعد أبيه، و جعلت حسينا خازن و حيي و أكرمته بالشهادة، و أعطيته مواريث الأنبياء فهو سيّد الشهداء، و جعلت كلمتي الباقية في عقبه أخرج منه تسعة أبرار هداة أطهار منهم سيّد العابدين و زين أوليائي، ثم ابنه محمد شبيه جدّه المحمود الباقر لعلمي، هلك المرتابون في جعفر، الراد عليه كالراد عليّ، حق القول منّي أن أهيج بعده فتنة عمياء، من جحد وليا من أوليائي فقد جحد نعمتي، و من غيّر آية من كتابي فقد افترى عليّ، ويل للجاحدين فضل موسى عبدي و حبيبي، و علي ابنه وليي و ناصري، و من أضع عليه أعباء النبوّة يقتله عفريت مريد، حق القول منّي لأقرنّ عينه بمحمد ابنه موضع سرّي، و معدن علمي، و أختم بالسعادة لابنه علي الشاهد على خلقي، أخرج منه خازن علمي الحسن الداعي إلى سبيلي، و أكمل ديني بابنه زكي العالمين عليه كمال موسى، و بهاء عيسى، و صبر أيوب، يذلّ أولياؤه في غيبته و يتهادون برءوسهم إلى الترك و الديلم، و يصبغ الأرض بدمائهم و يكونون خائفين أولئك أوليائي حقّا، بكم أكشف الزلازل و البلاء، أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ‏ (2).

____________

(1) بحار الأنوار عن الكافي: 36/ 192 ح 1.

(2) بحار الأنوار: 36/ 198 ح 3 و الحديث طويل/ و الآية 157 من سورة البقرة.

162

إليهم، و حساب العباد عليهم، فقال: وَ جاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَ شَهِيدٌ (1) فالشهيد محمد النبي، و السائق علي الولي.

ثم أبان للخلق عددهم و نبأهم فقال: وَ بَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً (2) فمنهم السادة النقباء، و الأسباط الأوصياء، ثم خصّهم بالشرف و الفخار، و حصر فيهم العلم و الافتخار، فقال: وَ مِنْ آبائِهِمْ وَ ذُرِّيَّاتِهِمْ وَ إِخْوانِهِمْ وَ اجْتَبَيْناهُمْ‏ (3) فآباؤهم محمد و علي و فاطمة، و إخوانهم الحسن و الحسين، و ذرياتهم الخلفاء من عترة الحسين إلى آخر الدهر (عليهم السلام).

ثم قال: وَ اجْتَبَيْناهُمْ‏ فتعيّن شرفهم و فضلهم و وجب اتباعهم، و انقطاع الكل عن مرتبتهم و نزول الخلائق عن رفعتهم.

ثم أكد ذلك و عيّنه، و أشاع فضلهم و بيّنه، و أن الإمامة لا تكون إلّا في المعصوم البري‏ء من السيئات، المطهّر من الخطيئات، و أخرج من سواهم من دائرة الشرف و الحكم، و أشار إلى ذلك رمزا، فقال لنوح إذ قال: رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي‏* إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ‏ (4)، ثم بيّن لعباده أنّهم أئمة الحق، و أوضح لهم أنهم الداعون إلى الصدق، و أن من تبع غيرهم ضلّ و زلّ، فقال: أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى‏ فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ‏ (5).

ثم توعّد عباده و خوّفهم أن يتبعوا غيرهم فقال: اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ‏ (6) و الصدق فيهم و منهم.

ثم أمر عباده أن يدينوه بطاعتهم، فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً (7) فجعل ولايتهم السلم و السلام.

____________

(1) ق: 21.

(2) المائدة: 12.

(3) الأنعام: 87.

(4) هود: 46.

(5) يونس: 35.

(6) التوبة: 119.

(7) البقرة: 208.

161

فصل [آيات في فضل الآل‏]

فهؤلاء سادة الأنام، و مصابيح الظلام، و كعبة الاعتصام، و ذروة الاحتشام، و أمناء الملك العلّام، الذين اصطفاهم للخطاب و ارتضاهم لميراث الحكمة و الكتاب، و إليهم الإشارة بقوله: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا (1) فهم السادة الأبرار و المصطفون الأخيار، الذين وصفهم بالطهارة و العصمة في الكتاب، فقال: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (2) فهم الذرية الفاخرة، و سادة الدنيا و الآخرة، الذين دلّ الكتاب على أنهم الهداة المهديون.

فقال في وصفهم ربّ العالمين: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ‏ (3) ثم شهد الرسول بأنهم سفينة النجاة، فقال و قوله الحق (صلّى اللّه عليه و آله): «أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا و من تأخّر عنها ضلّ و غوى» (4).

ثم أبان لنا ربّ الأرباب، أنهم ورثة الحكمة و الكتاب، فقال: وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَ إِبْراهِيمَ وَ جَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَ الْكِتابَ‏ (5)، فهم الذرية الطاهرون، و العترة المعصومون.

ثم صرح الذكر المبين أنهم ولاة يوم الدين، فقال: إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ* ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ‏ (6)، فإليهم الإياب، و عليهم الحساب، يوم الحساب أنتم أعلم أن حكم يوم المعاد

____________

(1) فاطر: 32.

(2) الأحزاب: 33.

(3) الأنعام: 90.

(4) بحار الأنوار: 23/ 124، و الطرائف: 1/ 199 بتحقيقنا.

(5) الحديد: 26.

(6) الغاشية: 25- 26.

163

ثم بيّن في الآيات أنه اصطفاهم على الخلائق، و ارتضاهم للغيب و الحقائق، فقال: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ‏ (1).

ثم بيّن أنهم بنعم اللّه محسودون، و على فضل اللّه محسودون، فقال: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى‏ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً (2)، و الملك العظيم هو وجوب الطاعة على سائر العباد.

ثم أوجب على العباد طاعتهم بالتصريح فقال: أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ‏ (3) يعني الذين قرنهم بالكتاب و الرسول.

ثم نهى عباده أن يتفرّقوا عنهم فقال: وَ أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ‏ (4) يعني عليا و عترته، ثم قال: وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ‏- يعني غيرهم- فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ‏- يعني: فتضل بكم عن سبيله، فجعلهم سبيله الهادي إليه، و طريقه الدال عليه.

ثم جعل من مال عنهم تابعا للشيطان، و مخالفا للقرآن، و عاصيا للرحمن، فقال: وَ لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ‏ و هي طريق أعدائهم.

ثم بيّن أن من اتبعهم نال الرضوان، و فاز بالغفران، و نجا من النيران، فقال: وَ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَ قُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ‏ (5) و معناه قفوا عند علي و عترته فهم الباب و تمسكوا بحبّهم تأمنوا العذاب، و اتبعوا سبيله فهو أم الكتاب؛ و اعلموا أن عليا مولاكم يغفر لكم خطاياكم.

ثم عدد مقاماتهم في الكتاب و عينهم بالخص و النص؛ فقال: وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ‏ (6) يعني رهطك المصطفين.

ثم خصّهم بجوامع الشرف و التفضيل و التطهير، و هذا هو الفضل الذي لا يجحد و الشرف‏

____________

(1) آل عمران: 33.

(2) النساء: 54.

(3) النساء: 59.

(4) الأنعام: 153.

(5) النساء: 154.

(6) الشعراء: 214.

164

الذي لا يحد.

ثم باهل بهم الأعداء فجعلهم على إثبات دينه شهداء، و على نبوّة نبيّه أدلاء، فقال:

فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ‏ (1).

ثم خصهم بالمقام الخاص، و جعلهم قنطرة الإخلاص، و نهج النجاة و الخلاص، فقال:

وَ آتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ‏ (2) و هي خصوصية خص بها الربّ الكريم فاطمة الزهراء بضعة الرءوف الرحيم.

ثم أوجب محبتهم على العباد، و جعلهم الذخر يوم المعاد، فقال: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏ (3).

ثم ذكر قصة نوح فقال: وَ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ (4) و قال، عن هود: يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً (5)، و قال لمحمد (صلّى اللّه عليه و آله): قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏ فلم يفرض لهم المودة إلّا لأنّهم نجوم الولاية، و شموس الهداية، لم يرتدوا عن الملة، و لم يفارقوا الكتاب و السنّة، لا بل هم الكتاب و السنّة، ففرض مودّتهم و طاعتهم، فمن أخذ بها وجب على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يحبّه لأنّه على منهاجه، و من لم يأخذ بها وجب على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يبغضه لأنّه ضيّع فريضة أمره اللّه و الرسول بها، لا بل هي رأس الفرض و تمام كل سنّة و فرض، فأي شرف يعلو على هذا المقام.

ثم إنّ اللّه لم يبعث نبيّا إلّا و أمره أن لا يسأل أمّته أجرا على نبوّته، بل اللّه يوفيه أجره، و فرض لمحمد (صلّى اللّه عليه و آله) مودة أهل بيته (عليهم السلام)، و أمره أن يبيّن فضلهم، فمن أخذ بهذه المودّة فهو مؤمن مخلص قد وجبت له الجنة، نم قرن ذكر محمد بذكره في الصلاة و قرن ذكرهم بذكر نبيّه فدلّ بذاك على رفيع شرفهم، و بيّن ذلك الصادق الأمين من قوله: اللّهمّ صلّ على محمد

____________

(1) آل عمران: 61.

(2) الاسراء: 26.

(3) الشورى: 23.

(4) الشعراء: 109.

(5) هود: 51.

165

و آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، كما صلّيت على إبراهيم و آل إبراهيم انّك حميد مجيد (1).

ثم أعطاهم من الفضل ما لم يبلغ أحد وصفه، فسلم على الأكثر من رسله، و لم يسلم على آلهم فقال: سَلامٌ عَلى‏ نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ‏ (2)، ثم قال: سَلامٌ عَلى‏ إِبْراهِيمَ‏ (3) ثم قال:

سَلامٌ عَلى‏ مُوسى‏ وَ هارُونَ‏ (4)، ثم سلام على آل محمد (صلّى اللّه عليه و آله)، فقال: سَلامٌ عَلى‏ إِلْ‏ياسِينَ‏ (5) و ياسين اسم محمد بلغة طي.

ثم أنزل في كتابه ما فرق به بين الآل و الأمة، فقال: وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى‏ (6) فرضي لهم ما رضي لنفسه فبدأ لنفسه ثم بدأ برسوله، ثم بآل رسوله فجعل لنفسه نصيبا، ثم للنبي ثم لآله ثم قرّبهم إليه في الطاعة فقال: أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ‏ (7) فبدأ بنفسه ثم برسوله المخبر عنه ثم بالهداة المهتدين من عترته، ثم أكّد لهم الولاية فقال: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا (8) فجعل ولايتهم مع ولاية الرسول مقرونة بولايته، كما جعل سهمهم مع سهم الرسول مقرونا لسهمه في القسمة «الغنيمة خ ل» فسبحان من فضلهم و رفعهم و اختارهم على العالمين.

فصل‏

ثم إنه لمّا أنزلت آية الصدقة نزّه نفسه و رسوله و نزّه أهل بيته، فقال: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ‏ (9) إلى آخر الآية، فلم يجعل له سهما و لا لرسوله و لا لآل رسوله من الصدقات، لأنّها من أوساخ الناس، و هم مطهّرون من الأدناس، فهم الآل الذين أمر اللّه‏

____________

(1) فتح الباري شرح صحيح البخاري: ح 3369.

(2) الصافات: 79.

(3) الصافات: 109.

(4) الصافات: 120.

(5) التوبة: 60.

(6) الأنفال: 41.

(7) النساء: 59.

(8) المائدة: 55.

(9) التوبة: 60.

166

بطاعتهم، و ذوو القربى الذين أمر اللّه بمودّتهم وصلتهم، و الموالي الذين أمر اللّه بطاعتهم و معرفتهم، و أهل الذكر الذين أمر اللّه بمسألتهم، و رضي لهم ما رضي لنفسه، و نزّههم عمّا نزّه عنه نفسه، و جعلهم آل الرسول خاصة فقال: قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً* رَسُولًا (1).

فهم آل الرسول و عترته، و أهل اللّه و خاصّته، و معهد التنزيل و نهايته، و سدنة الوحي و خزنته، كما قال أبو الحسن الرضا (عليه السلام) في مشاجرته: أ يحل لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لو كان حيّا أن يتزوّج إليك؟ فقال المأمون: نعم.

فقال الرضا (عليه السلام): لكنّه لا يحل له أن يتزوّج إليّ.

فقال المأمون: نعم. لأنك ابنه.

و هذا هو الفرق ما بين الآل و الأصحاب، لأن المأمون كان يزعم أن آل رسول اللّه أصحابه و امّته، فأبان لهم الإمام من آله و أصحابه.

ثم إنه قال له سبحانه في لفظ التخصيص: وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ (2) فلفظ الأمر هنا خاص و معناه عام، لأنه أدخله مع الامّة لعموم الأمر، و ميّزهم عنهم بتخصيص لفظ الأهل، فكان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بعد نزول هذه الآية يأتي إلى باب الزهراء (عليها السلام) فيقف هناك و يقول:

الصلاة يا آل محمّد الصلاة (3).

فصل‏ (4) [سر العدد 12]

و هم 12 سبطا خير أسباط المرسلين، و 12 نقيبا، و 12 نجما، بعدد البروج و الشهور

____________

(1) الطلاق: 10.

(2) طه: 132.

(3) راجع مسند أحمد: 3/ 259 ط. م و: 4/ 157 ط. ب و سنن الترمذي: 5/ 352 ح 3206 و تفسير الطبري: 22/ 5 مورد الآية.

(4) جاء في هذا الفصل كثير من علم الحروف. و من الجدير بالذكر أن الحروف المدغمة المشدّدة تعدّ واحدة و الهمزة المدرجة و الألف المكتوبة و الملفوظة كذلك تعد واحدة ... و الألف علامة للإعراب و لغير الإعراب سواء وقعت في الفاء أو العين أو اللام.

167

و الأيام، و لكل إمام منهم 12 حرفا و هو سر من أسرار الولاية، و هو هذا مع التوحيد و النبوّة لا إله إلّا اللّه 12، محمد رسول اللّه 12، النبي المصطفى 12، الصادق الأمين 12، علي باب الهدى 12، أمين اللّه حقا 12، أمير المؤمنين 12، فاطمة أمة اللّه 12، البتول الزهراء 12، وارثة النبيين 12، الإمام الثاني 12، الحسن المجتبى 12، وارث المرسلين 12، الإمام الثالث 12، الحسين بن علي 12، خليفة النبيين 12، والد الوصيين 12، الإمام الرابع 12، الإمام السجّاد 12، علي بن الحسين 12، وارث المرسلين 12، سيّد العابدين 12، الإمام الخامس 12، الإمام الباقر 12، هو محمد بن علي 12، إمام المؤمنين 12، الإمام السادس 12، الإمام الصادق 12، هو جعفر بن محمد 12، قدوة الصدّيقين 12، الإمام السابع 12، الإمام الكاظم 12، هو موسى بن جعفر 12، خليفة النبيين 12، الإمام الثامن 12، الإمام الرضا 12، هو علي بن موسى 12، إمام المؤمنين 12، الإمام التاسع 12، الإمام الجواد 12، هو محمد بن علي 12، نجل المنتجبين 12، الإمام العاشر 12، الإمام الهادي 12، هو علي بن محمد 12، وارث الوصيين 12، الإمام الحادي عشر 12، الحسن العسكري 12، إمام المسلمين 12، الإمام الخاتم 12، القائم المهدي 12، محمد بن الحسن 12، خليفة النبيين 12، خاتم الوصيين 12، هؤلاء العترة 12، الغرّ الميامين 12، بنو عبد المطلب 12، سادة أهل الجنة 12، محبّهم مؤمن تقي 12، في الجنة مخلد 12، عدوّهم كافر شقي 12، في النار مؤبد 12، اللهمّ صلّ عليهم 12، بأفضل صلواتك 12، يا ربّ العالمين.

فصل‏

و برهان ما هديت إليه، و دللت عليه، أن جميع الكلام إذا ردّ إلى الأصل كان منحصرا في أربع كلمات، و هي: لا إله إلّا اللّه محمد رسول اللّه، و الإسلام و الإيمان مبني عليهما و كل واحدة من هذه الكلمات 12 حرفا، و الإمام رأس الإيمان، و زمام الإسلام، فوجب أن يكون القائم بها 12 إماما، و إليه الإشارة بقوله: وَ بَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً (1) و قوله:

____________

(1) المائدة: 12.

168

وَ قَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً فجعل القائم بأمره من النقباء الأولياء، و الأسباط الأوصياء 12، الثالث أنه جعل مصالح العالم في الليل و النهار في 12 ساعة، الرابع أنه جعل الشمس و القمر آيتين يهتدى بهما و سيرهما بالتقدير و التسخير في 12 برجا، و جعل شهور السنة 12 شهرا، فانظر بعين الاعتبار إلى هذه الأدوار كيف جرت بهذه الأسرار، بمشيئة الجبار، ذلك تقدير العزيز العليم.

171

و كنت أمرت أن أقبض فاضل سيفه حتى لا يشق الأرض فيصل الثور الحامل لها يشطره شطرين، فتنقلب الأرض بأهلها فكان فاضل سيفه عليّ أثقل من مدائن لوط، هذا و إسرافيل و ميكائيل قد قبضا عضده في الهواء!! (1).

أقول: استعظم الجاهل هذا الحديث، فاضل سيف علي أثقل من مدائن لوط على يد جبرائيل هذا و إسرافيل و ميكائيل قد قبضا عضده في الهواء هو غلوّ.

فقلت: يا بعيد الفكرة و جامد الفطرة، جبرائيل و ميكائيل و إسرافيل خلق اللّه خلقوا من شعاع نور محمد و علي، و محمد و علي خلقا من جلال ذي الجلال، فهم صفة اللّه و كلمة اللّه و أمر اللّه، و خلق اللّه، و لهذا قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): لو كانت البحار مدادا و الغياض أقلاما، و السّماوات صحفا، و الجن و الإنس كتّابا، لنفد المداد و كلت الثقلان، أن يكتبوا معشار عشر فضائل إمام يوم الغدير (2)، و كيف يكتبون و أنّى يهتدون؟

و لقد شهد لهذا الحديث النبوي الكتاب الإلهي من قوله: قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَ لَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً (3)، و أكبر كلمات اللّه علي، و إليه الإشارة بقوله (صلوات الله عليه): «أنا كلمة اللّه الكبرى» (4) فله الفضل الذي لا يعدّ، و المناقب التي ليس لها حدّ، و لقد أنصف الشافعي محمد بن إدريس إذ قيل له: ما تقول في علي؟ فقال: و ما ذا أقول في رجل أخفى أولياؤه فضائله خوفا، و أخفى أعداؤه فضائله حسدا، و شاع له بين ذين ما ملأ الخافقين‏ (5)، فأحببت أن أنظم هذا الحديث شعرا فقلت:

روى فضله الحساد من عظم شأنه‏ * * * و أكبر فضل راح يرويه حاسد

محبّوه أخفوا فضله خيفة العدى‏ * * * و أخفاه بعضا حاسد و معاند

و شاعت له من بين ذين مناقب‏ * * * تجل بأن تحصى و إن عدّ قاصد

إمام له في جبهة المجد أنجم‏ * * * علت فعلت أن يدن هاتيك راصد

____________

(1) مدينة المعاجز: 1/ 426، و البحار: 21/ 40.

(2) بحار الأنوار: 40/ 73- 75، و تذكرة الخواص: 23، و الطرائف: 1/ 208.

(3) الكهف: 109.

(4) روى الصدوق في الأمالي 11 مجلس 3، عن النبي: «علي كلمة اللّه العليا» و في رواية: «الإمام كلمة اللّه» البحار 25/ 169 و في معاني الأخبار: «أنا كلمة اللّه التقوى».

(5) كشف اليقين: 4.

169

فصل [مناقب الصنديد الكرّار]

فيا أيّها المرتاب في فضل داحي الباب، و أمّ الكتاب و حاكم يوم الحساب، و ولي النعيم و العذاب، يوم المآب، مؤمن حبّه النجاة من العقاب، و عترته الهداة الأنجاب، أ ليس هو الرجل الذي قال في حقّه النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و قوله الحق: «من أراد أن ينظر إلى إسرافيل في رفعته، و إلى ميكائيل في درجته، و إلى جبرائيل في عظمته، و إلى آدم في هيبته، و إلى نوح في صبره و دعوته، و إلى إبراهيم في سخاوته، و إلى موسى في شجاعته، و إلى عيسى في سماحته، و إلى محمد في شرفه و منزلته، فلينظر إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام)» (1) و هذا تنبيه و رمز إلى أنه الاسم الأعظم الجاري في كل شي‏ء، و أنّ كل شي‏ء خلقه اللّه فإنّ عليا مولاه و معناه، لأنه كلمة واجب الوجود و النور المشرق في سماء الوجود و الموجود، فكل رفعة و إن علت- فانّها تحت درجته، و كل منزلة- و إن علت- فهي دون منزلته، و تحت رتبته، فمقام الأملاك في صوامع الأفلاك، دون منزلته و تحت رتبته، و مقام و نور الكواكب و الأقمار من إشراق شمس عظمته، فهو العلي العظيم، ولي العلي العظيم، فهو عماد الأولياء، و دعوة الأنبياء.

فرفعة إسرافيل، و عظمة جبرائيل، و هيبة آدم، و كرم الخليل، و شجاعة موسى و سماحة عيسى، و حكمة داود، و ملك سليمان، ذرّة من فخره و قطرة من بحره، و كيف لا يكون كذلك؟ و هو العلّة في وجودهم، و سرّ موجودهم، فلولاه ما دار فلك، و لا سبّح للّه ملك، فالنظر إليه عبادة، و الوقوف معه عبادة، و الموت على حبّه شهادة، و موالاته سعادة، و هو الذي قال في حقّه الرسول يوم خيبر: «لو لم أخف أن تقول أمّتي فيك ما قالت النصارى في‏

____________

(1) مناقب ابن المغازلي: 212 ح 256، و أمالي الشجري: 1/ 133 و غرر البهاء الضوي: 298 و روضة الواعظين: 128.

170

المسيح ابن مريم لقلت اليوم فيك حديثا» (1) فلو قال لدعوه ربّا، لكنّهم دعوه ربا، و ما قال، و ذاك لعظيم الخصال و لما قال الرسول ما قال، قال المنافقون: ما باله يرفع خساسة ابن عمّه يريد أن يجعله ربّا فكفروا فيه بمقالة الرسول، و المنكر الآن لفضل ولي الرحمن لا فرق بينه و بين فلان و فلان.

فصل‏

و في ذلك اليوم لمّا جاءت صفية إلى الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و كانت أحسن الناس وجها فرأى في وجهها شجة، فقال: ما هذه و أنت ابنة الملوك؟ فقالت: إنّ عليا لمّا قدم الحصن هزّ الباب فاهتزّ الحصن، و سقط من كان عليه من النظارة و ارتجف بي السرير، فسقطت لوجهي فشجّني جانب السرير، فقال لها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يا صفية إن عليا عظيم عند اللّه، و إنه لما هزّ الباب اهتز الحصن و اهتزّت السّماوات السبع، و الأرضون السبع، و اهتز عرش الرحمن غضبا لعلي، و في ذلك اليوم لمّا سأله عمر فقال: يا أبا الحسن لقد اقتلعت منيعا و لك ثلاثة أيام خميصا، فهل قلعتها بقوّة بشرية؟ فقال: ما قلعتها بقوّة بشرية، و لكن قلعتها بقوّة إلهية، و نفس بلقاء ربّها مطمئنة رضية (2).

فصل‏

و في ذلك اليوم لما شطر مرحب شطرين، و ألقاه مجندلا جاءه جبرائيل باسما متعجّبا فقال له النبي (صلّى اللّه عليه و آله): مم تعجّبك؟ فقال: إنّ الملائكة تنادي في صوامع و جوامع السّماوات:

«لا فتى إلّا علي و لا سيف إلّا ذو الفقار»، و أما إعجابي فإنّي لما امرت أن أدمّر قوم لوط حملت مدائنهم و هي سبع مدائن من الأرض السابعة السفلى إلى الأرض السابعة العليا، على ريشة من جناحي، و رفعتها حتى سمع حملة العرش صياح ديكهم، و بكاء أطفالهم، و وقفت بها إلى الصبح أنتظر الأمر و لم أنتقل بها، و اليوم لما ضرب علي ضربته الهاشمية

____________

(1) معجم الطبراني الكبير: 1/ 320 و مناقب الكوفي: 2/ 615.

(2) أمالي الصدوق: 415 مجلس 77 ح 10، و الطرائف: 519.

172

لها فوق مرفوع السماك منابر * * * و في عنق الجوزاء منها قلائد

مناقب إن جلت جلت كل كربة * * * و طابت فطابت من شذاها المشاهد

فتى تاه فيه الخلق طرّا فعابد * * * له و مقر بالولاء و جاحد

إمام مبين كل فضل له حوى‏ * * * بمدحته التنزيل و الذكر شاهد

(1) فكل مبالغ في فضله إلّا الغلو فهو معتذر، و كل مطنب و مطرب في مدحه فهو مختصر، و إلى هذا المعنى أشار العارف الخليعي رضى اللّه عنه فقال:

سارت بأنوار علمك السير * * * و حدثت عن جلالك السور

و الواصفون المحدثون غلوا * * * و بالغوا في علاك و اعتذروا

فصل [عدم إدراك حقيقة علي (عليه السلام)‏]

و كيف لا يعتذرون و أنّى يبصرون، و قد روى الأصبغ بن نباتة أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يجلس للناس في نجف الكوفة فقال يوما لمن حوله: من يرى ما أرى؟.

فقالوا: و ما ترى يا عين اللّه الناظرة في عباده؟

فقال: أرى بعيرا يحمل جنازة، و رجلا يسوقه و رجلا يقوده، و سيأتيكم بعد ثلاث، فلمّا كان اليوم الثالث قدم البعير و الجنازة مشدودة عليه، و الرجلان معه، فسلّما على الجماعة، فقال لهم أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد أن حيّاهم: من أنتم و من أين أقبلتم و ما هذه الجنازة و لما ذا قدمتم؟.

فقالا: نحن من اليمن، و أما الميّت فأبونا، و إنه عند الموت أوصى إلينا، فقال: إذا غسلتموني، و كفنتموني، و صلّيتم عليّ فاحملوني على بعيري هذا إلى العراق، و ادفنوني بنجف الكوفة، فقال لهما أمير المؤمنين: هل سألتماه لما ذا؟ فقالا: أجل قد سألناه، فقال:

يدفن هناك رجل لو شفع في يوم العرض في أهل الموقف لشفع، فقام أمير المؤمنين (عليه السلام) و قال: صدق، أنا و اللّه ذاك الرجل‏ (2).

____________

(1) أعيان الشيعة: 6/ 468.

(2) بحار الأنوار: 41/ 357 ح 65 بتفاوت.

175

به بغير واسطة، ممّا لم ينله ملك مقرّب و لا نبي مرسل، و أن ذلك كله وصل إلى أمير المؤمنين و رآه كما رآه، و إليه الإشارة بقوله: «إنك ترى ما أرى و تسمع ما أسمع» (1) فما عرف اللّه سبحانه من جميع الخلائق بهذه المعرفة إلّا هم، و كذلك ما عرف محمدا و عليا على ما هم عليه إلّا اللّه الذي أوجدهم من نور عظمته، و خصّهم بسرّه و كرامته، و جعلهم في علو المقام تحت ذاته، و فوق جميع مخلوقاته؛ و من ذا الذي يحصي عدد أوراق الأشجار، و قطرات الأمطار، و ذرّات القفار، و رشحات البحار؟!

و وجه آخر في معنى قوله: ما عرف اللّه إلّا أنا و أنت، و المراد أنه ليس بيننا و بين اللّه واسطة من المخلوقات، بل نحن أوّل المخلوقات و الخلائق، و عين الحقائق، و نحن في مقامنا اللاحق سادة العبيد، و عبيد الحق.

____________

(1) تقدّم الحديث.

173

فصل [ما عرف علي سوى النبيّ (عليهما السلام)‏]

و كيف يعرف الناس عليّا و يحيطون به خبرا و ذلك باب قد سدّ النبي طريق الوصول إليه، فقال و قوله الحق: «ما عرفك إلّا اللّه و أنا، و ما عرفني إلّا اللّه و أنت، و ما عرف اللّه إلّا أنا و أنت» (1).

هذا حديث صحيح و الناس مع صحّته يدعون معرفة اللّه و رسوله، و صدق الحديث يوجب كذب دعواهم، و صدق دعواهم يوجب كذب الحديث، و لكن الحديث صادق، فدعواهم في معرفة حقيقة اللّه و رسوله كاذبة، سبحانك ما عرفناك حق معرفتك، لأنّ حقيقة معرفة اللّه و معرفة حقيقة اللّه غير معلومة للبشر، و كذا معرفة حقيقة محمد و علي (عليهما السلام)، و إليه الإشارة بقوله: «ما عرف اللّه غير اللّه، و ما وحّد اللّه غير محمد رسول اللّه» (2).

و كذا حقيقة محمد و علي ما عرفها إلّا اللّه، و هم و قليل من أوليائهم، ممّن وصل إلى الدرجة العليا العاشرة من الإيمان. يدل على صحّة هذه الدعوى، و الشاهد ما ورد في كتاب البشائر: أن عمر دخل على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في مسجده يوما و بين يديه أمير المؤمنين فقال عمر: فمالي سألته‏ (3) ... اللّه.

قلت: أصدقكم لهجة أبو ذر، فقال: هو كما قلت، فقال عمر: فما لي سألته عنك فقال: هو في مسجده، فقلت: و من عنده؟

فقال: رجل لا أعرفه، و هذا علي، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): صدق أبو ذر يا عمر، هذا رجل لا يعرفه إلّا اللّه و رسوله.

____________

(1) مناقب آل أبي طالب: 3/ 267، و إرشاد القلوب: 2/ 209 و بحار الأنوار: 39/ 84 ح 15.

(2) في الحديث: يا علي ما عرف اللّه إلّا بي ثم بك» البحار: 22/ 148.

(3) نقص بالأصل و لعله: .. سألته (أبا ذر) عن علي فقال: لا يعرفه إلّا اللّه.

174

فصل‏

و بيان ما أشار إليه النبي و أحال عليه أن من عرف محمدا و عليا كمعرفة اللّه لهم، عرف اللّه‏ (1) كما عرفوه، لكن الأوّل ممتنع فالثاني كذلك، مثاله من القرآن: قوله سبحانه لموسى:

لَنْ تَرانِي* وَ لكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي‏ (2) فعلّق الرؤية على استقرار الجبل، و استقرار الجبل عند تجلّي نور الكبرياء محال، فرؤية الرب الكبير المتعال بعين البصر محال. علق الممتنع على الممتنع فامتنع الثاني لامتناع الأوّل.

فمالك أيّها المرتاب كلّما وضح الدليل ازددت ضلالا عن السبيل، و كلّما لاح ضوء الصباح و فاح أقاح الإيضاح، زدت زكاما، و هل هذا ضلال عن الحق و شك في عين اليقين و إمام الصدق، فإذا كان المنافق إذا تليت عليه آيات علي أبى و استكبر، و الموافق إذا تليت عليه آياته أنكر و استكثر، فما الفرق إذا بين من عمي و أبصر؟ و لقد أحسن من أشار إلى هذا المقام فقال:

أمير المؤمنين أراك لما * * * ذكرتك عند ذي ثقة صغى لي‏

و إن كررت ذكرك عند نغل‏ * * * تكدر سرّه و بغى قتالي‏

فصرت إذا شككت بأصل امرأ * * * ذكرتك بالجميل من الخصال‏

فها أنا قد خبرت بك البرايا * * * فأنت محكّ أولاد الحلال‏

و ليس يطيق حمل ثناك إلّا * * * كريم الأصل محمود الفعال‏ (3)

وجه آخر في معنى قوله: «ما عرف اللّه إلّا أنا و أنت»، و ذاك أن العظمة التي رآها رسول اللّه ليلة المعراج و اختراقه الحجب السماوية، و وصوله إلى قاب قوسين و الكلام الذي خوطب‏

____________

(1) في الأصل المطبوع لفظ رجل بدل اللّه فتأمّل المعنى جيّدا؟!

(2) الأعراف: 143.

(3) كان الشعر في الأصل المطبوع مشوّها تشويها عجيبا و ممسوخا عن أصله إلى حدّ بعيد.

177

و لا لملكه فناء؛ و هي الكلمة التي تخضع لذكرها الموجودات؛ و تنفعل بسماعها الكائنات؛ و هي مستورة بين حرفين كن فيكون. فمن تجلّى على مرآة نفسه بوارق سرّهم الخفي؛ و اسمهم العلي خرق لهم الجدران؛ و سخرت لهم الأكوان، و كان من أولياء الرحمن، و أمن العذاب و الهوان.

يؤيّد هذا المدعى ما رواه طارق بن شهاب عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: يا طارق، الإمام كلمة اللّه و حجّة اللّه، و وجه اللّه و نور اللّه، و حجاب اللّه، و آية اللّه، يختاره اللّه، و يجعل فيه منه ما يشاء، و يوجب له بذلك الطاعة و الأمر على جميع خلقه، فهو وليّه في سماواته و أرضه، أخذ له بذلك العهد على جميع عباده، فمن تقدّم عليه كفر باللّه من فوق عرشه فهو يفعل ما يشاء، و إذا شاء اللّه شيئا يكتب على عضده، و تمّت كلمة ربّك صدقا و عدلا، فهو الصدق و العدل، ينصب له عمود من نور من الأرض إلى السماء يرى فيه أعمال العباد، و يلبس الهيبة و علم الضمير، و يطلع على الغيب و يعطي التصرّف على الإطلاق، و يرى ما بين الشرق و الغرب فلا يخفى عليه شي‏ء من عالم الملك و الملكوت، و يعطى منطق الطير عند ولايته. فهذا الذي يختاره اللّه لوحيه و يرتضيه لغيبه، يؤيّده بكلمته، و يلقنه حكمته، و يجعل قلبه مكان مشيئته، و ينادى له بالسلطنة و يذعن له بالإمرة، و يحكم له بالطاعة، و ذلك لان الإمامة ميراث الأنبياء، و منزلة الأصفياء، و خلافة اللّه و خلافة رسل اللّه، فهي عصمة و ولاية، و سلطنة و هداية، لأنّها تمام الدين، و رجح الموازين، الإمام دليل للقاصدين، و منار للمهتدين، و سبيل للسالكين، و شمس مشرقة في قلوب العارفين. ولايته سبب النجاة، و طاعته معرفة (1) للحياة، وعدة بعد الممات، و عزّ المؤمنين و شفاعة المذنبين، و نجاة المحبّين و فوز التابعين، لأنّها رأس الإسلام و كمال الإيمان، و معرفة الحدود و الأحكام، تبين الحلال من الحرام، فهي رتبة لا ينالها إلّا من اختاره اللّه و قدّمه، و ولّاه و حكمه.

فالولاية هي حفظ الثغور، و تدبير الأمور، و هي بعدد الأيام و الشهور، الإمام الماء العذب على الظمأ، و الدال على الهدى، المطهر من الذنوب، المطلع على الغيوب، فالإمام هو الشمس الطالعة على العباد بالأنوار، فلا تناله الأيدي و الأبصار.

____________

(1)- في النسخة المخطوطة مفترضة.

176

فصل [حقيقة الإمام و الإمامة]

و إذا عرف الناس من معنى علي العلي، إنّما شاهدوا منه ليثا جائلا، و هزبرا صائلا، و غضبا قاتلا، و بليغا قائلا، و حاكما بالحق قاضيا، و غيثا هاملا، و نورا كاملا، فشهدوا صورة الجسم، و موقع الاسم، ذلك مبلغهم من العلم! و ما عرفوا أنه الكلمة التي بها تمّت الأمور، و دهرت الدهور، و الاسم الذي هو روح كل شي‏ء، و الهاء التي في هوية كل موجود، و باطن كل مشهود، و إن الذي خرج إلى حملة العرش من معرفة آل محمد مع قربهم من حضرة العظمة و الجلال كالقطرة من البحر، و ذلك لأن ذات اللّه تعالى غير معلومة للبشر كما مرّ، فلم يبق إلّا معرفة الصفات، و الناس في معرفتها قسمان: قسم حظّهم منها الذكر لها و التقديس بها، فجعلوها في السرّ أورادهم، و مركبهم إلى مطلبهم و مرادهم، فتجلّى عليهم نور الجمال، من سبحات الجلال، فصاروا في القميص البشرية، أشخاصا سماوية، تخضع لهم السباع، و تذلّ لهم الضباع.

و هذا سرّ (1) تلاوة الأسماء؛ و كذلك الناس في معرفة آل محمد؛ قسم عرفوا أنهم أولياء اللّه و الوسيلة إلى عفوه و رضاه، فقدموهم في حاجتهم لديه، و توسّلوا بهم إليه؛ و قسم عرفوا أنّهم الكلمة الكبرى، و الآية العظمى، لأن أقرب الصفات إلى حضرة الأحدية، جمال الوحدانية؛ لأن الواحد إما أن يكون أوّل الأعداد و منبع الآحاد، و الواحد الفاضل عن الاثنين؛ و هو الذي لا يكون زوجا و لا فردا؛ ذلك هو الأحد الحق .. و أما الواحد الذي هو منبع الموجودات؛ فهو الواحد المطلق‏ (2) الذي لا يحدّ و لا يعدّ؛ و لا لأمره دفع؛ و لا لسلطانه نفاد،

____________

(1) في الأصل المطبوع: أثر بدلا «عن سر» النسخة الخطية.

(2) في النسخة المخطوطة: و الأمر المتصل من الواحد إلى الأحد هو روح الحق و معنى سائر الخلق و هي الكلمة.

178

- و إليه الإشارة بقوله: وَ لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ‏ (1) و المؤمنون علي و عترته فالعزّة للنبي و للعترة، و النبي و العترة لا يفترقان إلى آخر الدهر-.

فهم رأس دائرة الإيمان و قطب الوجود، و سماء الجود، و شرف الموجود، وضوء شمس الشرف و نور قمره، و أصل العزّ و المجد و مبدؤه و معناه و مبناه، فالإمام هو السراج الوهاج، و السبيل و المنهاج، و الماء الثجاج، و البحر العجاج، و البدر المشرق و الغدير المغدق، و المنهج الواضح المسالك، و الدليل إذا عمت المهالك، و السحاب الهاطل، و الغيث الهامل، و البدر الكامل، و الدليل الفاضل، و السماء الظليلة، و النعمة الجليلة، و البحر الذي لا ينزف، و الشرف الذي لا يوصف، و العين الغزيرة، و الروضة المطيرة، و الزهر الأريج، و البدر البهيج، و النير اللائح و الطيب الفائح، و العمل الصالح و المتجر الرابح، و المنهج الواضح، و الطيب الرفيق، و الأب الشفيق، و مفزع العباد في الدواهي، و الحاكم و الآمر و الناهي، أمير اللّه على الخلائق، و أمينه على الحقائق، حجّة اللّه على عباده، و محجّته في أرضه و بلاده، مطهر من الذنوب، مبرأ من العيوب، مطلع على العيوب، ظاهره أمر لا يملك، و باطنه غيب لا يدرك، واحد دهره، و خليفة اللّه في نهيه و أمره، لا يوجد له مثيل، و لا يقوم له بديل.

فمن ذا ينال معرفتنا، أو ينال درجتنا، أو يدرك منزلتنا. حارت الألباب و العقول، و تاهت الأفهام فيما أقول، تصاغرت العظماء و تقاصرت العلماء، وكلت الشعراء و خرست البلغاء، و لكنت الخطباء، و عجزت الشعراء، و تواضعت الأرض و السماء، عن وصف شأن الأولياء، و هل يعرف أو يوصف، أو يعلم أو يفهم، أو يدرك أو يملك، شأن من هو نقطة الكائنات، و قطب الدائرات، و سرّ الممكنات، و شعاع جلال الكبرياء، و شرف الأرض و السماء؟

جل مقام آل محمد عن وصف الواصفين، و نعت الناعتين، و أن يقاس بهم أحد من العالمين، و كيف و هم النور الأوّل، و الكلمة العليا، و التسمية البيضاء، و الوحدانية الكبرى، التي أعرض عنها من أدبر و تولّى، و حجاب اللّه الأعظم الأعلى، فأين الأخيار من هذا؟ و أين العقول من هذا، و من ذا عرف، من عرف؟ أو وصف من وصف، ظنّوا أن ذلك في غير آل محمد، كذبوا و زلّت أقدامهم، و اتخذوا العجل ربّا، و الشيطان حزبا، كل ذلك بغضة لبيت‏

____________

(1)- المنافقون: 8.

179

الصفوة و دار العصمة، و حسدا لمعدن الرسالة و الحكمة، و زين لهم الشيطان أعمالهم فتبا لهم و سحقا، كيف اختاروا إماما جاهلا عابدا للأصنام جبانا يوم الزحام، و الإمام يجب أن يكون عالما لا يجهل، و شجاعا لا ينكل، لا يعلو عليه حسب، و لا يدانيه نسب، فهو في الذروة من قريش و الشرف من هاشم، و البقية من إبراهيم و النهج من النبع الكريم، و النفس من الرسول و الرضى من اللّه، و القبول عن اللّه، فهو شرف الأشراف، و الفرع من عبد مناف، عالم بالسياسة قائم بالرياسة، مفترض الطاعة، إلى يوم الساعة، أودع اللّه قلبه سرّه، و أنطق به لسانه، فهو معصوم موفق ليس بجبان، و لا جاهل فتركوه يا طارق، و اتّبعوا أهواءهم‏ وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ‏ (1).

و الإمام يا طارق بشر ملكي و جسد سماوي، و أمر إلهي و روح قدسي، و مقام علي و نور جلي، و سرّ خفي، فهو ملكي الذات إلهي الصفات، زائد الحسنات عالم بالمغيبات، خصا من رب العالمين، و نصا من الصادق الأمين، و هذا كلّه لآل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) لا يشاركهم فيه مشارك، لأنّهم معدن التنزيل، و معنى التأويل و خاصة الرب الجليل، و مهبط الأمين جبرائيل، صفات اللّه و صفوته، و سرّه و كلمته، شجرة النبوّة، و معدن الفتوة، عين المقالة و منتهى الدلالة، و محكم الرسالة، و نور الجلالة، حبيب اللّه و وديعته، و موضع كلمة اللّه و مفتاح حكمته، مصابيح رحمة اللّه و ينابيع نعمته، السبيل إلى اللّه و السلسبيل، و القسطاس المستقيم، و المنهاج القويم، و الذكر الحكيم، و الوجه الكريم، و النور القويم، أهل التشريف و التقويم و التقديم، و التفضيل و التعظيم، خلفاء النبي الكريم، و أبناء الرءوف الرحيم و أمناء العلي العظيم، ذرية بعضها من بعض و اللّه سميع عليم، السناء الأعظم و الطريق الأقوم. من عرفهم و أخذ عنهم، فهو منهم، و إليه الإشارة بقوله: من تبعني فإنّه منّي، خلقهم اللّه من نور عظمته، و ولاهم أمر مملكته، فهم سرّ اللّه المخزون، و أولياؤه المقرّبون، و أمره بين الكاف و النون.

لا بل هم الكاف و النون، إلى اللّه يدعون و عنه يقولون، و بأمره يعلمون، علم الأنبياء في علمهم، و سرّ الأوصياء في سرّهم، و عزّ الأولياء في عزّهم، كالقطرة في البحر، و الذرة في القفر، و السّماوات و الأرض عند الإمام منهم كيده من راحته يعرف ظاهرها من باطنها، و يعلم‏

____________

(1)- القصص: 50.

181

للذرية الزكية، و البراءة من أعدائهم، و إن العرش لم يستقر حتى كتب عليه بالنور: لا إله إلّا اللّه محمد رسول اللّه علي ولي اللّه» (1).

يؤيّد هذا ما رواه الخوارزمي في مناقبه مرفوعا إلى ابن عباس قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «أتاني جبرائيل فنشر جناحيه، و إذا على أحدهما مكتوب لا إله إلّا اللّه محمد النبي، و على الآخر لا إله إلّا اللّه علي الولي، و على أبواب الجنّة مكتوب لا إله إلّا اللّه محمد رسول اللّه، علي أخوه و ولي اللّه، أخذت ولايتهم على الذر قبل خلق السّماوات و الأرض بألفي عام» (2).

و من ذلك ما رواه أبو بكر بن الخطيب مرفوعا إلى ابن عباس قال: «على أبواب الجنة مكتوب لا إله إلّا اللّه محمد رسول اللّه، فاطمة خيرة اللّه، الحسن و الحسين صفوة اللّه، على محبّهم رحمة اللّه، و على مبغضهم لعنة اللّه» (3).

و من ذلك ما رواه محمد بن يعقوب الهاشمي عن علي بن موسى الرضا، عن أبيه موسى ابن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي، عن أبيه أمير المؤمنين، عن محمد خاتم النبيين، عن جبرائيل الأمين، عن ميكائيل، عن إسرافيل، عن اللّه جل جلاله، أنه قال جل من قائل: أنا اللّه الذي لا إله إلّا أنا خلقت الخلق بقدرتي، و اخترت منهم أنبياء، و اصطفيت من الكل محمدا (صلّى اللّه عليه و آله)، و جعلته حبيبا و رضيّا، و بعثته إلى خلقي، و اصطفيت له عليا و أيّدته به، و جعلته أميني و أميري، و خليفتي على خلقي، و وليّي على عبادي، يبيّن لهم كتابي و يشرفهم بحكمي و جعلته العلم الهادي من الضلالة، و بابي الذي أوتى منه، و بيتي الذي من دخله كان آمنا من ناري، و حصني الذي من لجأ إليه حصنته من مكروه الدنيا و الآخرة، و وجهي الذي من توجه إليه لم أصرف عنه وجهي، و حجّتي على أهل سمائي و أرضي، و على جميع من سمّيته‏ (4) من خلقي، فلا أقبل عمل عامل إلّا مع الإقرار بولايته مع نبوّة أحمد رسولي، و يدي المبسوطة في عبادي، فبعزّتي حلفت،

____________

(1)- الحديث بطوله: في بحار الأنوار: 25/ 170 ح 38.

(2)- بحار الأنوار: 27/ 2 ح 2 بتفاوت.

(3)- تاريخ بغداد: 1/ 274 رقم 88 و مناقب الخوارزمي: 302 ح 297 و مقتل الخوارزمي: 1/ 4- 108 و الطرائف: 1/ 99 بتحقيقنا.

(4)- في الأصل المطبوع من بينهن.

182

و بجلالي أقسمت، أنه لا يتولّى عليا عبد من عبادي إلّا زحزحته عن النار، و أدخلته جنّتي، و لا يعدل عن ولايته إلّا من أبغضته، و أدخلته ناري‏ (1).

فمن زحزح عن النار- التي هي بغض علي- و أدخل الجنة- التي هي حب علي- فقد فاز- لأن النجاة من النار و دخول الجنة بالإيمان، و الدرجات بالصالحات، من الأعمال، و الإسلام و الإيمان حب علي، لأن كمال الإسلام الإيمان، فلا إسلام حقيقي إلّا بالإيمان، بل الإسلام الحقيقي هو الإيمان، و الإيمان الحقيقي حبّ علي، و إليه الإشارة بقوله: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ‏ (2) و ذلك أن الإسلام هو الإيمان، و الإيمان تمامه و كماله حبّ علي، فلا إيمان إلّا بحبّ علي، و لا نجاة إلّا به.

دليله أيضا قوله: وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ‏ (3)، و المراد بهذا الإسلام حب علي، لأنه أين كان الإيمان كان الإسلام من غير عكس، فكل مؤمن مسلم، و إليه الإشارة بقوله سبحانه: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا (4) فالإسلام بغير الإيمان لا ينجي، لأن الأعمال بخواتيمها، و خواتيم الشرائع الإسلام، و خواتيم الإسلام الإيمان، و ختم الإيمان حبّ علي، فحب علي خاتمة كل دين. و عين كل يقين، فحبّه الجنّة، و بغضه النار، دليل ذلك ما رواه صاحب الأمالي: أن جبرائيل نزل على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقال له: يا محمد السلام يقرئك السلام و يقول لك: خلقت السّماوات السبع و ما فيهنّ، و الأرضين السبع و ما بينهن، و ما خلقت موضعا أكرم من الركن و المقام، و لو أن عبدا عبدني هناك منذ خلقت السّماوات و الأرض، ثم لقيني يوم القيامة جاحدا لعلي حقّا لأكببته في سقر (5).

و يؤيّد ذلك ما ورد عنه (صلّى اللّه عليه و آله): و ليلة أسري بي إلى السماء وجدت اسم علي مقرونا باسمي في أربع مواضع: الأوّل وجدت على صخرة بيت المقدس مكتوبا لا إله إلّا أنا وحدي، محمد رسولي من خلقي أيّدته بوزيره و نصرته به. قال: فقلت: يا جبريل و من وزيري؟ فقال: علي‏

____________

(1)- بحار الأنوار: 38/ 98 ح 17 عن الأمالي بتفاوت.

(2)- آل عمران: 19.

(3)- آل عمران: 85.

(4)- الحجرات: 14.

(5)- بحار الأنوار: 27/ 167 ح 3 و فيه لولاية علي.

180

برّها من فاجرها، و رطبها و يابسها، لأنّ اللّه علم نبيّه علم ما كان و ما يكون، و ورث ذلك السرّ المصون، الأوصياء المنتجبون، و من أنكر ذلك فهو شقي ملعون، و كيف يفرض اللّه على عباده طاعة من يحجب عنه ملكوت السماء و الأرض؟ و إن الكلمة من آل محمد تنصرف إلى سبعين وجها».

- [قال المؤلف:] و كلما ذكر في الذكر الحكيم و الكلام القديم، من آية يذكر فيها العين و الوجه، و اليد و الجنب، فالمراد منها الولي لأنه جنب اللّه، و وجه اللّه، يعني حق اللّه و علم اللّه، و عين اللّه و يد اللّه، لأنّ ظاهرهم باطن الصفات الظاهرة، و باطنهم ظاهر الصفات الباطنة، فهم ظاهر الباطن و باطن الظاهر و إليه الإشارة بقوله: «إن للّه أعينا و أيادي، و أنا و أنت يا علي منها»-.

«فهم الجنب العلي و الوجه الرضي، و المنهل الروي، و الصراط السوي، الوسيلة إلى اللّه، و الوصلة إلى عفوه و رضاه، سرّ الواحد و الأحد، فلا يقاس بهم من الخلق أحد، فهم خاصة اللّه و خالصته، و سرّ الديان و كلمته، و باب الإيمان و كعبته، و حجّة اللّه و محجّته، و أعلام الهدى و رايته، و فضل اللّه و رحمته، و عين اليقين و حقيقته، و صراط الحق و عصمته، و مبدأ الوجود و غايته، و قدرة الرب و مشيئته، و أمّ الكتاب و خاتمته، و فصل الخطاب و دلالته، و خزنة الوحي و حفظته، و أمنة الذكر و ترجمته، و معدن التنزيل و نهايته، فهم الكواكب العلوية، و الأنوار العلوية المشرقة من شمس العصمة الفاطمية، في سماء العظمة المحمدية، الأغصان النبوية، النابعة في الدرجة الأحمدية، الأسرار الإلهية المودعة في الهياكل البشرية، الذرية الزكية، و العترة الهاشمية، الهادية المهدية، أولئك هم خير البرية، فهم الأئمة الطاهرون و العترة المعصومون، و الذرية الأكرمين و الخلفاء الراشدين، و الكبراء الصديقين، و الأوصياء المنتجبين، و الأسباط المرضيين، و الهداة المهديين، و الغرّ الميامين، آل طه و ياسين، و حجّة اللّه على الأوّلين و الآخرين، اسمهم مكتوب على الأحجار، و على أوراق الأشجار، و على أجنحة الأطيار، و على أبواب الجنة و النار، و على العرش و الأفلاك، و على أجنحة الأملاك، و على حجب الجلال، و سرادقات العزّ و الجمال، و باسمهم تسبّح الأطيار، و تستغفر لشيعتهم الحيتان في لجج البحار، و إن اللّه لم يخلق خلقا إلّا و أخذ عليه الإقرار بالوحدانية، و الولاية

183

ابن أبي طالب. قال: لما أتيت إلى العرش و انتهيت إليه؛ وجدت مكتوبا على قائمة لا إله إلّا أنا وحدي محمد صفوتي من خلقي أيّدته بوزيره و نصرته. فقلت: يا جبريل و من وزيري؟ فقال:

علي بن أبي طالب (عليه السلام)، قال: و لما انتهيت إلى سدرة المنتهى؛ وجدت عليها مكتوبا أنا اللّه لا إله إلّا أنا وحدي محمد صفوتي من خلقي أيّدته بوزيره علي و نصرته به‏ (1)؛ ألا و إنه قد سبق في علمي أنه مبتلى و مبتلى به؛ ممّا أتى قد نحلته و نحلته أربعة أشياء لا يفصح عن عقدها (2).

فصل‏

و أنا أقول على فقري و إملاقي: يا آل الرسول صلوات اللّه عليكم و سلامه منّا إليكم كلّما تسنمت بعود الورق، و سجمت دموع الورق، لقد آتاكم اللّه من فضله ما لم يؤت أحدا من خلقه؛ طأطأ كل شريف رأسه لشرفكم و ذل كل عزيز لعزّتكم؛ و أشرقت الأرض بنوركم؛ و فاز العارفون بحبّكم؛ فأنتم ينابيع النعم؛ و مصابيح الظلم؛ و مفاتيح الكرم؛ و لو لا كم لم يخرج الوجود من العدم؛ فقلت:

يا آل طه أنتم أملي‏ * * * و عليكم في البعث متكلي‏

بولاكم و بطيب مدحكم‏ * * * أرجو الرضا و العفو عن زللي‏

رجب المحدث عبد عبدكم‏ * * * الحافظ البرسي لم يزل‏

لا يخشى في بعثه زللا * * * إذ سيداه محمد و علي‏

و إن الذي خرج إلى الملائكة من معرفتكم قليل من كثير؛ و كيف يعرفكم الناس مع جلالة قدركم؟ و أنتم النور الذي بهر عيون العقول؛ فحنأت‏ (3) عن إدراك مجدكم؛ و كيف تدرك عين الشمس أبصار الخفافيش؟ و معذور من أنكر غامض سرّكم؛ و خفي أمركم؛ و باهر نوركم؛ لأنّ الناظر في صحائف مجدكم، حجبهم النظر إلى الظاهر عن إدراك السرائر؛ و صدّهم عن المعنى الشاهد زخرف الشاهد، فطوفوا بقصور المغنى؛ قصورا عن المعنى فكانوا كما قيل:

____________

(1)- بحار الأنوار: 27/ 2 ح 5.

(2)- بحار الأنوار: 36/ 159 ح 140.

(3)- كذا بالأصل.

186

فصل [عالم آل محمد (عليهم السلام) قبل الخلق‏]

و إليه الإشارة بقوله: «كنت نبيّا و آدم بين الماء و الطين و لا ماء و لا طين‏ (1)، و كان علي وليا قبل خلق الخلائق أجمعين» (2)، ثم إنه أرسل الرسل إليه يدعون، و بمحمد يبشّرون و يؤمنون، و بولاية علي يتمسّكون، و به إلى اللّه في الملمات يدعون، ثم بعث نبيّه محمدا (صلّى اللّه عليه و آله) فختم به الموجود كما افتتح به الوجود، ثم خصّه بجوامع الكلم، و أنزل إليه السبع المثاني و هي سورة الحمد و جعل لوليه فيها مقاما رفيعا فقال: اهدنا الصراط المستقيم، و الصراط المستقيم حبّ علي، فأمره أن يسأل لأمّته الهداية الى حب علي ثم إنه أمر نبيه أيضا بالتمسك به و الحث عليه فقال:فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏ (3) و هو حب علي، ثم أكّد ذلك فقال: فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ‏ (4) أي ادع الناس إلى حبّ علي لأنه يدعو إلى الإيمان أولا، ثم إلى الفرائض لأنّ الأصل مقدّم على الفرع، فلا فرائض إلّا بالإيمان، و لا إيمان إلّا بحب علي، لأن التوحيد لا ينعقد إلّا به، فما لم يكن الإيمان فلا فرائض، و ما لم يكن حبّ علي فلا إيمان، فالإيمان و الفرائض حبّ علي، فالأصل و الفرع حب علي و ولايته.

____________

(1)- كنز العمال: 12/ 426 ح 3558، و فضائل ابن شاذان: 34، و الفردوس: 3/ 284 ح 4854.

(2)- لفظ الحديث: «كنت وليا و آدم بين الماء و الطين» المراقبات: 259 و جامع الأسرار: 382 ح 763.

(3)- الزخرف: 43.

(4)- هود: 112.

184

خلعنا هياكلنا فجادوا بلثمها * * * فشاقهم المغنى وفاتهم المعنى‏

فهم كالمنجّم الذي نقل أحكام النجوم من علماء الهيئة؛ فهو يحدث الناس بما وعاه و لا يعقل ما رواه؛ ممّا يحجبه النور عنه و واراه؛ و صغره البعد في عينه و زواه؛ فإذا قيل له: إن الأرض بأسرها غائصة تحت الماء؛ و إن الخارج منها إنّما هو ربع الكرة؛ و منه المدن و القرى و الأقاليم السبعة؛ و البراري و القفار؛ و البحار و الجبال، و الخراب و العمران؛ و إنّما المسكون جزء من هذا الربع؛ و ذلك لأن مشرق الشمس الذي هو تحت سهيل، فإنّ الشمس لا تغيب هناك إلّا ستة أشهر و الباقي نهار، و ليس هناك نبات و لا حيوان؛ إلّا صخور محترقة من حرّ الشمس. و بعد الشمس عن الأرض هناك مائة ألف فرسخ و أربعة و عشرون ألف فرسخ، و كذا ما يقابله تحت الجدي من ناحية المغرب فإنّ الزمان هناك ليل إلّا قليل ترى فيه الشمس عند صعودها في برج السرطان، و هناك لا حيوان و لا نبات و تلك هي بلاد الظلمات، و هذه الأرض أكثرها جبال و صخور و غيرهما، ثم إن الأرض بأسرها؛ من مشرقها إلى مغربها؛ بر و بحر في ضمن فلك القمر كالخردلة في البر؛ و إن رقعة القمر بقدر مجموع الأرض 33 مرة؛ و لذلك يراه الإنسان أين كان، و إن فلك القمر بالنسبة إلى فلك الشمس الذي هو تحت السلطنة كالقطرة في البحر، ثم إن السّماوات و الأرض كالحلقة في الفلاة، و إن الفرس الجواد إذا كان في أشد الطرد فإنّه بقدر ما يضع حافره على الأرض و يرفعه تسير الشمس خمسمائة فرسخ‏ (1) و إن قرص الشمس بقدر مجموع الأرض 66 مرّة (2) و إن الأرض مساحة سطحها في علم الهيئة عشرون ألف ألف و ثلاثمائة ألف و ستون ألف فرسخ، و إن كل فرسخ ثلاثة أميال، و الميل أربعة آلاف ذراع، و إن النجم الذي يقال له السهى، و هو نجم خفي لا يرى إلّا في الظلمة لذوي الأبصار السليمة، و إنه مع خفائه بقدر مجموع الأرض 18 مرّة(3) فهناك يدهش عند سماع هذا و ينكره، و من جهل شيئا أنكره، و كذا من عرف أن نسبة السّماوات و الأرض و الأفلاك في عظمة صاحب: لولاك، نسبة لا شي‏ء إلى شي‏ء لأن الجزء لا

____________

(1)- يقول علم الفلك الحديث ان الشمس ثابتة، و الأرض هي المتحرّكة.

(2)- قدّرت سعة الشمس في العلوم الجديدة بأكثر من الأرض مقدار مليون و ثلاثمائة ألف مرّة.

(3)- في القسم 15 مرة و ليس في علم الفلك الآن أحكام ثابتة عن مقدار السهى حتى نضع المقارنة.

185

يقاوم الكل و إن كثر، و إن الخلق لا يقابل الخالق و إن عظم، فإن خالقه أعظم، فالنبي الذي به و لأجله تكوّنت الأشياء، و لولاه لما كانت؛ هو أعظم منها، و نسبة الشمس و القمر و النجوم إلى جلال جمال أوّل ما خلق اللّه نوري لليل إلى الفجر، و نسبة السهى إلى نور البدر، لأنه هو النور الذي قهر غواسق العدم، و أضاءت به حنادس الظلم، و إن ما في أيدي الناس من أسرار آل محمد (عليهم السلام) و معرفتهم بالنسبة إلى ما خفي عليهم، كنسبة اللّه خلقه و كيف ينسب الخلق إلى خالقهم و المماليك إلى مالكهم، و كيف يعرفون عظمة ربّهم، أو يقدرونها على قدر عقولهم.

فصل‏

و عظمة الولي من عظمة النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و عظمة النبي من عظمة الربّ العلي، لأنّه آية اللّه و آية النبي، و كلمة اللّه و كلمة النبي، و نائب وحي اللّه و وارث النبي، و به يتم توحيد اللّه و دين النبي، و بيان هذا الشأن العظيم أنه أخذ له العهد على الأرواح، و جعل له الولاية المطلقة من الأزل، و لم تزل.

188

فصل [علي (عليه السلام) الكتاب المبين‏]

ثم أنزل بعد الحمد الم، فجعل سرّ الأولين و الآخرين بتضمنه في هذه الأحرف الثلاثة، و في كل حرف منها الاسم الأعظم، و فيها معاني الاسم الأعظم ثم قال: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ‏ (1) يعني علي لا شك فيه، لأن القرآن هو الكتاب الصامت، و الولي هو الكتاب الناطق، فأينما كان الكتاب الناطق كان الكتاب الصامت!! فالولي هو الكتاب، و علي هو الولي، فعلي هو الكتاب المبين، و الصراط المستقيم، فهو الكتاب و أمّ الكتاب، و فصل الخطاب و عنده علم الكتاب، و ويل للمنكر و المرتاب.

فصل [لو لا علي (عليه السلام) ما خلقت الجنّة]

ثم رفع مقامه بين التبيين و المرسلين، إلّا من هو منه في المقام مقام الألف المعطوف من اللام، فقال: لو لا علي ما خلقت جنّتي‏ (2)، و لم يقل لو لا النبيّين ما خلقت جنّتي، و ذلك لأن النبيين جاءوا بالشرائع، و الشرائع فرع من الدين، و التوحيد أصله، و الفرع مبني على الأصل، و الأصل مبني على الولاية، فالأصل و الفرع من الدين مبني على حبّ علي، فحب علي هو الدين و الإيمان، و الجنة تنال بالايمان، و الإيمان ينال بحب علي، فلو لا حب علي لم يكن الإيمان، فلم تكن الجنة، فلو لا علي لم يخلق اللّه جنّته، فاعلم أن الإيمان بالنبيين و المرسلين لا ينفع إلّا بحب علي.

____________

(1)- البقرة: 1.

(2)- و في لفظ: «لو لا نا لم يخلق اللّه الجنة و لا النار و لا الأنبياء» البحار: 26/ 349 ح 23.

189

فصل‏

أحبط أعمال العباد بغير حبّه، فقال: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ‏ (1) و كيف يشرك بالرحمن من هو الأمان و الإيمان؟ و معناه أنك إن ساويت بعلي أحدا من أمّتك فجعلت له في الخلق مثلا و شبها، فلا عمل لك، و الخطاب له، و المراد أمّته.

فصل‏

ثم جعل دخول الجنّة بحبّه و طاعته، و دخول النار ببغضه و معصيته، فقال: لأدخلن الجنّة من أطاعه و إن عصاني، و لأدخلنّ النار من عصاه و إن أطاعني، و هذا رواه صاحب الكشاف و قد مرّ ذكره.

____________

(1)- الزمر: 65.

187

فصل [السؤال عن علي (عليه السلام) في القبر]

ثم أخبر نبيّه أن حب علي هو المسئول عنه في القبر فقال: وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ وَ سَوْفَ تُسْئَلُونَ‏ (1) يعني يوم القيامة و في القبر، ثم رفع نبيّه إلى المقام الأسنى، و هو قاب قوسين أو أدنى، فخاطبه بلسان علي ثم أمره أن يرفع عليا فوق كتفه، فقال في خطبة الفخار:

أنا الواقف على التطنجين، قال المفسّرون: هي الدنيا و الآخرة، أي أنا العالم بهما، و قيل:

المشرق و المغرب، و أنا المحيط بعلم ما بينهما، و قيل: الجنة و النار، و أنا القاسم لهما، و قيل:

لا بل هو إشارة إلى ارتفاعه فوق كتف رفيع المقام، و ليس فوق هذا المقام إلّا ذات الملك العلام، فأي رفعة فوق هذا؟ و أي مقام أعلى من هذا؟ لأن اللّه رفع رسوله حتى جاوز عالم الأفلاك و الأملاك، و عالم الملك و الملكوت، و عالم الجبروت، و وصل إلى عالم اللاهوت 18، و أمير المؤمنين (عليه السلام) ارتقى على كتفي صاحب هذا المقام.

فصل‏

ثم أمر رسوله بالتبليغ البليغ فيه، فقال: بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ‏ ثم أكّد ذاك بالتهديد، فقال: وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ‏ (2) لكنّك بلّغت فأنت فاعل، فقد بلّغ فما معناه؟ هذا رمز يدلّ على شرف الولاية و أنه لا قبول للأعمال، قلت أم جلت إلّا بها، و المراد أنهم إن لم يؤمنوا بعلي فلا ينفعهم إسلامهم، فكأن الرسالة لم تبلغهم، فعلم أنه من لم يؤمن بعلي لم يؤمن بمحمد، و من لم يؤمن بمحمد لم يؤمن باللّه، لأنّ الإقرار بالولاية يستلزم الإقرار بالنبوّة، و الإقرار بالنبوّة يستلزم الإقرار بالتوحيد، و كذا إنكار الولاية يستلزم إنكار النبوّة، و إنكار التوحيد؛ لتوقف الاثنين على الولاية.

____________

(1)- الزخرف: 44.

(2)- المائدة: 67.

190

فصل [علي (عليه السلام) ألف الغيب‏]

ثم أبان من فضل وليّه ما لم ينكره إلّا من تولّى و كفر، فقال: قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَ لَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً (1) و الكلمة الكبرى علي بن أبي طالب (عليه السلام) و تحتها باقي الكلمات، ثم أبان من فضله ما هو أعلى و أكبر لمن تولّى و استكبر، فقال: وَ لَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَ الْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ‏ (2) و الكلمات كلّها حروف الكلمة الكبرى و داخلة تحتها، و فائضة عنها، و هي فائضة عن ذات الحق كفيض سائر الأعداد عن الواحد، و مبدأ الكلمات عن الألف، الذي أبداه عالم الغيب و أبدى عنه سائر الحروف و الكلم، فهو (عليه السلام) ألف الغيب، و عين الوحدانية الكبرى، التي أعرض عنها من أدبر و تولّى.

فصل [علي (عليه السلام) السرّ في فواتح السور]

ثم إنّ اللّه سبحانه أوحى إلى نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن عليا معه في السرّ المودع في فواتح السور، و الاسم الأكبر الأعظم الموحى إلى الرسل من السرّ، و السرّ المكتوب على وجه الشمس و القمر و الماء و الحجر، و أنه ذات الذوات، و الذات في الذات، في الذات للذات، لأن أحدية الباري متنزّهة عن الأسماء و الصفات، متعالية عن النعوت و الإشارات، و أنه هو الاسم الذي إليه ترجع الحروف و العبارات، و الكلمة المتضرّع بها إلى اللّه سائر البريات، و أنه الغيب المخزون بين اللام و الفاء و الواو و الهاء و الكاف و النون، فقال سبحانه: حم عسق‏

____________

(1)- الكهف: 109.

(2)- لقمان: 27.

191

كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَ إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ‏ (1). قال الصادق: عسق‏ فيها سرّ علي فجعل اسمه الأعظم مرموزا في فواتح القرآن و تحفه.

و إليه الإشارة بقوله: لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب‏ (2)، و معناه لا صلاة للعبد و لا صلة له بالرب، إلّا بحب علي و معرفته.

فصل‏

ثم إن الملك العظيم الرحمن الرحيم، صرّح بهذا الشرف العظيم، في الذكر الحكيم، فقال في السورة التي هي قلب القرآن «يس»، و إنّما سمّيت قلب القرآن لأنّ باطنها محتو على سرّ محمد و علي لمن عرف، فقال سبحانه: يس* وَ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ‏ (3)، و الياء و السين اسم محمد ظاهرا و باطنا، و الياء و السين اسم علي لأن الولاية باطن النبوّة، فقال: يا حبيبي يا محمد بحق اسمك و اسم علي الظاهر و الباطن في الياء و السين، إنّك رسولي بالحق إلى سائر الخلق.

فصل [الإمام محيط بالكون‏]

ثمّ صرّح لنا أن الولي هو المحيط بكل شي‏ء، فهو محيط بالعالم، و اللّه من ورائهم محيط، فقال: وَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ‏ (4) فأخبرنا سبحانه أن جميع ما جرى به قلمه و خطه في اللوح المحفوظ في الغيب، أحصيناه في إمام مبين، و هو اللوح الحفيظ لما في الأرض و السماء، هو الإمام المبين و هو علي، فاللوح المحفوظ علي، و هو أعلى و أفضل من اللوح بوجوده.

____________

(1)- الشورى: 3.

(2)- صحيح مسلم: 1/ 295 ح 595 كتاب الصلاة.

(3)- يس: 1.

(4)- يس: 12.

192

(الأوّل) لأنّ اللوح وعاء الخط و ظرف السطور، و الإمام محيط بالسطور و أسرار السطور، فهو أفضل من اللوح.

(الثاني) لأنّ اللوح المحفوظ بوزن مفعول، و الإمام المبين بوزن فعيل، و هو بمعنى فاعل، فهو عالم بأسرار اللوح، و اسم الفاعل أشرف من اسم المفعول.

(الثالث) أن الولي المطلق ولايته شاملة للكل، و محيط بالكل و اللوح داخل فيها فهو دال على اللوح المحفوظ و عال عليه، و عالم بما فيه، ثم قال: علي صراط مستقيم، أي يدل و يهدي إلى الصراط المستقيم الممتحن به سائر الخلائق، و هو حب علي لأنه هو الغاية و النهاية.

فصل‏

ثم ذكر في آخر هذه السورة آية فيها اسم اللّه الأعظم فقال: سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ‏ (1)، و يخرج من تكسير حروفها السبيل‏ (2) السلام أنا هو محمد، ثم دلّنا بعد هذا المقام العظيم لنبيّه على مقام آخر فيها لوليه، و أنه هو كلمة الجبّار و منبع سائر الأسرار، و مطلع فائض الأنوار، فقال: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏ (3)، فجعل وجوده الوجود (4)، و الموجود بين حرفي الأمر و هما الكاف و النون، و باطن الكاف و النون الاسم المخزون المكنون، لمن عرف هذا السرّ المصون، و إليه الإشارة بقوله: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ (5) و الخلق و الأمر (6) هما العين و الميم‏ (7)، و ذلك لأن ظهور الأفعال عن الصفات، و تجلّي الصفات عن الذات.

____________

(1)- يس: 58.

(2)- كذا في المطبوع السابق، و لكنه جاء في النسخة الخطية «السيد».

(3)- يس: 82.

(4)- فى النسخة الخطية وجود الجود.

(5)- الأعراف: 54.

(6)- في المخطوطة «في الأمر».

(7)- في المخطوطة «العين في الميم».

193

فصل [علي (عليه السلام) الفاتح‏]

ثم إن اللّه سبحانه بشّر رسوله بأنه قد رحم أمّته، و غفر ذنوبهم، و أكمل دينهم، و أتم نعمته عليه و نصره، و جعل هذه المقامات و الكرامات و العطيات كلّها لعلي (عليه السلام)، و نزل ذلك في آية واحدة من كتابه سبحانه و تعالى على رسوله و على أمّته، فقال: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (1) و الفتح كان على يد علي، ثم قال: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ (2) قال ابن عباس: إن اللّه حمل رسوله ذنوب من أحبّ عليا من الأوّلين و الآخرين إكراما لعلي فيحملها عنهم إكراما لهم فغفرها اللّه إكراما لمحمد (صلّى اللّه عليه و آله) ثم قال: وَ يُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ‏ يعني بعلي، و إليه الإشارة و البشارة بقوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي‏ (3) ثم قال:

وَ يَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً (4) و كان النصر في سائر المواطن بأسد اللّه الغالب و سيفه الضارب، وَ يَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً. فهذا علي به الفتح، و على يده النصر و بحبّه الغفران و الآمال، فكمال الدين و تمام النعمة على المؤمن، و به الهداية و هو الغاية و النهاية. و قلت:

يا من به نصر الإله نبيه‏ * * * و الفتح كان بعضده و بعضبه‏

و كمال دين محمد بولائه‏ * * * و تمام نعمته عليه بحبّه‏

و ذنوب شيعته غدا مغفورة * * * يرضى الإله لأنّهم من حزبه‏

و الحافظ البرسي يا مولى الورى‏ * * * يرجوك في يوم المعاد لذنبه‏

____________

(1) الفتح: 1.

(2) الفتح: 2.

(3) المائدة: 3.

(4) الفتح: 3.

194

فصل [وصف علي (عليه السلام) بالقرآن أعظم من وصف الأنبياء (عليهم السلام)‏]

ثم إن اللّه سبحانه وصف أنبياءه بأوصاف و وصف ولي نبيّه بأعلى منها، فقال في نوح:

إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً (1) و قال في علي: وَ كانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً (2) و أين الشاكر من مشكور السعي؟ و وصف إبراهيم بالوفاء فقال: وَ إِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى‏ (3) و قال في علي:

يُوفُونَ بِالنَّذْرِ (4) و وصف سليمان بالملك فقال: وَ آتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً (5) و قال في علي: وَ إِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَ مُلْكاً كَبِيراً (6) و وصف أيوب بالصبر فقال: إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً (7) و قال في علي: وَ جَزاهُمْ بِما صَبَرُوا (8) و وصف عيسى بالصلاة و الزكاة فقال:

وَ أَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ (9) و قال في علي: وَ مِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَ سَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (10) و وصف محمّدا بالعزّة فقال: لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ‏ (11) و قال في علي: وَ ما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى‏ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى‏ وَ لَسَوْفَ يَرْضى‏ (12) و قال في علي:

____________

(1) الاسراء: 3.

(2) الاسراء: 19.

(3) النجم: 37.

(4) الإنسان: 7.

(5) النساء: 54.

(6) الإنسان: 20.

(7) ص: 44.

(8) الإنسان: 12.

(9) مريم: 31.

(10) الإنسان: 26.

(11) المنافقون: 8.

(12) الليل: 19.

195

إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا (1) و وصف الملائكة بالخوف فقال: يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ‏ (2)

و قال في علي: إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا (3) و وصف ذاته المقدّسة بصفات الألوهية فقال:

وَ هُوَ يُطْعِمُ وَ لا يُطْعَمُ‏ (4) و قال في علي: وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى‏ حُبِّهِ‏ (5).

فصل‏

ثم أمر اللّه نبيّه الكريم و رسوله الرءوف الرحيم أن يرفعه إلى المقام الكريم في التشريف و التعظيم، فقال بعد أن بالغ في بليغ المقام: لو كانت السّماوات صحفا و البحار مددا و الغياض أقلاما لنفد المداد و فنيت الصحف و عجز الثقلان أن يكتبوا معشار فضل علي و هذا مرّ ذكره لكن أعدناه ثانيا للحاجة إليه.

فصل‏

ثم دلّ على فضله النبي كما دلّ عليه الربّ العلي فبيّن أن الأعمال لا توزن يوم المآل و لا يبلغ بها الآمال إلّا بحبّه فقال: لو أن أحدكم صف قدميه بين الركن و المقام، يعبد اللّه ألف عام، ثم ألف عام صائما نهاره قائما ليله فكان له مل‏ء الأرض ذهبا فأنفقه و عباد اللّه ملكا فأعتقهم ثم قتل بعد هذا الخير الكثير شهيدا بين الصفا و المروة ثم لقي اللّه يوم القيامة جاحدا لعلي حقّه لم يقبل اللّه له صرفا و لا عدلا و زج بأعماله في النار. هذا أيضا مرّ ذكره.

فصل‏

ثم دلّ سبحانه على قرب عارفيه و مواليه من حضرة ربّه و باريه فقال في حقّه الرسول بعد

____________

(1) المائدة: 55.

(2) النحل: 50.

(3) الإنسان: 10.

(4) الأنعام: 14.

(5) الإنسان: 8.

197

كم يعذلوني في هواك تعنفا * * * أنا عاشق أنا عاشق أنا عاشق‏

هذه شمة من أزهار أسرار إمام الأبرار و رشحة من نثار زخار منبع الأسرار، فقل للمنكر و المرتاب و الكفور: موتوا بغيظكم إن اللّه عليم بذات الصدور.

فصل [آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) صفات الديان‏]

آل محمد (صلوات الله عليهم اجمعين) صفات الديان، و صفوة المنان، و خاصّة الرحمن و سفراء الغيب و القرآن، فليس للخلق على عظمتهم نسبة، و لا بعظيم جلالهم معرفة، فمعرفة العامة لعلي أنّه فارس الفرسان، و قاتل الشجعان و مبيد الأقران، و معرفة الخاصة له أفضل من فلان و فلان؛ فلذلك إذا سمعوا أسراره أنكروا و استكبروا و ذهلوا و جهلوا و هم في جهلهم غير ملومين لأنهم لو عرفوا أن محمدا هو الواحد المطلق، و أن عليا هو العلي المطلق، فلهما الولاية على الكل، و السبق على الكل، و التصرّف في الكل، لأنّهما العلّة في وجود الكل، فلهما السيادة على الكل، لكنّهما خاصة إله الكل، و عبدي إله الكل، و مختاري معبود الكل، سبحانه إله الكل، و رب الكل، و فالق الكل، و مفضل محمد و علي على الكل، و المستعبد بولايتهم و طاعتهم الكل، فمن عرف من مراتب الإبداع و الاختراع هذا القدر و تدبّره، عرف مقام آل محمد و خبره، و إليه الإشارة بقوله: وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلى‏ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ‏ (1) لكنّهم ردّوه و ما دروه فأنكروه و ما عرفوه و من جاءهم بشي‏ء منه كذّبوه و كفروه، و هذا شأن أهل الدعوى أنهم لم يزالوا منغمسين في حياض التكذيب، فيا وارد السراب دون الشراب، و القانع بالعذاب دون الغلل العذاب، هذا إبليس (لعنه اللّه) عدوّ الرحمن و هو يجري مجرى الدم في كل إنسان و يعلم خواطر القلوب و وساوس الصدور و هواجس النفوس، و إليه الإشارة بقوله: أَ وَ مَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَ هُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ‏ (2)، و هو محيط بالخلائق مع جنوده، و هذه صفات الربوبية، فانظر إلى‏

____________

(1) النساء: 83.

(2) الزخرف: 18.

196

بليغ المقال: «لو لم أخف لقلت» (1) و هذا كمال المبالغة و غاية الشرف لأن ما لم يقل أعظم ممّا قيل، و هذا مثل قوله سبحانه بعد أن مدح الجنّة و وصفها فقال: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ‏ (2) و إذا كانت الجنّة و هي دارة علي لا توصف فكيف يوصف صاحب الدار.

فصل [مقام علي (عليه السلام) عند الملائكة]

و أما مقامه عند الملائكة المقرّبين و رفعته عند جبرائيل الأمين فإنه كان يلزم ركاب علي إذا ركب و يسير معه إذا سار و يقف إذا وقف و يكبّر إذا كبّر و يحمل إذا حمل لأنه خادمه و الخادم يدين بطاعة المخدوم، و هو مع رفعته في السماء و حمله للرسائل إلى الأنبياء فإنّه فقير علي لأنه وقف ببابه سائلا فقال: مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً فهذا سرّ الأسرار، و آية الجبّار، الذي ينفد عند عدّ فضائله رمل القفار، و ورق الأشجار، فلأنه إمام الأبرار، و والد السادة الأطهار، و قسيم الجنة و النار، سنان النبوّة، و لسان الفتوة، و ختام الرسالة، و بيان المقالة، ينبوع الحكمة، و باب الرحمة، يعسوب الدين و الحكمة، و معدن الطهارة و العصمة، مريخ الانتقام و كيوان الرفعة و الاحتشام، كاسر قناة الغواية، و سفينة النجاة و الهداية و صاحب الخلافة و الألوية من البداية إلى النهاية، و قلت:

يا أيّها المولى الولي و من له‏ * * * الشرف العلي و من به أنا واثق‏

لا أبتغي مولى سواك و لا أرى‏ * * * إلّا ولاك و من عداك فطالق‏

عين العلى بك أشرقت أنوارها * * * صار الصفى من بحر جودك دافق‏

يا كاف الكل يا هاء الهدى‏ * * * يا فلك نوح و اللواء الخافق‏

من قبل خلق الخلق أنت رضيتني‏ * * * عبدا و ما أنا عبد سوء آبق‏

و نقلت من صلب إلى صلب على‏ * * * صدق الولا و أنا المحبّ الصادق‏

____________

(1) و هو قوله: «لو لا أني أخاف ... لقلت اليوم فيك مقالة لا تمرّ بملإ إلّا أخذوا تراب نعليك» البحار: 25/ 284 ح 35.

(2) السجدة: 17.

199

فصل [التنبؤ بعلي (عليه السلام)‏]

و هذا سطيح أيضا قد نطق بالمغيبات، و ذكر ملّة الإسلام قبل وصولها، و تحدّث على حوادث الدهر إلى أيام المهدي، و الكتابان مشهوران‏ (1) يتداولهما الملوك و العلماء، و لم يخطئوا في النقل عنهم، فأما أخبار سطيح فقد رواها كعب بن الحارث، قال: إنّ ذا يزن الملك أرسل إلى سطيح لأمر لا شك فيه، فلما قدم عليه أراد أن يجرب علمه قبل حكمه، فخبأ له دينارا تحت قدمه، ثم أذن له فدخل، فقال له الملك: ما خبأت لك يا سطيح؟

فقال سطيح: حلفت بالبيت و الحرم، و الحجر الأصم، و الليل إذا أظلم، و الصبح إذا تبسّم، و كل فصيح و أبكم، لقد خبأت لي دينارا بين النعل و القدم.

فقال الملك: من أين علمك هذا يا سطيح؟

فقال: من قبل أخ لي جنّي ينزل معي إذا نزلت، فقال الملك: أخبرني عمّا يكون في الدهر؟

فقال سطيح: إذا غارت الأخيار، و غازت الأشرار، و كذب بالأقدار، و حمل المال بالأوقار، و خشعت الأبصار لحامل الأوزار، و قطعت الأرحام، و ظهر الطعام لمستحلي الحرام في حرمة الإسلام، و اختلفت الكلمة، و غفرت الذمة، و قلّت الحرمة، و ذلك منذ طلوع الكوكب، الذي يفزع العرب، و له شبه الذنب، فهناك تنقطع الأمطار، ثم تقبل البرر «الهزبرخ» بالرايات الصفر على البرازين البتر، حتى ينزلو مصر، فيخرج رجل من ولد صخر، فيبدل الرايات السود بالحمر، فيبيح المحرمات، و يترك النساء بالثدايا معلقات، و هو صاحب نهب الكوفة، قرب بيضاء الساق مكشوفة، على الطريق مردوفة، بها الخيل محفوفة، قد قتل زوجها، و كثر عجزها، و استحلّ فرجها، فعندها يظهر ابن النبي المهدي، و ذلك إذا قتل المظلوم بيثرب‏

____________

(1) في المخطوط و المطبوع و الكتابين مشهورين.

198

المنافق و المرتاب و المعدم إذا ذكرت خواص إبليس قال مسلم، و إذا ذكرت خواص علي أنكر و استعظم و طعن في قائلها و توهّم، و هو أحق بالطعن و أوصم، ثم يزعم بعد ذاك أنه آمن و أسلم، كلا و الليل إذا أظلم و الصبح إذا تبسّم، فيا مدّعي اليقين و هو منغمس في شكّه، و يا طالب الخلاص و هو مرتبط في شرك شكّه، هذا جامسب‏ (1) الحكيم، قد وضع كتاب القرانات، و تحدث فيه على المغيبات، و ذكر فيه ظهور الأنبياء إلى آخر الدهر، و تاريخ هذا الكتاب 2211 سنة، و قد ذكر فيه الملوك و الدول من أيام زرادشت إلى انقراض العالم، و تحدث فيه على الغيب فما أخطأ.

____________

(1) في المطبوع: جامبست.

200

و ابن عمّه في الحرم، و ظهر الخفي فوافق الوسمي، فعند ذلك يقبل المشوم بجمعه المظلوم، فيطاهي الروم و يقتل القروم، فعندها ينكسف كسوف إذا جاء الزخوف و صفّ الصفوف، ثم يخرج ملك من اليمن من صنعاء و عدن أبيض كالشطن، اسمه حسين أو حسن، فيذهب بخروجه غمر الفتن، فهناك يظهر مباركا زكيا، و هاديا مهديا، و سيّدا علويّا، فيفرح الناس إذا أتاهم بمن اللّه الذي هداهم، فيكشف بنوره الظلماء، و يظهر به الحق بعد الخفاء، و يفرّق الأموال في الناس بالسواء، و يغمد السيف فلا يسفك الدماء، و يعيش الناس في البشر و الهناء، و يغسل بماء عدله عين الدهر من القذى، و يرد الحق على أهل القرى، و يكثر في الناس الضيافة و القرى، و يرفع بعدله الغواية و العمى، كأنه كان غبارا فانجلى، فيملأ الأرض قسطا و عدلا، و الأيام حبّا، و هو علم الساعة بلا امتراء (1).

هذا كلام سطيح و إخباره بالغيب في قديم الأيام، و ليس بنبي و لا إمام، و أنت بالمرصاد في تكذيب أحاديث علي و عترته، تكذّب ما نطقوا به من الغيب. أ ليس هو القائل و قوله الحقّ: «إن بين جنبي علما جمّا آه لو أجد له حملة» (2)، و قوله: لقد احتويت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوي‏ (3).

و ليس ذلك علم الشرع، و إلّا لوجب عليه تعليمه، و لكن غامض الأسرار التي قال فيها:

«و لكن أخاف أن تكفروا بي و برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)» (4) و قد روى أبو عبيدة الحذاء، عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال: إنّ أحبّ أصحابي إليّ أمهرهم و أفقههم في الحديث، و إن أسوأهم و أكثرهم عنتا و مقتا الذي إذا سمع الحديث يروى إلينا و ينقل عنّا لم يعقله عقله، و لم يقبله قلبه، و اشمأز من سماعه و كفر به و جحده، و كفّر من رواه و دان به، فصار بذلك كافرا بنا و خارجا عن ولايتنا (5).

____________

(1) بحار الأنوار: 51/ 162 بتفاوت بسيط.

(2) تقدّم الحديث.

(3) في المصادر في الطوي البعيدة، نهج البلاغة: 52 الخطبة 5، و التذكرة الحمدونية: 1/ 91 ح 166.

(4) نهج البلاغة: 250 الخطبة 175.

(5) بحار الأنوار: 25/ 365 ح 6.

201

فصل‏

و من ذلك ما رواه صاحب الأمالي عن ابن عبّاس، عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال: «يا علي إن اللّه أكرمك كرامة لم يكرم بها أحدا من خلقه، زوّجك الزهراء من فوق عرشه، و أكرم محبيك بدخول الجنّة بغير حساب، و أعدّ لشيعتك ما لا عين رأت و لا أذن سمعت، و وهب لك حب المساكين في الأرض، فرضيت بهم شيعة، و رضوا بك إماما؛ فطوبى لمن أحبّك، و ويل لمن أبغضك. يا علي أهل مودّتك كل أم أو أب حفيظ، و كل ذي طمرين لو أقسم على اللّه لأبر قسمه.

يا علي شيعتك تزهر لأهل السماء كما تزهر الكواكب لأهل الأرض، تفرح بهم الملائكة، و تشتاق إليهم الجنان، و يفر منهم الشيطان. يا علي محبّوك جيران اللّه في الفردوس الأعلى. يا علي أنا ولي لمن والاك، و عدوّ لمن عاداك. يا علي حربك حربي و سلمك سلمي. يا علي بشّر أولياءك أن اللّه قد رضي عنهم و رضوا بك. يا علي شيعتك حزب اللّه و خيرة اللّه من خلقه. يا علي أنا أوّل من يحيى و أوّل من يكسى، غدا تحيى إذا حييت، و تكسى إذا كسيت» (1)

____________

(1) فضائل الصحابة لأحمد: 2/ 663 ح 1131، و كنز العمال: 13/ 156 ح 36482 و الطرائف: 1/ 108

204

الداخلة تحت جنسها العالي و أنواعها، فإنهم ينكرون الأكثر من ذلك و يكتفون منها بما ذكر، و ينسبون الباقي إلى قول الغلاة، و إليه الإشارة بقوله (صلّى اللّه عليه و آله): «ما اختلفوا في اللّه و لا فيّ و إنّما اختلفوا فيك يا علي».

فإذا قلت لهم: ما التوحيد و ما جنسه و ما فصوله و ما القدر الواجب من معرفته؟ قالوا: أما الجنس من التوحيد فأن تعرف أن اللّه تعالى موجود واجب الوجود، و إذا كان واجب الوجود فهو هو هو و الذي هو لم يزل و لا يزال، و أما فصل التوحيد فالسلب و الإيجاب، أما الإيجاب فأن تثبت للحي المعبود من الصفات ما يجب إثباته، و أما السلب فأن تنفي عن ذاته المقدّسة ما يجب نفيه، كل ذلك بالدليل، و من لم يعرف من التوحيد هذا القدر فليس بموحد!

فصل‏

إذا قلت لهم يوما النبوة ما جنسها؟ و ما فصولها و ما الواجب من معرفتها؟ قالوا: إن النبي المرسل هو المبعوث إلى الناس كافة، المخبر عن الوحي السماوي بواسطة الملك، و أما فصولها فالعصمة و طهارة المولد، و أنه لا نبي بعده.

202

فصل [افتراق الامّة إلى 73]

اعلم بعد ثبوت هذه الشواهد، و صدق الشاهد بهذه المشاهد، أن أهل الإسلام افترقوا على ثلاث و سبعين فرقة، و سيأتي تفصيلها فيما بعد في مكانه؛ و أصل هذه الثلاث و السبعين ثلاثة: الأشعرية، و المعتزلة، و الإمامية.

و الأشعرية، و المعتزلة أنكروا الإمامة من أصول الدين، و أثبتها الإمامية الاثنا عشرية من الشيعة، لأن اللّه اختار محمدا و اختار شيعة آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، و آل محمد سفينة النجاة.

فالشيعة كسفينة النجاة راكبون وراءهم، قالوا إن الإنسان لو آمن باللّه و ملائكته و كتبه و رسله، و و الى عليا و عترته، فإنّه ناج بالإجماع، لأنّ خلافة الرجلين لم يأت بها الكتاب و لا السّنة، لكنّها بزعمهم إجماع من الناس، و ما لم يأمر الكتاب و لا السّنة باتباعه فلا يضر جهله، لكنّه لو عرف الأوّل و والاه، و لم يعرف عليا و عاداه، فإنّه هالك بالإجماع، و إليه الإشارة بقوله: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي‏ (1)، و إليه الإشارة بقوله: «أنت مني و أنا منك» (2)، «حزبك حزبي و شيعتك شيعتي» (3)، فمن كان من علي كان من محمد (عليهما السلام)، و من كان من شيعة محمد كان من حزب اللّه الناجي.

و ممّا يعاضد هذا ما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال لرجل من همدان و قد تعلّق بثوبه و قال: حدّثني حديثا جامعا أنتفع به، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): حدّثني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أني أرد أنا و شيعتي الحوض، فيصدرون رواء، و يمرّون مبيضّة وجوههم، و يرد أعداؤنا ظماء مظمئين مسودة وجوههم، خذها إليك قصيرة من طويلة يا أخا همدان، أنت مع من أحببت،

____________

(1) يوسف: 108.

(2) فتح الباري بشرح صحيح البخاري: 7/ 90 ح 3707 و الطرائف: 1/ 103 بتحقيقنا.

(3) بحار الأنوار: 40/ 53 ح 88 و: 25/ 4 ح 6.

205

فصل [عقيدتنا في الإمامة]

و كل ما يجب اعتقاده من فصول التوحيد و نبوّة محمد (صلّى اللّه عليه و آله) يجب اعتقاده في باب الإمامة، لأنّ القول في الإمامة كالقول في التوحيد و النبوّة، لأن الإمامة جامعة للتوحيد و النبوة، فمن أنكر شيئا ممّا يوجب عليه إثباته من باب التوحيد فليس بمؤمن، و كذا من أنكر شيئا ممّا وجب عليه إثباته في باب الإمامة فليس بموال، لأن إنكار الجزء من الواجب كإنكار الكل، فما لنا [نأخذ] طرفا من خصائص العصمة، و سندها عن المعصوم، الذي يجب تصديقه فيما صح نقله عنه، ثم نصدق بعضها و ننكر بعضها، بغير مرجع فنصدق ما أدركته عقولنا، و ننكر ما غاب عنّا معرفته.

ثم نقول لقصور أفهامنا عن إدراك ذلك، يكفينا في باب الإمامة أن نعرف أن الإمام معصوم مفترض الطاعة، فهلا كفانا هذا في باب التوحيد أن نعرف وجوب الوجود للحق سبحانه و تعالى، و لا نحتاج في باقي الصفات، و كيف لم يجز هذا في باب التوحيد؟ و يجوز في الإمامة، و نقول في الدعاء المنقول عنهم (عليهم السلام) «اللهمّ إني أدينك بدينهم و ولايتهم و الرضى بما فضلتهم به، غير منكر و لا مستكبر» (1).

و التفضيل هنا ليس هو القدر الذي به الاشتراك من النبوّة و الولاية بينهم و بين من تقدّم من الأنبياء و الأولياء، و لكنّه الأمر الذي لم يختص به سواهم مما بهر عيون العقول فأعماها، و رمى مقاتل الأفهام فأصماها، ثم إذا تليت علينا آيات فضلهم بما لا تناله أيدي أفهامنا أنكرنا و استكبرنا، فنحن إذا مع تعبّدنا بأقوالهم مع تخالج الشكوك في اعتقادها نتعبّد بما لا نعرف، أو بما لا نعتقد، و التعبّد بغير المعرفة ضلال، و بغير الاعتقاد وبال، لأن من استكبر فقد أنكر، و من أنكر لم يرض، و من لم يرض لم يطع، و من لم يطع لم يوال، و من لم يوال لا

____________

(1) بحار الأنوار: 86/ 9 ح 8 و لا يوجد فيه: بدينهم بل: بطاعتهم.

203

و لك ما كسبت، ألا و إن شيعتي يناديهم الملائكة يوم القيامة: من أنتم؟ فيقولون: نحن العليون، فيقال لهم: أنتم آمنون ادخلوا الجنة مع من كنتم توالون‏ (1).

و عنه (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: يا أهل الموقف هذا علي بن أبي طالب (عليه السلام) خليفة اللّه في أرضه و حجّته على عباده، فمن تعلّق بحبّه في الدنيا فليتعلّق به اليوم، ألا من ائتم بإمام فليتبعه اليوم و ليذهب إلى حيث يذهب‏ (2).

يؤيّد هذا قوله (عليه السلام): كما تعيشون تموتون، و كما تموتون تبعثون، و كما تبعثون تحشرون‏ (3).

و الإنسان مع من أحب، و شيعة علي عاشوا على حبّه فوجب أن يموتوا عليه، فوجب أن يبعثوا عليه. أصدق الحديث و حب علي الصراط المستقيم، و النجاة من العذاب الأليم.

فالشيعة على الصراط المستقيم، و هذه فرقة النجاة، و شيعة الحق أجمعوا على أن الإمامة فرض واجب تعيينه على اللّه و رسوله لإجماع الناس على الحق، و ميلهم عن الباطل، مع وجود السياسة الشرعية و السياسة الإلهية؛ و حيث إن الإمام المعصوم فيهم فالإجماع فيهم، و استدلّوا بقوله (صلّى اللّه عليه و آله): «من مات و لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية» (4). فتعيّن لصدق البرهان أن الحق معهم، و أن الباطل في الطرف الآخر.

فصل [الاختلاف بعلي لا بالنبي (عليهما السلام)‏]

لكن هؤلاء أهل الحق و النجاة لم يثبتوا للإمام إلّا أنه معصوم واجب الطاعة، و أنه أفضل من فلان و فلان، فهم في فصول التوحيد الداخلة تحت جنسه و بحضرته الجليلة و الخفية لم يختلفوا، و كذا في أبحاث النبوّة و سرائرها و غامض البحث عنها، و أما في فصول الإمامة

____________

(1) بحار الأنوار: 37/ 346 ح 3 ضمن حديث طويل.

(2) الجواهر السنية للحر العاملي: 272.

(3) عوالي اللئالي: 4/ 72.

(4) غيبة النعماني: 80- 86.

206

دين له، و من لا دين له فهو كافر، فمن أنكر من لوازم الإمامة و أسرارها ما يجب على المولى المطلق إثباته ممّا وردت به النصوص عنهم و لو حرفا واحدا فهو كافر.

فصل [معنى الإمامة و جنسها]

و بيان المدعى أنّا نقول في تعريف الإمامة و بيان جنسها و فصولها: الإمامة رئاسة عامة.

هذا جنس يقتضي فصولا أربعة: التقدّم، و العلم، و القدرة، و الحكم؛ و إذا انتقصت هذه الفصول انتقص الجنس، فلا تعريف، إذا فلا معرفة، فلا رئاسة عامة فلا إمامة، و هي رئاسة عامة، فالولي هو المتقدّم العام الحاكم المتصرّف على الإطلاق بالنسبة إلى الخلق.

أما تقدّمه فلأن الولاية هي العلّة الغائية في كمال الأصول و الفروع، و المعقول و المشروع، فلها التقدّم بالفرض و التأخّر بالحكم، لأن الولي المطلق هنا هو الإنسان الذي يلبسه اللّه خلعة الجمال و الكمال، و يجعل قلبه مكان مشيئته و علمه، و يلبسه قباء التصرّف و الحكم، فهو الأمر الإلهي في العالم البشري، فهو كالشمس المنيرة التي جعل اللّه فيها قوّة النور و الحياة، و الإشراق و الإحراق، فهي الضوء لأهل الدقور (1)، و إليه الإشارة بقولهم: «الحق مقاماتك و آياتك و علاماتك، لا فرق بينها و بينك» (2).

التأنيث في الضمير راجع إلى ذواتهم التي هي صفات الحق و الجمال المطلق، و قوله:

«إلّا أنّهم عبادك» (3)، الضمير هنا عائد إلى أجسادهم المقدّسة، و هياكلهم المعصومة المطهّرة التي هي وعاء الأمر الإلهي، و جمال النور القدسي. و سبب الفرق و النفي موجب لثبات خواص الربوبية لهم، لأن الربّ القديم جل جلاله حكم عدل نافذ الحكم، غني عن الظلم، لا يتوهّم ولايتهم، و الولي المطلق كذلك.

و هذه الصفات كلية، و الكلي لا يمنع من وقوع الشركة، لأنه مقول على كثيرين مختلفين‏

____________

(1) كذا بالأصل.

(2) البحار: 95/ 393، و الإنسان الكامل: 128.

(3) إقبال الأعمال: 3/ 214.

208

بقوله: هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِ‏ (1)، و الكتاب علي، و منه قوله: وَ لَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِ‏ (2)، و الكتاب الناطق هو الولي، و إليه الإشارة بقوله: وَ لا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً (3)، و ذلك لأنه ليس بين اللّه و بين رسوله سرّ، و كيف و هو بالمقام الأعلى و المكان الأدنى؟ و ليس بينه و بين رسول اللّه و وليّه سرّ، و هذا رمز، و حلّه أن ليس بينهم و بين اللّه واسطة من الخلق، و لا أول في السبق، و لا أقرب إلى حضرة الحق، لأنّهم الخلق الأوّل و العالم الأعلى، و الكل تحت رفعتهم، لأن الأعلى محيط بالأدنى ضرورة، و الولي يعلمه، فكل ما أبرزه اللّه من الغيب و بسطه قلمه في اللوح المحفوظ فإنّ النبي و الولي يعلمه، و إليه الإشارة بقوله (صلّى اللّه عليه و آله): «إن اللّه أطلعني على ما شاء من غيبه وحيا و تنزيلا و أطلعك عليه إلهاما، و إن اللّه خلق من نور قلبك ملكا فوكله باللوح المحفوظ، فلا يخط هناك غيب إلّا و أنت تشهده‏ (4).

فالنبي و الولي مطّلعان على علم الغيب، لكن النبي لا ينطق به إلّا مع الأمر لأنه الرسول‏ (5)، و إليه الإشارة بقوله: وَ لا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى‏ إِلَيْكَ وَحْيُهُ‏ (6)، و أما

____________

(1) الجاثية: 29.

(2) المؤمنون: 63.

(3) يونس: 61.

(4) في البحار: 26/ 4 ح 1: «أنا صاحب اللوح المحفوظ ألهمني اللّه علم ما فيه».

(5) و ذلك لقرب الناس في زمن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إلى الجاهلية و لسعيه إلى تثبيت الإسلام و قواعده.

(6) ظاهر الآية نسبة العجلة إلى النبي و هو ينافي عظمته (صلّى اللّه عليه و آله) و توضيح ذلك:

أن الناس في الجاهلية الجهلاء، و لن تتحمّل نسبة العلم إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بلا توسط الوحي بينه و بين اللّه، إمّا لأنّ الأنبياء يوحى إليهم عادة.

و إمّا لقرب عهدهم بالجاهلية و عدم معرفتهم المعرفة الحقيقة للنبي الأعظم، حتى إنّهم كانوا ينادونه من وراء الحجرات باسمه.

و هم، مع أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) أبرز لهم مسألة الوحي، كذّبوه و قالوا: هذا من عنده، أو من عند سلمان الفارسي.

فكيف لو لم يبرز لهم الوحي و جبرائيل (عليه السلام)!؟.

و ما يشير إلى ذلك أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عند ما كان يأتيه الوحي، كان يقول جاء جبرائيل، و ذهب جبرائيل، و أخبرني جبرائيل عن اللّه تعالى، و ما شابه ذلك، و ما ذاك إلّا للتأكيد أنّ هناك إلها و دينا و إسلاما و رسالة من السماء.

و من هنا نفهم الآيات و الروايات التي تحدّثنا أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لم يكن يعطي الجواب حتى ينزل الوحي،

207

بالحقائق، فاللّه سبحانه حكمه في العدل و عدله و غناه عن الظلم لذاته من غير استفادة، و الولي عدله و حكمته و عصمته خصّ من اللّه و تأييد له بتلك القوى الإلهية و الصفات الربّانية، و إليه الإشارة بقولهم: «إلّا انّهم عبادك و خلقك»، لأن هذا الاستثناء فارق بين الرب و العبد، لأن الرب المعبود سبحانه علمه و قدرته، و قدمه و غناه عن خلقه، غير مستفاد من إله آخر بل هي صفات ذاته، لأن واجب الوجود وجوب وجوده يقتضي صفات الألوهية، و الإمام الولي قدرته و علمه و حكمه و تصرفه في العالم من اللّه اختاره، فقدمه و ارتضاه فحكمه، ما اختار وليا جاهلا قط، فوجب له بهذه الولاية العامة التقدّم و العلم و التصرّف، و الحكم و العصمة عن الخطأ و الظلم.

أما التقدّم فلأن الولي حجّة اللّه، و الحجة يجب أن يكون قبل الخلق و مع الخلق و بعد الخلق، و أما العلم فلأن الولي هو العلم المحيط بالعالم، فلا يخفى عليه شي‏ء مما غاب و حضر إذ لو خفي عنه شي‏ء لجهل و هو عالم، هذا خلف.

دليله: ما رواه المفضل بن عمر عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه قال: يا مفضل، إن العالم منّا يعلم حتى تقلّب جناح الطير في الهواء، و من أنكر من ذلك شيئا فقد كفر باللّه من فوق عرشه، و أوجب لأوليائه الجهل، و هم حلماء علماء أبرار أتقياء.

و ذلك أن الولي لا يجوز أن يسأل عن شي‏ء و ليس عنده علمه، و لا يجوز أن يسأل عن شي‏ء و لا يعلمه، و القرآن قد شهد له بذلك، و إليه الإشارة بقوله: وَ قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ‏ (1)، و المراد به الولي، و لفظ العموم هنا مخصّص للأولياء، و ليس في العطف تباعد و تراخ، و كلّما يجري في العالم الذي أبرزه اللّه إلى الوجود من عالم الغيب و الشهادة أخبر القرآن أن اللّه يراه و رسوله و وليّه، و من أصدق من اللّه حديثا.

و إليه الإشارة بقوله (صلّى اللّه عليه و آله): إنك تسمع ما أسمع، و ترى ما أرى‏ (2)، فقوله «تسمع ما أسمع» هذا جار في الأوصياء كافة، و قوله: «ترى ما أرى»، هذا مقام خصّ به علي (عليه السلام). و إليه الإشارة

____________

(1) التوبة: 105.

(2) تقدّم الحديث.

209

____________

فهو كان يعلم الجواب، و لكن يريد أن يغرز في نفوسهم فكرة الوحي من السماء.

قال تعالى: وَ لا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى‏ إِلَيْكَ وَحْيُهُ‏ طه: 114.

فالنبي (صلّى اللّه عليه و آله) قبل أن ينقضي الوحي من السماء عليه، كان مستعدا أن يقرأ على الناس القرآن، بل تقدم علمه للقرآن منذ عالم الأنوار.

و نسبة العجلة للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) لم يكن المراد بها حتى أن التوقيت غير مناسب، بل لإبراز أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كان يعلم بالقرآن و آياته قبل أن ينزل عليه جبرائيل، و بالتالي تكون الآية دليلا على ما نذكره و ذكرناه سابقا أن جبرائيل كان يذكره بالقرآن تذكيرا لا يجتمع مع النسيان.

إن قيل: يحتمل في الآية أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كان يستعجل بالقرآن فيتلو الآية الأولى أو مطلعها قبل أن يكملها جبرائيل أو قبل أن ينتهي من السورة.

قلنا: فعل النبي الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) هذا إما مع التفاته إلى بقية الآيات التي يكملها جبرائيل، و إما مع عدم التفاته لها.

فعلى الأول لا معنى للنهي عن العجلة.

و على الثاني يكون النبي مفوتا للوحي و مضيّعا لبعض الآيات، و لا قائل به إلّا من سفه قوله.

قال الشيخ الطبرسي في الآية: لا تحرك به لسانك لتعجل قراءته بل كرّرها عليهم ليتقرر في قلوبهم فإنهم غافلون عن الأدلة، ألهاهم حبّ العاجلة فاحتاجوا إلى زيادة تنبيه و تقرير (مجمع البيان: 10/ 603 مورد الآية- القيامة: 16).

و قال سيد المفسرين: و يؤول المعنى إلى أنك تعجل بقراءة ما لم ينزل بعد، لأن عندك علما في الجملة، لكن لا تكتف به و اطلب من اللّه علما جديدا بالصبر و استماع بقية الوحي. و هذه الآية مما يؤيد ما ورد من الروايات أن للقرآن نزولا دفعة واحدة غير نزوله نجوما على النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فلو لا علم ما منه بالقرآن قبل ذلك لم يكن لعجله بقراءة ما لم ينزل منه بعد معنى (تفسير الميزان: 14/ 215 مورد الآية- طه: 114).

و قد أبطل السيد الطباطبائي نسبة عجلة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في القراءة قبل انتهاء جبرائيل.

(تفسير الميزان: 20/ 110 مورد الآية- القيامة: 16).

* أقول: عندي أن معنى الآية: أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كان يقرأ القرآن على الناس أو كان يبلغ بعض أحكامه و معانيه للناس مرة واحدة، و ذلك قبل أن ينزل الوحي عليه به و قبل أن ينقضي إليه، فجاء الخطاب الإلهي ليقول: لا تعجل في تبليغ القرآن، و أبلغه للناس حتى قبل نزول جبرائيل به، أبلغهم إياه بالتأني ليفهموه و يعملوا به، و لك أن تقرأه عدة مرات على الناس و لا داعي للعجلة و الاقتصار على المرة، فإن قلوبهم لم تلن بعد، و اشكر اللّه و قل ربّ زدني علما لما أتاك علم القرآن قبل أن ينزل به جبرائيل.

و بذلك ننفي محذور نسبة العجلة إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله).

210

الولي في النطق بالغيب مطلق العنان، و هذا الحديث يشهد للولي أنه عالم بكل العالم لأن العالم أول الموجودات و أعلاها، و فيه علم سائر الأشياء و مبدؤها و منتهاها، و إذا كان موكلا باللوح و عالما بما في اللوح، و واليا على اللوح، فهو عالم بما تحت اللوح ضرورة، و العالم بأجمعه تحت اللوح فهو إذا عالم بسائر العالم؛ و دالّ على سائر المعالم، دليل ذلك قولهم الحق: «ما منّا إمام إلّا و هو عالم بأهل زمانه» (1).

فالعلم فيهم و منهم و عنهم، و القرآن عندهم و إليهم، و دين اللّه الذي ارتضاه لأنبيائه و رسله و ملائكته منهم و عنهم، و إليه الإشارة بقوله سبحانه شهادة لهم: وَ ما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ وَ لا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ‏ (2) و الكتاب المبين هم و عندهم و منهم و عنهم.

يؤيّد هذه المقولات البيّنات، قوله (صلّى اللّه عليه و آله): أوّل ما خلق اللّه اللوح، ثم خلق القلم، ثم أشار إلى نهر في الجنة أن اجمد فجمد و صار مدادا، ثم قال له: اكتب.

فقال: ربّي و ما أكتب؟

____________

و يشير إليه ما روي عن ابن عباس ضمن حديث طويل عن رسول اللّه قال (صلّى اللّه عليه و آله): «ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى‏ قال: و سألني ربي فلم أستطع أن أجيبه فوضع يده بين كتفي بلا تكييف و لا تحديد، فوجدت بردها بين ثديي فأورثني علم الأولين و الآخرين و علمني علوما شتى، فعلم أخذ عليّ كتمانه إذ علم أنه لا يقدر على حمله أحد غيري، و علم خيرني فيه، و علمني القرآن فكان جبريل (عليه السلام) يذكرني به، و علم أمرني بتبليغه إلى العام و الخاص من أمتي.

و لقد عاجلت جبريل (عليه السلام) في آية نزل بها علي، فعاتبني ربي و أنزل علي: وَ لا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى‏ إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (المواهب اللدنية: 2/ 381- 382 بحث الإسراء و المعراج- الربع الأخير منه، و لوامع أنوار الكوكب الدري: 1/ 118 بتفاوت).

و في الحديث الشريف «في قاب قوسين علّمني اللّه القرآن و علّمني اللّه علم الأولين» (لوامع أنوار الكوكب الدري: 1/ 117- 118)

* هذا هو الهدف من التركيز على جبرائيل، و رأينا كيف أن النبي مع نصّ القرآن أنّه‏ وَحْيٌ يُوحى‏ نجد أن عمر و من يدين بدينه، كيف كذّبوا النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يوم الوفاة و قالوا: إن الرجل ليهجر.

فكيف لو لم يكن التركيز على الوحي و جبرائيل؟

(1) بحار الأنوار: 48/ 110 ح 15 بتفاوت.

(2) يونس: 61.

214

فصل [عرض الأعمال على آل محمد (عليهم السلام)‏] (1)

المؤمن من الشيعة منهم من يرى أن الأعمال تعرض على النبي و الولي، و منهم من لا يرى ذلك، و منهم من يرى أنّها تعرض على الولي دون النبي، و تلك خاصة خصّ اللّه بها وليّه، و منهم من يرى أنه يشهدها و يعلمها، و هذا مقام التحقيق لا مقام التقليد، فنقول للمعتقد: الأعمال تعرض على النبي و الولي، ثم ترفع إلى حضرة الرب العلي، و مع عرضها فإن كان الإمام لا يعلمها إلّا بعد العرض؛ فما الفرق بين الإمام و المأموم؟ بل يكون في الرعية من هو أعلم منه، فأين الإمامة التي تعريفها أنّها رئاسة عامة؟ و أين عمومها إذن؟

و إن كان يعلمها قبل العرض فما الفائدة في عرض ما يعلمه؟ و كذا القول في رفع الأعمال إلى حضرة الربوبية، فإن كان الرب لا يعلمها إلّا إذا رفعت إليه، كان العبد أعلم من الربّ و هو محال، لأن الرب سبحانه عالم بأعمال عباده، و محيط بها و حافظ لها و قيوم عليها، و لا يخفى عليه شي‏ء في الأرض، و لا في السماء، فما الفائدة إذا في عرض ما اللّه و رسوله و وليّه أعلم به؟

و الجواب عنه: أن الفائدة في عرضها على اللّه أن كثرة الأعوان تدلّ على عظمة السلطان.

____________

(1) عن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) قال لمن سأله أن يدعو له: «أ و لست أفعل؟ و اللّه إن أعمالكم لتعرض علي في كل يوم و ليلة» (أصول الكافي: 1/ 219 عرض الأعمال على النبي ح 4).

و عن أبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام): «تعرض الأعمال على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كل صباح».

و في رواية: «اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ‏ قال (عليه السلام): هم الأئمة» (أصول الكافي: 1/ 219 عرض الأعمال على النبي ح 2- 1).

و أخرج البخاري في الأدب المفرد عن أبي ذر أنه قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):

«عرضت علي أعمال أمتي- حسنها و سيئها- فوجدت محاسن أعمالهم» (الأدب المفرد: 80 ح 231 باب إماطة الأذى).

و أخرج الحارث و البزار عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «حياتي خير لكم تحدثون و نحدث لكم و موتي خير لكم تعرض علي أعمالكم» (المطالب العالية: 4/ 22 ح 3853).

211

فقال: ما كان، و ما هو كائن إلى يوم القيامة (1).

و اشترط فيه البداء و هو النسخ‏ يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ‏ و صار علم اللوح إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) ثم إلى الأوصياء إلى آخر الدهر، و ذلك لأن ما في اللوح إن كان الخلق لا يحتاجون إليه فما الفائدة في سطره؟ و إن كان محتاجا إليه و هو محجوب عنهم فالحكمة لا تقتضي حجب الفوائد، و إن كان غير محجوب فإمّا أن يعلمه الخاص دون العام أو كلاهما معا؟ فإن علمه الخاص فخاصة اللّه و آل محمد، و ان علمه العام فما يعلمه العام، فالخاص بعلمه أولى، و إلى هذا المعنى أشار ابن أبي الحديد فقال:

علام أسرار الغيوب و من له‏ * * * خلق الزمان و دارت الأفلاك‏

الجوهر النبوي لا أعماله‏ * * * ملق و لا توحيده إشراك‏

فصل‏

و إلى هذا المعنى أشار بقوله في خطبة التطنجية: و لقد علمت ما فوق الفردوس الأعلى و ما تحت الأرض السابعة السفلى، و ما بينهما و ما تحت الثرى، كل ذلك علم إحاطة لا علم إخبار، و لو شئتم لأخبرتكم بآبائكم أين كانوا، و أين صاروا اليوم‏ (2).

____________

(1) بحار الأنوار: 57/ 361- 368 ح 5.

(2) راجع بحار الأنوار: 60/ 259- 268.

212

فصل [علم الإمام بما كان و يكون‏]

و إيضاح هذا المشكل أن اللّه سبحانه لما أراد أن يخلق هذا العالم خلق اللوح و القلم و كتب فيه من الغيب ما يتعلق بهذا العالم و بذلك، ورد الأثر من قوله: جف القلم بما هو كائن‏ (1)، و قوله: فرغ اللّه من حساب خلقه، ثم بعث إليهم من الهداة و الولاة، و أوحى إلى كل نبي و رسول ما يحتاج إليه أهل زمانه من العقائد و الشرائع، ممّا قضاه و قدّره ممّا يعرف منه و يعبد، حتى ختم الوجود بمحمد كما افتتح به الوجود، و الفاتح الخاتم يجب أن يكون عنده علم ما كان و ما يكون، لأنه منه البداية و إليه النهاية، لأن الواحد أوّل العدد و منتهاه، فوجب أن يكون عنده علم ما كان و ما يكون، ممّا كتب في اللوح و إلّا لزم العبث أو الظلم.

فجملة ما صار إلى الأنبياء و ما خفي عنهم ممّا كتب في اللوح، و جرى به القلم صار إلى سيّد الأوّلين و الآخرين، و جميع ما صار إليه و حيا و إلهاما و مشاهدة في المقام الأعلى و الخطاب الربّاني بغير واسطة صار إلى وصيه القائم بدينه أمير المؤمنين (عليه السلام)، ثم إلى عترته الأبرار و خلفائه الأطهار، و قد صرّح القرآن بذاك من قوله: وَ ما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ‏ (2) و دلّ عليه قوله الحق: أعطيت ألف مفتاح من العلم يفتح كل مفتاح ألف باب، يفضي كل باب إلى ألف عهد، و صار ذلك في الأوصياء من بعدي إلى آخر الدهر (3).

فمن أنكر بعد هذا الشاهد الحق علم الغيب للإمام، و خالف بعد ما وضح من البرهان المبين، فقد كذب بالقرآن، و كفر بالرحمن، و كفى بجهنّم سعيرا.

____________

(1) بحار الأنوار: 28/ 48 ح 14 بلفظ: بما فيه.

(2) النمل: 75.

(3) بحار الأنوار: 27/ 160 ح 9 و الحديث طويل.

213

فصل‏

يؤيّد هذا المدعى و الشاهد قوله سبحانه: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، و قوله: فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ‏ (1)، قال: فيها يقدر اللّه ما يكون من الحق و الباطل في تلك السنة، و له فيها المبدأ و المشية، يعني النسخ يقدم ما يشاء و يؤخّر ما يشاء، من الأعمار و الأرزاق و البلايا، ثم يوحيها إلى الروح الأمين، فينزل بها إلى الرسول ثم يلتفت الرسول إلى أمير المؤمنين ثم إلى الأوصياء حتى ينتهي إلى صاحب الأمر و الزمان و يشترك له فيها البداية و المشية، لأن حكمه حكم اللّه، و مقامه مقامه، فهو مالك و مملوك، لأنّه سيد الخلق و عبد الحق، و ليلة القدر باقية و الحجة باقية، و أمر ليلة القدر في كل سنة ينتهي إليه، لأن ما دامت الدنيا باقية فليلة القدر باقية لا تزول، و المشية و الحكم الإلهي لا يزول، و الولي باق لا يزول، و وصول الغيب إليه باق لا يزول، و لا يزول، صدق القرآن و دوام حكم الرحمن، و هذا مقام الولي المطلق.

و عن محمد بن سنان عن المفضل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال له: يا مفضل من زعم أن الإمام من آل محمد يغرب‏ (2) عنه شي‏ء من الأمر المختوم يعني ممّا كتب العلم على اللوح، فقد كفر بما نزل على محمد، و إنّا لنشهد أعمالكم و لا يخفى علينا شي‏ء من أمركم، و إن أعمالكم لتعرض علينا (3).

و إذا كانت الروح و ارتاض البدن أشرقت أنوارها، و ظهرت أسرارها، و أدركت عالم الغيب، و لا ينكر هذا إلّا الجاهل البليد فكيف تنكر أنت إحاطة روح الأرواح بعالم الغيب؟

و إذا قيل لك: إنّ عليا يعلم الغيب، و إذ كان الفضل بالعلم و السبق، و كان في العباد من هو أسبق، من آل محمد إلى العلم بأعمال العباد، فهو أفضل من آل محمد (صلّى اللّه عليه و آله).

____________

(1) الدخان: 4.

(2) في البحار: 25/ 175 ح 1: «الإمام لا يعزب عنه شي‏ء».

(3) راجع أمالي المفيد: 196 مجلس 23 و تفسير القمّي: 1/ 277.

217

بقوله سبحانه: وَ كانَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مُقْتَدِراً (1).

فصل [الإمام مع الخلق لا يغيب عنهم‏]

و إذا كانوا عالمين بأوليائهم فهم عالمون بأعدائهم من غير شك؛ لدلالة الأعلى على الأدنى، لأن الولي على الكل يجب أن يكون عالما بالكل، و إلّا لكان رقيبا على البعض دون البعض، و الغرض عموم رئاسته، فالواجب عموم علمه و إحاطته، و إلّا لم يكن رئيسا مطلقا، و هو رئيس مطلق، هذا خلف.

و قد ورد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه قال: إنّ للّه اثني عشر ألف عالم، كل عالم أكبر من السّماوات و الأرض، و أنا الحجّة عليهم‏ (2).

و لا يكون الحجّة حجّة على قوم إلّا من يعلمهم و يشهدهم، و إلّا لم يكن حجة، و هو حجّة، فهو عالم برعيته، لأنه عين اللّه الناظرة في عباده، و عين اللّه مطّلعة على سائر العباد، فهو في العالم كالشمس لأنّه نور الحق في الخلق، و شعاعه مطلّ على سائر العالم، و هو

____________

239- 383، و إلزام الناصب:/ 340 إلى 427، و دلائل الإمامة: 273 إلى 288 و 294 إلى 320 معاجز المهدي و من رآه، و إعلام الورى: 396- 425، و إرشاد الساري: 14/ 502 504 كتاب التعبير، باب من رأى النبي في المنام).

قال الشيخ المرسي: لو حجب عني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين.

(المواهب اللدنية: 2/ 300 خصائص النبي (صلّى اللّه عليه و آله)).

و بذلك يتضح إمكان رؤية آل محمد: الآن و في كل مكان، و تقدم أنهم أحياء عند ربهم يرزقون، بلحمهم و جسدهم و روحهم.

و هذا يدلّ أن الإمام حاضر عند كل انسان لا يغيب عنه شخص من الأشخاص، لذا ورد عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «إن للشمس وجهين وجه يلي أهل السماء و وجه يلي أهل الأرض، فالإمام مع الخلق كلهم لا يغيب عنهم و لا يحجبون عنه» (بحار الأنوار: 27/ 9 ح 21 و مشارق أنوار اليقين: 139).

و عن الإمام الصادق (عليه السلام): «الحجة قبل الخلق و مع الخلق و بعد الخلق» (كمال الدين: 1/ 221 باب 22 ح 5، و الإنسان الكامل: 87).

(1) الكهف: 45.

(2) تقدّم الحديث.

215

و أما الفائدة في عرضها على الولي، فإن ذلك على سبيل الطاعة و التعظيم، لأنه ما من أمر ينزل من السماء و يصعد من الأرض إلّا و يعرض على الولي لتعلم الملائكة أن للّه حجّة في أمره، و أنه مطاع الأمر، و أن أهل السّماوات و الأرض متعبّدون‏ (1) بخدمته و حبّه و طاعته، و سبحان من استعبد أهل السّماوات و الأرض بولاية محمد و آل محمد (عليهم السلام).

يشهد بذلك ما رواه محمد بن سنان عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: إن لنا مع كل ولي أذن سامعة، و عين ناظرة، و لسان ناطق‏ (2).

يؤيّد ذلك ما رواه ابن بابويه عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: ما من مؤمن يموت إلّا و يحضره محمد و علي فإذا رآهما استبشر (3).

و هذا عند أهل التحقيق من أصل العقائد، لأن المؤمن إذا مات رأى حق اليقين و وصل إلى اللّه و حق اليقين، لأنهم أمر اللّه الذي يحضره المؤمن عند احتضاره، فيحول بين الشيطان و بينه، فيموت على الفطرة، و إذا مات على الفطرة دخل الجنة.

اعترض جاهل فقال: إذا كانوا يحضرون المؤمن عند موته فإذا مات ألف مؤمن في لحظة واحدة فكيف السبيل؟

قلت له: فيجب الاعتقاد و الاعتراف بحضورهم عند كل واحد واحد منهم لصدق وعدهم لشيعتهم و إعانته عند كربة الموت و تفريج همّه، و طرد الشيطان عنه، و الوصية لملك الموت فيه، فلا يلتفت إلى الوهم؛ لضعف العقل السخيف و الفهم و يقول: و كيف يحضر الجسم الواحد في الزمن الواحد في أمكنة متعدّدة (4)؟ و إذا اعترضك الشيطان فردّه‏

____________

(1) خ ل: مستعبدون.

(2) البحار: 47/ 95 ح 108 و: 26/ 269 ح 6 و الحديث طويل.

(3) سوف نفصّل ذلك عمّا قريب.

(4) الصحيح إمكان حضورهم (عليهم السلام) في آن واحد عند أكثر من ميت و في أكثر من مكان:

جوز ابن العربي رؤية النبي محمد (صلّى اللّه عليه و آله) بجسمه و روحه و بمثاله الآن. (الحاوي للفتاوى: 2/ 450).

و قال تاج الدين السبكي لمن سأله عن رؤية القطب في أكثر من مكان: الرجل الكبير (القطب) يملأ الكون. و أنشد بعضهم:

كالشمس في كبد السماء و ضوؤها * * * يغشى البلاد مشارقا و مغاربا

(الحاوي للفتاوي: 2/ 454).

و صرح السيوطي بإمكان رؤية الأنبياء يقظة. (الرسائل العشرة: 18، و شرح الشمائل المحمدية: 2/

216

____________

24).

و قال في الذخائر المحمدية: إن رؤيا النبي صلّى اللّه عليه و سلم ممكن لعامة أهل الأرض في ليلة واحدة. (الذخائر المحمدية: 146).

و أجاب الشيخ بدر الدين الزركشي عن سؤال له في آن واحد من أقطار متباعدة مع أن رؤيته (صلّى اللّه عليه و آله) حق:

بأنه (صلّى اللّه عليه و آله) سراج و نور الشمس في هذا العالم، مثال نوره في العوالم كلها، و كما أن الشمس يراها من في المشرق و المغرب في ساعة واحدة و بصفات مختلفة، فكذلك النبي (صلّى اللّه عليه و آله). و للّه در القائل:

كالبدر من اي النواحي جئته‏ * * * يهدي إلى عينيك نورا ثاقبا

(المواهب اللدنية: 2/ 297 خصائص رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)).

هذا، و تواتر حديث: «من رآني فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل مكاني- لا يستطيع أن يتمثل بي- لا يتكون في صورتي- لا يتشبه بي» (المواهب اللدنية: 2/ 293 إلى 301 ذكر خصائصه و ذكر جملة من المصادر).

و في لفظ: «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة» (المعجم الكبير: 19/ 297 ح 660 منه).

و قال العلماء في معناه: هو في الدنيا قطعا و لو عند الموت لمن وفق لذلك. (الذخائر المحمدية:

147).

و معلوم أنه يتفق رؤية أكثر من شخص للنبي الأعظم في وقت واحد.

و روى الإمام الرضا (عليه السلام) عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «من رآني في منامه فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي و لا في صورة أحد من أوصيائي» (كشف الغمة: 3/ 120 فضائل الرضا، و الأنوار النعمانية: 4/ 54).

و قال القاضي أبو بكر ابن العربي: رؤيته (صلّى اللّه عليه و آله) بصفته المعلومة إدراك على الحقيقة، و رؤيته على غير صفته إدراك للمثال، فإن الصواب أن الأنبياء لا تغيرهم الأرض، و يكون إدراك الذات الكريمة حقيقة، و إدراك الصفات إدراك المثال. (المواهب اللدنية: 2/ 294 خصائص النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و إرشاد الساري:

14/ 502 كتاب التعبير باب من رأى النبي في المنام).

و قال القسطلاني: فإن قلت: كثيرا ما يرى على خلاف صورته المعروفة و يراه شخصان في حالة واحدة في مكانين، و الجسم الواحد لا يكون إلّا في مكان واحد؟

أجيب: بأنه في صفاته لا في ذاته، فتكون ذاته (عليه الصلاة و السلام) مرئية، و صفاته متخيلة غير مرئية، فالإدراك لا يشترط فيه تحديق الأبصار و لا قرب المسافة، فلا يكون المرئي مدفونا في الأرض و لا ظاهرا عليها، و إنما يشترط كونه موجودا. (إرشاد الساري: 14/ 503 كتاب التعبير باب من رأى النبي في المنام).

و من حال كثير من العلماء و قصصهم يعلم إمكان رؤية النبي و أهل بيته، و كما ذكر ذلك في محله.

(راجع المواهب اللدنية: 2/ 297- 301، و ينابيع المودة: 2/ 551- 554، و كشف الغمة: 1/

218

حجاب اللّه في عالم الصور، و إليه الإشارة، يقول الرسول (صلّى اللّه عليه و آله): «علي لا يحجبه عن اللّه حجاب» (1)، و هو السرّ و الحجاب، فالإمام نور إلهي و سرّ ربّاني، و تعلّقه بهذا الجسد عارضي، دليله قوله سبحانه: وَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها (2)، و نور الرب هو الإمام الذي بنوره تشرق الظلم، و يستضي‏ء سائر العالم.

يعضد هذا التفسير ما ورد عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال: «إنّ للشمس وجهين، وجه يلي أهل السماء، و وجه يلي أهل الأرض» (3)، فالإمام مع الخلق كلّهم لا يغيب عنهم، و لا يحجبون عنه، بل هم محجوبون عنه، و ليس هو بمحجوب، لأن الدنيا عند الإمام كالدرهم في يد الإنسان يقلّبه كيف شاء.

و عنهم (عليهم السلام): إن اللّه يعطي وليّه عمودا من نور بينه و بينه يرى فيه سائر أعمال العباد (4) كما يرى الإنسان شخصه في المرآة من غير شك، كما رواه إسحاق بن عمّار عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) أنه قال: دخل عليه رجل من خراسان فكلّمه بكلام الطير فأجابه موسى بمثل كلامه، فلما خرج الرجل قلت: يا سيدي ما سمعت مثل هذا الكلام، فقال (عليه السلام): هذا كلام قوم من أهل الصين و ليس كلام أهل الصين كلّه هكذا، ثم قال: أتعجب من هذا؟ قلت: نعم، قال:

سأريك ما هو أعجب، إن الإمام يعلم منطق الطير و منطق كل ذي روح، لا يخفى على الإمام شي‏ء (5).

فهم (صلوات الله عليهم) يشهدون الخلق عند الحياة و عند الممات، لأنّهم العالمون عن اللّه بكل موجود و مفقود، كما ورد عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أنه مرّ على قبر فقال: أف، أف؛ فقيل: يا رسول اللّه ما ذا؟ فقال: إنّ صاحب هذا القبر سئل عني فأمسك، فأففت عليه.

و من ذلك ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال لكميل بن زياد و قد مرّ معه في جبانة فأسرع السير فقال له: «خفّف الوطء يا كميل فإنّهم يسمعون صرير نعالك».

____________

(1) بحار الأنوار: 40/ 96 ح 116.

(2) الكهف: 45.

(3) بحار الأنوار: 27/ 9 ح 21 و فيه يضي‏ء لأهل السماء- الأرض.

(4) الهداية الكبرى: 240 باب 7، و بصائر الدرجات: 435 ح 3 باب أنه يرى ما بين المشرق و المغرب.

(5) الأنوار النعمانية: 1/ 33، و الهداية الكبرى: 171 باب 2.

219

و علم الإمام بهم ليس ظنّ و لا تقليد، و لكنّه علم إحاطة و تحقيق‏ (1)، فعلم اللّه محيط بالمعلومات، و علمهم نافذ في طبقات السّماوات، لأنّ السّماوات و الأرض و ما فيها خزانة اللّه خلقها لأجلهم و سلّمها إليهم، فعندهم مفاتيح علمها و غيبها لا بل هم مفاتيح الغيب، و إليه الإشارة بقوله: وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ‏ (2) لأن الولي المطلق هو الذي بيده مفاتيح الولاية، بل هو مفتاح الولاية، يؤيّد ذلك قوله سبحانه: صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ‏ (3)، و هذا صريح، قال الصادق (عليه السلام): صراط اللّه علي جعله اللّه أمينه على علم ما في السّماوات و ما في الأرض، فهو أميره على الخلائق و أمينه على الحقائق‏ (4).

يؤيّد هذا التفسير قول أمير المؤمنين في خطبة التطنجية: «لو شئت أخبرتكم بآبائكم و أسلافكم ممّن كانوا و أين كانوا، و أين هم الآن و ما صاروا إليه؟ فكم من آكل منكم لحم أخيه و شارب برأس أبيه، و هو يشتاقه و يرتجيه، هيهات إذا كشف المستور و حصل ما في الصدور، و أيم اللّه لقد كررتم كرات و كم بين كرة و كرة من آية و آيات».

و يجب من عموم علمه عموم إحاطته لأنه وجه اللّه الذي منه يؤتى، و السبب المتصل بين الأرض إلى السماء، و إليه الإشارة بقوله: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ‏ (5)، و الشمس المنيرة التي لا يحتجب من ضوئها شي‏ء أبدا، و الاسم الجاري الساري في كلّ شي‏ء، فهم إلى طرف الموجودات مولاها و معناها، و إلى حضرة الأحدية عبدها و وليها و خليفتها و عليها، و إليه الإشارة بقوله: إِلَّا مَنِ ارْتَضى‏ مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَداً (6)، قال أبو جعفر (عليه السلام): «الرصد التعلّم من النبي» (7)، و قوله: من بين يديه، يعني يلقي في قلبه الإلهام ليعلم النبي أنه قد بلغ رسالات ربّه، و أحاط علي بما لديه من العلم‏

____________

(1) فصّلناه في كتابنا علم آل محمد.

(2) الأنعام: 59.

(3) الشورى: 53.

(4) بحار الأنوار: 25/ 170 ح 38 بتفاوت.

(5) البقرة: 115.

(6) الجن: 27- 28.

(7) بحار الأنوار: 36/ 89/ ح 16 و فيه التعليم و الحديث طويل.

220

وَ أَحْصى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ عَدَداً (1)، قال: علم ما كان و ما يكون إلى يوم القيامة، حتى معرفة كل إنسان باسمه و نسبه، و من يموت موتا و من يقتل قتلا، و من هو من أهل الجنة، و من هو من أهل النار (2).

و إليه الإشارة بقوله: وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏ (3)، و إنما رآه بمرآة إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً (4) فرآه بعين الولاية، لأن النبي قد يحجب عن الملكوت لأن الوحي منه يأتيه، و الولي لا يحجب عن الملكوت، فالنبي ينتظر الغيب و الولي ينظر في الغيب، و ليس الولي بهذا المقام أعلى من النبي بل هو في سائر المقام تلميذه، و تحت مرتبته، و فيضه عنه، و علمه عنه، و قد يكون للولي ما ليس للنبي و إن كان من اتباعه، كقصة الخضر و موسى، و هذا إشارة إلى الإلهام، و إليه الإشارة بقوله: و لقد نظرت في ملكوت السّماوات و الأرض فما غاب عنّي شي‏ء ممّا كان قبلي، و لا شي‏ء ممّا هو كائن بعدي‏ (5).

فذلك حق لأن الولي المطلق لو جهل شيئا لجهل من ولاه، و لو علم شيئا دون شي‏ء لا تصف بالعلم تارة و بالجهل أخرى، فكان جاهلا و هو عالم، هذا خلف؛ و لو جهل لارتفعت الولاية و العصمة، ما اتخذ اللّه وليا جاهلا قط، فيلزم لو جهل عدم الولي أو كونه جاهلا و هو محال، فيكون عالما بالكل و هو المطلوب، و إليه الإشارة بقول ابن أبي الحديد في مدحه له (عليه السلام):

و ذو المعجزات الباهرات أقلها * * * الظهور على مستودعات السرائر

دليله قوله الحق: «أنا الهادي بالولاية» (6) فهو (عليه السلام) غيب اللّه المكتوب، و علمه المنصوب، و خزانة غيبه في سماواته و أرضه، و وارث أسرار نبيّه، فهو الإمام المبين الذي كلّفه اللّه هداية الخلق، و قضى فيه كل شي‏ء فكل علم نزل إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فهو عنده و منه‏

____________

(1) الجن: 27- 28.

(2) و فيه رواية عن الإمام الباقر، راجع البحار: 26/ 14 ح 2.

(3) الأنعام: 75.

(4) البقرة: 124.

(5) بحار الأنوار: 26/ 141 ح 14 عن أمالي المفيد بتفاوت.

(6) بحار الأنوار: 26/ 153 ح 41 بتفاوت.

221

و فيه، و إليه الإشارة بقوله (صلّى اللّه عليه و آله): «أنت منّي و أنا معك سرّي و علانيتي، و أنت روحي التي بين جنبي، لحمك لحمي، و دمك دمي، و ما أفرغ جبرائيل في صدري حرفا إلّا و قد أفرغته في جوفك» (1).

و هذا كلام عظيم يصرح لعلي بالتشريف و التعظيم، و التفضيل و التقديم، حيث هو قسيم بنعمة النبي الكريم، و شقيق نور الرءوف الرحيم، فهو منه في النور و الروح و الطينة، و الظاهر و الباطن، و لا فرق هناك إلّا النبوّة، و هو الآيات و المقامات و الكلمات التامات، و الأنوار الباهرات تقصر القول عن معرفة أسرارها، و تعمى عيون الأفهام عن بوارق أنوارها، سرّ الرحمن الرحيم، و ما يلقاها إلّا ذو حظّ عظيم، و من أنكر أن الإمام يعلم الغيب أنكر إمامته، و من أنكر إمامته لا يبالي محو المحكم من كتاب اللّه أو جحد نبوّة الأنبياء، و زعم أنه ليس إله في السماء، فوجب أن يعلم الولي أهل ولايته أحياء و أمواتا، و إلّا لكان عالما في وقت دون وقت و هو محال، لأن الولي هو الإنسان الكامل، فكيف يكون كاملا ناقصا، هذا خلف؟

____________

(1) نفحات الأزهار: 4/ 316، و في لفظ عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «معاشر الناس ما من علم إلّا علمنيه ربّي و أنا علّمته عليا» تفسير نور الثقلين: 4/ 379 و مناقب ابن المغازلي: 50 ح 73.

223

و أما علمه بهم بعد الموت فدليله قوله للأصبغ بن نباتة في نجف الكوفة: «يا أصبغ إن في هذا الظهر أرواح كل مؤمن و مؤمنة، فلو كشف لك ما كشف لي لرأيتهم خلقا يتحدّثون على منابر من نور»، و ذلك حق لأن الولي إذا أحاط علما بالأحياء وجب أن يحيط علما بالأموات، و إلّا لامتنع الأوّل لامتناع الثاني، لكن الأوّل غير ممتنع فالثاني كذلك، لأن العلم الذي أيّد به و علم به للأحياء به علم الموتى، و إليه الإشارة بقوله: قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَ عِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ (1)، و الكتاب الحفيظ، هو الولي و علمه عنده و ذلك لأن اللوح المحفوظ فيه سطور غيب اللّه، و اللوح الحفيظ في الأرض هو المستودع لغيب اللّه و إليه الإشارة بقوله: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ* فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (2)، و الولي حافظ للذكر و عالم بتأويله و تنزيله، فاللوح المحفوظ بالحقيقة هو الولي، فمن أنكر علم الولي بأهل ولايته‏

____________

حتى صار إلى الشام فدخل منزله، و اشتد عليه مرضه و كان في مرضه يرى أشياء لا تسره، .. فكان يشرب الماء الكثير فلا يروى، و كان ربما غشي عليه اليوم و اليومين، فإذا أفاق من غشوته ينادي بأعلى صوته: «مالي و مالك يا ابن أبي طالب إن تعاقب فبذنوبي و إن تغفر فإنك غفور رحيم» (الفتوح لابن أعثم: 2/ 61 ذكر انصراف معاوية عن مكة و ما يلي به في سفره من المرض و خبر وفاته).

و عن سليم في خبر طويل فيه ندم الخليفة الأول و الثاني عند الموت جاء فيه:

فقال له عمر: يا خليفة رسول اللّه لم تدعو بالويل و الثبور.

قال أبو بكر: هذا رسول اللّه و معه علي بن أبي طالب يبشرانني بالنار و معه الصحيفة التي تعاهدا عليها في الكعبة و هو يقول (صلّى اللّه عليه و آله):

«لقد وفيت بها و ظاهرت على ولي اللّه فابشر أنت و صاحبك بالنار في أسفل السافلين» (إرشاد القلوب: 2/ 392 خبر وفاة أبي بكر و معاذ).

و عن نخلة بنت عبد اللّه قالت: رأيت بعد أن قتل زيد بن علي و صلب بثلاثة أيام فيما يرى النائم كأن نسوة من السماء نزلن عليهن ثياب حسنة حتى أحدقن بجذع زيد بن علي، ثم جعلن يندبنه و ينحن عليه كما ينوح النساء في المأتم.

قالت: و نظرت إلى امرأة قد أقبلت و عليها ثوب لها أخضر يلمع منه نور ساطع حتى وقفت قريبا من أولئك النساء، ثم رفعت رأسها و قالت: «يا زيد قتلوك يا زيد صلبوك يا زيد سلبوك يا زيد إنهم لن تنالهم شفاعة جدك (عليه الصلاة و السلام) غدا في يوم القيامة».

قالت نخلة: فقلت لإحدى النسوة تلك: من هذه المرأة الوسيمة من النساء؟

فقالوا: هذه فاطمة بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) (الفتوح لابن الأعثم: 3/ 295 ذيل خبر زيد بن علي).

(1) ق: 4.

(2) البروج: 22.

222

فصل [حضور آل محمد (عليهم السلام) عند كل ميّت‏]

أما علمه بهم عند الموت فدليله قوله لحارث همدان: يا حارث، قال: نعم يا مولاي، فقال: «لو قد بلغت نفسك التراقي لتراني حيث تحبّ» (1).

و هذا إشارة إلى حضوره عند الموتى. (2)

____________

(1) بحار الأنوار: 6/ 179 ح 7، و بشارة المصطفى: 5 ح 4 و رسائل المرتضى: 3/ 133.

(2) قال الإمام الصادق (عليه السلام): «إذا بلغت نفس احدكم هذه قيل له: أما ما كنت تحزن من همّ الدنيا و حزنها فقد أمنت منه و يقال له: أمامك رسول اللّه و علي و فاطمة (عليهم السلام)». (بحار الأنوار: 6/ 184 ح 17 باب ما يعاين المؤمن و الكافر عند الموت، و الكافي: 3/ 134 ح 10).

و عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): و الذي نفسي بيده لا تفارق روح جسد صاحبها حتى يأكل من ثمر الجنة أو من شجر الزقوم، و حتى يرى ملك الموت و يراني و يرى عليا و فاطمة و الحسن و الحسين، فإن كان يحبنا قلت: يا ملك الموت ارفق به فإنه كان يحبني و أهل بيتي.

و إن كان يبغضني و يبغض أهل بيتي قلت: يا ملك الموت شدد عليه فإنه كان يبغضني و يبغض أهل بيتي، لا يحبنا إلّا مؤمن و لا يبغضنا إلّا منافق شقي» (أهل البيت، توفيق أبو علم: 68- 69 الباب الثاني، و بشارة المصطفى: 6 ح 7 مع تفاوت بسيط).

و عن أسماء بنت عميس قالت: إنّا لعند علي بن أبي طالب (عليه السلام) بعد ما ضربه ابن ملجم إذ شهق شهقة، ثم أغمي عليه ثم أفاق فقال: «مرحبا مرحبا الحمد للّه الذي صدقنا وعده، و أورثنا الجنة». فقيل له: ما ترى؟!

قال: «هذا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أخي جعفر و عمي حمزة و أبواب السماء مفتّحة و الملائكة ينزلون يسلّمون علي و يبشروني. و هذه فاطمة (عليها السلام) قد طاف بها و صائفها من الحور، و هذه منازلي في الجنة. لمثل هذا فليعمل العالمون» (ربيع الأبرار: 4/ 208 ذيل باب الموت و ما يتصل به من ذكر القبر و النعش).

و عن الفضل بن يسار عن أبي جعفر الباقر و جعفر الصادق (عليهما السلام) أنهما قالا: «حرام على روح أن تفارق جسدها حتى ترى الخمسة: محمدا و عليا و فاطمة و حسنا و حسينا» (كشف الغمة: 2/ 40 مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام)).

و روى ابن أعثم رؤية معاوية عند موته لأمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «ثم رحل معاوية عن ذلك المكان‏

225

فصل [قدرة آل محمّد التكوينية]

و أما القدرة (1) فإنّ الولي المطلق قدرته كعلمه، و علمه محيط، فقدرته كذلك لأن قلب‏

____________

(1) قد فصلنا ذلك في كتابنا الولاية التكوينية و نجمل هنا فنقول:

الولاية التكوينية قدرة يمنحها اللّه لخاصة أوليائه الذين يتقربون من اللّه تعالى تقربا يصبح سبحانه و تعالى سمعهم و أبصارهم و أيديهم.

كما في حديث التقرب بالنوافل المستفيض:

«لا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه و بصره و لسانه و يده و رجله؛ ففيّ يسمع، و بي يبصر، و بي ينطق، و بي يبطش، و بي يمشي» (جامع الأسرار: 204 ح 393، و له ألفاظ أخرى (المعجم الأوسط: 10/ 163 ح 9348، و كنز العمال 7/ 770 ح 21327، و أصول الكافي: 2/ 352 ح 7، و علل الشرائع: 1/ 227 باب 162).

قال الشيخ حسن زاده آملي: بل إن هذا الشخص، و لأن الحق يكون عينه التي يرى و أذنه التي بها يسمع، و عين جوارحه و قواه الروحية و الجسمية؛ فإن تصرفه الفعلي أيضا يكون كالحدس و الجذبة الروحية، حتى يصير قوله و فعله واحدا، و لا يحتاج إلى الامتداد الزماني في حركاته و انتقالاته، بل يصير محلا لمشيئة اللّه و مظهرا ل إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْ‏ءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏ حيث يتّحد عندها القول و الفعل (الإنسان الكامل: 173).

و قال الخواجة نصير الدين الطوسي: العارف إذا انقطع عن نفسه و اتصل بالحق رأى كل قدرة مستغرقة في قدرته المتعلّقة بجميع المقدورات، و كل علم مستغرق في علمه الذي لا يعزب عنه شي‏ء من الموجودات، و كل إرادة مستغرقة في إرادته التي يمتنع أن يتأتى عليها شي‏ء من الممكنات.

بل كل وجود فهو صادر عنه فائض عن لدنه فصار الحق حينئذ بصره الذي به يبصر و سمعه الذي به يسمع و قدرته التي بها يفعل و علمه الذي به يعلم و وجوده الذي به يوجد، فصار العارف حينئذ متخلّقا بأخلاق اللّه في الحقيقة (شرح الإشارات و التنبيهات: 3/ 389 عن السير إلى اللّه: 79).

و قال الإمام الخميني (قدس سره):

«فإن للامام (عليه السلام) مقاما محمودا و درجة سامية و خلافة تكوينية تخضع لولايتها و سيطرتها جميع ذرات هذا الكون، و إن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقاما لا يبلغه ملك مقرب و لا نبي مرسل، و بموجب ما لدينا

226

الولي مكان مشية الرب العلي، و لسانه منبع حكمته، يفعل ما يريد اللّه، و يريد ما يفعل.

فصل‏

و أما الحكم المطلق فكما مر، لأن الولاية لها الحكم من البداية إلى النهاية، لأن الولاية علم اليقين و حق اليقين، لا ينسخ و لا يتغيّر و لا يتبدّل بتغيّر الزمان، و لا ينسخ كنسخ الشرائع و الأديان، و لا يختم لأنه ختم الأكوان، و لا تسبق لأن لها السبق بالكون و المكان، فعهدها مأخوذ من الأزل و لم يزل، يتسلّمها ولي من ولي و رضي من رضي إلى يوم القيامة، لأن الرب الملك الحق المبين أخذ لها العهد على أسماء قبل خلق الأرضين و السّماوات، و هي الختم و الكمال لكل دين، و لها الحكم عند نصب الموازين، و ويل للمكذّب بيوم الدين، و إلى هذا البرهان المبين الإشارة من قول الصادقين: سبحان من خلق السّماوات و الأرضين، و ما سكن في الليل و النهار بمحمد و آل محمد (صلّى اللّه عليه و آله).

____________

من الروايات و الأحاديث فإن الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) كانوا قبل هذا العالم أنوارا؛ فجعلهم اللّه بعرشه محدقين و جعل لهم من المنزلة و الزلفى ما لا يعلمه إلّا اللّه» (الحكومة الاسلامية: 52).

224

و مشاهدته لأعمالهم فقد كذّب القرآن و كفر بالرحمن.

فصل‏

و كذا من خصص علمه بوقت دون وقت، و شي‏ء دون شي‏ء، فقد قضى للولي بالجهل، فيلزم من تكذيب الثاني تكذيب الأوّل، و من تصديق الأوّل تصديق الثاني، لعدم التخصيص، فيلزمه إذا التصديق بما كذب، و التكذيب بما صدق، و من الأول يلزم الكفر، و من الثاني يلزم الارتداد و فساد الاعتقاد، لكن الأول صادق، و الثاني كذلك.

227

فصل [الدنيا ملك لآل محمّد (عليهم السلام)‏]

هذا كلام الحجّة، و كلام الحجّة حجّة، فقوله لمحمد و آل محمد هذا لام التمليك و التخصيص، لأن من خلق الشي‏ء لأجله فهو له في الدنيا و الآخرة، لهم خلقت و إليهم سلمت، فدلّ بهذا الصريح أن ملك الدنيا و الآخرة و حكم الدنيا و الآخرة لا بل الدنيا و الآخرة لهم على غير مشارك و لا منازع، إن الكل عبيدهم و ملكهم‏ (1)، و هم سادة الكل و مواليهم، سبحان من استعبد أهل السّماوات و الأرض بولاية محمد و آل محمد.

و هذا مصرح أن الكل لهم و عبيدهم، و أن لهم السيادة و السؤدد على جميع الخلائق، فالخلائق عبيدهم و هم عبيد اللّه و نوّاب مملكته، و خاصة حضرته و خزنة غيبه، و قوام خلقه.

و إلّا لزم كذب المعصوم أو تكذيبه، و الأوّل محال و الثاني كفر مثبت.

إن الدنيا و الآخرة ملكهم و مليكهم، و إليه الإشارة بقوله (صلّى اللّه عليه و آله): «سبحان من يملكها محمدا و آل محمد و شيعتهم» (2)، فتساوى طرفا الحكم و الملك في الدارين لديهم و إليهم لعدم الترجيح و التخصيص، فمن اعتقد أن ملك الدنيا و الآخرة لهم آمن بالخصوص الإلهية و النصوص الإمامية، و من أنكر الطرفين كفر بالقرآن، و كذب أولياء الرحمن، و من صدق طرفا و كذب طرفا بعد ثبوت الطرفين لهم لزمه من إنكار الثاني إنكار الأوّل، و من تصديق الأوّل تصديق الثاني، لكن تكذيب الأوّل كفر فالثاني كذلك، و تصديق الأول إيمان فالثاني كذلك، و تصديق الثاني إيمان فتكذيب الأوّل كفر، فمن صدق الأول و كذب الثاني لزمه التكذيب بالصدق أو التصديق بما وجب تكذيبه، فيلزمه من ذلك الكفر بالإيمان و الإيمان بالكفر.

فبان بواضح البرهان الذي لا ينقض، و الحق الذي لا يدحض، أن لهم ملك الدنيا

____________

(1) بحار الأنوار: 33/ 68 ح 398.

(2) تهذيب الأحكام: 3/ 98، و البحار: 95/ 139.

228

و الآخرة، و حكم الدنيا و الآخرة، و الإنكار لذلك كفر لصدق دليله، و الشك فيه شرك لوضوح سبيله، و الريب فيه ارتداد لصحّة تأويله، و التصديق به نجاة لبرد مقبله، و من كذب بما وجب تصديقه من الدين فقد كفر بوحي ربّ العالمين، و ذلك لأن الكتاب و العترة حبلان متصلان، و إليه الإشارة بقوله: «خلّفت فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي، إن تمسكتم بهما لن تضلّوا، أنبأني اللطيف الخبير أنّهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض» (1).

____________

(1) قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «إني تارك فيكم الثقلين خليفتين كتاب اللّه حبل ممدود ما بين السماء إلى الأرض و عترتي أهل بيتي، و إنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض» (مسند احمد: 5/ 181- 182- 189 و 4/ 367 ط. م و 5/ 492 ح 18780 و 6/ 232- 244 ح 21068- 21145 ط. ب، و بحار الأنوار: 23/ 107، و فضائل الصحابة لأحمد: 2/ 585- 602- 572- ح 990- 1032- 968- 786.) و له ألفاظ كثيرة (مجمع الزوائد: 1/ 170 ط. مصر و بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد:

413 ح 784 عن ابن ثابت، و نزل الأبرار: 32 و 52 الباب الأول عن زيد و حذيفة بن أسيد، و المعجم الأوسط: 4/ 262- 328 ح 3463- 3566 عن أبي سعيد، و الفردوس: 1/ 66 ح 194 ط. كتب و 98 ح 197 ط كتاب عن أبي سعيد، و البيان و التعريف في أسباب ورود الحديث: 1/ 370 ح 437 عن زيد، و مشارق الأنوار: 109 الفصل السادس من الباب الثالث، و تلخيص المتشابه: 1/ 62 رقم 78 عن أبي سعيد و 2/ 690 ح 1150، و أخبار قزوين: 3/ 465، و السنن الكبرى للبيهقي: 2/ 148 و: 7/ 30، و المطالب العالية: 4/ 65 ح 3972، و أمالي الشجري: 1/ 143- 149- 152- 154- 115 و 415، و مسند البزار: 3/ 89 ح 864، و حلية الأولياء: 9/ 64، و تاريخ بغداد: 8/ 443 ترجمة زيد بن الحسن القرشي، و أهل البيت في المكتبة العربية: 280، و مسند شمس الاخبار: 1/ 126 أبو سعيد، و المعرفة و التاريخ: 1/ 536 إلى 538 عدة، و مسند أبي يعلى: 2/ 297 ح 1021، و المنتخب من مسند عبد بن حميد: 108 ح 240 عن زيد بن ثابت و 114 ح 265 عن زيد ابن أرقم، و مشكاة المصابيح: 3/ 1735- 1732- 1735 ح 6144- 6131- 6143 باب فضائل علي عن زيد و جابر، مصابيح السنة: 4/ 185- 189 ح 4815- 4816.

و المصنف لابن أبي شيبة: 6/ 313- 371 ح 31670- 32077 و 7/ 411 ح 36942، و صحيح مسلم: 15/ 176 ح 6178 ط. بيروت، و 7/ 122 ط. مصر كتاب الفضائل- فضائل علي ح 12 من بابه، و أسد الغابة 2: 12 ترجمة الإمام الحسن 7، و ج 3: 147 ترجمة عبد اللّه بن حنطب و 92 ترجمة عامر بن ليلى، و تحفة الاشراف: 2/ 278 ح 2615، و جلاء الافهام: 121 الفصل الرابع- معنى الآل، و تفسير المحرر الوجيز: 1/ 36 المقدمة و الطبقات الكبرى 2: 150 ذكر ما قرب لرسول اللّه من أجله، و مستدرك الصحيحين: 3: 109- 533 كتاب معرفة الصحابة، و صحيح الترمذي 5:

663- 662 كتاب المناقب ح 3786، و 351 باب التفسير ط. مصر- دار الحديث، و خصائص النسائي: 85، و المعجم الكبير للطبراني 3: 65- 66- 67، و العقد الفريد 4: 53 كتاب الخطب-

229

قوله: حتى يردا على الحوض شريد و طريد، لأن الكتاب يعرّف الأمة فضل الأئمة و وجوب طاعتهم، و العترة تشهد للكتاب بأنه الحق، فالكتاب نبذ و حرّف و ترك، و العترة قتلوا و شرّدوا و طردوا فهما صاحبان شريدان طريدان لا يأويهما أحد، و لم يسترشد بهما ضالّ حتى يردا الحوض شاكيين إلى اللّه و رسوله، فكلّما يجب من التصديق للكتاب يجب للعترة، و في الكتاب علم كل شي‏ء، و بيان كل شي‏ء، و كذا يجب أن يكون عند العترة لأنهم تراجمة القرآن، و سرّ غيب الرحمن، فعندهم علم كل شي‏ء و إلّا لما كانا حبلين متصلين، و لما قال: «كهاتين»، و قرن إحدى إصبعيه إلى الأخرى، ثم بيّن أن علم القرآن عندهم و أنهم مساوين للكتاب في الشرف و الطاعة، فقال: «و لا أقول كهاتين فأفضّل هذه على الأخرى»، فمن آمن بكل الكتاب و أنكر حرفا منه لم يكن مؤمنا لأن اللازم له في الاعتقاد تصديق الكل، أو إنكار الكل، لكن إنكار الكل كفر، و تصديق الكل إيمان.

فصل‏

و كذا القول في العترة فمن أنكر حرفا من أقوالهم أو ردّ حديثا من أحاديثهم أو شك في شي‏ء من أمرهم أو استعظم حديثا من سرائرهم، فقد أنكر الكل، فبان بهذه البراهين الموجبة لحق اليقين أن عليا حاكم يوم الدين، و مالك يوم الدين‏ (1)، و ولي يوم الدين، بأمر ربّ العالمين.

____________

خطبة الرسول في حجة الوداع، و الدر المنثور 2: 60 مورد آية وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ‏ آل عمران 103 و ج 6: 7- 306، و تفسير الرازي 8: 162 مورد آية وَ اعْتَصِمُوا، و تاريخ اليعقوبي 2: 212 ذيل خلافة علي 7، و كنز العمال: 1/ 172 ح 870 و 379 ح 1650، و 384 ح 1667 و ما بعدهم- باب الاعتصام بالكتاب و السنة-، و بحار الأنوار: 36/ 331- 338- 373، و كفاية الأثر: 87- 91- 128- 137- 163- 261).

(1) سوف يأتي توضيحه من المصنّف في الفصل ما بعد اللاحق. و كذلك في ما بعد لاحق اللاحق.

230

فصل [الولاية المطلقة و المقيّدة]

و بيان ذلك أن الملك و التملّك و الحكم و التحكّم، و الولاية و التولية إما أن يكون على الإطلاق أو بالتقيّد، فمالك يوم الدين الرحمن الرحيم مطلقا هو اللّه الذي لا إله إلّا هو الذي كل شي‏ء ملكه و مملوكه، و هو الرب الذي تفتتح الفاتحة بحمده و تعديد صفاته، و تختمها بالتضرّع إليه، و أما الحاكم في ذلك اليوم بالولاية عن أمر اللّه و رسوله أمير المؤمنين و ذلك لأن ولايته حبل ممدود و عهد مأخوذ من الأزل إلى الأبد غير محدود، فهو لما كان مالك الدنيا و أهلها، و حاكمها و وليّها، فكذا هو مالك الآخرة و حاكمها و وليها، لأن ولايته عروة لا انفصام لها، و دولة لا انقضاء لها، و إليه الإشارة بقوله: فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى‏ لَا انْفِصامَ لَها (1) و هو ولاية علي و حكمه لا انقطاع لها، دليله قوله سبحانه: أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ‏ (2)، قال علي بن إبراهيم في تفسيره: أمير المؤمنين أحكم الحاكمين، فهنا إطلاق و تقييد، أما أمير المؤمنين (عليه السلام) فهو حاكم يوم الدين و مالكه و واليه، و صاحب الحساب عن أمر اللّه و أمر رسوله، و مالك يوم الدين مطلقا من غير تقييد ولاية، و لا إذن و اللّه رب العالمين رب الدنيا و الآخرة، و إله الدنيا و الآخرة، و خالق الدنيا و الآخرة.

فصل‏

و هذا مثل قول المتكلّم: اللّه واجب الوجود حي، و الإنسان حال وجوده أيضا واجب الوجود حي، فأشركا في لفظ الوجود و امتازا بفصل الإمكان و الوجوب، فالرب سبحانه حي واجب الوجود لذاته، و الإنسان حي واجب الوجود لغيره، فكذا إذا قلنا علي مالك يوم‏

____________

(1) البقرة: 256.

(2) التين: 8.

231

الدين و حاكم يوم الدين، و أنت تعلم أنه ولي اللّه و خليفته، و الولي له الحكم فلا يحتاج العقل السليم إذن مع معرفة الحكم المقيّد إلى قرينة أخرى.

(تنبيه) كما أنه إذا قيل: فلان مالك ديوان العراق و حاكم ديوان العراق على الإطلاق، فيذهب العقل السليم إلى أنه هو السلطان و لا يحتاج إلى قرينة أخرى تميّزه بل إطلاق اللفظ يدل على أنه هو الوزير و صاحب الدفتر، و كذا إذا قلت علي مالك يوم الدين، فلا يذهب ذهن المؤمن الموحّد العارف باللّه، إلى أن عليا هو اللّه لا إله إلّا اللّه، بل انّه ولي اللّه، و الولي و هو الوالي فله الولاية و الحكم بأمر اللّه الذي حكّمه و ولّاه، و فوّض إليه أمره و ارتضاه، فيا عجبا كيف يرضاه اللّه و أنت لا ترضاه‏ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى‏ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ‏، ثم تدّعي بعد ذلك أنك تعرفه و تتولاه، و أنت و اللّه الكاذب في دعواه، فأنت كما قيل:

«و يدّعي وصلها من ليس يعرفها * * * إلّا بأسمائها في ظاهر الكتب»

فأنت في أمر علي لم ترض برضى اللّه، و من لم يرض برضى اللّه، فعليه لعنة اللّه، أ لم تعلم يا منكر الحق بجهله و مدّعي العرفان و ليس من أهله أن الدنيا و الآخرة لهم خلقت، و بهم خلقت، و من أجلهم خلقت، و إليهم سلمت، و اللّه غني عن العالمين، و ما هو بهم و لهم و لأجلهم، فهو مالكهم و ملكهم من غير مشارك و لا منازع، و ثبوت ذلك من قول المعصوم، و وجوب تصديق قوله و اعتقاده، لأن من ردّ على الولي فقد رد على الرب العلي و من رد على العلي كفر، فمن ردّ على الحجّة المعصوم فقد كفر، فها قد صرح الدليل أن من أنكر ولاية علي و حكمه في الدنيا و الآخرة فقد كفر، و من أنكر أحد الطرفين فهو واقف بين جداري الكفر و الإيمان، فإما أن يعتقد الطرفين فيؤمن، أو ينكر الطرفين فيكفر، كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لرجل قال له: أنا أحبّك و أهوى فلان، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): أنت الآن أعور فإمّا أن تعمى، أو تبصر (1)؟ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ، وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ، و ما أنت عليهم بمسيطر.

____________

(1) بحار الأنوار: 27/ 78 ح 16.

232

فصل‏

و بيان هذا البرهان أنه تعالى أمر نبيّه يوم الدار أن يجمع بني عبد المطّلب و يدعوهم إلى اللّه، فمن سبق منهم إلى تصديقه و أجاب دعوته و صدق رسالته، و رأى نصرته، كان له بذلك أربعة عهد من اللّه و رسوله، و يكون أخاه و صهره، و الحاكم بعده فما أجاب دعوته غير علي فبايعه و نصره و فداه، و وفى بعهد اللّه فخاض في رضاه الحتوف، و قتل في طاعته الألوف، و كشف عن دينه الكربات، و كسر الرايات، و أخرج الناس من الظلمات، و لما قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) تواثبت الضباع على الأسد المناع، و الولي المطاع، فعوت على الهزبر الكلاب، و صار ملك أبي تراب، الذي صفي سبحانه بحد الحساب، و القرضاب، إلى ... الذي لم يحمر له حسام يوم الضراب، و لا مرّ في ملمة (1) إلّا انقلب و خاب، و لم يدع إلى كريهة فأجاب.

فوجب في عدل الكريم الوهّاب، من باب‏ أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ‏ أن يوليه يوم القيامة عوضا عن حقّه الممنوع في الدنيا حكم يوم الحساب، و إليه الإشارة بقوله: وَ يُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ‏ (2) لأن المواهب الربانية و التحف الإلهية، إما أن تكون استحقاقا أو تفضّلا، و كلاهما حاصلان لأمير المؤمنين (عليه السلام)، أما الاستحقاق فإنّ اللّه أوجد فيه من الأسرار الإلهية، و القوى الربّانية، و الخواص الملكية ما لم يوجد في غيره من البشر، حتى تاه ذو اللب في معناه و كفر، و إليه الإشارة بقوله (صلّى اللّه عليه و آله): «خلقت أنا و علي من جنب اللّه و لم يخلق منه غيرنا» (3)، و جنب اللّه معناه علم اللّه، و حق الله له كإحياء الأموات و الإخبار بالمغيبات، و تكلم أذياب الفلوات، و إغاضة ماء الفرات، و رجوع الشمس له بعد الغياب، و إظهار و إيراد المعجبات، و أما التفضّل فإنّ اللّه يختص برحمته من يشاء، ففوّض اللّه إليه أمر العباد و جعله‏

____________

(1) كذا في النسخة الخطية، في المطبوع بلفظ مسلم.

(2) هود: 3.

(3) في بحار الأنوار: «خلقنا اللّه جزءا من جنب اللّه»- 24/ 192 ح 8.

233

الحاكم يوم المعاد، فهو حاكم يوم الدين، و مالك يوم الدين، و ولي يوم الدين، و لا ينكر هذا الحق المبين، إلّا من ليس له حظّ من الإيمان و اليقين، و من لا إيمان له كافر فوجب على من شمّ حقائق الإيمان استنشاق نسيم أزهار هذه الأشجار، و التصديق لهذه الآثار، و من أنكرها و لو حرفا منها فقد عارض زكام الكفر خيشوم إيمانه فليداوه بسعوط التصديق، و لكن ذاك في حقق التحقيق، و من أعرض عن واضح الدليل، فقد ضلّ عن سواء السبيل.

234

فصل [علي (عليه السلام) مالك يوم الدين‏]

اعترض معترض من أهل التقليد، و ممّن هو عن إدراك التحقيق بعيد، فقال: إذا قلنا مالك يوم الدين علي، و حاكم يوم الدين علي، يلزم أن يكون الرحمن الرحيم أيضا عليا، فقلت له:

ليس الأمر كما ذهب إليه و همك، و قصر عن إدراكه فهمك، لإنّا لا ندّعي أن عليا مالك يوم الدين من هذه الآية، لأنا إذا قلنا: الحمد للّه ربّ العالمين فإنّا نشهد أن جميع المحامد بجوامع الكلم من كل مادح و حامد، فإنّها للّه ربّ العالمين يستحقها و يستوجبها الرحمن الرحيم، و يجري عليها عدلا و قسطا، مالك يوم الدين الذي طوق بإحسانه أهل سماواته و أرضه، أخرجهم بلطفه من كتم العدم، و أفاض عليهم من سحائب كرمه فوائض النعم، و وسعهم بجوده و عفوه و منّه، فهو مالك يوم الدين الذي كل شي‏ء ملكه و مملوكه، فله الملك للعباد، و العدل في المعاد، لكنّه يملك من أراد، و إن تقطّعت أكباد ذوي العناد.

و إذا قلنا إياك نعبد و إيّاك نستعين نقرّ بأن الموصوف بهذه الصفات هو المعبود الحق.

فنقول: هناك‏ اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ‏ نسأل بعد الحمد لواجب الوجود، و مفيض الكرم و الجود، أن يهدينا إلى حب علي لأنه الصراط المستقيم‏ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ‏، و هم آل محمد (صلّى اللّه عليه و آله) الذين لأجلهم خلق الكون و المكان‏ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ‏، و هم (أي المغضوب عليهم) أعداؤهم الذين يبدّل اللّه صورهم عند الموت، وَ لَا الضَّالِّينَ‏ و هم شيعة أعدائهم.

فصل‏

لمّا رأينا اللّه سبحانه قد أدخل نبيّه و وليّه في صفاته، و خصّ محمدا و عليا بعظيم آياته، فقال في وصف نبيّه الكريم: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ‏

235

عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ‏ (1) و قال في حق وليّه: وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ‏ (2) فهو الحاكم الحكيم، لأن العلو هو الحكم، فهو العالي على العباد، و الحاكم يوم التناد، لأن كل حاكم عال من غير عكس، و كل حاكم يوم الدين مالك من غير عكس، فهو حاكم يوم الدين و مالك يوم الدين، بنص الكتاب المبين، لأن من حكم في شي‏ء ملكه، و إليه الإشارة بقوله: أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ‏ (3) و مفاتيح الجنة و النار بيده فهو المالك ليومئذ و الحاكم إذا، و من كذب هذا و أنكر سيرى برهانه حين يبشّر اللّه أكبر، و الحاكم يوم البعث حيدر، و لعنة اللّه على من أنكر، و قوله: حكيم لأنّه قسيم الجنة و النار لأن حبّه إيمان و بغضه كفر، و هو يعرف وليّه و عدوّه فهو إذا يقسم وليه إلى النعيم و عدوّه إلى الجحيم، من غير سؤال فهو العلي الحكيم.

فصل‏

فأحببنا أن نكشف الستر، عن وجه هذا السرّ، و نبيّنه ليهلك من هلك عن بيّنة، و يحيي من حي عن بيّنة، فوجدناه من أسرار علم الحروف في هذه الآيات الثلاث اسم علي مرموزا مستورا، فالأوّل قوله: ع ل ي ح ل ي م فإن عدد حروفها 7، و السبعة حرف الزاي و عنها تظهر الأسرار، و أما أعدادها فهي 188، و أما قوله: ا ل ص ر ا ط ا ل م س ت ق ي م، فإنّ عدد حروفها 14، و أعدادها 1013، (4) و أما قوله: م ا ل ك ي و م ا ل د ي ن و هي 12 حرفا، و عنها يظهر السرّ الخفيّ و الأمر المخفي، من أسرار آل محمد لمن كان من أصحاب علي، و أما أعدادها و هي 232 (5)، فمن عرف أسرار الحروف عرف أن العلي الحكيم، و الصراط المستقيم، و مالك يوم الدين، هو علي بن أبي طالب (عليه السلام) (بأمر ربّ العالمين).

____________

(1) التوبة: 128.

(2) الزخرف: 4.

(3) النور: 61.

(4) كذا في المخطوط، و في المطبوع: 1011.

(5) كذا في المطبوع أما في المخطوط فالعدد 242.

238

عرفت محمدا و أوصياءه و عرفت فضلهم و آمنت بهم فأنت من أمّته‏ (1).

يؤيّد هذا ما رواه صاحب الأمالي قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يا علي إن اللّه أعطى شيعتك سبع خصال: الرفق عند الموت، و الأنس عند الوحشة، و النور عند الظلمة، و الأمن عند الفزع، و القسط عند الميزان، و الجواز على الصراط، و دخول الجنّة قبل الأمم بأربعين عاما (2).

و ها أنا أقول بعد هذه البراهين مستمعا للمعرض عن حق اليقين:

كم جهد تبعنا لك في الدلائل‏ * * * و جمعها و أنت جهدك بأنكتنكر

لكل دليل الورد منعم صباحو نعم‏ * * * و مطيب روائحو إلّا الجعل‏

من يشمو يروح و هو عليل‏ * * * من لا ترى الشمس عنبر و لا يرى البدر مقلتو

و لا الصباح المشرق أيش ينفعو قنديل‏ * * * فأنت في ذا اعتقادك تشرب على‏

هذا الظمأ ماء البحار السبع و تنل غليل‏ * * * إلى متى أي محارف في مهمة القول و الجدل‏

شبه البهائم هائم لا بل أضلّ سبيل‏ * * * هذا اعتقاد لحيدر عن طيب أصلك تنبه‏

و الفرع لا شك دائم على الأصول دليل‏ * * * في القيل و القال تخيط و تسمع الحق تنكر

و حتى يقول العالم لك في الفضول فضيل‏ * * * ايش ينفع الحج كلو و الزهد و الفقه في غد

____________

(1) بحار الأنوار عن مقتضب الأثر: 51/ 149 ح 24 بتفاوت بسيط.

(2) بحار الأنوار: 27/ 162 ح 13.

239

لمن غدى يتنقص بصاحب التفضيل‏ * * * الاصل تنكر و تنفي الفروع جهدك تثبتو

ان لم تظللك أصولك ما في الفروع مقيل‏ * * * لو كنت في الفقه أحمد و في الأصول الأشعري‏

و في الحديث ابن حنبل و في العروض خليل‏ * * * و في الطريقة شبلي و في الحقيقة الواسطي‏

و كنت معروف انك معروف بالتفضيل‏ * * * و في التلاوة عاصم و في الدراية زمخشري‏

و في الرواية مجاهد تجهد تذهب بكل دليل‏ * * * و كنت في الصدر الأول أبو هريرة في الأثر

هم و كنت ابن مالك قاضي القضاة جليل‏ * * * و في الصحابة الأول نعم و في حكمك عمر

و في القرابة ابن أروى و جامع التنزيل‏ * * * و كنت بالعلم واثق و بالعبادة معتصم‏

و بالرضى متوكل و حرف كل جميل‏ * * * و كنت عمر الدنيا مشغول بالعلم و العمل‏

صائم و قائم دهرك تجهد بكل سبيل‏ * * * و ان لم تولي حيدر و كل فضل‏

تعتقد إلى جهنم تحشر نعم بلا تطويل‏ * * * هذا الحديث الصادق قد جاء عن‏

رب العلي إلى النبي المرسل أتى به جبريل‏ (1)

____________

(1) هذا كما يظهر شعر عامي ممّا كان ينظمه شعراء الشعب في عصر المؤلف البرسي، و لا نكاد نعرف أكثر ألفاظه و كيفية نطقه.

236

فصل [اسم علي و محمد (عليهما السلام) على كل شي‏ء] (1)

و كذا من تصفّح وجوه الآيات و الدعوات، و الأسماء الإلهيات، وجد اسم محمد و علي في كل آية محكمة ظاهرا و باطنا، لمن عرف هذا السرّ و وعاه، فلا يحجبنّك الشك و الريب في نفي أسرار الغيب، لأن كل عدد ينحل أفراده إلى الهوى فهو يشير إلى الهوية التي لا شي‏ء قبلها، و لا شي‏ء بعدها، و يشير بحروفه إلى الكلمة، التي هي أوّل الكلمات و روح سائر الكلمات، و لذلك ورد (2) في آيات أن القرآن ثلاثة أثلاث ثلث في مدح علي و عترته و محبّيه، و ثلث في مثالب أعدائه و مخالفيه و الثلث الآخر ظاهره الشرائع و الأحكام و تبيين الحلال و الحرام و باطنه اسم محمد و علي. و ذلك أن القرآن له باطن و ظاهر فلا ترتب أيّها السامع عند ورود فضائل أبي تراب! أ ليس وجود الأشياء كلّها من الماءوَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍ‏، فالماء أبو الأشياء كلّها و هو (عليه السلام) أبو تراب فهو سرّ الأشياء كلّها، و إليه الإشارة بقوله (صلّى اللّه عليه و آله): ليلة أسري بي إلى السماء لم أجد بابا و لا حجابا، و لا شجرة و لا ورقة و لا ثمرة، إلّا و عليها مكتوب علي علي، و ان اسم علي مكتوب على كل شي‏ء (3).

____________

(1) قال (صلّى اللّه عليه و آله): «اسم علي على كل حجاب في الجنة» (الانوار النعمانية: 1/ 24).

و قريب منه عن الإمام الصادق (عليه السلام) (الأنوار النعمانية: 1/ 169).

و أخرج الديلمي و الطبراني و غيرهما عن جابر قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «مكتوب على باب الجنة: لا إله إلّا اللّه، محمد رسول اللّه، علي أخو رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قبل أن يخلق السّماوات و الأرض بألفي عام» (مجمع الزوائد: 9/ 111، و بغية الرائد تحقيق مجمع الزوائد 143 ح 14656، و المعجم الأوسط للطبراني:

6/ 234 ح 5494، و كتاب الأربعين للخزاعي: 47- 58، و جواهر المطالب: 1/ 72- 92).

و أخرجه القرشي بلفظ: «على باب الجنة: علي ولي اللّه، فاطمة امة اللّه، الحسن و الحسين صفوة اللّه» (مسند شمس الأخبار: 1/ 121 باب 13، و كشف اليقين: 449 ح 551).

(2) الكافي: 2/ 627.

(3) الأنوار النعمانية: 1/ 24- 169 و قد فصّلنا ذلك في كتابنا الولاية التكوينية.

237

يؤيّد هذا ما رواه سليم بن قيس عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال: علي في السماء السابعة كالشمس في الدنيا لأهل الأرض، و في السماء الدنيا كالقمر في الليل لأهل الأرض، أعطى اللّه عليا من الفضل جزءا لو قسّم على أهل الأرض لوسعهم، و أعطاه من العلم جزءا لو قسّم على أهل الأرض لوسعهم‏ (1)، اسمه مكتوب على كل حجاب في الجنة بشّرني به ربّي، علي محمود عند الحق، عظيم عند الملائكة، علي خاصّتي و خالصتي، و ظاهري و باطني، و سرّي و علانيتي، و مصاحبي و رفيقي و روحي و أنيسي، سألت اللّه أن لا يقبضه قبلي، و أن يقبضه شهيدا، و إني دخلت الجنة فرأيت له حورا أكثر من ورق الشجر، و قصورا على عدد البشر، علي منّي و أنا من علي، من تولّى عليا فقد تولّاني، حبّه نعمة و اتباعه فضيلة، لم يمش على وجه الأرض ماش أكرم منه بعدي، أنزل اللّه عليه رداء الفضل و الفهم، و زيّن به المحافل، و أكرم به المؤمنين و نصر به العساكر و أعزّ به الدين، و أخصب به البلاد و أعزّ به الأخيار، مثله كمثل بيت اللّه الحرام يزار و لا يزور، و مثله كمثل القمر إذا طلع أضاءت الظلم، و مثل الشمس إذا طلعت أضاءت الحنادس، و صفه اللّه في كتابه و مدحه في آياته و أجرى منازله فهو الكريم حيّا و الشهيد ميّتا، و إن اللّه قال لموسى ليلة الخطاب: يا بن عمران إنّي لا أقبل الصلاة إلّا ممّن تواضع لعظمتي، و ألزم قلبه خوفي و محبّتي و قطع نهاره بذكري، و عرف حق أوليائي الذين لأجلهم خلقت سماواتي و أرضي و جنّتي و ناري، محمد و عترته فمن عرفهم و عرف حقّهم جعلته عند الجهل علما و عند الظلمة نورا، و أعطيته قبل السؤال و أجبته قبل الدعاء (2).

و من ذلك ما رواه وهب بن منبه قال: إن موسى ليلة الخطاب وجد كل شجرة و مدرة في الطور ناطقة بذكر محمد و نقبائه، فقال: ربّي إنّي لم أر شيئا ممّا خلقت إلّا و هو ناطق بذكر محمد و نقبائه، فقال اللّه: يا بن عمران إني خلقتهم قبل الأنوار، و جعلتهم خزانة الأسرار، يشاهدون أنوار ملكوتي، و جعلتهم خزانة حكمتي، و معدن رحمتي و لسان سري و كلمتي، خلقت الدنيا و الآخرة لأجلهم، فقال موسى: ربي فاجعلني من أمّة محمد، فقال: يا بن عمران إذا

____________

(1) بحار الأنوار: 39/ 37 ح 7.

(2) بحار الأنوار: 26/ 267 ح 1.

242

فصل [حديث الطين‏]

و لذلك أصل، و هو خبر الطين الذي رواه إبراهيم عن الصادق (عليه السلام) في معنى المزاج أنه قال: إن اللّه لما أراد أن يخلق الخلق و لا شي‏ء هناك خلق أرضا طيّبة، و أجرى عليها ماء عذبا سبعة أيام، و عرض عليها و لا يتنا فقبلت، فأخذ من ذلك الماء العذب طينتنا ثم خلق من ثفل ذلك الماء طينة شيعتنا فهم منّا و لو كنّا و آباؤهم من الماء الذي نحن منه لكنّا و آباؤهم سواء، ثم خلق أرضا سبخة و أخرى عليها ماء مالح ثم عرض عليها و لا يتنا فأبت فأجرى عليها ذلك الماء سبعة أيام ثم خلق من ذلك الماء الطغاة و الأئمة الكفار (1)، و إليه الإشارة بقوله:

وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ (2).

ثم خلق من ثفل ذلك شيعة أعدائنا، ثم مزج ثفل ذلك الطين بطينة شيعتنا، لم يشهد أعداؤنا الشهادتين و لم يصلوا و لم يصوموا فما ظهر منهم من الخيرات و الحسنات فليست منهم و لا لهم، إنّما هو من مزاج طينة شيعتنا لهم، ثم مزج الماء الثاني بالماء الأوّل ثم عركه عرك الأديم ثم قبض منه قبضة و قال: و هذه الجنة و لا أبالي، ثم قبض قبضة و قال: و هذه النار و لا أبالي‏ (3).

أقول: تمسّك أهل الأخبار بأذيال هذا الحديث ظاهر و أنكره أكثر أهل العدل لدلالة ظاهره على الأخبار و هو حديث حسن مملوء بالعدل كيف يتكلّم و قد صرّح القرآن به، و إليه الإشارة بقوله: فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَ فَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (4) و قوله: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ (5)،

____________

(1) بحار الأنوار: 26/ 279 ح 22 و الحديث طويل.

(2) القصص: 41.

(3) بحار الأنوار: 26/ 279 ح 22 الحديث طويل.

(4) الشورى: 7.

(5) البقرة: 105.

243

و قوله: وَ لكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ‏ (1) و المراد بالقول منّي: العلم، و ذلك لأن علم اللّه سبحانه سابق على أفعال العباد و لا حق و كاشف فهو سبحانه يعلم قبل إيجادهم من المطيع و من العاصي، لأنه ليس عند اللّه زمان و لا مكان، ثم أخذ عليهم العهد في الذرات و هو رمز رفيع و معناه علم قبل إنشاء ذراتهم، من جبلته الانقياد للطاعة، و من جبلته الظلم و الانقياد للمعصية فما يغني النذر فصاروا في العلم قبضتين: مطيع بالقوّة، و عاص بالقوّة، ثم لما أوجدهم و كلّفهم كشف العلم السابق ما في جبلاتهم فصاروا فريقين، كما قال و قوله الحق مؤمن بالفعل و كافر، و لذلك قال: و لا أبالي، و فيه إشارة لطيفة معناها لا أبالي بعد أن فطرتهم على التوحيد، و عرضت عليهم الإيمان في عالم الأرواح، ثم ذكرتهم العهد في ظلم الأشباح، فمنهم من أبصر فاستبصر و منهم من أنكر فاستكبر، فلا أبالي إن نسب الجبرية الظلم إليّ و أنا العدل الحكيم، و لا أبالي يوم القيامة فريقا في الجنة بإيمانهم و فريقا في السعير بكفرهم و طغيانهم، و إليه الإشارة بقوله: أَصْحابُ الْيَمِينِ‏ وَ أَصْحابُ الشِّمالِ‏ (2).

ثم خلط الماءين فما يفعله شيعتنا من الفواحش و الإثم فهو من طينة النواصب و مزاجهم و هو لهم و عليهم و إليهم، و ما يفعله النواصب من البر و الإحسان فهو من طينة المؤمن و من مزاجه فهو لهم و إليهم لأنه ليس من شأن المنافق بر، و لا من شأن المؤمن ظلم و لا كفر، فإذا عرضت الأعمال على اللّه قال الحكيم العدل سبحانه ألحقوا صالحات المنافق بالمؤمن لأنّها من سجيته فهي له لأنها وفت بالعهد المأخوذ عليها، و ألحقوا سيئات المؤمن بالمنافق لأنها من طينته و إليه لأنها وفت بالعصيان و الإنكار.

ثم قال الصادق (عليه السلام): و إن ذلك حكم إله السماء و الأنبياء، و أما حكم إله السماء فذلك عقلا و شرعا و أصلا و فرعا و مزاجا و طبعا، أما الأصل فلأن طينته من الأصل أقرّت بالولاية فاستقرّت، أما الفرع فلأنه عمل صالحا في دار التكليف فطاب أصلا و زكا فرعا، و من آمن‏

____________

(1) السجدة: 13.

(2) الواقعة: 27 و 41.

240

فصل [أثر كتمان العلماء للحقائق‏]

في خاتمة هذا الدليل من كتاب الآيات مرفوعا إلى ابن عباس قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): لا يعذّب اللّه هذا الخلق إلّا بذنوب العلماء الذين يكتمون الحق من فضل علي و عترته، ألا و إنه لم يمش فوق الأرض بعد النبيين و المرسلين أفضل من شيعة علي و محبّيه الذين يظهرون أمره و ينشرون فضله، أولئك تغشاهم الرحمة و تستغفر لهم الملائكة، و الويل كل الويل لمن يكتم فضائله و يكتم أمره، فما أصبرهم على النار (1).

و ذلك حق لأن الكاتم لفضل علي جهلا هالك حيث لا يعرف إمام زمانه، و الكاتم لفضله بغضا منافق لأن طينته خبيثة، ما أبغضك إلّا منافق شقي عرضت ولايتك على طينته فأبت فمسخت، و نودي عليها في عالم المسوخات الخبيثات للخبيثين و الخبيثيون للخبيثات، فلا دين له و لا عبادة له، و المؤمن الموالي العارف بعلى عابد و إن لم يعبد، و محسن و إن أساء، و ناج و إن أذنب؛ و إليهم الإشارة: لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَ يَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ‏ (2) هذا خاص لشيعة علي (عليه السلام) لأن الكافر و المنافق لا يستحقان شيئا فلم يبق إلّا المؤمن، و ليس المؤمن إلّا شيعة علي، فالمكفّر عنهم سيئاتهم بحبّ علي هم شيعته.

دليل ذلك ما رواه ميسر عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه قال له: ما تقول يا ميسر فيمن لم يعص اللّه طرفة عين في أمره و نهيه لكنّه ليس منّا و يجعل هذا الأمر في غيرنا؟ قال ميسر: فقلت و ما أقول و أنا بحضرتك يا سيدي؟ فقال: هو بالنار، ثم قال: و ما تقول فيمن يدين اللّه بما تدين و يبرأ من أعدائنا لكن به من الذنوب ما بالناس إلّا أنّه يجتنب الكبائر؟

قال: قلت و ما أقول يا سيدي و أنا في حضرتك؟ فقال: إنّه في الجنّة و إن اللّه قد ذكر ذلك‏

____________

(1) الإمام علي (عليه السلام) للهمداني: 35.

(2) الزمر: 35.

241

في آية من كتابه، فقال: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ‏ (1)، و هو حب فرعون و هامان، نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً (2)، و هو حبّ علي (عليه السلام).

و من ذلك قول اللّه سبحانه: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ (3) إذا كانوا آمنوا فأين الظلمات؟ و معناه يخرجهم من ظلمات الخطايا إلى نور الإيمان و الولاية، و قوله: وَ الَّذِينَ كَفَرُوا بعلي لأن الكفر بعلي كفر باللّه، و الإيمان به إيمان باللّه، أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ‏ يعني فرعون و هامان‏ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ‏ و إذا كانوا كفروا من أين لهم النور؟

و هذا صريح أنه الكفر بعلي و ولايته يخرجهم من نور الإسلام- و هي الكلمتان الطيبتان- إلى ظلام الكفر بالولاية قال: أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ شهد القرآن و أكّد أن من و الى غير علي (عليه السلام) فمأواه النار. ثم قال: هُمْ فِيها خالِدُونَ‏.

فالمبغض لعلي كافر و إن عبد، و المحبّ له عابد، و إن قعد، و إليه الإشارة بقوله: «حبّ علي عبادة و ذكره عبادة و الموت على حبّه شهادة، و موالاته أكبر الزيادة». (4) و إليه الإشارة بقوله: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَ لا يَشْقى‏ (5) قال ابن عباس: الهدى علي بن أبي طالب (عليه السلام)، و قوله: بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ‏ (6) يعني بعلي.

و قوله‏ فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ‏ يعني عليا.

فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ‏ (7) يعني باتباعه، وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ‏ يعني يوم البعث بحبّه، مثل قوله: بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ‏ يعني بعلي فهم عن ذكرهم معرضون، و إليه الإشارة بقوله:

قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ* أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ‏ (8)، و منه قوله: لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ‏ (9) يعني نجاتكم و هو حب علي.

____________

(1) النساء: 31.

(2) النساء: 31.

(3) البقرة: 257.

(4) باختصار بشارة المصطفى: 86.

(5) طه: 123.

(6) المؤمنون: 71.

(7) البقرة: 37.

(8) ص: 68.

(9) الأنبياء: 10.

245

و إليهم؛ إذ كل جزء يلحق بجزئه ساء أم حسن، وَ لَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَ أَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ‏ و هو هذا.

فصل‏

و حكم المزاج مذكور في قوله: وَ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَواحِشَ‏ (1) و هو حب فرعون و هامان إلّا اللمم، و هو المزاج من الطين‏ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ لشيعتنا خاصة، لأن الكافر و المنافق لا نصيب لهما في المغفرة هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ‏ (2) و هو الطين الممزوج‏ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ‏ (3) و هو رجوع كل سنخ إلى سنخه ترجع الأجزاء الخبيثة من الطين السنخ، و المنكر للولاية بسيّئاته إلى سنخه المخالف و ترجع الأجزاء الطيبة من الطينة المؤمنة بأعمالها الحسنة إلى معدنها من الأجساد، المؤمن الطيب للطيب و الخبيث للخبيث، لأن الطيب في الخبيث مجاورة عارضة و لها اختيار، فوجب عودها إلى الأصل و كذا الخبيث حكمه أنهم اتخذوا الشياطين الخبيث و الطاغوت يعني فلانا و فلانا أولياء من دون اللّه يعني دون علي، لأن ولاية علي ولاية اللّه‏ وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ‏ (4) يعني بصلاتهم و صومهم، لأنها من غيرهم فهي لغيرهم، لأن ما ليس منهم ليس لهم. هذا آية المزاج لأن القرآن شفاء لما في الصدور و ظاهره نور فوق نور.

يؤيّد هذا التفسير العظيم ما رواه السدي عن ابن عباس عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال: يا علي إن اللّه يحبّك و يحبّ من يحبّك، و إن الملائكة تستغفر لك و لشيعتك و لمحبّي شيعتك، و إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين محبّو علي؟ فيقوم قوم من الصالحين؟ فيقال لهم: خذوا بيد من شئتم و ادخلوا الجنة، و إن الرجل الواحد ينجي من النار ألف رجل، ثم ينادي المنادي:

أين البقية من محبّو علي؟ فيقوم قوم مقتصدون، فيقال لهم: تمنّوا على اللّه ما شئتم؛ فيعطى‏

____________

(1) الشورى: 37.

(2) هود: 61.

(3) الأعراف: 29.

(4) الزخرف: 37.

247

فصل [آل محمّد الاسم الأعظم‏]

ثم أقول له مرشدا إلى الصواب: أ لم تعلم أنّا إذا اعتبرنا الأسماء و الصفات، فإنّا لا نجد أعظم من ثلاثة أسماء: اسم الذات، و اسم الصفات، و اسم هو سرّ الذات و روح الصفات، و هي الكلمة الجارية في سائر الموجودات، فهي سرّ الذات و سرّ الصفات و بها تنفعل الكائنات، فاسم اللّه ا ل ه ا ل ه و هو اسم المقدس و هو علم على ذات الأحد الحق، و اسم الصفات للأحد الواحد و هو محمد، و الاسم الذي هو روح الصفات و سرّ الذات ع ل ي، و هو نور النور، و كل واحد من هذه الثلاثة اسم أعظم، فاسم الجلالة هو الاسم المقدّس و المكرّم، و اسم محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) هو ظاهر الاسم الأعظم، لأن الواحد صورة الوجود، و منبع الموجود، و ظاهر المعدود.

و اسم ع ل ي ظاهر الباطن و باطن الظاهر، فهو الاسم الأعظم بالحقيقة، لأنه جامع سرّ الربوبية، و سرّ النبوّة، و سرّ الولاية، و سرّ الحكم و السلطنة، و سرّ الجبروت و العظمة، و سرّ التصرّف الإلهي. و إليه الإشارة بقوله: وَ لَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى‏ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏ (1)، و هو علي (عليه السلام)؛ و بيان ذلك أنك إذا قلت: ا ل م تضمن بكل حرف منها محمد و علي (عليهما السلام)، و إذا قلت اللّه فإنّه علم على ذات المعبود واجب الوجود، و إذا قلت: يا اللّه، فالياء ناديت، و الاسم ناجيت، و المعنى عنيت، فهو اسم الذات المقدّسة، أو إذا أشبعت ضمة الهاء منه برزت الذات و في طي حروفه اسم علي، فهو يشير بالمعنى إلى ذات الربّ المعبود، و بالحروف إلى الكلمة التي قام بها الوجود، إذا قلت: لا إله إلّا هو، و هي حروف التنزيه و النفي و الإثبات و هي عشرة.

____________

(1) الروم: 27.

244

و عمل صالحا فله الجنة جزاء و عدلا، و إليه الإشارة بقوله: الَّذِينَ آمَنُوا (1) يعني يوم العهد المأخوذ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ‏ يعني في عالم التكليف كانت له جنّات الفردوس نزلا في عالم البعث و الجزاء، لأنهم و صلوا يوم المناداة بيوم الأعمال، فوصله اللّه بيوم المجازاة و حسن المآل.

فصل‏

و أما الطبع فلأن كل شكل يطلب طبعه و يميل إلى جنسه، و ينفر من ضدّه، و أما حكم الأنبياء فمنه قول يوسف (عليه السلام): مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ‏ (2) فيوم القيامة ينزع اللّه ما كان في طينة المؤمن من الخبيث المجاور لها بالامتزاج معها من طينة النواصب من السيئات فيرد إلى النواصب لأنها له و منه و عليه، ثم ينادي: لا ظلم اليوم و ما ربّك بظلّام للعبيد، و إليه الإشارة و الحكمة بقوله: فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ‏ (3) و لأنه كان اللّه قادرا أن يجعل كل جزء منها طيرا بذاته، و لكن القدرة و الحكمة و العدل اقتضى و صول كل جزء منها إلى جزئه! و في ذلك رمز دقيق و هو أن كل طبع يميل إلى طبعه ..

اعترض معترض فقال: هلا طاب الخبيث من الطين بمجاورة الطيب أو خبث الطيب بمجاورة الخبيث؟ قلنا: ليس من الطبع ما ليس في الطبع لأنه يوجد في قطعة الياقوت الأحمر الشفاف نقطة ترابية لم تنتقل بالمجاورة و طول الطبخ في المعادن الجوهرية، بل بقيت على حالها مظلمة فهي مظلمة إلى الأبد. و قد يوجد في الحجر المظلم مثل المغناطيس نقطة تشف ضياء و نورا، و هي مجاورة للظلمة و لم ينتقل إليها فتصير مظلمة، فكذا ما في مزاج المؤمن من طينة المنافق و بالعكس ... و إليه الإشارة بقوله: وَ ما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ (4) إنّما حملوا خطايا جوهرهم و سنخهم و ما هو منهم‏

____________

(1) البقرة: 82.

(2) يوسف: 79.

(3) البقرة: 260.

(4) العنكبوت: 12.

246

كل واحد منهم ما طلب؛ ثم ينادي: أين البقية من محبّي علي؟ فيقوم قوم قد ظلموا أنفسهم، فيقال: أين مبغضو علي؟ فيقوم خلق كثير، فيقال: اجعلوا كل ألف من هؤلاء لواحد من محبّي علي فيجعل أعمال أعدائك لمحبيك فينجون من النار، و أنت الأجلّ الأكرم، و أنت العلي العظيم، محبّك محبّ اللّه و رسوله، و مبغضك مبغض اللّه و رسوله‏ (1).

يتمّم هذا الدليل و التأويل ما رواه جرير عن ابن عمر، عن أبي هريرة، عن ابن عباس قال:

رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قد سجد خمس سجدات بغير ركوع، فقلت: يا رسول اللّه ما هذا؟

فقال: جاءني جبرائيل فقال لي: يا محمد، اللّه يحبّ عليا فسجدت، ثم رفعت رأسي فقال لي: إن اللّه يحب الطاهرة الزكية فاطمة فسجدت، ثم رفعت رأسي فقال لي: إن اللّه يحبّ الحسن فسجدت، ثم رفعت رأسي فقال لي: إنّ اللّه يحبّ الحسين فسجدت، ثم رفعت رأسي فقال لي:

إنّ اللّه يحبّ من أحبّهم فسجدت‏ (2).

فصل‏

عارض من لا يعلم و لا يفهم، جاهل مركب ليس له حظّ من السرّ المبهم، فقال بجهله المحكم: بيّن لنا عليا هو الاسم الأعظم، فقلت له: يا قليل الهداية و بعيد الدراية، أ لم تعلم أن الولاية هي المبدأ و الغاية، و هي أوّل فرض يفرضه العلي، و أوّل خلعة كمال يلبسها النبي، ثم يلبس بعدها خلعة النبوّة و الرسالة، فكم يقرأ في الدعاء فيقول: إنّي أسألك باسمك الذي خلقت به كل شي‏ء و كتبته على كل شي‏ء (3).

____________

(1) بحار الأنوار: 42/ 28 ح 7.

(2) بحار الأنوار: 37/ 59 ح 28 عن المناقب.

(3) بحار الأنوار: 85/ 233- 234 ح 1 و الحديث طويل.

248

و إليها الإشارة بقوله: تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ (1) و معناها أنه لا إله في الوجود الواجب حي موجود لذاته قادر عالم مستحق للعبادة إلّا اللّه، ثم إن أعداد حروفها يتضمّن اسم علي ظاهرا و باطنا، و معناه: اللّه لا إله إلّا اللّه، علي سرّه الخفي، و أمينه الولي، و نوره المشهور في السّماوات و الأرض. (2)

____________

(1) البقرة: 196.

(2) و على هذا يحمل حديث النبي الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله): «بعث علي مع كل نبي سرا و بعث معي جهرا» (شرح دعاء الجوشن: 104، و جامع الأسرار: 382- 401 ح 763- 804، و المراقبات: 259) ..

* مبلغ أسرار علي و آله (عليهم السلام)

و روي بلفظ: «يا علي إن اللّه تعالى قال لي: يا محمد بعثت عليا مع الأنبياء باطنا و معك ظاهرا»، ثم قال صاحب كتاب القدسيات: و صرح بهذا المعنى في قوله: أنت مني بمنزلة هارون من موسى و لكن لا نبي بعدي؛ ليعلموا ان باب النبوة قد ختم و باب الولاية قد فتح (الأنوار النعمانية: 1/ 30).

أقول: يوجه كلام صاحب كتاب القدسيات: أن باب الولاية كان موجودا مع كل نبي سرا، إلّا أنه لم يفتح ظاهرا، فكان الأنبياء جميعا يستفيدون من هذا السرّ الولائي إلى أن وصل إلى النبي الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) فظهر هذا السرّ إلى العلن.

* و يؤيد ذلك:

- ما روي عن أبي محمد العسكري (عليه السلام) قال: «فنحن السنام الأعظم و فينا النبوة و الولاية و الكرم، و نحن منار الهدى و العروة الوثقى، و الأنبياء كانوا يقتبسون من أنوارنا و يقتفون آثارنا» (بحار الأنوار: 26/ 264 باب جوامع مناقبهم ح 49، و مشارق أنوار اليقين: 49) ..

فهذا صريح في أن أنوار محمد و آل محمد (عليه السلام) كانت مع كل نبي سرّا، و الكون ليس لمجرده بل ليستفيدوا منه، و يقتفون آثاره و آثار آل محمد التي لا يعرف تفسيرها إلّا هم، و إلّا كيف يكون للنور السري مع كل نبي أثرا يقتفى و يهتدى به؟!

- و ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) لمن سأله عن فضله على الأنبياء الذين أعطوا من الفضل الواسع و العناية الإلهية قال: «و اللّه قد كنت مع إبراهيم في النار؛ و أنا الذي جعلتها بردا و سلاما، و كنت مع نوح في السفينة فأنجيته من الغرق، و كنت مع موسى فعلّمته التوراة، و أنطقت عيسى في المهد و علمته الإنجيل، و كنت مع يوسف في الجبّ فأنجيته من كيد أخوته، و كنت مع سليمان على البساط و سخرت له الرياح» (الأنوار النعمانية: 1/ 31).

و روى ابن الجوزي و القاضي عياض قول العباس يمدح النبي (صلّى اللّه عليه و آله):

و ردت نار الخليل مكتتما * * * تجول فيها و لست تحترق‏

(الوفا بأحوال المصطفى: 28 الباب الثاني- ح 9، و ينابيع المودة: 13- 14).

يا برد نار الخليل يا سببا * * * لعصمة النار و هي تحترق‏

249

____________

(الشفاء بتعريف حقوق المصطفى: 1/ 167- 168 الباب الثالث).

- و قال القسطلاني في المواهب:

سكن الفؤاد فعش هنيئا يا جسد * * * هذا النعيم هو المقيم إلى الأبد

روح الوجود حياة من هو واجد * * * لو لاه ما تمّ الوجود لمن وجد

عيسى و آدم و الصدور جميعهم‏ * * * هم أعين هو نورها لما ورد

لو أبصر الشيطان طلعة نوره‏ * * * في وجه آدم كان أول من سجد

أو لو رأى النمرود نور جماله‏ * * * عبد الجليل مع الخليل و لا عند

لكن جمال اللّه جل فلا يرى‏ * * * إلّا بتخصيص من اللّه الصمد

(المواهب اللدنية بالمنح المحمدية: 1/ 44).

- و قال الشيخ محمد حسين الأصفهاني:

طأطأ كل الأنبياء لطاها * * * ذلك عزّ عزّ أن يضاهى‏

تقبلت تربة آدم الصفي‏ * * * بيمنه أكرم به من خلف‏

و سجدة الأملاك لا لغرته‏ * * * بل نور ياسين بدا في غرته‏

به نجّى نوح من الطوفان‏ * * * بمرسلات اللطف و الإحسان‏

(الأنوار القدسية: 20).

- و قال الصفوري: لما ألقي ابراهيم في النار كان نور محمد (صلّى اللّه عليه و آله) في جنبه، و عند الذبح كان النور قد انتقل إلى إسماعيل. (نزهة المجالس: 2/ 245).

- ما روي أن الإمام الصادق (عليه السلام) هو الذي أبطل سحر موسى (عليه السلام) (الاختصاص: 247.).

- ما عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام):

«قد صعدنا ذرى الحقائق بأقدام النبوة و الولاية، و نورنا سبع طبقات أعلام الورى بالهداية، فنحن ليوث الوغى و غيوث الندى و طعناء العدى، فينا السيف و القلم في العاجل، و لواء الحمد و العلم في الآجل ... فالكليم لبس حلّة الاصطفاء لما شاهدنا منه الوفاء، و روح القدس في جنان الصاقورة ذاق من حدائقنا الباكورة ... و هذا الكتاب ذرة من جبل الرحمة و قطرة من بحر الحكمة» (المراقبات:

245).

- ما روي في معنى قوله (صلّى اللّه عليه و آله) «اللّه المعطي و أنا القاسم»: جميع ما يخرج من الخزائن الإلهية دنيا و أخرى إنما يخرج على يديه (شرح الشمائل: 2/ 246).

- و حديث أمير المؤمنين (عليه السلام): «أنا آدم الأول أنا نوح الأول» (الإنسان الكامل: 168).

- و قال الشعراوي قلت: «و بذلك قال سيدي على الخواص سمعته يقول: إن نوحا (عليه السلام) أبقى من السفينة لوحا على اسم علي بن أبي طالب رفع عليه إلى السماء فلم يزل محفوظا من الغرق حتى رفع عليه» (الفتوحات الأحمدية لسليمان الجمل: 93).

250

فصل‏

و إذا قلت هو، فهو اسم يشير إلى الهوية التي لا شي‏ء قبلها و لا شي‏ء بعدها، و على الألوهية الحقيقية، لأنه حرف واحد يدل على ذات واحدة لها الجلال و الإكرام، و البقاء و الدوام، و الملك المؤبّد، و السلطان السرمد، و العزّ المنيع، و المجد الرفيع، ثم إن أعداد هذين الحرفين، هي، و فيها اسم علي تأويلا، و ذلك لأن الولي نوره متصل بالجبروت، لأنه وجه الحي الذي لا يموت، و الولي ليس بينه و بين اللّه حجاب، و هو السرّ و الحجاب، فتعين أن في هذه الثلاثة الاسم الأعظم الذي هو سرّ السرّ لمن وعى و دعا، و هو غيب لا يدركه إلّا الأولياء، لأنه ظاهر التقديس، و باطن التنزيه، و سرّ التوحيد، و كلمة الرب المجيد، كلا بل هو إله الآلهة الرفيع جلاله، سرّه الخفي و الجلي، و نوره الوحي، و وجهه المضي، و ضياؤه البهي، و بهاؤه النبي.

دليله: ما ورد في كتب الشيعة على أمير المؤمنين (عليه السلام)، أن إبليس مرّ به يوما فقال له أمير المؤمنين: يا أبا الحارث ما ادخرت لمعادك؟ فقال حبّك‏ (1).

فإذا كان يوم القيامة أخرجت ما ادّخرت من أسمائك التي يعجز عن وصفها واصف، و لك اسم مخفي عن الناس ظاهره عندي، قد رمزه اللّه في كتابه لا يعلمه إلّا اللّه و الراسخون في العلم، فإذا أحب اللّه عبدا كشف اللّه عن بصيرته و علمه إيّاه، فكان ذلك العبد بذلك السرّ غير الأمة حقيقة، و ذلك الاسم هو الذي قامت به السّماوات و الأرض، المتصرّف في الأشياء كيف يشاء.

____________

- و قال رسول البشرية (صلّى اللّه عليه و آله): «أنا محمد النبي الأمي لا نبي بعدي، أوتيت جوامع الكلم و خواتمه، و علّمت خزنة النار و حملة العرش» (الشفاء بتعريف حقوق المصطفى: 1/ 170 الباب الثالث- الفصل الأول).

(1) بحار الأنوار: 27/ 80.

251

و تصديق ذلك من طريق الاعتقاد، أن اللّه سبحانه يقول: عبادي من كانت له إليكم حاجة فسألكم بمن تحبّون أجبتم دعاه؟. ألا فاعلموا أن أحب عبادي إليّ، و أكرمهم لدي، محمد و علي حبيبي و وليّي، فمن كانت له إليّ حاجة فليتوسل إليّ بهما، فإني لا أرد سؤال سائل سألني بهما، فإني لا أرد دعاءه، و كيف أرد دعاء من سألني بحبيبي و صفوتي، و وليّي و حجّتي، و روحي و كلمتي، و نوري و آيتي، و بابي و رحمتي، و وجهي و نعمتي، لا و إني خلقتهم من نور عظمتي، و جعلتهم أهل كرامتي و ولايتي، فمن سألني بهم عارفا بحقّهم و مقامهم، وجبت له منّي الإجابة؛ و كان ذلك حق علي‏ (1).

و الاسم الأعظم هو ما يجاب به الدعاء؛ فهم الاسم الأعظم و الصراط الأقوم، و إليه الإشارة بقوله: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى‏ (2)، سبّح ربك العظيم، و الأعلى اسم الذات، و العظيم جامع للذات و الصفات.

دليله ما ورد عنه حين رد الشمس، فقيل له: بما رجعت الشمس لك يا أمير المؤمنين؟

فقال (عليه السلام): سألت اللّه باسمه الأعظم فردّها إليّ‏ (3).

و روي أنه قال في دعائه عند الرجوع: باسمك العزيز، باسمك العظيم، و العزيز محمد، و العظيم علي‏ (4)، فمعنى قوله: سبّح اسم ربك العظيم، معناه سبّح اسم ربك العظيم الأعلى باسمه العظيم الأعلى، لأن تقديس الصفات توحيد الذات، و محمد و علي في العظمة أعلى من كل موجود، لأنّهما على الوجود، و حقيقة الموجود، و أقرب إلى الذات من سائر الصفات.

و إليه الإشارة بقوله: فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى‏ (5)، و ليس ذلك قرب المكان، لأن الرحمن جل عن المكان، بل ذلك قرب الصفات من الذات، و ذاك قرب الواحد من الأحد، لأنه الكلمة العليا التي لم تسبقها كلمة في الأزل، و لم تزل، و النور الذي شعشع عنه الوجود،

____________

(1) و سائل الشيعة: 4/ 1142 و 7/ 102.

(2) الأعلى: 1.

(3) بصائر الدرجات: 217 ح 1- 4 باب ان عنده الاسم الأعظم.

(4) الصحيفة الصادقية: 232.

(5) النجم: 9.

252

و انتشر من كماله كل موجود، و الاسم المقدم على سائر الصفات، لأن الأحدية تعرف بالوحدانية، فهو الاسم العلي العظيم .. و إليه الإشارة في التخصيص بقوله: فَأَوْحى‏ إِلى‏ عَبْدِهِ ما أَوْحى‏ (1)، و المراد بالعبد هنا القرب، لأنه في المقام الخاص، فسمّاه بالاسم الخاص و كان الوحي إليه في ذلك المكان، أن عليا أمير المؤمنين، و قائد الغرّ المحجلين.

فصل [أسرار الفاتحة]

و بيان الفصل، اعلم أن أسرار الكتب الإلهية، و سرّ الولاية، و الهداية، و الرسالة، و الاسم الأكبر، و سر الغيب، في فاتحة الكتاب؛ و سرّ الفاتحة في مفتاحها، و هي بسم اللّه الرحمن الرحيم، و فيها إشارات ثلاث:

الأولى: قوله سبحانه: وَ إِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ‏ (2)، و المراد من الذكر و الوحدة قوله بسم اللّه الرحمن الرحيم، لأنها ذكر اللّه وحده.

الثانية: أن عدد حروفها 19، و عدد اسم و ا ح د 19 فهي، محتوية من الوحدة و التوحيد و الوحدانية، و الواحد صفة الأحد، و الواحد هو النور الأول، و هذا ذكر الذات بظاهر اسمها الأعظم.

الثالثة: قوله: بسم اللّه، و هو إشارة إلى باطن السين، و سرّ السين الذي بين الباء و الميم، الذي قال فيه أمير المؤمنين (عليه السلام): «أنا باطن السين، و أنا سر السين» و هو الاسم المخزون، و هو باطن الاسم الأعظم، فإذا فتح الباب لأولي الألباب، فاستخرجوا من أسرار الكتاب اسما جامعا للذات و الصفات، و سرّ الذات و الصفات، فذلك هو الاسم الأعظم الذي تجاب [به‏] الدعوات، و تنفعل به الكائنات.

____________

(1) النجم: 10.

(2) الاسراء: 26.

253

فصل‏

ب س م ا ل ل ه، أما سر الباء فإنّها للنبوّة، و النقطة الولاية، 2 إن السين عدده 10، أو هي اسم علي، و الميم و عددها 92 و هي اسم محمد قاسم اللّه الذي به بدأ فساواهما، الألف المعطوف لا الكلمة التامّة التي ظهر بها الوجود، و فاض سرّها كل موجود، لأن عن الواحد انبسط كل معدود.

فصل [بعلي (عليه السلام) تكوّنت الكائنات‏]

و الدليل على صحّة هذه المباحث و التأويل، ما رواه عمّار عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في كتاب الواحدة، أنه قال: «يا عمّار باسمي تكوّنت الكائنات و الأشياء، و باسمي دعا سائر الأنبياء، و أنا اللوح، و أنا القلم، و أنا العرش، و أنا الكرسي، و أنا السّماوات السبع، و أنا الأسماء الحسنى، و الكلمات العليا (1)، و أين كان اسم علي كان اسم محمد من غير عكس، لدخول الولاية تحت النبوّة، كدخول الإنسان تحت الحيوان، فأين كان الإنسان كان الحيوان من غير عكس .. و إليه الإشارة بقوله في صدر القرآن الشريف العظيم و أوّل الذكر الحكيم (ا ل م)، قال: حرف من حروف الاسم الأعظم‏ ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ‏، قال: الكتاب: علي لا شك فيه‏ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ‏، قال: التقوى ما يحرز من النار، و ما يحرز من النار إلّا حبّ علي، فحب علي هو التقوى بالحقيقة، و كل تقوى غيره فهو مجاز، لأنها لا تحرز من النار.

قوله: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ‏ (2)، قال: الغيب يوم الرجعة، و يوم القيامة، و يوم القائم، و هي أيام آل محمد.

و إليها الإشارة بقوله: وَ ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ‏ (3)، فالرجعة لهم، و يوم القيامة لهم، و يوم القائم‏

____________

(1) جامع الأسرار: 205 ح 394.

(2) الآيات من أوّل سورة البقرة.

(3) إبراهيم: 5.

254

لهم، و حكمه إليهم، و معول المؤمنين فيه عليهم.

و قوله الذين: يُقِيمُونَ الصَّلاةَ، قال: الصلاة بالحقيقة حب علي، إن الصلاة هي الصلة باللّه، و لا صلة للعبد بعفو الرب و رحمته و جواره إلّا بحب علي، فمن أقام حب علي فقد أقام الصلاة، و كل صلاة غيرها من المكتوبة المشروعة إذا لم يكن معها الولاية فهي مجاز، لا بل ضلال و وبال، لأنه قد عبد اللّه بغير ما أمر، فهو ضال في سلوكه، عاص في طاعته، معاقب في عبادته.

قوله: وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ‏، قال: الإنفاق الواجب الذي تحيى فيه النفوس، و تنجو به الأرواح و الأجساد من العذاب الأليم، و هو معرفة آل محمد، و كل إنفاق غير هذا فهو مجاز، و إن كان واجب الانفاق، و ما أفعل بإنفاق يقوى به النفاق؟

قوله: وَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ‏، يعني في حق علي، لأنهم إن لم يؤمنوا بما أنزل في حق علي فليس إيمانهم بغيره إيمانا، و إن قيل إيمان فهو مجاز لا ينفع .. و إليه الإشارة بقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا (1)؛ فذكر أنهم آمنوا و سمّاهم مؤمنين، ثم قال لهم: آمنوا، و هذا تنافس، و ليس بتناقض، و لكن معناه: يا أيها الذين آمنوا بمحمد آمنوا بعلي حتى يتم إيمانكم.

قوله: أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ‏، يعني في حق علي.

قوله: وَ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ‏ (2)، يعني يصدقون أن حكم الآخرة لعلي، كما أن حكم الدنيا مسلم إليه، أُولئِكَ عَلى‏ هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ‏، قال بهذا الدين.

وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏ قال: بهذه المعرفة.

____________

(1) النساء: 136.

(2) الآيات من أوّل سورة البقرة.

256

أهل ولايتي الذين استبصروا بنور هدايتي، يا سلمان، نحن سرّ اللّه الذي لا يخفى، و نوره الذي لا يطفى، و نعمته التي لا تجزى، أوّلنا محمد، و أوسطنا محمد، و آخرنا محمد، فمن عرفنا فقد استكمل الدين القيم.

يا سلمان و يا جندب، كنت و محمدا نورا نسبّح قبل المسبّحات، و نشرق قبل المخلوقات، فقسم اللّه ذلك النور نصفين: نبي مصطفى، و وصي مرتضى، فقال اللّه عز و جل لذلك النصف:

كن محمدا، و للآخر كن عليا، و لذلك قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): أنا من علي، و علي منّي، و لا يؤدي عنّي إلّا أنا أو علي‏ (1) و إليه الإشارة بقوله: وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ‏ (2)، و هو إشارة إلى اتحادهما في عالم الأرواح و الأنوار، و مثله قوله: أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ‏ (3)، و المراد هنا مات أو قتل الوصي، لأنّهما شي‏ء واحد، و معنى واحد، و نور واحد، اتّحدا بالمعنى و الصفة، و افترقا بالجسد و التسمية، فهما شي‏ء واحد في عالم الأرواح «أنت روحي التي بين جنبيّ» (4)، و كذا في عالم الأجساد: «أنت منّي و أنا منك ترثني و أرثك» (5)، «أنت منّي بمنزلة الروح من الجسد».

و إليه الإشارة بقوله: صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً (6)، و معناه صلّوا على محمد، و سلّموا لعلي أمره، فجمعهما في جسد واحد جوهري، و فرّق بينهما بالتسمية و الصفات في الأمر، فقال: صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً، فقال: صلّوا على النبي، و سلّموا على الوصي، و لا تنفعكم صلواتكم على النبي بالرسالة إلّا بتسليمكم على علي بالولاية.

يا سلمان و يا جندب، و كان محمد الناطق، و أنا الصامت، و لا بد في كل زمان من صامت و ناطق، فمحمد صاحب الجمع، و أنا صاحب الحشر، و محمد المنذر، و أنا الهادي، و محمد صاحب الجنة، و أنا صاحب الرجعة، محمد صاحب الحوض، و أنا صاحب اللواء، محمد صاحب المفاتيح، و أنا صاحب الجنة و النار، و محمد صاحب الوحي، و أنا صاحب الإلهام، محمد

____________

(1) مسند أحمد: 1/ 98 ط م و: 159 ح 772 ط. ب و صحيح الترمذي: 5/ 632 ح 3712.

(2) آل عمران: 61.

(3) آل عمران: 144.

(4) تقدّم الحديث.

(5) تقدّم الحديث.

(6) الأحزاب: 56.

255

فصل [معرفة الإمام بالنورانية]

و من هذا الباب ما رواه سلمان، و أبو ذر، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: من كان ظاهره في ولايتي أكثر من باطنه خفّت موازينه؛ يا سلمان لا يكمل المؤمن إيمانه حتى يعرفني بالنورانية، و إذا عرفني بذلك فهو مؤمن، امتحن اللّه قلبه للإيمان، و شرح صدره للإسلام، و صار عارفا بدينه مستبصرا، و من قصر عن ذاك فهو شاك مرتاب، يا سلمان و يا جندب، إن معرفتي بالنورانية معرفة اللّه، و معرفة اللّه معرفتي، و هو الدين الخالص، بقول اللّه سبحانه:

وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ‏ (1) و هو الإخلاص، و قوله: حُنَفاءَ و هو الإقرار بنبوّة محمد (صلّى اللّه عليه و آله)، و هو الدين الحنيف، و قوله: وَ يُقِيمُوا الصَّلاةَ، و هي ولايتي، فمن و الاني فقد أقام الصلاة، و هو صعب مستصعب.

وَ يُؤْتُوا الزَّكاةَ، و هو الإقرار بالأئمة، وَ ذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ أي و ذلك دين اللّه القيم.

شهد القرآن أن الدين القيم الإخلاص بالتوحيد، و الإقرار بالنبوّة و الولاية، فمن جاء بهذا فقد أتى بالدين.

يا سلمان و يا جندب، المؤمن الممتحن الذي لم يرد عليه شي‏ء من أمرنا، إلّا شرح اللّه صدره لقبوله، و لم يشك و لم يرتب، و من قال لم و كيف فقد كفر، فسلموا للّه أمره، فنحن أمر اللّه، يا سلمان و يا جندب، إنّ اللّه جعلني أمينه على خلقه، و خليفته في أرضه و بلاده و عباده، و أعطاني ما لم يصفه الواصفون، و لا يعرفه العارفون، فإذا عرفتموني هكذا فأنتم مؤمنون، يا سلمان قال اللّه تعالى: وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ فالصبر محمد، و الصلاة ولايتي، و لذلك قال: وَ إِنَّها لَكَبِيرَةٌ، و لم يقل و إنهما، ثم قال: إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ‏ (2)، فاستثنى‏

____________

(1) البينة: 5، و كان في المطبوع: و ما أمروا إلّا بالتوحيد.

(2) البقرة: 45.

257

صاحب الدلالات، و أنا صاحب المعجزات، محمد خاتم النبيين، و أنا خاتم الوصيين، محمد صاحب الدعوة، و أنا صاحب السيف و السطوة، محمد النبي الكريم، و أنا الصراط المستقيم، محمد الرءوف الرحيم، و أنا العلي العظيم.

يا سلمان، قال اللّه سبحانه: يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى‏ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ‏ (1)، و لا يعطي هذا الروح إلّا من فوّض إليه الأمر و القدر، و أنا أحيي الموتى، و اعلم ما في السّماوات و الأرض، و أنا الكتاب المبين، يا سلمان، محمد مقيم الحجّة، و أنا حجّة الحق على الخلق، و بذلك الروح عرج به إلى السماء، أنا حملت نوحا في السفينة، أنا صاحب يونس في بطن الحوت، و أنا الذي حاورت موسى في البحر، و أهلكت القرون الأولى، أعطيت علم الأنبياء و الأوصياء، و فصل الخطاب، و بي تمّت نبوّة محمد، أنا أجريت الأنهار و البحار، و فجّرت الأرض عيونا، أنا كاب الدنيا لوجهها، أنا عذاب يوم الظلة، أنا الخضر معلّم موسى، أنا معلم داود و سليمان، أنا ذو القرنين، أنا الذي دفعت سمكها بإذن اللّه عز و جل، أنا دحوت أرضها، أنا عذاب يوم الظلة، أنا المنادي من مكان بعيد، أنا دابة الأرض، أنا كما يقول لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):

أنت يا علي ذو قرنيها، و كلا طرفيها، و لك الآخرة و الأولى، يا سلمان إن ميّتنا إذا مات لم يمت، و مقتولنا لم يقتل، و غائبنا إذا غاب لم يغب، و لا نلد و لا نولد في البطون، و لا يقاس بنا أحد من الناس، أنا تكلّمت على لسان عيسى في المهد، أنا نوح، أنا إبراهيم، أنا صاحب الناقة، أنا صاحب الراجفة، أنا صاحب الزلزلة. أنا اللوح المحفوظ، إليّ انتهى علم ما فيه، أنا أنقلب في الصور كيف شاء اللّه، من رآهم فقد رآني، و من رآني فقد رآهم، و نحن في الحقيقة نور اللّه الذي لا يزول و لا يتغيّر.

يا سلمان، بنا شرف كل مبعوث، فلا تدعونا أربابا، و قولوا فينا ما شئتم، ففينا هلك و بنا نجي. يا سلمان، من آمن بما قلت و شرحت فهو مؤمن، امتحن اللّه قلبه للإيمان، و رضي عنه، و من شك و ارتاب فهو ناصب، و إن ادعى ولايتي فهو كاذب.

يا سلمان أنا و الهداة من أهل بيتي سرّ اللّه المكنون، و أولياؤه المقرّبون، كلّنا واحد، و سرّنا واحد، فلا تفرّقوا فينا فتهلكوا، فإنّا نظهر في كل زمان بما شاء الرحمن، فالويل كل الويل لمن‏

____________

(1) غافر: 15.

258

أنكر ما قلت، و لا ينكره إلّا أهل الغباوة، و من ختم على قلبه و سمعه و جعل على بصره غشاوة، يا سلمان، أنا أبو كل مؤمن و مؤمنة، يا سلمان، أنا الطامة الكبرى، أنا الآزفة إذا أزفت، أنا الحاقة، أنا القارعة، أنا الغاشية، أنا الصاخة، أنا المحنة النازلة، و نحن الآيات و الدلالات و الحجب و وجه اللّه، أنا كتب اسمي على العرش فاستقر، و على السّماوات فقامت، و على الأرض ففرشت، و على الريح فذرت، و على البرق فلمع، و على الوادي فهمع، و على النور فقطع، و على السحاب فدمع، و على الرعد فخشع، و على الليل فدجى و أظلم، و على النهار فأنار و تبسّم‏ (1).

فصل [في أسرار علي (عليه السلام) أيضا]

و من ذلك ما ورد عنه في كتاب الواحدة، قال: خطب أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال: الحمد للّه مدهر الدهور، و مالك مواضي الأمور، الذي كنّا بكينونيته، قبل خلق التمكين في التكوين أوليين أزليين لا موجودين، منه بدأنا و إليه نعود، ألا إن الدهر فينا قسمت حدوده، و لنا أخذت عهوده، و إلينا ترد شهوده، فإذا استدارت ألوف الأطوار، و تطاول الليل و النهار، فلا لعلامة العلامة دون العامة و السامة، الاسم الأضخم، العالم غير المعلم، أنا الجنب، و الجانب محمد، العرش عرش اللّه على الخلائق، أنا باب المقام، و حجّة الخصام، و دابة الأرض، و صاحب العصر (2)، و فصل القضاء، و سفينة النجاة، لم تقم الدعائم بتخوم الأقطار، و لا أعمدة فساطيط السجاف إلّا على كواهل أمورنا، أنا بحر العلم، و نحن حجّة الحجاب، فإذا استدار الفلك، و قيل مات أو هلك، ألا إن طرفي حبل المتين، إلى قرار الماء المعين، إلى بسيط التمكين، إلى وراء بيضاء الصين، إلى مصارع قبور الطالقانيين، إلى نجوم ياسين، و أصحاب السين من العليين العالمين، و كتم أسرار طواسين، إلى البيداء الغبراء، إلى حد هذا الثرى، أنا ديّان الدين، لأركبنّ السحاب، و لأضربنّ الرقاب، و لأهدمنّ إرما حجرا حجرا، و لأجلس على حجر لي بدمشق، و لأسومنّ العرب سوم المنايا، فقيل متى هذا؟ فقال: إذا مت و صرت إلى التراب‏ (3)،

____________

(1) باختصار في عيون الحكم و المواعظ: 167.

(2) في البحار العصا.

(3) و هو يشير إلى حديث الرجعة.

261

بسيفي هذا، أنا صاحب جبريل، أنا تابع ميكائيل، أنا شجرة الهدى، أنا علم التقى، أنا حاشر الخلق إلى اللّه بالكلمة التي بها يجمع الخلائق، أنا منشئ‏ (1) الأنام، أنا جامع الأحكام، أنا صاحب القضيب الأزهر و الجمل الأحمر، أنا باب اليقين، أنا أمير المؤمنين، أنا صاحب الخضر، أنا صاحب البيضاء، أنا صاحب الفيحاء، أنا قاتل الأقران، أنا مبيد الشجعان، أنا صاحب القرون الأوّلين، أنا الصدّيق الأكبر، أنا الفاروق الأعظم، أنا المتكلّم بالوحي، أنا صاحب النجوم، أنا مدبرها بأمر ربّي و علم اللّه الذي خصّني به، أنا صاحب الرايات الصفر، أنا صاحب الرايات الحمر، أنا الغائب المنتظر لأمر العظيم، أنا المعطي، أنا المبذل، أنا القابض يدي على القبض، الواصف لنفسي، أنا الناظر لدين ربّي، أنا الحامي لابن عمّي، أنا مدرجة في الأكفان، أنا والي الرحمن، أنا صاحب الخضر و هارون، أنا صاحب موسى و يوشع بن نون، أنا صاحب الجنة، أنا صاحب القطر و المطر، أنا صاحب الزلازل و الخسوف، أنا مروع الألوف، أنا قاتل الكفّار، أنا إمام الأبرار، أنا البيت المعمور، أنا السقف المرفوع، أنا البحر المسجور، أنا باطن الحرم، أنا عماد الأمم، أنا صاحب الأمر الأعظم، هل من ناطق يناطقني؟

أنا النار، و لو لا أني أسمع كلام اللّه و قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لوضعت سيفي فيكم و قتلتكم عن آخركم، أنا شهر رمضان، أنا ليلة القدر، أنا أمّ الكتاب، أنا فصل الخطاب، أنا سورة الحمد، أنا صاحب الصلاة في الحضر و السفر، بل نحن الصلاة و الصيام و الليالي و الأيام و الشهور و الأعوام، أنا صاحب الحشر و النحر، أنا الواضع عن أمّة محمد الوزر، أنا باب السجود، أنا العابد، أنا المخلوق، أنا الشاهد، أنا المشهود، أنا صاحب السندس الأخضر، أنا المذكور في السّماوات و الأرض، أنا الماضي مع رسول اللّه في السّماوات، أنا صاحب الكتاب و القوس، أنا صاحب شيث بن آدم، أنا صاحب موسى و إرم، أنا بي تضرب الأمثال، أنا السماء الخضر، أنا صاحب الدنيا الغبراء، أنا صاحب الغيث بعد القنوط.

ها أنا ذا فمن ذا مثلي، أنا صاحب الرعد الأكبر، أنا صاحب البحر الأكدر، أنا مكلّم الشمس، أنا الصاعقة على الأعداء، أنا غوث من أطاع من الورى و اللّه ربي لا إله غيره، ألا و إن للباطل جولة و للحق دولة، و إني ظاعن عن قريب فارتقبوا الفتنة الأموية و الدولة الكسروية، ثم‏

____________

(1) في الأصل المطبوع: منشاء.

260

فصل [خطبة الافتخار]

و من ذلك ما ورد عنه في خطبة الافتخار، رواها الأصبغ بن نباتة قال: خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال في خطبته: أنا أخو رسول اللّه و وارث علمه، و معدن حكمه، و صاحب سرّه، و ما أنزل اللّه حرفا في كتاب من كتبه إلّا و قد صار إليّ، و زاد لي علم ما كان و ما يكون إلى يوم القيامة، أعطيت علم الأنساب و الأسباب، و أعطيت ألف مفتاح يفتح كل مفتاح ألف باب، و مددت بعلم القدر، و إن ذلك يجري في الأوصياء من بعدي ما جرى الليل و النهار حتى يرث اللّه الأرض و من عليها، و هو خير الوارثين.

أعطيت الصراط و الميزان و اللواء و الكوثر، أنا المقدّم على بني آدم يوم القيامة، أنا المحاسب للخلق، أنا منزلهم منازلهم، أنا عذاب أهل النار، ألا كل ذلك فضل من اللّه عليّ، و من أنكر أن لي في الأرض كرة بعد كرة و عودا بعد رجعة، حديثا كما كنت قديما، فقد ردّ علينا، و من ردّ علينا فقد رد على اللّه.

أنا صاحب الدعوات، أنا صاحب الصلوات، أنا صاحب النقمات، أنا صاحب الدلالات، أنا صاحب الآيات العجيبات، أنا عالم أسرار البريات، أنا قرن من حديد، أنا أبدا جديد، أنا منزل الملائكة منازلها، أنا آخذ العهد على الأرواح في الأزل، أنا المنادي لهم أ لست بربّكم بأمر قيوم لم يزل.

أنا كلمة اللّه الناطقة في خلقه، أنا آخذ العهد على جميع الخلائق في الصلوات، أنا غوث الأرامل و اليتامى، أنا باب مدينة العلم، أنا كهف الحلم، أنا دعامة اللّه القائمة، أنا صاحب لواء الحمد، أنا صاحب الهبات بعد الهبات و لو أخبرتكم لكفرتم، أنا قاتل الجبابرة، أنا الذخيرة في الدنيا و الآخرة، أنا سيّد المؤمنين، أنا علم المهتدين، أنا صاحب اليمين، أنا اليقين، أنا إمام المتّقين، أنا السابق إلى الدين، أنا حبل اللّه المتين، أنا الذي أملأها عدلا كما ملئت ظلما و جورا

259

و سوّي عليّ اللبن و ضربت عليّ القباب‏ (1).

فصل [كنه علي (عليه السلام)‏]

و من خطبة له (عليه السلام)، بعد انصرافه من قتل الخوارج، فقال فيها بعد حمد اللّه و الصلوات على محمد (صلّى اللّه عليه و آله): أنا أوّل المسلمين، أنا أوّل المؤمنين، أنا أوّل المصلّين، أنا أوّل الصائمين، أنا أوّل المجاهدين، أنا حبل اللّه المتين، أنا سيف رسول ربّ العالمين، أنا الصدّيق الأكبر، أنا الفاروق الأعظم، أنا باب مدينة العلم، أنا رأس الحلم، أنا راية الهدى، أنا مفتي العدل، أنا سراج الدين، أنا أمير المؤمنين، أنا إمام المتّقين، أنا سيّد الوصيّين، أنا يعسوب الدين، أنا شهاب اللّه الثاقب، أنا عذاب اللّه الواصب، أنا البحر الذي لا ينزف، أنا الشرف الذي لا يوصف، أنا قاتل المشركين، أنا مبيد الكافرين، أنا غوث المؤمنين، أنا قائد الغرّ المحجلين، أنا أضراس جهنّم القاطعة، أنا رحاها الدائرة، أنا ساق أهلها إليها، أنا ملقي حطبها عليها.

أنا اسمي في الصحف عاليا، و في التوراة بريا، و عند العرب عليا، و إن لي أسماء في القرآن عرفها من عرفها.

أنا الصادق الذي أمركم اللّه باتباعه فقال: وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ‏ (2)، أنا صالح المؤمنين، أنا المؤذن في الدنيا و الآخرة، أنا المتصدّق راكعا، أنا الفتى ابن الفتى أخو الفتى، أنا الممدوح ب هَلْ أَتى‏، أنا وجه اللّه، أنا جنب اللّه، أنا علم اللّه، أنا عندي علم ما كان و ما يكون إلى يوم القيامة، لا يدّعي ذلك أحد و لا يدفعني عنه أحد، جعل اللّه قلبي مضيئا، و عملي رضيا، لقنني ربي الحكمة و غذاني بها، لم أشرك باللّه منذ خلقت، و لم أجزع منذ حملت، قتلت صناديد العرب و فرسانها، و أفنيت ليوثها و شجعانها، أيّها الناس، سلوني عن علم مخزون و حكمة مجموعة (3).

____________

(1) البحار: 41/ 5 ح 5 بتفاوت. و قريب منه في: 40/ 55 ح 90 ضمن حديث طويل عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله).

(2) الدهر: 1.

(3) نفحات الأزهار للميلاني: 10/ 213.

262

تقبل دولة بني العباس بالفرج و البأس، و تبنى مدينة يقال لها الزوراء بين دجلة و دجيل و الفرات، ملعون من سكنها، منها تخرج طينة الجبّارين، تعلى فيها القصور، و تسبل الستور، و يتعلون بالمكر و الفجور، فيتداولها بنو العباس 42 ملكا على عدد سني الملك، ثم الفتنة الغبراء، و القلادة الحمراء في عنقها قائم الحق، ثم أسفر عن وجهي بين أجنحة الأقاليم كالقمر المضي‏ء بين الكواكب، ألا و إن لخروجي علامات عشرة، أوّلها تحريف الرايات في أزقة الكوفة، و تعطيل المساجد، و انقطاع الحاج، و خسف و قذف بخراسان، و طلوع الكوكب المذنب، و اقتران النجوم، و هرج و مرج و قتل و نهب، فتلك علامات عشرة، و من العلامة إلى العلامة عجب، فإذا تمّت العلامات قام قائمنا قائم الحق .. ثم قال: معاشر الناس نزهوا ربّكم و لا تشيروا إليه، فمن حد الخالق فقد كفر بالكتاب الناطق، ثم قال: طوبى لأهل ولايتي الذين يقتلون فيّ، و يطردون من أجلي، هم خزّان اللّه في أرضه، لا يفزعون يوم الفزع الأكبر، أنا نور اللّه الذي لا يطفى، أنا السرّ الذي لا يخفى‏ (1).

يؤيّد هذا الكلام و المقام ما ورد في الأمالي عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال: يا معشر قريش، كيف بكم و قد كفرتم بعدي، ثم رأيتموني في كتيبة من أصحابي أضرب وجوهكم بالسيف، أنا و علي بن أبي طالب (عليه السلام).

فنزل جبرئيل مسرعا، و قال: قل إن شاء اللّه‏ (2). (3).

____________

(1) راجع بحار الأنوار: 38/ 78 ح 1 و: 39/ 227 ح 1.

(2) بحار الأنوار: 32/ 304 ح 268 و: 37/ 113 ح 6.

(3) في البحار: قل: إن شاء اللّه أو علي.

263

فصل [خطبة التطنجية]

و من خطبة له (عليه السلام) تسمّى التطنجية، ظاهرها أنيق، و باطنها عميق، فليحذر قارئها من سوء ظنّه، فإن فيها من تنزيه الخالق ما لا يطيقه أحد من الخلائق، خطبها أمير المؤمنين (عليه السلام) بين الكوفة و المدينة، فقال: الحمد للّه الذي فتق الأجواء و خرق الهواء، و علق الأرجاء و أضاء الضياء، و أحيى الموتى و أمات الأحياء، أحمده حمدا سطع فأرفع، و شعشع فلمع، حمدا يتصاعد في السماء إرساله، و يذهب في الجو اعتداله، خلق السّماوات بلا دعائم، و أقامها بغير قوائم، و زيّنها بالكواكب المضيئات، و حبس في الجو سحائب مكفهرات، و خلق البحار و الجبال على تلاطم تيار رفيق رئيق، فتق رتجاها (1) فتغطمطت أمواجها، أحمده و له الحمد، و أشهد أن لا إله إلّا هو، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله، انتجبه من البحبوحة العليا، و أرسله في العرب، و ابتعثه هاديا مهديا حلاحلا (2) طلسميا، فأقام الدلائل، و ختم الرسائل، بصّر به المسلمين، و أظهر به الدين، (صلّى اللّه عليه و آله) الطاهرين.

أيّها الناس، أنيبوا إلى شيعتي، و التزموا بيعتي، و واظبوا على الدين بحسن اليقين، و تمسّكوا بوصي نبيّكم الذي به نجاتكم، و بحبّه يوم الحشر منجاتكم، فأنا الأمل و المأمول.

أنا الواقف على التطنجين، أنا الناظر إلى المغربين و المشرقين، رأيت رحمة اللّه و الفردوس‏ (3) رأي العين، و هو في البحر السابع يجري في الفلك في زخاخيره النجوم و الحبك، و رأيت الأرض ملتفة كالتفاف الثوب القصور، و هي في خزف من التطنج الأيمن ممّا يلي المشرق و التطنجان، خليجان من ماء كأنهما أيسار تطنجين، و أنا المتولي دائرتها، و ما

____________

(1) كذا و الظاهر: رتاجها و في الزام الناصب: و لجاها.

(2) كذا بالأصل.

(3) في الأصل أفردوس.

264

الفردوس؟ و ما هم فيه إلّا كالخاتم في الإصبع، و لقد رأيت الشمس عند غروبها و هي كالطاير المنصرف إلى و كره، و لو لا اصطكاك رأس الفردوس، و اختلاط التطنجين، و صرير الفلك، يسمع من في السّماوات و الأرض رميم حميم دخولها في الماء الأسود، و هي العين الحمئة، و لقد علمت من عجائب خلق اللّه ما لا يعلمه إلّا اللّه، و عرفت ما كان و ما يكون و ما كان في الذر الأوّل مع من تقدّم من آدم الأول، و لقد كشف لي فعرفت، و علمني ربي فتعلّمت، ألا فعوا و لا تضجوا و لا ترتجوا فلولا خوفي عليكم أن تقولوا جن أو ارتد لأخبرتكم بما كانوا و ما أنتم فيه و ما تلقونه إلى يوم القيامة، علم أو عز إلي فعلمت، و لقد ستر علمه عن جميع النبيين إلّا صاحب شريعتكم هذه (صلوات الله عليه) و آله، فعلّمني علمه، و علمته علمي، ألا و إنّا نحن النذر الأولى، و نحن نذر الآخرة و الأولى، و نذر كل زمان و أوان، و بنا هلك من هلك، و بنا نجا من نجا، فلا تستطيعوا ذلك فينا، فو الذي فلق الحبة، و برأ النسمة، و تفرّد بالجبروت و العظمة، لقد سخرت لي الرياح و الهواء و الطير، و عرضت عليّ الدنيا، فأعرضت عنها، أنا كاب الدنيا لوجهها فحنى، متى يلحق بي اللواحق، لقد علمت ما فوق الفردوس الأعلى، و ما تحت السابعة السفلى، و ما في السّماوات العلى، و ما بينهما و ما تحت الثرى.

كل ذلك علم إحاطة لا علم أخبار، أقسم بربّ العرش العظيم، لو شئت أخبرتكم بآبائكم و أسلافكم أين كانوا و ممّن كانوا و أين هم الآن و ما صاروا إليه، فكم من آكل منكم لحم أخيه، و شارب برأس أبيه، و هو يشتاقه و يرتجيه.

هيهات هيهات، إذا كشف المستور، و حصل ما في الصدور، و علم أين الضمير، و أيم اللّه لقد كوزتم كوزات، و كررتم كرات، و كم بين كرة و كرة من آية و آيات، ما بين مقتول و ميّت، فبعض في حواصل الطيور، و بعض في بطون الوحش، و الناس ما بين ماض و زاج‏ (1)، و رايح و غاد، و لو كشف لكم ما كان منّي في القديم الأول، و ما يكون منّي في الآخرة، لرأيتم عجائب مستعظمات، و أمورا مستعجبات، و صنائع و إحاطات، أنا صاحب الخلق الأوّل قبل نوح الأول، و لو علمتم ما كان بين آدم و نوح من عجائب اصطنعتها، و أمم أهلكتها: فحق عليهم القول، فبئس ما كانوا يفعلون. أنا صاحب الطوفان الأوّل، أنا صاحب الطوفان الثاني، أنا

____________

(1) كذا بالأصل.

265

صاحب سيل العرم، أنا صاحب الأسرار المكنونات، أنا صاحب عاد و الجنات، أنا صاحب ثمود و الآيات، أنا مدمّرها، أنا مزلزلها، أنا مرجعها، أنا مهلكها، أنا مدبرها، أنا بانيها، أنا داحيها، أنا مميتها، أنا محييها، أنا الأوّل، أنا الآخر، أنا الظاهر، أنا الباطل، أنا مع الكور قبل الكور، أنا مع الدور قبل الدور، أنا مع القلم قبل القلم، أنا مع اللوح قبل اللوح، أنا صاحب الأزلية الأولية، أنا صاحب جابلقا و جابرسا، أنا صاحب الرفوف و بهرم، أنا مدبر العالم الأول حين لا سماؤكم هذه و لا غبراؤكم.

قال: فقام إليه ابن صويرمة فقال: أنت أنت يا أمير المؤمنين؟

فقال: أنا أنا لا إله إلّا اللّه ربّي و رب الخلائق أجمعين، له الخلق و الأمر، الذي دبّر الأمور بحكمته، و قامت السّماوات و الأرض بقدرته، كأني بضعيفكم يقول أ لا تسمعون إلى ما يدّعيه ابن أبي طالب في نفسه، و بالأمس تكفهر عليه عساكر أهل الشام فلا يخرج إليها؟

و باعث محمد و إبراهيم! لأقتلن أهل الشام بكم قتلات و أي قتلات، و حقي و عظمتي لأقتلنّ أهل الشام بكم قتلات و أي قتلات، و لأقتلن أهل صفين بكل قتلة سبعين قتلة، و لأردنّ إلى كل مسلم حياة جديدة، و لأسلمن إليه صاحبه و قاتله، إلى أن يشفى غليل صدري منه، و لأقتلن بعمّار بن ياسر و بأويس القرني ألف قتيل أو لا يقال لا و كيف و أين و متى و أنى و حتى، فكيف إذا رأيتم صاحب الشام ينشر بالمناشير، و يقطع بالمساطير، ثم لأذيقنّه أليم العقاب، ألا فابشروا، فإليّ يرد أمر الخلق غدا بأمر ربي، فلا يستعظم ما قلت، فإنا أعطينا علم المنايا و البلايا، و التأويل و التنزيل، و فصل الخطاب و علم النوازل، و الوقائع و البلايا، فلا يعزب عنّا شي‏ء.

كأني بهذا و أشار إلى الحسين (عليه السلام) قد ثار نوره بين عينيه، فأحضره لوقته بحين طويل يزلزلها و يخسفها، و ثار معه المؤمنون في كل مكان، و أيم اللّه لو شئت سمّيتهم رجلا رجلا بأسمائهم و أسماء آبائهم فهم يتناسلون من أصلاب الرجال و أرحام النساء، إلى يوم الوقت المعلوم.

ثم قال: يا جابر، أنتم مع الحق و معه تكونون، و فيه تموتون، يا جابر إذا صاح الناقوس، و كبس الكابوس، و تكلّم الجاموس، فعند ذلك عجائب و أي عجائب، إذا أنارت النار ببصرى،

268

فصل [أثار علي (عليه السلام) بالكون‏]

و من خطبة له (عليه السلام) قال: أنا عندي مفاتيح الغيب، لا يعلمها بعد رسول اللّه إلّا أنا، أنا ذو القرنين المذكور في الصحف الأولى، أنا صاحب خاتم سليمان، أنا ولي الحساب، أنا صاحب الصراط و الموقف، قاسم الجنة و النار بأمر ربّي، أنا آدم الأوّل، أنا نوح الأوّل، أنا آية الجبّار، أنا حقيقة الأسرار، أنا مورق الأشجار، أنا مونع الثمار، أنا مفجّر العيون، أنا مجري الأنهار، أنا خازن العلم، أنا طود الحلم، أنا أمير المؤمنين، أنا عين اليقين، أنا حجّة اللّه في السّماوات و الأرض، أنا الراجفة، أنا الصاعقة، أنا الصيحة بالحق، أنا الساعة لمن كذّب بها، أنا ذلك الكتاب الذي لا ريب فيه، أنا الأسماء الحسنى التي أمر أن يدعى بها، أنا ذلك النور الذي اقتبس منه الهدى، أنا صاحب الصور، أنا مخرج من في القبور، أنا صاحب يوم النشور، أنا صاحب نوح و منجيه، أنا صاحب أيوب المبتلى و شافيه، أنا أقمت السّماوات بأمر ربّي، أنا صاحب إبراهيم، أنا سرّ الكليم.

أنا الناظر في الملكوت، أنا أمر الحي الذي لا يموت، أنا ولي الحق على سائر الخلق، أنا الذي لا يبدل القول لديّ، و حساب الخلق إليّ، أنا المفوض إليّ أمر الخلائق، أنا خليفة الإله الخالق، أنا سرّ اللّه في بلاده، و حجّته على عباده، أنا أمر اللّه و الروح، كما قال سبحانه:

وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي‏ (1).

أنا أرسيت الجبال الشامخات، و فجّرت العيون الجاريات، أنا غارس الأشجار، و مخرج الألوان و الثمار، أنا مقدّر الأقوات، أنا ناشر الأموات، أنا منزل القطر، أنا منوّر الشمس و القمر و النجوم، أنا قيّم القيامة، أنا القيم الساعة، أنا الواجب له من اللّه الطاعة، أنا سر اللّه المخزون، أنا العالم بما كان و ما يكون، أنا صلوات المؤمنين و صيامهم، أنا مولاهم و إمامهم، أنا صاحب النشر الأوّل و الآخر، أنا صاحب المناقب و المفاخر، أنا صاحب الكواكب، أنا عذاب اللّه‏

____________

(1) الاسراء: 85.

266

و ظهرت الراية العثمانية بوادي سوداء، و اضطربت البصرة و غلب بعضهم بعضا، و صبا كل قوم إلى قوم، و تحرّكت عساكر خراسان، و تبع شعيب بن صالح التيمي من بطن الطالقان، و بويع لسعيد السوسي بخوزستان، و عقدت الراية لعماليق كردان، و تغلبت العرب على بلاد الأرمن و السقلاب، و أذعن هرقل بقسطنطينة لبطارقة سينان، فتوقعوا ظهور مكلم موسى من الشجرة على الطور، فيظهر هذا ظاهر مكشوف، و معاين موصوف، ألا و كم عجائب تركتها، و دلائل كتمتها، لا أجد لها حملة، أنا صاحب إبليس بالسجود، أنا معذّبه و جنوده على الكبر و الغرور بأمر اللّه، أنا رافع إدريس مكانا عليا، أنا منطق عيسى في المهد صبيا، أنا مدين الميادين و واضع الأرض، أنا قاسمها أخماسا، فجعلت خمسا برا، و خمسا بحرا، و خمسا جبالا، و خمسا عمّارا، و خمسا خرابا.

أنا خرقت القلزم من الترجيم، و خرقت العقيم من الحيم، و خرقت كلّا من كل، و خرقت بعضا في بعض، أنا طيرثا، أنا جانبوثا، أنا البارحلون، أنا عليوثوثا، أنا المسترق على البحار في نواليم الزخار عند البيار، حتى يخرج لي ما أعد لي فيه من الخيل و الرجل، فآخذ ما أحببت، و أترك ما أردت، ثم أسلّم إلى عمّار بن ياسر اثني عشر ألف أدهم على أدهم، منها محب اللّه و لرسوله، مع كل واحد اثنى عشر كتيبة، لا يعلم عددها إلّا اللّه، ألا فابشروا، فأنتم نعم الإخوان، ألا و إن لكم بعد حين طرفة تعلمون بها بعض البيان، و تنكشف لكم صنائع البرهان، عند طلوع بهرام و كيوان، على دقائق الاقتران، فعندها تتواتر الهزات و الزلازل، و تقبل رايات من شاطئ جيحون إلى بيداء بابل.

أنا مبرج الأبراج و عاقد الرياح، و مفتح الأفراج و باسط العجاج، أنا صاحب الطور، أنا ذلك النور الظاهر، أنا ذلك البرهان الباهر، و إنما كشف لموسى شقص من شقص الذر من المثقال، و كل ذلك بعلم من اللّه ذي الجلال.

أنا صاحب جنّات الخلود، أنا مجري الأنهار أنهارا من ماء تيار، و أنهارا من لبن، و أنهارا من عسل مصفّى، و أنهارا من خمر لذّة للشاربين، أنا حجبت جهنّم و جعلتها طبقات السعير، و سقير الجير، و الأخرى عمقيوس أعددتها للظالمين، و أودعت ذلك كلّه وادي برهوت، و هو و الفلق و رب ما خلق، يخلد فيه الجبت و الطاغوت و عبيدهما، و من كفر بذي الملك‏

267

و الملكوت، أنا صانع الأقاليم بأمر العليم الحكيم، أنا الكلمة التي بها تمّت الأمور و دهرت الدهور، أنا جعلت الأقاليم أرباعا، و الجزائر سبعا، فإقليم الجنوب معدن البركات، و إقليم الشمال معدن السطوات، و إقليم الصبا معدن الزلازل و إقليم الدبور معدن الهلكات.

ألا ويل لمدائنكم و أمصاركم من طغاة يظهرون فيغيرون و يبدلون إذا تمالت الشدائد من دولة الخصيان، و ملكة الصبيان، و النسوان، فعند ذلك ترتج الأقطار بالدعاة إلى كل باطل، هيهات هيهات، توقعوا حلول الفرج الأعظم، و إقباله فوجا فوجا، إذا جعل اللّه حصباء النجف جوهرا، و جعله تحت أقدام المؤمنين، و تبايع به للخلاف و المنافقين، و يبطل معه الياقوت الأحمر، و خالص الدر و الجوهر، ألا و إن ذلك من أبين العلامات، حتى إذا انتهى ذلك صدق ضياؤه، و سطع بهاؤه، و ظهر ما تريدون، و بلغتم ما تحبّون، ألا و كم إلى ذلك من عجائب جمّة، و أمور ملمة، يا أشباه الأعثام، و بهام الأنعام، كيف تكونون إذا دهمتكم رايات لبني كنام مع عثمان بن عنبسة من عراص الشام يريد بها أبويه، و يزوج بها أميه، هيهات أن يرى الحق أموي أم عدوي.

ثم بكى (صلوات الله عليه)، و قال: واها للأمم، أ ما شاهدت رايات بني عتبة مع بني كنام السائرين أثلاثا، المرتكبين جبلا جبلا مع خوف شديد، و بؤس عتيد، ألا و هو الوقت الذي وعدتم به، لأحملنّهم على نجائب، تحفّهم مراكب الأفلاك، كأني بالمنافقين يقولون نص عليّ على نفسه بالربانية، ألا فاشهدوا شهادة أسألكم بها عند الحاجة إليها، إن عليا نور مخلوق، و عبد مرزوق، و من قال غير هذا فعليه لعنة اللّه و لعنة اللاعنين.

ثم نزل و هو يقول: تحصنت بذي الملك و الملكوت، و اعتصمت بذي العزّة و الجبروت، و امتنعت بذي القدرة و الملكوت، من كل ما أخاف و أحذر، أيها الناس ما ذكر أحدكم هذه الكلمات عند نازلة أو شدّة إلّا و أزاحها اللّه عنه.

فقال له جابر: وحدها يا أمير المؤمنين، فقال: نعم و أضيف إليها الثلاثة عشر اسما، و ضمّني، ثم ركب و مضى‏ (1).

____________

(1) معجم أحاديث الإمام المهدي (عليه السلام): 3/ 27.

269

الواصب، أنا مهلك الجبابرة الأول، أنا مزيل الدّول، أنا صاحب الزلازل و الرجف، أنا صاحب الكسوف و الخسوف، أنا مدمّر الفراعنة بسيفي هذا، أنا الذي أقامني اللّه في الأظلة و دعاهم إلى طاعتي، فلما ظهرت أنكروا، فقال اللّه سبحانه: فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ‏، أنا نور الأنوار، أنا حامل العرش مع الأبرار، أنا صاحب الكتب السالفة، أنا باب اللّه الذي لا يفتح لمن كذب به و لا يذوق الجنة، أنا الذي تزدحم الملائكة على فراشي، و تعرفني عباد أقاليم الدنيا، أنا ردّت لي الشمس مرّتين، و سلّمت عليّ كرتين، و صلّيت مع رسول اللّه القبلتين، و بايعت البيعتين، أنا صاحب بدر و حنين، أنا الطور، أنا الكتاب المسطور، أنا البحر المسجور، أنا البيت المعمور، أنا الذي دعا اللّه الخلائق إلى طاعتي، فكفرت، و أصرّت، فمسخت، و أجابت أمة فنجت، و أزلفت، أنا الذي بيدي مفاتيح الجنان، و مقاليد النيران، كرامة من اللّه، أنا مع رسول اللّه في الأرض و في السماء، أنا المسيح حيث لا روح يتحرّك و لا نفس يتنفّس غيري، أنا صاحب القرون الأولى، أنا الصامت و محمد الناطق، أنا جاوزت بموسى في البحر، و أغرقت فرعون و جنوده، و أنا أعلم هماهم البهائم، و منطق الطير، أنا الذي أجوز السّماوات السبع و الأرضين السبع في طرفة عين، أنا المتكلّم على لسان عيسى في المهد، أنا الذي يصلّي عيسى خلفي، أنا الذي أنقلب في الصور كيف شاء اللّه، أنا مصباح الهدى، أنا مفتاح التقى، أنا الآخرة و الأولى، أنا الذي أرى أعمال العباد، أنا خازن السّماوات و الأرض بأمر رب العالمين، أنا القائم بالقسط، أنا ديّان الدين، أنا الذي لا تقبل الأعمال إلّا بولايتي، و لا تنفع الحسنات إلّا بحبّي، أنا العالم بمدار الفلك الدوّار، أنا صاحب مكيال و قطرات الأمطار، و رمل القفار بإذن الملك الجبّار، ألا أنا الذي أقتل مرّتين و أحيى مرّتين و أظهر كيف شئت، أنا محصي الخلائق و إن كثروا، أنا محاسبهم بأمر ربي، أنا الذي عندي ألف كتاب من كتب الأنبياء، أنا الذي جحد ولايتي ألف أمة فمسخوا، أنا المذكور في سالف الأزمان و الخارج في آخر الزمان، أنا قاصم الجبّارين في الغابرين، و مخرجهم و معذّبهم في الآخرين، يغوث و يعوق و نسرا عذابا شديدا، أنا المتكلّم بكل لسان، أنا الشاهد لأعمال الخلائق في المشارق و المغارب.

أنا صهر محمد، أنا المعنى الذي لا يقع عليه اسم و لا شبه، أنا باب حطة، و لا حول و لا قوّة إلّا باللّه العلي العظيم‏ (1).

____________

(1) بحار الأنوار: 39/ 347 ح 20.

270

فصل [كلام الإمام إمام الكلام‏]

قال الصادق (عليه السلام): الآيات السبع التي ذكرها أمير المؤمنين (عليه السلام) هي أسماء الأئمة من ذرية الحسين (عليه السلام) و إن هذا الأمر يصير إلى من تلوى إليه أعنة الخيل من الآفاق، و هو المظهر على الدين كله و مالك قافاتها و كافاتها و دالاتها، و هو المهدي (عليه السلام).

قال: و شرح ما قاله أمير المؤمنين (عليه السلام) على الاختصار قال: أنا دحوت أرضها معناه أنه و عترته تسكن الأرض، و قوله: أنا أرسيت جبالها معناه إنه و عترته الأمان من الغرق و أنهم الجبال الرواسي، و قوله: أنا فجّرت عيونها لأنّ الأئمة من عترته هم ينابيع العلم و الحكم، و قوله: أينعت ثمارها إشارة إلى عترته، و قوله: أنا غرست أشجارها إشارة إلى أن الأئمة من عترته هم شجرة طوبى و سدرة المنتهى، و قوله: أنا أنشأ سحابها إشارة إلى عترته، لأنهم الغيث الهامل، و قوله: أنا أسمعت رعدها معناه أنا أنبت العلم، و قوله: أنا نوّرت برقها لأن عترته نور العباد و البلاد، و قوله: أنا البحر الزاخر معناه بالعلم، و قوله: أنا شيّدت أطوارها معناه شيدت الدين، و قوله: أنا قتلت مردة الشياطين يعني أهل الشام، و قوله: أنا أشرقت قمرها و شمسها و أجريت فلكها، المراد الأئمة فهم الشموس و الأقمار و سفن النجاة، و قوله: أنا جنب اللّه يعني حق اللّه و علم اللّه، و قوله: أنا دابة الأرض، معناه أفرّق بين الحق و الباطل، و قوله:

و على يدي تقوم الساعة إشارة إلى المهدي (عليه السلام) يحكم في الأرض زمانا طويلا، و إذا مات قامت الساعة، و قوله: فيّ يرتاب المبطلون، أي: من جحد ولايتي هلك. و من أقرّ بها نجا.

قال: و إنّما فسّر الإمام منها على مقدار عقل السائل‏ (1).

____________

(1) راجع ما ذكره المجلسي عن الإمام الباقر في تفسيرها: 39/ 350.

271

فصل [أثر اسم علي (عليه السلام)‏]

و من ذلك ما رواه صاحب عيون الأخبار قال: إن أمير المؤمنين (عليه السلام) مرّ في طريق فسايره خيبري فمرّ بواد قد سال فركب الخيبري مرطه و عبر على الماء ثم نادى أمير المؤمنين (عليه السلام):

يا هذا لو عرفت كما عرفت لجريت كما جريت، فقال له أمير المؤمنين: مكانك، ثم أومأ إلى الماء فجمد و مر عليه. فلما رأى الخيبري ذاك أكبّ على قدميه و قال: يا فتى ما قلت حتى حولت الماء حجرا؟ فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): فما قلت أنت حتى عبرت على الماء؟ فقال الخيبري: أنا دعوت اللّه باسمه الأعظم، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) و ما هو؟

قال: سألته باسم وصي محمد، فقال أمير المؤمنين: أنا وصي محمد، فقال الخيبري: إنك، الحق. ثم أسلم. (1)

و من ذلك ما رواه عمّار بن ياسر قال: أتيت مولاي يوما فرأى في وجهي كآبة فقال: ما بك؟ فقلت: دين أتى مطالب به، فأشار إلى حجر ملقى و قال: خذ هذا فاقض منه دينك، فقال عمّار: إنه الحجر، فقال له أمير المؤمنين: ادع اللّه بي يحوّله لك ذهبا. فقال عمّار: فدعوت باسمه فصار الحجر ذهبا فقال لي: خذ منه حاجتك، فقلت: و كيف تلين؟ فقال: يا ضعيف اليقين ادع اللّه بي حتّى تلين فإن باسمي ألان اللّه الحديد لداود (عليه السلام)، قال عمّار:

فدعوت اللّه باسمه فلان فأخذت منه حاجتي، ثم قال: ادع اللّه باسمي حتى يصير باقيه حجرا كما كان‏ (2).

____________

(1) مدينة المعاجز: 1/ 430.

(2) مدينة المعاجز: 1/ 431.

272

فصل‏

لعلّك أيّها الشاك في دينه، المرتاب في يقينه، تقول: كيف صار الحجر ذهبا؟

أ ما عرفت أن القدرة في يد القادر، و المراد من الأشياء غاياتها و غاية الحجر أن يصير ذهبا، و إنّما يطلب الأمر الأعظم بالأعظم و العظيم من العظيم يرجى، و غاية الغايات و نهاية النهايات، و أعظم الأسماء و أقربها إلى حضرة الألوهية محمد و علي، و الولاية مبتدأ النبوّة و نهايتها و بها تكمل أيام دولتها، و إليه الإشارة بقوله: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي‏ (1)، لأنه لما اتخذه نبيا لم يطلب ذاك لذريته، و لما ألبسه خلعة الحلة و رفعه إلى رتبة الرسالة لم يطلب ذاك لذريته لعلّه ينسخ الشرائع و يغيرها، فلما قال له‏ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً طلب ذاك لذريته، لأن الإمامة لم ينلها نسخ فهي غاية الغايات لأنها ختم الدين و نقطة اليقين، فهي سر السرائر و نور النور و الاسم الأعظم، فالدعاء باسم علي يحوّل التراب تبرا و الأحجار جوهرا و درا، و الظلمة نورا، و تجعل في الشجر اليابس ثمرا، و يعيد الأعمى بصيرا.

فصل [فضائل لآل محمد (عليهم السلام)‏]

اعلم أن إسرافيل (عليه السلام) لقّنه اللّه كلمة بها ينفخ في الصور فيصعق أهل السّماوات و الأرض، و هي الاسم الذي قامت به السّماوات و الأرض، ثم يناديهم بها فيقوم بها الأموات و يحيي الرفات و يجمع الشتات من العظام الدارسات و تعود بادرة كما ناداها الجبّار في الأزل فأجابت بالكلمات التامة التي لها التفريق و الجمع و الموت و الحياة، و هي رموز مستورة في‏

____________

(1) البقرة: 124.

275

فصل [الصلاة على آل محمد (عليهم السلام) و أثرها]

و أما الصلاة فإنّ اللّه قد صلّى على المؤمنين عامة، و خص أمير المؤمنين (عليه السلام) وحده بصلوات فقال: أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ (1)، و تفسير هذا الفضل العظيم، و المقام الكريم، ما رواه ابن عباس أن حمزة حين قتل يوم أحد و عرف بقتله أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: إنّا للّه و إنا إليه راجعون، فنزلت‏ الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ* أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ (2) فكان هذا المقام لعلي (عليه السلام).

فصل‏

يؤيّد هذا قوله سبحانه: وَ رَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ‏ (3)، قال المفسّرون: معناه تذكر إذا ذكرت، و إذا وجب ذكر النبي وجب ذكر اللّه، لما ورد عنه أن الصلاة عليه لا تقبل إلّا بذكر اللّه، فالصلاة على محمد و آل محمد لازمة لذكر اللّه، و ذكر اللّه واجب و لازم و اللازم واجب و لازم، فالصلاة على محمد و آله واجبة على كل حال بيّنة، و إشارة ذكر محمد و آله ذكر اللّه لأن معرفة اللّه و ذكره بغير معرفتهم و ذكرهم لا تنفع بل هو عقاب و وبال، لأن المشروط لا يتم و لا يقبل إلّا بشرطه، كالصلاة بغير وضوء، فالوضوء شرطها فهي بغير شرطها لا تنفع و لا ترفع، بل هي استهزاء و وبال، و كذا الذاكر للّه مع إنكاره لمحمد و آله فإنه غير ذاكر فهو ملعون على كل حال.

دليله ما رواه عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال: لما خلق اللّه العرش خلق سبعين ألف ملك، و قال لهم:

____________

(1) البقرة: 157.

(2) البقرة: 157.

(3) الشرح: 4.

273

القرآن:

أ ما عرفت أن اللّه بري‏ء عن الصورة المثلى و أنه الحيّ الكريم المتعال و أن باسمه و قدرته و أمره يوجد الأشياء و يعدمها إذا شاء، و أنه ليس هناك جوارح تفعل و لا حركات و لكنها رموز مبهمات و كلمات تامات، و إليه الإشارة بقوله: «خمرت طينة آدم بيدي» (1) أي بقدرتي، و مثله: «أن اللّه خلق آدم على صورته» (2) أي على الصورة التي كان عليها من الطين لم ينتقل من العلقة إلى المضغة، بل يقول: كُنْ فَيَكُونُ‏، فلو اطلعت على السر المصون في قوله‏ كُنْ فَيَكُونُ‏ لعرفت ما بين القلم و النون.

روي عن ابن عباس عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنه استدعى يوما ماء و عنده أمير المؤمنين و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام) فشرب النبي (صلّى اللّه عليه و آله) ثم ناوله الحسن فشرب، فقال له النبي:

هنيئا مريئا يا أبا محمد، ثم ناوله الحسين، فقال له النبي: هنيئا مريئا يا أبا عبد اللّه، ثم ناوله الزهراء فشربت، فقال لها النبي (صلّى اللّه عليه و آله): هنيئا مريئا يا أم الأبرار الطاهرين، ثم ناوله عليا فلما شرب سجد النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فلما رفع رأسه قال له بعض أزواجه: يا رسول اللّه شربت ثم ناولت الماء للحسن، فلما شرب قلت له هنيئا مريئا، ثم ناولته الحسين فشرب فقلت له كذلك، ثم ناولته فاطمة فلما شربت قلت لها ما قلت للحسن و للحسين ثم ناولته عليا فلما شرب سجدت فما ذاك؟

فقال لها: إنّي لما شربت الماء قال لي جبرائيل و الملائكة معه هنيئا مريئا يا رسول اللّه، و لما شرب الحسن قالوا له كذلك و لما شرب الحسين و فاطمة قال جبرائيل و الملائكة: هنيئا مريئا، فقلت كما قالوا، و لما شرب أمير المؤمنين (عليه السلام) قال اللّه له: هنيئا مريئا يا وليّي و حجّتي على خلقي، فسجدت للّه شكرا على ما أنعم عليّ في أهل بيتي‏ (3).

فلما وقر هذا في سمعه و وعاه لم يحمله عقله، و قال: يقول اللّه لعلي هنيئا مريئا؟.

أ ما سمعت ما صرّح به القرآن من كلام الرحمن‏ فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْ‏ءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ‏

____________

(1) عوالي اللئالي: 4/ 98.

(2) الكافي: 1/ 134.

(3) بحار الأنوار: 43/ 311 ح 73.

276

طوفوا بعرش النور و سبّحوني و احملوا عرشي، فطافوا و سبحوا و أرادوا أن يحملوا العرش فما قدروا، فقال اللّه لهم: طوفوا بعرش النور و صلوا على نور جلالي محمد حبيبي و احملوا عرشي، فطافوا بعرش الجلال و صلوا على محمد و حملوا العرش فأطاقوا حمله، فقالوا: ربنا أمرتنا بتسبيحك و تقديسك ثم أمرتنا أن نصلّي على نور جلالك محمد فتنقص من تسبيحك و تقديسك، فقال اللّه لهم: يا ملائكتي إذا صلّيتم على حبيبي محمد فقد سبحتموني و قدستموني و هللتموني‏ (1).

يؤيّد هذا الحديث ما رواه ابن عباس عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال: من صلّى عليّ صلاة واحدة صلّى اللّه عليه ألف صلاة في ألف صف من الملائكة و لم يبق رطب، و لا يابس إلّا و صلّى على ذلك العبد لصلاة اللّه عليه‏ (2).

فما لك أيّها الهائم مع البهائم كلّما أبصرتك زاد عماك؟ و كلّما بشرتك زادت غمّاك؟

و ما لي أراك كالبوم يرى الليل نهارا لضعف بصره؟ فهلا كنت كالهدهد يرى الماء من تحت الصخرة لقوة نظره، فلو كنت هدهدا اهتديت.

فصل‏

و من العجب أنّهم يسمّون عليا مجهول القدر، و هو تحت مرتبة النبي لأنه نائبه و ابن عمّه و وزيره و زوج ابنته، لاختلاف العقول في عظمته. فقوم جحدوه و قوم عبدوه و قوم تبعوه، و كلّهم ما عرفوه لأن الذين عبدوه كفروا بعبادته، لأن المعبود واجب الوجود هو اللّه خالق الخلق و لا إله إلّا هو، و الذين جحدوه أيضا ما عرفوه و كفروا بجحوده، و كيف يجحدون مولاهم و معناهم و نهج هداهم؟ و الذين تبعوه أيضا ما عرفوه إذ لو عرفوه ما ارتابوا في فضله و أنكروه و أنزلوه عن رفيع قدره و صغروه، فهم في معرفته كسائر إلى مرام فخبته الظلام فرأى ضياء قد لاح فيممه فما أدركه حتى طلع الصباح، فهو السرّ الخفي الذي حارت في وصفه العقول ممّا يقول:

____________

(1) بحار الأنوار: 27/ 258 ح 8.

(2) بحار الأنوار: 27/ 259 ح 9.

274

هَنِيئاً مَرِيئاً (1)، و إذا قال اللّه لعامة خلقه هنيئا مريئا فكيف تستعظم قوله لوليّه و عليّه هنيئا مريئا؟

ثم قلت له: أنت في اعتقادك في ولي معادك كمنافق مرّ في طريق فوافقه مؤمن فذكر عليا فقال المؤمن: صلى اللّه عليه، فغاظ ذاك المنافق و قال: لا يجوز الصلاة إلّا على النبي، فقال له المؤمن: فما تقول في قوله سبحانه‏ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَ مَلائِكَتُهُ‏ (2) فهذه الصلاة على من؟ قال: على أمة محمد، فقال المؤمن: فكيف يجوز الصلاة على أمة محمد و لا يجوز الصلاة على آل محمد؟ فبهت الذي كفر.

فانظر أيّها المؤمن كيف يستعظم المنافق سجود النبي عند تعظيم اللّه لعلي، و إليه أشار القرآن بقوله‏ فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ‏ يعني بعلي‏ وَ إِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ‏ (3) و الألف و اللام في الذكر هنا للتخصيص، و معناه أن كل آية تتضمن اسم محمد و علي ظاهرا أو باطنا فإنّها أعظم ما في القرآن ذكرا، و إذا سجد هناك كان سجوده للّه شكرا إذ عرّفه أعظم الآيات ذكرا و أعلاها عنده قدرا.

____________

(1) النساء: 4.

(2) الأحزاب: 43.

(3) الانشقاق: 21.

277

ما ذا أقول و قد جلت مناقبه‏ * * * عن الصفات و أضحى دونه الشرف‏

هذا الذي جاز عن حد القياس علا * * * فتاهت الناس في معناه و اختلفوا

غال و تال و قال عنده و قفوا * * * و كلّهم وصفوا و صفا و ما عرفوا

أو كما قيل:

هذا هو السر و المعنى الخفي و من‏ * * * لولاه ما كانت الدنيا و لا الفلك‏

و لا تكوّن هذا الكون من عدم‏ * * * إلى الوجود و هذا المالك الملك‏

هذا الذي ظهرت آياته عجبا * * * للناس حتى لديه يسجد الملك‏

فصل‏

و انظر إلى العارفين بعلي (عليه السلام) كيف وصفوه في حين أعداؤه قد وصفوه بأوصاف لو وصفه اليوم بها أحد من عار فيه بين أوليائه و محبيه لكفروه، و محقوه، و قتلوه، فمن ذلك قول أبي عبد اللّه بن الحجاج:

لو شئت مسخهم في دارهم مسخوا * * * أو شئت قلت لها يا أرض انخسفي‏

و إن أسماءك الحسنى إذا تليت‏ * * * على مريض شفي من سقمه و كفي‏

(1) و من ذاك قول الصاحب بن عباد:

إذا أنعمت روحي فمنك نعيمها * * * و إن شقيت يوما فأنت رحيمها

بأسمائك الحسنى أروح مهجتي‏ * * * إذا فاض من قدس الجلال نسيمها

و من ذلك قول ابن الفارض المغربي:

و لو رسم الراقي حروف اسمها على‏ * * * جبين مصاب جن أبرأه الرسم‏

و فوق لواء الجيش لو رقم اسمها * * * لأسكر من تحت اللوا ذلك الرقم‏

فانظر إليهم فلا لحروف الاسم يعرفون، و لا للاسم يدركون، و لا بما قال شاعرهم يشعرون، و لمن آتاه اللّه من فضله يحسدون، و له لذاك يمقتون و يكفرون، قاتلهم اللّه أنهم يؤفكون، و لم لادعى الناس ابن الحجاج بقوله و ابن عباد كافرا و مغاليا إذ جعلا القدرة

____________

(1) الغدير: 4/ 89 و 12/ 90.

278

المطلقة و التصرف و تفويض الأمور إلى علي فهو كفعل اللّه لكنه بقدرة اللّه و كرامة اللّه له، و لو أن عارفا قال اليوم عند بعض أهل الدعوى، يا علي بحق قدرتك و أمرك النافذ في الأسماء و أسمائك الحسنى و تفويض الأمور إليك، خذ بيدي لكان السامع لهذا القول منه أعظم شي‏ء عنده ثوابا قتله و تكفيره، فيا للّه من أهل الدعوى الذين لم تنجل عليهم بوارق المعنى.

280

هذا لفظه الظاهر يوهم تفضيل الولي على النبي (عليهما السلام)، و العقل المحض عكسه لأن رتبة الولي و إن علت فهي تحت رتبة النبي، و إن تطاولت، و ذلك لأن سر الأوّلين و الآخرين أودع في النبي، ثم أحصر في الإمام الولي، فمنه فاض إليه و به دلّ عليه، و سائر الأسرار إلى الوجود منهما و عنهما و هما من اللّه و عنه، فما من غيب وصل إلى النبي بالوحي و الخطاب الإلهي إلّا و قد وصل إلى الولي ظاهره و باطنه، فالنبي إليه الإنذار و التنزيل، و الولي إليه الإهداء و التأويل .. و إليه الإشارة بقوله: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ يا محمد وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ (1) و هو علي.

فالنبي أمر أن ينطق من الغيب بعلم الظاهر عند الإذن من اللّه لأنه صاحب الشرع .. و إليه الإشارة بقوله: وَ لا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى‏ إِلَيْكَ وَحْيُهُ‏ (2) فالنبي أوتي من اللّه‏

____________

و قال (عليه السلام): «لا تذيعوا سرّنا و لا تحدّثوا به عند غير أهله فإن المذيع سرّنا أشدّ علينا من عدوّنا» (الخرائج و الجرائح: 267 باب 7).

و قد بيّن الإمام العسكري (عليه السلام) علّة عدم إخبارهم بالامور الغيبية بقوله لموسى الجوهري: «ألسنا قد قلنا لكم لا تسألونا عن علم الغيب، فنخرج ما علمنا منه إليكم، فيسمعه من لا يطيقه استماعه فيكفر» (الهداية الكبرى: 334 باب 13).

و الظروف التي كان يعيشها النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و القليل من الأئمّة كانت مختلفة فرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان في بداية الدعوة الإسلامية و قريب عهد بالجاهلية.

و إذا أردنا أن نبرم هذا الكلام فلا بأس بنقل كلام لسماحة الشيخ محمد الحسين المظفر يصلح أن يكون جوابا عن هذا المطلب: قال بعد أن ذكر توقف الرسالة على علم النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بكل الأشياء: فعلم الرسول بالعالم و إحاطته بما يحدث فيه و قدرته على تعميم الإصلاح للداني و القاصي و الحاضر و الباد؛ من أسس تلك الرسالة العامة و قاعدة لزومية لتطبيق تلك الشريعة الشاملة.

غير أن الظروف لم تسمح لصاحب هذه الرسالة (صلّى اللّه عليه و آله) أن يظهر للامّة تلك القوى القدسية و العلم الربّاني الفيّاض. و كيف يعلن بتلك المواهب و الإسلام غضّ جديد، و الناس لم تتعرّف تعاليم الإسلام الفرعية بعد؟! فكيف تقبل أن يتظاهر بتلك الموهبة العظمى و تطمئن إلى الإيمان بذلك العلم. بل و لم يكن كل قومه الذين انضووا تحت لوائه من ذوي الإيمان الراسخ، و ما خضع البعض منهم للسلطة النبوية إلّا بعد اللتيا و التي و بعد الترهيب و الترغيب» (علم الإمام: 9- 10).

نعم فقد أفصح النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لخاصة أصحابه عن كنه حقيقته و حقيقة علمه ليس هنا محل ذكرها.

(1) الرعد: 7.

(2) طه: 114.

279

فصل [سبب إخفاء النبي (صلّى اللّه عليه و آله) للعلم الربّاني‏]

في تأويل قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «لا أعلم ما وراء هذا الجدار إلّا ما علّمني ربّي» (1)، و قول علي:

«لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا» (2)، و قوله: «سلوني عن طرق السّماوات‏ (3)، سلوني عمّا دون العرش» (4)، (5).

____________

(1) تقدّم الحديث.

(2) لعلّه تقدّم: و راجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 7/ 253 الخطبة 113 و الأنوار النعمانية: 1/ 26، و البحار: 40/ 153، و كشف الغمة: 1/ 170.

(3) نهج البلاغة: 280 الخطبة 189.

(4) و في حديث: سلوني عن علم لا يعرفه جبرائيل. نزهة المجالس: 2/ 129.

(5) قد وردت روايات عن آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) تنص على إخفاء العلوم الصعبة نحو ما روي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «و اللّه لو أن على أفواههم أوكية لأخبرت كل رجل منهم ما لا يستوحش إلى شي‏ء، و لكن فيكم الإذاعة، و اللّه بالغ أمره» (بحار الأنوار: 26/ 141 ح 13 باب أنه لا يحجب عنهم شي‏ء).

و عن الإمام الباقر (عليه السلام): «لو كان لألسنتكم أوعية لحدثت كل امرئ بما له و عليه» (بحار الأنوار:

26/ 149 ح 34 باب أنه لا يحجب عنهم شي‏ء).

و قال الإمام زين العابدين (عليه السلام):

إني لأكتم من علمي جواهره‏ * * * كيلا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا

و قد تقدم في هذا أبو حسن‏ * * * إلى الحسين و وصى قبله الحسنا

يا ربّ جوهر علم لو أبوح به‏ * * * لقيل لي: أنت ممّن يعبد الوثنا

و لاستحل رجال مسلمون دمي‏ * * * يرون أقبح ما يأتونه حسنا

(الأصول الأصيلة: 167، و غرر البهاء الضوي: 318، و مشارق أنوار اليقين: 17، و جامع الأسرار:

35 ح 66.)

و تقدم من المصنف قول الإمام الصادق: «هيهات، و اللّه لو أخبرتك بكنه ذلك لقمت عنّي و أنت تقول إن جعفر بن محمد كاذب في قوله أو مجنون».

و قال (عليه السلام): «إنّ أمرنا صعب مستصعب لا يحتمله إلّا ملك مقرّب أو نبيّ مرسل أو عبد مؤمن امتحن اللّه قلبه للإيمان (الأصول الأصيلة: 169).

281

العلم الظاهر و الباطن، و أمر أن ينطق ينطق منه بالظاهر لا غير لئلا يتهموه بالكهانة و السحر و قد اتهم، و الولي أمر عن اللّه و عن رسوله أن ينطق بالظاهر و الباطن .. و إليه الإشارة بقوله:

علّمني رسول اللّه ألف باب من العلم ففتح اللّه لي من كل باب ألف باب‏ (1).

و هذا إشارة إلى علم الظاهر و الباطن، فمثال النبي و الولي في علم الظاهر و الباطن كمثل ملك اختار من عبيده عبدين فجعل أحدهما له سفيرا و الآخر نائبا و وزيرا، و خزن عندهما علم المملكة و ولّاهما حكمها، ثم أمر الملك سفيره أن لا يحكم بما و صل إليه و فوّض إليه إلّا بالظاهر من حكم الأديان لئلا يتّهمه أهل المملكة بالأخذ عن الكهان، و أمره أن يوصل علم الظاهر و الباطن إلى النائب الذي هو الوزير، و جعل له الحكم المطلق و ذلك لأن حكم الملك و السلطان قد وصلا إليه على الإطلاق، فهو مطلق العنان فيهما، فعلم أن قوله: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا. له معنيان، الأوّل أنه أعلى الموجودات لأنه قسيم النور الواحد الفائض عن الأحد فما فوقه إلّا ذات رب البريات، و سائر العوالم تحته من المخلوقات، و كيف يخفى الأدنى على ما هو منه؟ إلّا علي فمعناه لو كشف الغطاء و هو الحجاب عن هذا الجسد الترابي أو الغطاء من الجسم الفلكي ما ازددت يقينا على ما علمته في العالم النوراني من قبل خلق العرش و الكرسي.

و أما معناه الثاني فهو سرّ بديع فهو يقول (عليه السلام): «من عرفني من شيعتي بسرائر معرفتي»، و أنني اسم اللّه العظيم و وجهه الكريم و حجابه في هذا الهيكل الترابي و العالم البشري، و انني في الجسد المركب آية اللّه و كلمته في خلقه فإنه غدا إذا رآني لا يزداد في معرفتي يقينا لأنه لم يرتب فيّ من وراء الحجاب، فكيف يرتاب عند كشف الحجاب؟

و بيان هذا أن المخاطب بالقرآن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و المراد به الأمة كذلك الولي هو الناطق و المراد به عارفيه لأن الأمة مضافة إلى النبيين، و التابعين مضافين إلى الولي، و إليه الإشارة بقوله سبحانه حكاية عن مؤمن آل فرعون: وَ ما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏ (2) فهو المتكلّم و المراد به قومه لأنهم مضافين إليه، فقوله ما ازددت يقينا تكلّم (عليه السلام) بلسان‏

____________

(1) بحار الأنوار: 22/ 462 ح 13.

(2) يس: 22.

282

عارفيه من أوليائه أنهم لا تتخالجهم الشكوك فيه فهم كالتبر المسبوك، و النضار المحكوك، في حبه و معرفته لا يزدادون فيه على الحك و السبك إلّا خلاصا و رفعة، فمن عرف مولى الأنام و ولي يوم القيامة بهذا المقام، وجب عليه هجر الأنام و حبس الكلام، عن اللئام و العوام، لأن العارف بهذا المقام إن قال لا يصدّق و إن قيل له لا يستمع، فحظّه في العزلة و سلامته في الوحدة، لأن من عرف اللّه كلّ لسانه.

286

فصل [إذا شئنا شاء اللّه‏]

و من ذلك: ما رواه جابر بن عبد اللّه عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال: يا جابر عليك بالبيان و المعاني، قال: فقلت: و ما البيان و المعاني؟

فقال (عليه السلام): أمّا البيان فهو أن تعرف أن اللّه سبحانه ليس كمثله شي‏ء فتعبده و لا تشرك به شيئا، و أما المعاني فنحن معانيه و نحن جنبه و أمره و حكمه، و كلمته و علمه و حقّه، و إذا شئنا شاء اللّه‏ (1)، و يريد اللّه ما نريده، و نحن المثاني التي أعطى اللّه نبيّنا، و نحن وجه اللّه الذي‏

____________

(1) ورد في النصوص الشريفة «لا يشاؤون إلّا ما يشاء اللّه» «نحن إذا شئنا شاء اللّه و إذا كرهنا كره اللّه». «فإذا شاء شئنا» (بحار الأنوار: 24/ 305، و: 26/ 7 باب نادر في معرفتهم، و الهداية الكبرى: 359).

و قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): قال اللّه تعالى: «يا ابن آدم بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء، و بإرادتي كنت أنت الذي تريد لنفسك ما تريد» (بحار الأنوار: 5/ 49- 65- 75 ح 97- 99- 104 من كتاب العدل و المعاد).

و قال الإمام الخميني ((قدس سره)) في الآية: قوة العبد ظهور قوة الحق‏ وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى‏ فجميع الذوات و الصفات و المشيئات و الإرادات و الآثار و الحركات من شئون ذاته، و ظل صفة مشيئته و إرادته، و بروز نوره و تجليه و كل جنوده، و درجات قدرته، و الحق حق و الخلق خلق، و هو تعالى ظاهر فيها و هي مرتبة ظهوره:

ظهور تو بمن است و وجود من از تو * * * و لست تظهر لولاي لم اكن لولاك‏

(شرح دعاء السحر: 114).

و قال (قدس سره): إن سلسلة الوجود و منازل الغيب و مراحل الشهود من تجليات قدرته تعالى و درجات بسط سلطنته و مالكيته، و لا ظهور لمقدرة إلّا مقدرته، و لا إرادة إلّا إرادته، بل لا وجود إلّا وجوده، فالعالم كما أنه ظلّ وجوده و مرشحة جوده، ظلّ كمال وجوده (شرح دعاء السحر: 123- 122).

و في الحديث عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال:

285

القيامة، ألا و إن المآب إليك و الحساب عليك و الصراط صراطك، و الميزان ميزانك و الموقف موقفك‏ (1).

يؤيّد هذا ما رواه شريح بإسناده عن نافع عن عمر بن الخطاب عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال:

يا علي أنت نذير أمّتي و أنت هاديها، و أنت صاحب حوضي و أنت ساقيه، و أنت يا علي ذو قرنيها و كلا طرفيها، و لك الآخرة و الأولى فأنت يوم القيامة الساقي، و الحسن الذائد و الحسين الآمر و علي بن الحسين الفارض و محمد بن علي الناشر، و جعفر بن محمد السائق، و موسى بن جعفر المحصي للمحب و المنافق، و علي بن موسى مرتب المؤمنين، و محمد بن علي منزل أهل الجنة منازلهم، و علي بن محمد خطيب أهل الجنة، و الحسن بن علي جامعهم حيث يأذن اللّه لمن يشاء و يرضى‏ (2).

يؤيّد هذا ما رواه أبو حمزة الثمالي في كتاب الأمالي عن جعفر بن محمد قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إذا كان يوم القيامة يؤتى بك على عجلة من نور على رأسك تاج من النور له أربعة أركان على ركن ثلاثة أسطر لا إله إلّا اللّه محمد رسول اللّه علي ولي اللّه، ثم يوضع لك كرسي الكرامة و تعطى مفاتيح الجنة و النار، ثم يجمع لك الأوّلون و الآخرون في صعيد واحد، فيأمر بشيعتك إلى الجنّة و بأعدائك إلى النار، فأنت قسيم الجنة و النار، و أنت في ذلك اليوم أمين اللّه‏ (3).

و من ذاك أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال له: يا علي إذا كان يوم القيامة جي‏ء بك على نجيب من نور، و على رأسك تاج يكاد نوره يخطف الأبصار، فيقال لك: أدخل من أحبّك الجنّة، و من أبغضك النار (4).

____________

(1) بحار الأنوار عن البرقي في كتاب الآيات: 24/ 272 ح 54.

(2) مقتل الحسين للخوارزمي: 1/ 94 الفصل السادس، و مائة منقبة: 48 المنقبة الخامسة و البحار: 36/ 270.

(3) بحار الأنوار: 7/ 339 ح 30.

(4) بحار الأنوار: 7/ 232 ح 3، و لسان الميزان: 2/ 485 بتفاوت.

283

فصل [علي (عليه السلام) حاكم يوم الدين‏]

و لما وعى سمع الدهر ما صحت قواعده و وضحت شواهده، و لاح نوره و ابتسمت ثغوره، مما وقر في الآذان و الأذهان، و أن عليا مالك يوم الدين و حاكم يوم الدين و ولي يوم الدين، و أنه قد جاء في الأحاديث القدسية أن اللّه يقول: عبدي خلقت الأشياء لأجلك و خلقتك لأجلي، و هبتك الدنيا بالإحسان و الآخرة بالإيمان.

و إذا كانت الأشياء بأسرها خلقت لكل إنسان فما ظنّك بإنسان الإنسان و من لأجله خلق الإنسان، و به كان الكون و المكان، و ذلك أن كل ما هو للّه ممّا خلق و ممّا أوحي فهو لمحمد، و ما هو لمحمد من الفضل و المقام و الشرف و الاحتشام فهو لعلي إلّا المستثنى. و الدنيا و الآخرة و ما في الدنيا و الآخرة لمحمد و علي، فالقيامة بأسرها لمحمد و علي. فللنبي منها حكم الظاهر و هو مقام الكرامة، كما قال: أنا زين القيامة و الشهادة على الخلائق، و إليه الإشارة بقوله: وَ جِئْنا بِكَ عَلى‏ هؤُلاءِ شَهِيداً (1) و الشفاعة لأهل البوائق، و إليه الإشارة بقوله: «أعددت شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي» (2) و للولي حكم الباطن و هو وقوفه على النار، و قوله: «هذا لك و هذا لي‏ (3)، خذي هذا و ذري هذا». فيوم القيامة ليس إلّا شفيع و حاكم و شافع و قاسم، فالإله هو اللّه و الملك المرفوع في القيامة محمد و الحاكم المتصرّف عن أمر الملك و المالك هو علي، لأنه وال هناك عن أمر اللّه و أمر محمد. فملك يوم الدين و حكم يوم الدين، و التصرّف في ذلك اليوم مسلم إلى خير الوصيين و أمير المؤمنين، رغما على كيد المنافقين و غيظ المكذّبين، فعند ذلك أقبل الناس إليّ يزفون و بعرائس الجهل يزفون، و بي يتعرّضون و عن ودّي يعرضون، و بمقتي يعرضون و لما قلت ينكرون، و بنعمة اللّه يكفرون، و لما صدقته آراؤهم يصدقون، و لما صعب عليهم علمه و معرفته يطرحون، و به‏

____________

(1) النساء: 41.

(2) صحيح الترمذي ح 2435 كتاب صفة القيامة.

(3) تقدّم الحديث.

284

يكذّبون و بآيات اللّه يستهزءون و هم له من طريق آخر يصدقون و يعتقدون، و به يتعبّدون و لا يشعرون، كلا سوف يعلمون، ثم كلا سوف يعلمون.

فصل‏

و جاء أهل الشك و الريب و من ليس له حظّ من نفحات الغيب، يجادلون في اللّه بغير الحق و جعلوا يجذبون ذيل الخلاف و الاختلاف بيد الانحراف و الاقتراف، و يرمقوني بأطراف الأطراف و يدعوني غالبا إذ أصبحت بما اصطبحت عاليا (1) ناظر تصحيفهم العالي بالغالي، و من تصحيف عليه نقط الخط وقاك اللّه من الخلط (2) و هو كما قيل:

إذا لم تكن للمرء عين سليمة * * * فلا غرو (3)أن يرتاب و الصبح مسفر

فقلت لهم: يا معشر الإخوان من أهل الولاء و الإيمان، و زبدة الأخيار، لا تسبقوا إلى التكذيب و الإنكار، و انظروا في سرائر الأخبار، فربّ غريبة هي أقرب من قريبة، فاعتبروا هذه الكلمة بنظر المصنّف و عارضوها بالكتاب و السّنة فإن وافقت و إلّا اطرحوها، أ ليس شاهدها في الكتاب من قوله: إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ* ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ‏ (4) و قد روى المفضل ابن عمر عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في شرح هذه الآية فإنّه قال: سألته من هم؟ فقال: يا مفضّل من ترى هم؟ نحن و اللّه هم إلينا يرجعون، و علينا يعرضون و عندنا يقفون، و عن حبّنا يسألون.

فصل [مناقب لأمير الخلق‏]

و من ذلك ما رواه البرقي في كتاب الآيات عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال لأمير المؤمنين (عليه السلام): يا علي أنت ديّان هذه الأمة و المتولي حسابها، و أنت ركن اللّه الأعظم يوم‏

____________

(1) في الأصل المطبوع أصبحت غاليا.

(2) في الأصل المطبوع: فداك اللّه عن الخلط.

(3) في الأصل المطبوع فلا ثمر و ان.

(4) الغاشية: 25- 26.

287

ينقلب في الأرض بين أظهركم، فمن عرفنا فأمامه اليقين، و من جهلنا فأمامه سجين، و لو شئنا خرقنا الأرض و صعدنا السماء، و إنّ إلينا إياب هذا الخلق، ثم إنّ علينا حسابهم‏ (1).

____________

«عن اللّه أروي حديثي أن اللّه يقول: يا ابن آدم بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء، و بإرادتي كنت أنت الذي تريد لنفسك ما تريد» (التوحيد للصدوق: 344 باب 55 ح 13 باب المشيئة و الإرادة).

- و عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في خبر طويل جاء فيه: «يا سلمان و يا جندب: أنا أحيي و أميت بإذن ربي، و أنا عالم بضمائر قلوبكم و الأئمة من أولادي يعلمون و يفعلون هذا إذا أحبوا و أرادوا، لأنّا كلنا واحد أولنا محمد آخرنا محمد و أوسطنا محمد و كلنا محمد، فلا تفرقوا بيننا، و نحن إذا شئنا شاء اللّه، و إذا كرهنا كره اللّه، الويل كل الويل لمن انكر فضلنا و خصوصيتنا و ما أعطانا اللّه ربنا لأن من أنكر شيئا مما أعطانا اللّه فقد أنكر قدرة اللّه عز و جل و مشيته فينا» (بحار الأنوار: 26/ 6- 7 باب نادر في معرفتهم بالنورانية من كتاب الإمامة ح 1).

و قد فصلنا ذلك في كتاب الولاية التكوينية.

(1) بحار الأنوار: 7/ 202 ح 88 و: 24/ 114 ح 1 و 3.

289

فنحن أحق من عفا عن محبيه» (1).

و في رواية أن رجلا من المنافقين قال لأبي الحسن الثاني (عليه السلام): إن من شيعتكم قوما يشربون الخمر على الطريق، فقال: الحمد للّه الذي جعلهم على الطريق فلا يزوغون عنه، و اعترضه آخر فقال: إنّ من شيعتك من يشرب النبيذ، فقد قال: كان أصحاب رسول اللّه يشربون، فقال الرجل: ما أعني ماء العسل؟ و إنّما أعني الخمر قال: فعرق وجهه الشريف حياء ثم قال: اللّه أكرم أن يجمع في قلب المؤمن بين رسيس الخمر و حبّنا أهل البيت ثم صبر هنيهة و قال: فإن فعلها المنكوب منهم فإنه يجد ربّا رءوفا و نبيّا عطوفا و إماما له على الحوض عروفا و سادة له بالشفاعة وقوفا، و تجد أنت روحك في برهوت ملهوفا (2).

فعلم أن حساب شيعتهم إليهم و معولهم في وزن الأعمال عليهم، و إليه الإشارة بقوله:

وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ‏ (3) قال الصادق (عليه السلام): إبراهيم من شيعة علي‏ (4)، و إن كان الأنبياء من شيعته و حساب شيعته عليه فحساب الأنبياء إليه و تعويلهم بالشهادة و التبليغ عليه، و مفاتيح الجنة و النار بيده و الملائكة يومئذ ممتثلين لأمره و نهيه، بأمر خالقه و مرسله، و قد روى ابن عباس أن اللّه يوم القيامة يولي محمدا حساب النبيين، و يولي عليا حساب الخلائق أجمعين.

فصل‏

و من ذلك ما رواه محمد بن سنان عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه قال: إن اللّه أباح لمحمد الشفاعة في أمّته و إن الشفاعة في شيعتنا و إن لشيعتنا الشفاعة في أهاليهم‏ (5)، و إليه الإشارة بقوله: فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ‏ قال: و اللّه لتشفعن شيعتنا في أهاليهم حتى يقول شيعة

____________

(1) بحار الأنوار: 27/ 314 ح 11.

(2) بحار الأنوار: 27/ 314 ح 12.

(3) الصافات: 83.

(4) البحار: 36/ 152 ح 131.

(5) البحار: 24/ 272 ح 55.

288

فصل [علي (عليه السلام) صاحب الجنان و قسيم الميزان‏]

و من ذلك ما رواه ابن عباس عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال: يا علي أنت صاحب الجنان و قسيم الميزان، ألا و إنّ مالكا و رضوان يأتيان غدا عن أمر الرحمن فيقولان لي: يا محمد هذه هبة اللّه إليك فسلّمها إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) فأدفعها إليك.

مفاتيح لا تدفع إلّا إلى الحاكم المتصرّف.

و إليه الإشارة بقوله: أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ‏ (1). يؤيّد هذا التفسير ما رواه ابن عباس من الحديث القدسي عن الربّ العلي أنّه يقول: لو لا علي ما خلقت جنّتي‏ (2)، فله جنة النعيم، و هو المالك لها و القيم، لأن من خلق الشي‏ء لأجله فهو له و ملكه.

يؤيّد ذلك: ما رواه المفضل بن عمر قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إذا كان عليّ يدخل الجنّة محبّه و النار عدوّه فأين مالك و رضوان إذا؟ فقال: يا مفضل أ ليس الخلائق كلّهم يوم القيامة بأمر محمد؟ قلت: بلى، قال: فعلي يوم القيامة قسيم الجنّة و النار بأمر محمد، و مالك و رضوان أمرهما إليه، خذها يا مفضل فإنّها من مكنون العلم و مخزونه‏ (3).

و من ذلك ما ورد عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: إذا كان يوم القيامة أمر شيعتنا فما كان عليهم للّه فهو لنا، و ما كان لنا فهو لهم، و ما كان للناس فهو علينا (4).

و في رواية ابن جميل «ما كان عليهم للّه فهو لنا، و ما كان للناس استوهبناه، و ما كان لنا

____________

(1) النور: 61.

(2) تقدّم الحديث.

(3) بحار الأنوار: 27/ 313 ح 9.

(4) بحار الأنوار: 27/ 313 ح 10.

290

أعدائنا وَ لا صَدِيقٍ حَمِيمٍ‏ (1).

فصل [حاجة الخلائق لآل محمّد (عليهم السلام)‏]

فما للمكذّبين بيوم الدين، لفضل علي ينكرون، و لحكمه يوم القيامة يجحدون، و عمّا نالته أذهانهم يصدقون، و لما صعب عليهم فهمه يرفضون، فويل لهم يوم يبعثون، و على صاحب الحوض يعرضون، و كيف يرجون؟ إنهم للعذاب ينهلون و هم للعذاب يتعرّضون، أ لم يسمعهم الذكر المبين؟ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ‏ (2) يعني ينكرون يوم القيامة و إن صدقوا به، ينكرون أن عليا و إليه و حاكمه ثم قال: وَ ما يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ‏ (3)، أي ما يكذب بأن حكم يوم الدين مسلّم إلى علي إلّا كل معتد أثيم، معتد بقوله أثيم في اعتقاده، فيا ويله من خبث الزاد ليوم المعاد، أ لم يعلم أن الخلائق يوم القيامة يحتاجون إلى محمد و آل محمد من وجوه؟

الأول أنّهم لو لا هم لما خلقوا فلهم عليهم حق‏ (4).

الثاني أن علّة الوجود أب للموجود فلهم على الناس حق الأبوّة، و إليه الإشارة بقوله: أنا و علي أبوا هذه الأمّة (5)، فمحمد و علي أبوا سائر الخلائق و لو لا وجود الأبوين لما كان ولد قط.

____________

(1) الشعراء: 100- 101.

(2) المطففين: 11.

(3) المطففين: 12.

(4) كمال الدين: 1/ 254، و البحار: 26/ 335.

(5) تقدّم الحديث.

291

الثالث أنّهم الوسيلة (1) إلى اللّه لكل مخلوق من الأزل و إلى الأبد لهم الولاء و بهم الدعاء و إن كل علم ظهر إلى الخلائق فمنهم و عنهم.

الرابع أن الأنبياء ينتظرونهم يوم القيامة إذا كذبتهم الأمم حتى يشهدوا لهم بالتبيلغ.

الخامس أن الخلائق يوم القيامة محتاجون إلى الحوض ليردوه و الحوض لهم‏ (2).

السادس أن الخلائق يوم الفزع الأكبر تزول عقولهم من هول المطلع إلّا من أحبّهم فانّه آمن من أهوال يوم القيامة، و إليه الإشارة بقوله: لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ (3) و هذا خاص لشيعتهم.

السابع أن مفاتيح الجنّة و النار يوم القيامة في أيديهم‏ (4).

الثامن أنهم غدا رجال الأعراف فلا يدخل الجنة إلّا من عرفهم و عرفوه، و إليه الإشارة بقوله: وَ عَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ‏ (5) و المراد هنا آل محمّد (عليهم السلام)(6).

التاسع أن لواء الحمد بأيديهم و الأنبياء يستظلّون بظلّه‏ (7).

العاشر أنه لا يدخل الجنة إلّا من كان معه براءة بحبّهم.

الحادي عشر أن الصراط عليه ملائكة غلاظ شداد عدتهم تسعة عشر، كما قال اللّه عز اسمه: عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ (8) فلا يجوز أحد منهم إلّا من عرف الخمسة الأشباح و ذريّتهم‏ (9)، و أن حروف أسمائهم بعدد ملائكة الصراط.

الثاني عشر أن الجنّة محرّمة على الأنبياء (10) و الخلائق حتى يدخلها النبي و الأوصياء من‏

____________

(1) الاحتجاج: 1/ 88.

(2) ينابيع المودة: 1/ 25، و جواهر العقدين: 343، و تاريخ المدينة: 1/ 38.

(3) الأنبياء: 103.

(4) الكامل لابن عدي: 7/ 141 رقم 2053.

(5) الأعراف: 46.

(6) ينابيع المودّة: 1/ 118.

(7) فضائل الصحابة لأحمد: 2/ 661، و مسند أبي يعلى: 3/ 481 ح 7493.

(8) المدثر: 30.

(9) مقتل الحسين للخوارزمي: 1/ 39.

(10) نوادر الأصول للترمذي: 1/ 340 أصل 67.

292

عترته و شيعتهم من خلافهم، و من خلاف شيعتهم الأنبياء، فهم سادة الأوّلين و الآخرين، فالكل لهم و إليهم و عنهم و بهم، فلذا لا يبقى يوم القيامة ملك مقرّب و لا نبي مرسل إلّا و هو محتاج إليهم، و لم يشرك معهم أحد إلّا شيعتهم، فالداران ملكهم و الوجودان ملكهم، و العبد في نعمة سيده يتقلّب و آل محمد هم النعمة الظاهرة و الباطنة، دليله قوله سبحانه: وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَ باطِنَةً (1) فمن سكن هذه المملكة و لم يشكر لآل محمد لم يشكر اللّه، و من لم يشكر اللّه كفر، فمن لم يشكر لآل محمد (عليهم السلام) فقد كفر، و إليه الإشارة بقوله: أَنِ اشْكُرْ لِي وَ لِوالِدَيْكَ‏ (2) و إذا وجب شكر أبوي الولادة و الشهوة و الطبع وجب بطريق الأولى شكر أبوي الإيجاد و الهداية و العقل و الشرع، فويل للمنكرين لفضلهم، الجاحدين لنعمتهم، المكذّبين بعلوّ درجتهم إذا جاءوا إلى حوضهم غدا ليردوه، و كيف يردوه و قد أنكروا أمرهم و ردوه؟

و إلى هذه المقامة أشار ابن طاوس فقال: اشكر لمن لو لا هم لما خلقت، فهم (صلّى اللّه عليهم) مشكاة الأنوار الإلهية، و حجاب أسرار الربوبية و لسان اللّه الناطق في البرية، و الكلمة التي ظهرت عنها المشية و صفات الذات المنزّهة عن الأينية و الكيفية، فمن صلّى عليهم فقد سبّح اللّه و قدّسه، لأن في ذكر الصفات تنزيه الذات، و هم جمال الصفات المنزّهة التي تجلّى فيها جلال الذات المقدّسة، و إليه الإشارة بقوله: بالكلمة تجلّى الصانع للعقول، و بها احتجب عن العيون:

سلام على جيران ليلى فإنّها * * * أعز على العشاق من أن تسلما

فإنّ ضياء الشمس نور جبينها * * * نعم وجهها الوضاح يشرق حيثما

فصل‏

و تصحيح هذه الدلائل قد صرّح بذكره القرآن فمنه قوله سبحانه: وَ لَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما

____________

(1) لقمان: 20.

(2) لقمان: 14.

293

آتاهُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ قالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ‏ (1) فقد دلّ الرب القديم الرحمن الرحيم سبحانه أن كل فضل فاض إلى الوجود و الموجود فهو من نعمة اللّه، و فضل آل محمد لأنّهم هم السبب في وجودها و وصولها، فما بال أهل الزمان يخالفون العقل و النقل و ينكرون سرائر القرآن الناطقة بفضل آل محمد؟ و يؤولونها بحسب آرائهم، و يسمون من أظهر شيئا من هذا مغاليا و يرفضونه و يهجرونه و لا يعرفونه، ثم يدعون بعد هذا معرفة علي و محبّته و يزعمون أنهم من شيعته، كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ‏ لأنهم اليوم في ريبتهم يتردّدون فأنّى يبصرون.

فما آمن بعلي من أنكر حرفا من فضله و إن بعد عن عقله العديم و خفي على ذهنه السقيم، فليرده إلى قولهم: أمرنا صعب مستصعب‏ (2)، و ليتل هناك‏ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ‏، و ليسلك نفسه في سلك قوله: وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا، و لا يندرج في لفيف قوم قاموا في آيات اللّه يلحدون، و لها يجحدون و عنها يصدون و منها يصدفون، و هم يحسبون أنّهم يحسنون فتراهم لم يقبلوا على الحق برهانا، و لم يصغوا لسماع قول: وَ إِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً (3) و لا طلع لهم في سماء التصديق نجم، و لا نجم لهم طلع، و لا أسفر لهم في دجنة التوفيق بدر، و لا بدر لهم أسفر، و كان هذا الكتاب محكا حك شكّهم حكّا، و أظهر مسّهم حين مسهم فجاؤوا بالباطل يكذبوني، و يلفون بالحسد في ديني إذ أخلجوا في السبق دوني.

فصل‏

و لما كان أهل الدنيا شأنهم بعض من وصلت إليهم من اللّه نعمة فتراهم يدلون به إلى الحكّام، و يجعلونه غرضا لسهام الانتقام، و يتوقعون سلب دولته و ذهاب نعمته، و هذا شأن الحسود و متى يسود، و كذا أهل الدعوى الذين سمّوا أنفسهم مؤمنين و هم عن التذكرة

____________

(1) التوبة: 59.

(2) الأصول الأصيلة: 169.

(3) الأنفال: 2.

294

معرضون، و للناطق بها مبغضون و مكذّبون، فإذا استنشقوا روايح العرفان، من عبد أنعم اللّه عليه توجّهوا إلى تكذيبه و إنكاره و إبعاده، و حذّروا الناس من اعتقاده و صدّوهم عن حبّه و وداده، و رشقوه بسهام الحسد، و سبب ذلك الجهل و حب الرئاسة، فاعلم الآن أنه قد ثبت بما بيّناه من الدلالات، و أوضحناه من البيانات، أن عليّا مالك يوم الدين و حاكم يوم الدين، و ولي يوم الدين، منّا من رب العالمين، و فضلا من الصادق الأمين، فهو ولي الحسنات بنص الكتاب‏ هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ‏ (1).

فصل‏

هذا صحيح النقل، و أما صريح العقل فإنّ اللّه سبحانه جلّ أن تراه العيون، و هذا اعتقاد أهل الإيمان و التحقيق و الإيقان و التصديق، لأن السلطان كلّما عزّ منه الجناب عظم دونه الحجاب، فكيف جوزت على ربّ الأرباب، أنّك تراه يوم الحساب، قد جلس لخلقه. بغير حجاب، تعالى اللّه عن ذلك و ليس ربنا المعبود كذلك و إنما حسابك في بعثك و مآلك، إلى من جعله اللّه الولي و الحاكم و المالك، و من اعتقد غير ذلك فهو [في‏] بعثه هالك.

فصل [آل محمّد (عليهم السلام) حكّام العباد]

فالمالك في المعاد و الحاكم يوم التناد، و الولي على أمر العباد هم آل محمد صلّى اللّه عليهم الذين جعلهم اللّه في الدنيا قوام خلقه، و خزّان سرّه و في الآخرة ميزان عدله و ولاة أمره، و ذلك لأن الصفات مآلها الذات و مرجع الأفعال إلى الصفات، و آل محمد صفوة اللّه و صفاته فالأفعال بسرّهم ظهرت، و عنهم بعثت و إليهم رجعت، «بدؤها منك و عودها إليك» فهم المنبع و إليهم المرجع، فمرجع الخلق إليهم و حسابهم عليهم.

____________

(1) ص: 39.

295

فصل [أقسام الأولياء]

و ذلك لأن الولاة قسمان: الأنبياء و الأولياء، و الأنبياء ليس عليهم حساب بنصّ الكتاب، دليله قوله‏ فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَ جِئْنا بِكَ عَلى‏ هؤُلاءِ شَهِيداً (1) فالأنبياء شهود على الأمم فتعيّن أن الموقف للأولياء، و إليه الإشارة بقوله: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ‏ (2)، و الدفاتر بأسرها مرفوعة إلى صاحب الجمع الأكبر الذي له الولاية من البداية إلى النهاية، و ذاك أمير المؤمنين بنص الكتاب المبين فهو ولي يوم الدين، و حاكم يوم الدين و مالك يوم الدين، و بأمر اللّه فيه يدين، و يوم الدين يوم الجزاء و مقاماته اللواء، و علي حامله، و الحوض و علي ساقيه، و الميزان و علي و إليه، و الصراط و هو رجال الأعراف عليه، و الجنة و النار و مفاتيحها بيده و أمرها إليه، فاعلم أن يوم القيامة منوط بآل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) فاللواء لهم و الحوض لهم و الوسيلة لهم، و الميزان لهم و الصراط لهم، و الشفاعة لهم، فهم الذادة و القادة و السادة و الولاة و الحماة و الهداة و الدعاة، و المنزلة لهم، و الولاية لهم، و أهل الجنة و النار لهم، و إليهم و عليهم، و وقوف الخلق في مقام‏ وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ‏ (3) لهم، و شهادة الأنبياء على أممهم بالتبليغ لهم و حشر الخلائق إليهم و حسابهم عليهم، و خطاب اللّه يوم القيامة لهم و الدرجة العليا لهم، و مالك و رضوان ممتثلان لأمرهم مأموران بطاعتهم، لأنّهم حجج اللّه على أهل السّماوات و الأرضين، و إليهم أمر الخلائق أجمعين، منّا من ربّ العالمين، و ويل للمنكرين، عند طلوع شمس اليقين.

____________

(1) النساء: 41.

(2) الاسراء: 71.

(3) الصافات: 24.

296

فصل [معنى الحساب‏]

و الحساب يوم القيامة عبارة عن النظر في الصحائف، و إليه الإشارة بقوله: وَ اتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ‏ (1) و هي آخر آية نزلت.

و الصحائف في الدنيا تعرض على النبي و الولي، و في الآخرة يختص بحكمها الولي موهبة من الربّ العلي، فمن كبر عليه هذا العطاء، و استكبر هذه النعماء، فليمدد بسبب إلى السماء.

فصل‏

و الحساب هو تعيين أهل الجنّة إلى الجنّة و أهل النار إلى النار، و ذلك في صحيفة آل محمد قد عرفوه في عالم الأجساد و الأشباح، و الأصلاب و الأنساب، و إليهم عوده و مآبه يوم الحساب بنصّ الكتاب، دليله قوله: أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (2) هكذا بلفظ التثنية، و هو أمر لمن له الحكم في ذلك اليوم، و قد أجمع المفسّرون و فيهم أبو حنيفة في مسنده رواية عن الأعمش عن أبي سعيد الخدري أنه إذا كان يوم القيامة قال اللّه: يا محمد يا علي قفا بين الجنة و النار، و ألقيا في جهنّم كلّ كفّار كذّب بالنبوّة (3)، و عنيد عاند في الإمامة، فتعيّن أن عليا حاكم يوم الدين بأمر رب العالمين.

يؤيّد هذا قوله سبحانه: وَ ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ‏ (4) و هي يوم الرجعة و يوم القيامة، و يوم‏

____________

(1) البقرة: 281.

(2) ق: 24.

(3) بحار الأنوار: 36/ 74 ح 27 و: 24/ 73 ح 58.

(4) إبراهيم: 5.

298

فصل [مناقب الكرّار بلسان المختار (عليهما السلام)‏]

بيان وصل: علي ناصر محمد و معاونه، و أبوه كافل النبي و مربّيه، و هو حامل رايته في كل موطن و مساويه، و باذل نفسه دونه و مساويه و مفديه، و روحه على جسده «أنت روحي التي بين جنبيّ» و مستودع علمه «ما أفرغ جبرائيل في صدري حرفا إلّا و قد أمرت أن أفرغه في صدر علي» و ساعده المساعد و سيفه الضارب، و أسده الغالب، أدعوا لي فارس الحجاز «أين الكاشف عن وجهي الكربات» (1).

فهو إن شككت صنوه و أخوه «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى» (2) و صاحب ميراثه و نسبه «أنت أنا و أنا أنت» (3)، و شقيق نفسه و صاحب دعوته «أنت منّي و أنا منك لحمك لحمي و دمك دمي و مقامك مقامي» (4) «أنت الخليفة بعدي و إمام أمّتي من والاك فقد و الاني، و من عاداك فقد عاداني» (5)، [أنت‏] كذلك منّي في كل مقام إلّا النبوّة و إني لا أستغني عنك في الدنيا و لا في الآخرة، و إنك في يوم القيامة تحيى إذا حييت، و تكسى إذا كسيت، و ترضى إذا رضيت، و إن حساب الخلق عليك و عودهم إليك، و لك الكوثر و السلسبيل غدا و أنت الصراط السوي لمن اهتدى، و لك الشفاعة و الشهادة، و لك الأعراف و أنت المعرّف، و لك الجواز على الصراط و دخول الجنة و نزول المساكن و القصور، و أنت تدخل أهل الجنة إليها و أنت تجيز أهل النار إليها و أنت تلقي حطبها عليها و لواء الحمد في يديك، و هو سبعون شقة كل شقة وسع ما بين الشمس إلى القمر، و آدم و من دونه تحت لوائك و الأنبياء من شيعتك يوم القيامة، و لا يدخل الجنّة إلّا من عرفته و عرفك، و لا يدخل النار إلّا من أنكرته و أنكرك‏ (6).

____________

(1) بحار الأنوار: 35/ 39 ح 38 ضمن حديث طويل.

(2) مسند أحمد: 1/ 170 ط. م و: 277 ح 1466 ط. ب، و الطرائف: 1/ 70 ح 45 و ما بعده.

(3) مزار الشهيد الأول: 236.

(4) بحار الأنوار: 38/ 248 ح 42 ضمن حديث طويل.

(5) بحار الأنوار: 23/ 125 ح 53 و: 26/ 349 ح 23.

(6) بحار الأنوار: 38/ 139 ح 101 و: 39/ 214 ح 5 ضمن حديث طويل.

297

القائم، فيوم الرجعة حكمه لهم، و يوم القائم حكمه لهم، فهذه الثلاثة أيام لآل محمد (صلّى اللّه عليه و آله).

فصل‏

و هذا هو الإيمان بالغيب، و إليه الإشارة بقوله: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ‏ (1) و معناه يصدّقون بأيام آل محمد فمدح من آمن بها، فمن آمن بها آمن باللّه، و من لم يؤمن بها لم يؤمن باللّه.

____________

(1) البقرة: 3.

299

فصل [مفتاح الجنّة بيد علي (عليه السلام)‏]

و إذا استوى أهل الجنة في الجنّة و أهل النار في النار، قيل لك: يا علي أغلق عليها أبوابها، و ناد بين الجنة و النار: يا أهل الجنة خلود خلود، و يا أهل النار خلود خلود، فويل للمكذّبين بفضلك المنكرين لأمرك.

فصل [من عرف نفسه عرف ربّه‏]

يقول الرب الجليل في الإنجيل: اعرف نفسك أيّها الإنسان تعرف ربّك، ظاهرك للفناء و باطنك أنا.

و قال صاحب الشريعة: أعرفكم بربّه أعرفكم بنفسه‏ (1).

و قال إمام الهداية: من عرف نفسه فقد عرف ربّه‏ (2).

فصل‏

و معرفة النفس هو أن يعرف الإنسان مبدأه و منتهاه، من أين و إلى أين، و ذلك موقوف على معرفة حقيقة الوجود المقيد، و هو معرفة الفيض الأوّل الذي فاض عن حضرة ذي الجلال، ثم فاض عنه الوجود و الموجود بأمر واجب الوجود، و مفيض الجود و الجواد الفياض، و ذاك هو النقطة الواحدة التي هي مبدأ الكائنات و نهاية الموجودات، و روح الأرواح و نور الأشباح، فهي كما قيل:

____________

(1) روضة الواعظين: 20.

(2) بحار الأنوار: 60/ 324.

300

قد طاشت النقطة في الدائرة * * * فلم تزل في ذاتها حائرة

محجوبة الإدراك عنها بها * * * منها لها جارحة ناظرة

سمت على الأسماء حتى لقد * * * فوّضت الدنيا مع الآخرة

و هي أوّل العدد و سرّ الواحد الأحد، و ذلك لأن ذات اللّه غير معلومة للبشر فمعرفته بصفاته و النقطة الواحدة هي صفة اللّه، و الصفة تدل على الموصوف، لأن بظهورها عرف اللّه، و هي لألاء النور الذي شعشع عن جلال الأحدية في سيماء الحضرة المحمدية، و إليه الإشارة بقوله: «يعرفك بها من عرفك» (1) يعضد هذا القول أيضا قولهم: لو لانا ما عرف اللّه، و لو لا اللّه ما عرفنا (2).

فهم النور الذي أشرقت منه الأنوار، و الواحد الذي ظهرت عنه الأجساد، و السرّ الذي نشأت عنه الأسرار، و العقل الذي قامت به العقول، و النفس التي صدرت عنها النفوس، و اللوح الحاوي لأسرار الغيوب و الكرسي الذي وسع السّماوات و الأرض، و العرش العظيم المحيط بكل شي‏ء، عظمة و علما، و العين التي ظهرت عنها كل عين، و الحقيقة التي يشهدها بالبدء كل موجود كما شهدت هي بالأحدية لواجب الوجود.

فغاية عرفان العارفين الوصول إلى محمد و علي بحقيقة معرفتهم، أو بمعرفة حقيقتهم، لكن ذلك الباب مستور بحجاب‏ وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (3)، و إليه الإشارة بقولهم:

«إن الذي خرج إلى الملائكة المقرّبين من معرفة آل محمد قليل من كثير»، فكيف إلى عالم البشرية، و عن هذا المقام عنوا بقولهم «أمرنا صعب مستصعب لا يحتمله نبي مرسل و لا ملك مقرّب»، فمن اتصل بشعاع نورهم فقد عرف نفسه لأنه إذ قد عرف عين الوجود و حقيقة الموجود، و فردانية الرب المعبود، فمعرفة النفس هي معرفة حقيقة الوجود المقيد، و هي النقطة الواحدة التي ظاهرها و باطنها النبوة و الولاية، فمن عرف النبوة و الولاية بحقيقة معرفتها فقد عرف ربّه، فمن عرف محمدا و عليا فقد عرف ربّه، و إن كان الضمير في قوله‏

____________

(1) البحار: 95/ 393.

(2) نور البراهين للجزائري: 2/ 121.

(3) الاسراء: 85.

302

فصل [معنى الرب في القرآن‏]

و بيان المدعى ما شهد به القرآن من قوله سبحانه: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ* إِلى‏ رَبِّها ناظِرَةٌ (1) فقال: إلى ربها، و لم يقل: إلهها، و ذلك لأن الألوهية مقام خاص لا شركة فيه، و الربوبية مقام عام يقع فيه الاشتراك لعمومه، ثم قال: وَ جاءَ رَبُّكَ‏ (2) و لم يقل: و جاء إلهك، ثم قال: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ‏ (3) ثم قال: ارْجِعِي إِلى‏ رَبِّكِ‏ (4) فخص النظر و الرؤية و التجلّي و الملاقاة بالرب دون الإله لأن الرؤية و التجلّي إنّما تكون من ذي الهيئة، و المجي‏ء إنّما يصدق على الأجسام و الانتقال من حال إلى حال على اللّه محال، فالمراد من النظر و الرؤية، و التجلّي هنا الرب اللغوي، و معناه المالك و السيّد و المولى، و محمد و علي سادة العباد و مواليهم و ملاك الدنيا و الآخرة و ما فيها و من فيها، و اللّه ربهم بمعنى معبودهم و هذا خاص و هو رب السّماوات و الأرض و ما فيهن و من فيهن و ربّ محمد و علي و مولاهم الذي خلقهم و اجتباهم و اختارهم و ولاهم، فهو الرب و المولى و الإله و السيد و المعبود و الحميد و المحمود، و هم الموالي و السادات العابدين لا المعبودين لكنّه سبحانه استعبد أهل السّماوات و الأرض، من أطاعهم فهو عبد حر قد عتق مرّتين، و من عصاهم فقد أبق- ولد زنا قد أبق الكرتين، و شاهد هذا الحق قوله الحق: إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ‏ صريح في ملاقة آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) غدا و الرجوع إليهم.

____________

(1) القيامة: 22.

(2) الفجر: 22.

(3) البقرة: 46.

(4) الفجر: 28.

301

عرف نفسه عائدا إلى العارف فإنّه إذا عرف نفس الكلّ و الروح المنفوخ منها في آدم فقد عرف نفسه و نفس الكل و حقيقة الوجود هم.

فصل‏

و إن كان الضمير في قوله «نفسه» راجعا إلى اللّه في قوله‏ وَ يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ‏، فهم روح اللّه و كلمته و نفس الوجود و حقيقته فعلى الوجهين من عرفهم فقد عرف ربّه، و كذا عند الموت إذا رأى عين اليقين فإنّه لا يرى إلّا محمدا و عليا لأن الإله الحق جل أن تراه العيون، و الميت عند موته إنّما يشهد حقيقة الحال و المقام فلا يرى عند الموت إلّا هم لأنه يرى عين اليقين. و قال أمير المؤمنين (عليه السلام): أنا عين اليقين أنا الموت المميت.

دليله ما ورد في كتاب بصائر الدرجات عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: ما من ميّت يموت في شرق الأرض و غربها محب لنا أو مبغض إلّا و يحضره أمير المؤمنين (عليه السلام) و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فيبشّره أو يلعنه‏ (1).

و كذا إذا نفخ في الصور و بعثر ما في القبور، و عادت النفس إلى جسدها المحشور، فإنّها لا ترى إلّا محمدا و عليا لأن الحي القيوم عزّ اسمه لا يرى بعين البصر، و لكن يرى بعين البصيرة. و إليه الإشارة بقوله: «لا تراه العيون بمشاهدة العيان، و لكن تراه العقول بحقائق الإيمان» (2)، و معناه تشهد بوجوده لأنه ظاهر لا يرى و باطن لا يخفى.

____________

(1) يراجع الكافي: 3/ 128 ح 1 إلى 13 و البحار: 6/ 173 ح 1 إلى 56.

(2) بحار الأنوار: 36/ 406 ح 16.

303

فصل‏

و القرآن نطق بتسمية المولى ربّا في حكايته عن يوسف (عليه السلام) في قوله: إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ‏ (1) و قوله: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ‏ (2)، و قوله: ارْجِعْ إِلى‏ رَبِّكَ‏ (3)، فلو لم يكن ذاك جائزا لامتنع على المعصوم ذكره، و كل هذا مقام لغوي، فالسيد و مالك يوم البعث محمد و علي منا من اللّه الربّ المعبود الخالق و تولية و رفعة و كرامة لأن اللّه سبحانه اصطفاهم و ولاهم، فهم موالي أهل الدنيا و الآخرة ذلك الفضل من اللّه، و إليه الإشارة بقوله: وَ أَنَّ إِلى‏ رَبِّكَ الْمُنْتَهى‏ (4). و المراد بالرب هنا الولي، و الموالي هم، فهم المبدأ و إليهم المنتهى.

و إن كان المراد هنا حذف المضاف فمعناه إلى عدل ربك المنتهى، و إلى حكم ربك و إلى عفو ربك و إلى رحمة ربك، فهم عدل اللّه و رحمته، و لطفه و أمره و حكمه، فالمرجع إليهم و الحساب عليهم.

____________

(1) يوسف: 23.

(2) يوسف: 43.

(3) يوسف: 50.

(4) النجم: 23.

305

شاكة في السلاح، فقال: ما بال قوم يعيرونني بأهل بيتي و قرابتي إذا قلت فيهم ما جمع اللّه فيهم من الفضل ألا و إن عليا منّي بمنزلة هارون من موسى ألا و إن اللّه خلق خلقه و فرّقهم فرقتين. و جعلني في خيرها فرقة، ثم جعلها شعوبا و قبايل فجعلني في خيرها شعبا و قبيلة، ثم جعلهم بيوتا فجعلني في خيرها بيتا، أنا و أخي علي بن أبي طالب، ألا و إنّ اللّه نظر إلى الأرض نظرة و اختارني منها، ثم نظر إليها نظرة أخرى فاختار أخي عليا و جعله وزيري و خليفتي و أميني، و ولي كل مؤمن و مؤمنة بعدي، من والاه فقد و الاني، و من عاداه فقد عاداني، لا يحبّه إلّا مؤمن و لا يبغضه إلّا كافر، و لا يرتاب فيه إلّا مشرك، و هو ربّ الأرض و سكنها، و كلمة التقوى، فما بال قوم يريدون أن يطفئوا نور أخي و اللّه متمّ نوره؟

ألا و إنّ اللّه اختار لي أخا و أحد عشر سبطا من أهل بيتي هم خيار أمّتي، مثلهم مثل النجوم في السماء، كلّما غرب نجم طلع نجم، هم قوام اللّه على عباده، و حجّته في أرضه و بلاده، و شهوده على خلقه، هم مع القرآن و القرآن معهم، لا يفارقونه حتى يردا عليّ الحوض، أبوهم علي و أمّهم فاطمة، ثم الحسن و الحسين و تسعة من ولد الحسين، جدّهم لخير النبيين و أبوهم خير الوصيّين و أمّهم خير أسباط المرسلين و بيتهم خير بيوت الطاهرين، ما لقي اللّه عبدا محبّا لهم موحّدا لربّه لا يشرك به شيئا إلّا دخل الجنة، و لو كان عليه من الذنوب عدد الحصى و الرمل و زبد البحر، أيها الناس عظموا أهل بيتي و حبّوهم، و التزموا بهم بعدي فهم الصراط المستقيم‏ (1).

فصل‏

عدنا إلى البحث الأوّل. و أمّا قوله‏ فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا (2) و التجلّي إنّما يكون من ذي الهيئة و الجسم، و الرب المعبود ليس بجسم، فالمراد تجلي نور ربّه و النور الأوّل نور محمد و علي المتجلّي من كل الجهات، و اللّه الأحد الحق المتجلّي عن كل الجهات، فبنور صفاته في الأشياء تجلّى و بجلال ذاته عن الجهات تجلّى، و إليه الإشارة بقوله: أنا مكلّم موسى من الشجرة: أن يا موسى أنا ذلك النور.

____________

(1) بحار الأنوار: 36/ 294 ح 124 و الحديث طويل اختصره المصنّف.

(2) الأعراف: 143.

304

فصل [مناقب آل محمّد (عليهم السلام)‏]

فمحمد و علي بالنسبة إلى حضرة الخلق موالي و مالكين و بالنسبة إلى حضرة الحق عبيدا مختارين و حججا مقرّبين، و إليه الإشارة بقوله: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً (1) فالخلائق إذا حضروا الموقف و وقفوا في مقام العبودية فهناك يرى محمدا و آل محمد ينظرون إلى ما منّ اللّه به عليهم من الرفعة و الكرامة و الولاية العامة، و الخلق ينظرون رفعتهم و قرب منزلتهم و عظيم كرامتهم، فيعولون في الشفاعة عليهم و يلجئون في وزن الأعمال إليهم، و إليه الإشارة بقوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ* إِلى‏ رَبِّها ناظِرَةٌ (2).

و النظر يومئذ إمّا إلى الرب صريحا أو إلى رحمته و نعمته و لطفه و فضله، و هو حذف المضاف. فإن كان النظر إلى الرب فالوجوه هناك ناظرة إلى عظمة نبيّها و وليّها و هو مولاها في دنياها و اخراها، فهي ترقب الشفاعة من النبي و التنزيه من الولي بفضل الإله العلي، و إن كان معناه أنها ناظرة إلى رحمة ربّها و فضل ربّها، فالنعمة و الرحمة و الفضل أيضا محمد و علي، و إليه الإشارة بقوله: وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَ باطِنَةً (3) و الظاهرة يومئذ محمد (صلّى اللّه عليه و آله) لأنه زين القيامة و صاحب الوسيلة و ذو الكرامة، فالوجوه يومئذ ناظرة إلى جماله و كماله و علوّ مقامه، و النعمة الباطنة علي، و الوجوه يومئذ ناظرة إلى حقيقة معناه فيرون حكمه النافذ في العباد بأمر الملك الذي يختار من عباده من يشاء، شئت أنت أم لم تشأ.

يؤيّد ذلك: ما رواه سليم بن قيس الجواد: أن فلانا قال يوما: ما مثل محمد في أهل بيته إلّا نخلة نبتت في كناسة. فبلغ ذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فغضب و خرج فأتى المنبر فجاءت الأنصار

____________

(1) مريم: 93.

(2) القيامة: 22.

(3) لقمان: 20.

306

فصل [معنى الحركة و السكون للّه تعالى‏]

و أما قوله: وَ جاءَ رَبُّكَ‏ فالمجي‏ء و الحركة و السكون إنّما تقال على الأجسام، و خالق الأجسام ليس بجسم، و كيف يجري عليه ما هو أجراه، لا إله إلّا اللّه، و المراد جاء أمر ربك و الأمر يومئذ محمد و علي فهم الأمر و إليهم الأمر، و السيد و المولى في اللغة بمعنى واحد، و أنت تدعو بذاك مرارا و لا تعقل و تقول: يا سيدي و مولاي يا اللّه يا محمد يا سيدي و مولاي، يا علي يا سيدي و مولاي، و قد ورد عن الحسن العسكري (عليه السلام) في عهده و دعائه أنه يقول: «يا من أتحفني بالإقرار بالوحدانية، و حباني بمعرفة الربوبية، و خلصني من الشك و العمى، جئت بك إليك».

فالواحد المعدود، و الرب لا معدود، صفة الإله الأحد الذي لا يحدّ و لا يعدّ، فمن عرف من الحكمة هذا القدر فقد عرف مبدأه و معاده، لأن المبدأ ظهور من الحق إلى الخلق، و المعاد عود من الخلق إلى الحق، و من عرف المبدأ و المعاد و حقيقة الوعد و الإيعاد، فقد تيقّن النجاة و عرف عين الحياة، و أمن الممات، لأن المؤمن حي في الدارين.

يتمّم هذا الإسرار قوله: وَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا (1)، و الوحي و الرسول يوم القيامة مرتفع، فلم يبق إلّا التكلّم من وراء الحجاب، و أقرب الناس مقاما من حضرة الربوبية الاسمان الأعليان الحبيب و الولي الكلمة العليا التي تكلّم بها في الأزل فصارت نورا، و الكلمة الكبرى التي تكلّم بها فكانت روحا، و أسكنها ذلك النور نور محمد و علي فهما حجاب رب الأرباب، فالإذن إذن لهم و الحكم لهم، و الأمر إليهم، و إليه الإشارة بقوله: وَ الْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ‏ (2) يعني لولي اللّه لأنّهما عالمان بأعمال العباد من‏

____________

(1) الشورى: 51.

(2) الانفطار: 19.

307

غير سؤال و ليس في الخلائق من له هذه المقامات إلّا هم، لكن الناس فيهم، كما قال اللّه سبحانه: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى‏ حَرْفٍ‏ (1) أي إيمانه غير متمكن في القلب لأن الحرف هو الطرف. و ذاك بغير برهان و لا يقين، فإن أصابه خير يعني إن سمع ما يلائم عقله الضعيف اطمأن به و ركن إليه، و إن أصابته فتنة- و هو سماع ما لم يحط به خبرا- فهناك لا يوسعك عذرا بل يبيح منك محرما و يتهمك كفرا، و إليه الإشارة بقوله (عليه السلام): لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله. و قيل لكفّره‏ (2)؛ لأن صدر أبي ذر ليس بوعاء لما في صدر سلمان من أسرار الإيمان و حقائق ولي الرحمن، و لذاك قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): أعرفكم باللّه سلمان.

و ذلك لأن مراتب الإيمان عشرة، فصاحب الإيمان لا يطلع على الثانية و كذا كل مقام منها لا ينال ما فوقه، و لا يزدري من تحته، لأن من فوق درجته أعلى منه، و غاية الغايات منها معرفة علي بالإجماع و إنما قال: «لقتله» لأن أبا ذر كان ناقلا للأثر الظاهر، و سلمان عارفا بالباطن، و وعاء الظاهر لا يطيق حمل الباطن، و قد علم كل أناس مشربهم.

____________

(1) الحج: 11.

(2) بحار الأنوار: 25/ 346 و أصول الكافي: 1/ 401 و الدر المنثور للشهيد الثاني: 1/ 47، و غرر الفوائد: 419.

308

فصل [معنى الرب بالقرآن‏]

قد علمت أن الرب لفظ مشترك، فتارة يأتي بالقرآن بمعنى المالك و السيد، و تارة يأتي بمعنى المعبود، و لا مشركة فيه، و ذاك مثل قوله سبحانه: رَبُّ السَّماواتِ‏ (1)، و رَبِّ الْأَرْضِ‏ (2)، رَبِّ الْعالَمِينَ‏ (3)، فهو ربّهم و خالقهم و مالكهم و مولاهم، و أما اسم الإله إذا جاء من هذا الباب فإنه لا يكون إلّا بمعنى حذف المضاف لا غير، و ذلك مثل قوله: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ‏ (4)، و معناه أمر اللّه، و قوله: فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا (5) معناه أمر اللّه من حيث لم يشعروا.

فصل‏

سرّ النجاة بالإيمان، و لا إيمان إلّا ببرهان، و إليه الإشارة بقوله: هاتُوا بُرْهانَكُمْ‏ (6)، و صاحب البرهان على بيّنة من ربه، و حق اليقين لا شك بعده، و ليس بعد الهدى إلّا الضلال، فالمؤمن الموقن كشارب الترياق لا يضرّه سم أبدا، و المقلّد إيمانه لعقة على لسانه فلا يعرف الحق حتى يتبعه، و لا يقدر على عرف الباطل فيمنعه، فهو كالمطعون كلّما ازداد علاجا ازداد مرضا، أو كشارب ماء البحر كلّما ازداد شربا ازداد عطشا، و كذلك المرتاب في فضل علي لا يصبو لحسن ما تجلّى عليه من عرائسه، و لا ترتاح نفسه لسماع نفائسه، فكلّما تليت‏

____________

(1) مريم: 65.

(2) الجاثية: 36.

(3) الجاثية: 36.

(4) البقرة: 210.

(5) الحشر: 2.

(6) البقرة: 111.

309

عليه آياته، ولّى مدبرا، و صدّ مستكبرا، لأنه لم يؤمن بها من الأزل و لم يزل، فلذلك لم يؤمن بها اليوم، و لم ينقد مع القوم، و كيف يعرفها في عالم الأجسام و الأشباح؟ و قد أنكرها في عالم الأرواح، فهو في عالم الأجساد ممسوخ، و من عالم الأرواح مفسوخ، و في سجين مرسوخ، لأن الجسد تابع للأرواح و إليه الإشارة بقوله: وَ نُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَ أَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ (1) لأن الإيمان من ذلك اليوم.

دليله قوله: الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ‏ (2) في ولاية علي الذي أخذ عليهم عهدها في الأزل و قوله: وَ الَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ‏ (3) يعني يصلون حبّ اللّه بحب محمد، و حب محمد بحب علي، و حب علي بحب فاطمة، و حب فاطمة بحب عترتها.

وَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ‏ في ترك الولاية وَ يَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ‏ لمن لم يؤمن بآل محمد.

دليل ذلك أن رجلا قال لأمير المؤمنين (عليه السلام): إنّي أحبّك.

فقال له: كذبت إنّ اللّه خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام ثم عرض عليّ المطيع منها و العصاة فما رأيتك يوم العرض في المحبين، فأين كنت؟ (4).

و قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): أعداؤنا مسوخ هذه الأمّة (5).

و من أنكر فضل آل محمد (عليهم السلام) فهو عدوّهم، و إن كثر صومه و صلاته فإن عبادة إبليس أعظم و أكثر، فإن ذلك ضاع عند عصيانه و خلافه، و لا فرق بين عصيان الرب و عصيان الإمام.

____________

(1) الأنعام: 110.

(2) الرعد: 20.

(3) الرعد: 21.

(4) نهج السعادة: 409/ 7، و مناقب آل أبي طالب: 2/ 96 بتفاوت.

(5) تقدّم الحديث.

310

فصل [أثر إنكار فضل الآل (عليهم السلام)‏]

ما أنكر فضل آل محمد من الأمم السالفة إلّا مسخ‏ (1)، و لا رد فضلهم إلّا من خبث أصله و رسخ، فمن أنعم اللّه عليه بحب علي و الإقرار بفضله و وجد روحه بين جنبيه، و وجد صدره منشرحا عند وصول أسراره إليه، و لم يجد الشكوك تنازعه، و لا يد الإنكار تمانعه، فقد طاب مولده و عنصره، و زكى محتده و مخبره، و إليه الإشارة بقول أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه قال: «لا تدعوا الناس إلى ما أنتم عليه، فو اللّه لو كتب هذا الأمر على رجل لرأيته أسرع إليه من الطير إلى و كره، و أسبق من السيل إلى جوف الوادي».

و لذلك قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «لو ضربت خيشوم المؤمن على أن يبغضني ما فعل، و لو صببت الدنيا على المنافق على أن يحبّني ما فعل، و بذلك أخذ اللّه لي العهد في الأزل و لم يزل» (2).

و لذلك قال للرجل: فما رأيتك في المحبّين فأين كنت؟ فعليه عرضت الأرواح، و عليه تعرض الأعمال في عالم الأجسام، و عليه تعرض عند الممات، و يعلم مقامها بعد الوفاة، و يعلم ما يصير إليه الرفات، و إليه عودها عند القيام، و هو وليها في ذلك المقام، و قاسمها إلى النعيم أو الانتقام، من فضل اللّه رب الأنام، و ولاية من ذي الجلال و الإكرام.

فعليّ ولي الأشباح، و ولي الأديان و ولي الإيمان و ولي الحياة و ولي الممات، و ولي‏

____________

(1) المسخ المتقدّم في رواية الإمام الصادق (عليه السلام) أعم من المسخ في الدنيا و الآخرة و المراد في الآخرة ما يسمّى بتجسّد الأعمال من حشر بعض الناس على شكل الحيوانات. و المراد في الدنيا ما جاء في بعض روايات الإمام الصادق (عليه السلام) من إراءة الإمام الناس لأبي بصير على حقيقتهم قردة و خنازير.

أقول: و إنّما قلنا ذلك لما نشاهده من أعدائهم في الحياة الدنيا على طبيعتهم الإنسانية و لما ثبت من رحمة أمّة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) بعدم المسخ.

(2) بحار الأنوار: 39/ 296 ح 99.

312

فصل [صفات اللّه تعالى‏]

إن اللّه تعالى في جلال كبريائه و عظمته ليس كمثله شي‏ء، و هذا من مقتضيات الربوبية، و الحضرة المحمدية في كمال رفعتها و تقدّمها على المخلوقات ليس كمثلها شي‏ء، لأنها الخلق الأول و الولاية سرّ عظمتها في تصرفها في الكائنات، و عهدها المأخوذ على سائر البريات من قبل برء النسمات ليس كمثله شي‏ء، لأنها احتوت على سر الحضرة الإلهية و سر النبوة المحمدية التي ليس كمثلها شي‏ء، و سرّ من ليس كمثله شي‏ء ليس كمثله شي‏ء، و العارف بهذه الأسرار، و المجتني لهذه الثمار، المقتبس لهذه الأنوار، المجتنب للتكذيب و الإنكار ليس كمثله شي‏ء في سرّه إلى اللّه و معرفته بالهداة الأبرار.

فصل‏

سبحان الملك النور الذي تجلّى في الأشياء فظهر، و تجلّى عنها فغاب و استتر، تقدّس عن الزمان و المكان، و تعالى عن الحدوث و الحدثان، تنزّه عن الحلول و الانتقال و الصورة و المثال، تجلّى بجماله من كل الجهات فظهر، و تجلّى بكماله عن كل الجهات فاستتر، فهو غيب ظهر، ثم غاب حين ظهر.

311

الحساب و ولي النعيم و ولي العذاب، و ولي للمكذب و المرتاب.

الذين لفضل علي ينكرون، و لما خصّه اللّه به من الآيات يجحدون، و عن آياته يستكبرون، و في علو مقاماته يرتابون و يستعظمون، و بها يكذبون و فيها يلحدون، أولئك في العذاب محضرون، و عن الرحمة مبعدون.

فلو أن أحدهم عمّر في الدنيا ما دارت الأفلاك و سبحت الأملاك، و حج ألف حجّة، و كان في أيامه مقبلا على الصيام و القيام، و كان له من الحسنات بعدد ورق الأشجار، و من الطاعات بوزن رمل القفار، و من المبرّات بعدد قطر الأمطار، و من الخيرات بعدد ما في القرآن حرفا حرفا، و بعدد كل حرف ألفا ألفا، و قرأ كل كتاب نزل، و فهم كل خطاب من العلم و العمل، و رافق النبيين و صحب المرسلين، و أقام في الصافين، و قتل شهيدا بين الركن و المقام، ثم أنكر من فضل علي حرفا، و ارتاب في فضله و أخفى، لم ير في بعثه سعدا، و لم يزدد من رحمة اللّه إلّا بعدا.

316

الحسنات، فإذا كان في الميزان فأين السيئات، و إليه الإشارة بقوله: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ‏ (1)، و أكبر الحسنات حبّ علي، بل هو الحسنات، فإذا كان في الميزان فلا ذنب معه، و أين ظلمة الذنب مع تلألؤ نور الرب، لأن ولاية علي هي نور الرب، و أين ظلمة الليل عند ضياء البدر المنير، أم مس السيئات عند خالص الإكسير، و من ذلك قوله: يَداهُ مَبْسُوطَتانِ‏، و قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ (2) و التناقض لازم له في الظاهر من غير تأويل، لأن من لا مثل له من أين له يدان مبسوطتان؟ و من له يد مبسوطة كيف يكون بلا شبه و لا مثل؟ هذا واضح لمن عرف الاستعارة اللغوية.

فصل [ليس كمثله شي‏ء]

أما قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ، فحق لأنّ الإله الحق لا مثل له لأنه مسلوب عنه الأضداد و الأنداد، و قوله: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ‏ فذلك أيضا حق لأنّه أراد القدرة و الرزق و عبّر عنهما باليد، لأن البسط يليق باليد و القدرة أيضا. فلفظ اليد هنا استعارة لأن قدرته و رزقه لم يزل و لا يزال، فله الأيادي على سائر خلقه و الإنعام، و أما عند الباطن فاليدان المبسوطتان محمد و علي، و هما النعمة و القدرة نعمة النبوّة و قدرة الولاية، و من ذلك قوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ* إِلى‏ رَبِّها ناظِرَةٌ (3)، و قوله: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ (4)، فالذي لا تدركه الأبصار كيف تراه الوجوه؟ و الذي لا تراه الوجوه، كيف لا تدركه الأبصار؟ هذا نفي و إثبات، و النفي و الإثبات لا يجتمعان.

و من ذلك قوله خطابا لسيّد المرسلين: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ (5)

____________

(1) هود: 114.

(2) الشورى: 11.

(3) القيامة: 22.

(4) الأنعام: 103.

(5) الفتح: 2.

313

فصل [اختلاف الناس في الإمام‏]

نبوّة و إمامة، و في الإمامة وقع الاختلاف، و إليه الإشارة بقوله: «ما اختلفوا في اللّه و لا فيّ و إنّما اختلفوا فيك يا علي» (1)، فالإسلام و الإيمان نعمتان مشكورة و مكفورة ظاهر و باطن، فالاختلاف وقع في الإمامة، فالعدو عن ظاهر أنوارها معرض، و الولي عن خفي أسرارها متقاصر، فأعداؤه بفضله يكذبون، و أولياؤه لأسراره ينكرون، و العارفون به لسفن النجاة راكبون، و أهل التوفيق و التحقيق لرحيق حبّه ينتهلون، سكارى و هم صاحون، و اسمهم العالون و هم العالون، و سكرهم أنهم عرفوا أن عليا مولى الأنام، و أن له الحق على الرب و السلام، و على السيد الإمام، و على البيت الحرام، و على الشرع و الأحكام، و على الرسل الكرام، و على الملائكة العظام، و من المؤمنين في القيام و على الجنة و دار الانتقام، و على الخاص و العام.

فإن كبر عليك هذا المقام؛ فقد ورد في صحيح الأخبار عن الأئمة الأبرار، الذين حبّهم النور الأكبر أن حق المؤمن عند اللّه أعظم من السّماوات و الأرض، و من الكبريت الأحمر.

و إذا كان هذا حق المؤمن فكيف حق أمير المؤمنين (عليه السلام)؟

أما حقّه على اللّه فأنّ بساعده و صارمه قامت قناة الدين، و دان به الناس لرب العالمين، و إليه الإشارة بقوله: «ضربة علي يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين» (2).

فهذه ضربة واحدة بسيفه في اللّه قاومت أعمال الجن و الإنس.

و أمّا حقّه على الرسول فإنّه ساواه بنفسه و واساه بمهجته، و خاض دونه الغمرات و كشف عن وجهه الكربات، فهو أسده الباسل و ليثه الحلاحل.

و أما حقّه على الإسلام فإنّه به اعشوشب واديه، و اخضوضر ناديه و مدّت في الآفاق أياديه، و أما حقّه على الشرع و الأحكام فبه و ضحت الدلائل و حقّقت المسائل، و أقمرت‏

____________

(1) تقدّم الحديث.

(2) الفردوس: 3/ 455 ح 5406، و المستدرك: 3/ 32.

315

فصل [سرّ آل محمد (عليهم السلام) صعب مستصعب‏]

اعلم أن سرّ آل محمد صعب مستصعب كما ذكره، فمنه ما يعلمه الملائكة و النبيون، و هو ما وصل إليهم بالوحي، و منه ما يعلمه هم و لم يجر على لسان مخلوق غيرهم، و هو ما وصل إليهم بغير واسطة، و هو السرّ الذي ظهرت به آثار الربوبية عنهم، فارتاب لذلك المبطلون، و فاز العارفون، فكفر به فيهم من أنكر، و فرّط من غلا فيهم و أفرط، و فاز من أبصر فتبع النمط الأوسط.

فصل‏

و أما السرّ الذي فيه للمؤمن نصيب، فهو أيضا صعب مستصعب، و أشدّ صعوبة و إغماضا المتشابه بالوجوه القابل للتأويل، الذي يخالف ظاهره باطنه، و أمثلته في القرآن و الأحاديث و الأخبار و الأدعية كثير، فمن ذلك من القرآن قوله: وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ‏ (1) و فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَ لا جَانٌ‏، و هذا في الظاهر تناقض لأنه أمر أن يقفوهم و يسألوهم، ثم أخبر أنهم لا يسألون، و بيان ذلك: أن العباد لا يسألون يوم القيامة إلّا عمّا عهد اللّه إليهم من حبّ علي، فعنه (و عنه خ ل) يسأل إذ يبعثون، و شيعة علي لا يسألون عن ذنوبهم لأنّهم وفوا.

بالعهد، فلا ذنب عليهم، و قوله: لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَ لا جَانٌ‏ (2)، هذا لفظ عام، و معناه خاص، لأن معناه لا يسأل عن ذنبه يوم القيامة إنس و لا جان من شيعة علي، لأن اللّه أخذ عليهم عهد الإيمان بعلي، و ضمن لهم بذلك الجنّة، فإن وفوا بالعهد وجبت لهم في رحمته للوفاء بالعهد، و قد وفوا بعهدهم، فلا ذنب عليهم يسألون عنه إذن، لأن حب علي هو

____________

(1) الصافات: 24.

(2) الرحمن: 39.

314

الدجنات و حلّت المشكلات.

و أمّا حقه على البيت الحرام فإن إبراهيم رفع شرفه و علي رفع شرفه، و أين رفع الشرف من رفع الشرف. و أما حقه على الرسل الكرام فإنّهم به كانوا يدينون و بحبّه كانوا يشهدون، و به دعوا عند القيام و الظهور و سرّهم في الأصلاب و الظهور.

و أما حقّه من المؤمنين فإنّ بحبّه تختم الأعمال و تبلغ الآمال.

و أمّا حقّه على الملائكة المقرّبين فإنّه هو النور الذي علّمهم التسبيح و أوقد لهم في رواق القدس من الذكر المصابيح، و أمّا حقه على جنّات النعيم و دركات الجحيم، فإنّه يحشر أهل هذه إليها و يلقي حطب هذه عليها.

و أمّا حقّه على الخاص و العام من سائر الأنام، فإنّه لولاه لما كانوا؛ لأنّه العلّة في وجودهم، و الفضل عند موجودهم.

يؤيّد هذا التأويل ما روي عن عائشة من كتاب المقامات قالت: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في بيتي إذ طرق الباب، فقال لي: قومي و افتحي الباب لأبيك يا عائشة.

فقمت و فتحت له فجاء فسلّم و جلس فردّ السلام و لم يتحرّك له، فجلس قليلا ثم طرق الباب فقال: قومي و افتحي الباب لعمر، فقمت و فتحت له فظننت أنه أفضل من أبي، فجاء فسلّم و جلس فردّ عليه و لم يتحرّك له، فجلس قليلا فطرق الباب.

فقال: قومي و افتحي الباب لعثمان فقمت و فتحت له، فدخل و سلّم فردّ عليه و لم يتحرّك له، فجلس فطرق الباب فوثب النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و فتح الباب فإذا علي بن أبي طالب (عليه السلام) فدخل و أخذ بيده و أجلسه و ناجاه طويلا، ثم خرج فتبعه إلى الباب، فلمّا خرج قلت: يا رسول اللّه دخل أبي فما قمت له، ثم جاء عمر و عثمان فلم توقرهما و لم تقم لهما، ثم جاء علي فوثبت إليه قائما و فتحت له الباب، فقال: يا عائشة لما جاء أبوك كان جبرائيل بالباب فهممت أن أقوم فمنعني فلما جاء علي و ثبت الملائكة تختصم على فتح الباب إليه، فقمت و أصلحت بينهم، و فتحت الباب له، و أجلسته و قرّبته عن أمر اللّه، فحدّثي بهذا الحديث عنّي، و اعلمي أن من أحياه اللّه متبعا للنبي، عاملا بكتاب اللّه، مواليا لعلي، حتى يتوفاه اللّه، لقي اللّه و لا حساب عليه، و كان في الفردوس الأعلى مع النبيين و الصدّيقين‏ (1).

____________

(1) بحار الأنوار: 38/ 313 ح 17.

317

و قوله: وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (1)، فالذي له ذنب من أين له طهارة؟ و الممدوح في الطهارة بالصدر من أين له ذنب، أما قوله يطهّركم تطهيرا فحق، لأنّهم خلقوا من نور الجلال، و اختصوا بالعصمة و الكمال، فالمعصوم الكامل من أين له ذنب؟

أما مثل هذا في الدعوات، فمنه قول زين العابدين (عليه السلام) و هو سيّد من عبد و ابن سيّد من عبد من الأوّلين و الآخرين في دعائه: «ربي ظلمت و عصيت و توانيت»، فإذا كان ظلوما جهولا كيف يكون سيّدا معصوما، و هو سيّد معصوم فكيف يكون ظلوما جهولا؟

أقول: معنى قوله (عليه السلام) إنه يقول: ربي إن شيعتنا لما خلقوا من فاضل طينتنا، و عجنوا بماء ولايتنا، رضونا أئمة، و رضينا بهم شيعة، يصيبهم مصابنا، و تنكبهم أوصابنا و يحزنهم حزننا، و نحن أيضا نتألّم لتألمهم، و نطلع على أحوالهم، فهم معنا لا يفارقونا (2)، لأن مرجع العبد إلى سيده و معوله على مولاه، فهم يهجرون من عادانا، و يجهرون بمدح من والانا.

و صدّق ما دللت عليه ما أورده ابن طاوس في كتاب مهج الدعوات، حكاية عن خليفة اللّه قائم آل محمد و خاتمهم ما هذا معناه، قال: و لقد سمعته سحرا بسر من رأى يدعو فيقول من خلف الحائط: اللهمّ أحي شيعتنا في دولتنا، و أبقهم في ملكنا و مملكتنا، و إن كان شيعتهم منهم و إليهم و عنايتهم مصروفة إليهم، فكأنه (عليه السلام) قال: اللهمّ إن شيعتنا منّا و مضافين إلينا، و إنهم قد أساءوا و قصروا و أخطئوا في العمل، رأونا صاحبا لهم رضا منهم، قد تقبلنا عنهم ذنوبهم، و تحمّلنا خطاياهم، لأن معولهم علينا و رجوعهم إلينا، فصرنا لاختصاصهم بنا و اتكالهم علينا كأنا نحن أصحاب الذنوب، إذ العبد مضاف إلى سيّده، و معول المماليك على مواليهم، و ملاذ شيعتنا إلينا و معولهم علينا، اللهم فاغفر لهم من الذنوب ما فعلوه اتكالا على حبنا، و طمعا في ولايتنا، و تعويلا على شفاعتنا، و لا تفضحهم بالسيئات عند أعدائنا، و و لنا أمرهم في الآخرة كما وليتنا أمرهم في الدنيا، و إن أحبطت السيئات أعمالهم فثقّل موازينهم بولايتنا و ارفع درجاتهم بمحبتنا، و هذا خيره كثير للمؤمن الموقن المصدق بأسرارهم‏ (3).

و لو لم يكن في كتابي هذا غير هذا لكفاك أن امتلأت من درر الاعتقاد كفاك، و إلّا دراك،

____________

(1) الأحزاب: 33.

(2) بحار الأنوار: 53/ 302.

(3) راجع بحار الأنوار: 53/ 302.

319

يا ابن الأطايب و الطواهر و الفواطم و العواتك‏ * * * أنت الأمان من الردى أنت النجاة من المهالك‏

أنت الصراط المستقيم قسيم جنات الأرائك‏ * * * و النار مفزعها إليك و أنت مالك أمر مالك‏

يا من تجلّى بالجمال فشق بردة كل حالك‏ * * * صلّى عليك اللّه من هاد إلى خير المسالك‏

و الحافظ البرسي لا يخشى و أنت له هنالك

(1) و إذا كانت مناقب علي لا تحصى عددا و فضائله لا تبلغ أمدا فالسّماوات تضيق عن رقمها و سجلها و البحران ينفدان بمدها، و الثقلان يعجزان عن إملائها و العقول تذهل أن تدركها و الجبال تأبى أن تحملها لثقلها، و قد شهد بذلك الكتاب المنزل و النبي المرسل، و أنت بقصور الفهم و وفور الوهم تخالف الرب العلي و النبي الأمي بأذاك لمولاك، و قد أسمعك القرآن اللعن بالطعن و ناداك فقال: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ‏ (2) فمن أبغض عليا لفضله الذي آتاه اللّه فقد آذاه، و من آذى ولي اللّه فعليه لعنة اللّه و حسبه من الخزي يوم يلقاه. فيا أيّها الحائر المذبذب و الجاهل المركب و العارف المعذب، مالك لا تراقب اللّه و تتأدّب، فإلى متى تتمسّك بأذيال التكذيب، و كلما رد عليك مما لاق بذهنك الجامد، و رأيت ما يصدقه عقلك الفاسد، قلت هذا مقام الولي و ما لا تناله أنامل الإدراك من طبعك العكوس ناديت عليه بلسان التكذيب و الإنكار، فيا من يقف بأبواب المغني، من أين لك مشاهدة أنوار المغني ممّا هو الفرق بين العالي و الغالي؟ و كيف عرفت الشيعي من الموالي؟ و المحب من التالي؟ فها أنا مورد لك من الملل و النحل، فضلا يشفي شرابه العلل من العلل و يبين اختلاف الفرق و يؤمن من الغرق ممّا راق عذبه ورق، و يعلم به الحق من الزهق ممّا لا نصب بعده و لا رهق، و ما أظنّك بعد هذا الإطراب و الإطناب و الإكثار و الإسهاب، إلّا كارها للصواب و ساريا في السراب، حتى تلاقي في التراب أبا تراب.

____________

(1) الغدير: 7/ 45.

(2) الأحزاب: 57.

318

فإن الشيطان يطلع على قلب المؤمن في كل يوم 320 مرة بالوسواس و الإضلال، فجعل اللّه شهبا من نور الولاية رجوما للشياطين بعدد تلك النظرات، ليمحو من قلبه ما ران الشيطان، لأن من خالجته الشكوك في قلبه، وطئته الشياطين بمناسمها، أيّها المنكر لفضائل علي، إلى متى تلبس من الشك المنسوج على الجسد الممسوخ، و الروح المفسوخ، و حتى متى كلما طبت ظنيت، و كلما بصرت عميت، و كلما رويت عطشت، أ ما رأيت ملكا اختار عبدا من عبيده و أقامه على سرّه و ولّاه أمره، و قربه نجيا و ألبسه خلعة صفاته و رفعه على سائر مخلوقاته و سلم إليه قلم العدل و دفتر البذل، و سيف القهر و زمام الأمر، و أمره على جميع مخلوقاته و إنه أعلم حيث يجعل رسالاته فقام بالسياسة و العدل و العصمة و البذل، يفعل ما يريد الرب، و يريد الرب ما يفعل، لأنه موضع أمره و يده الباسطة على جميع الملائكة، لأنه يد اللّه و جنبه، و له التصرّف المطلق، و بصره طاف في أقطار السّماوات و الأرض، لأنه عين اللّه الناظرة في عباده و بلاده، و هو في مقام الرفعة و التأييد عبد المولى و مولى العبيد:

العقل نور و أنت معناه‏ * * * و الكون سرّ و أنت مبداه‏

و الخلق في جمعهم إذا جمعوا * * * الكل عبد و أنت مولاه‏

أنت الولي الذي مناقبه‏ * * * ما لعلاها في الخلق أشباه‏

يا آية اللّه في العباد و يا * * * سر الذي لا إله إلّا هو

كفاك فخرا و عزّة و علا * * * أن الورى في علاك قد تاهوا

فقال قوم بأنه بشر * * * و قال قوم بأنه اللّه‏

يا صاحب الحشر و الحساب و من‏ * * * مولاه حكم أمر العباد ولّاه‏

يا قاسم النار و الجنان غدا * * * أنت ملاذ الراجي و ملجاه‏

كيف يخاف الولي حر لظى‏ * * * و ليس في النار من تولاه‏ (1)

يا منبع الأنوار يا سرّ المهيمن في الممالك‏ * * * يا قطب دائرة الوجود و عين منبعه كذلك‏

و العين و السرّ الذي منه تلقنت الملائك‏ * * * ما لاح صبح للهدى إلّا و أسفر عن جمالك‏

____________

(1) أعيان الشيعة: 6/ 467.

320

فصل [افتراق الامم بعد الأنبياء (عليهم السلام)‏]

في بيان افتراق الأمم بعد الأنبياء ممّا شهدت به السّنة و الكتاب، فمن ذاك قال اللّه سبحانه مخبرا عن قوم موسى: وَ مِنْ قَوْمِ مُوسى‏ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ‏ (1)، و قال تعالى حكاية عن النصارى: وَ جَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَ رَحْمَةً (2)، و قال حكاية عن الأميين: وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ‏ (3)، و قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «افترقت أمّة أخي موسى على سبعين فرقة كلّها في النار إلّا واحدة، و افترقت أمّة أخي عيسى على إحدى و سبعين فرقة كلّها في النار إلّا واحدة، و ستفترق هذه الأمّة على ثلاث و سبعين فرقة كلّها في النار إلّا واحدة، و هي التي تبعت ما أنا عليه و أهل بيتي»، و في رواية ما عليه و أصحابي‏ (4).

و هذا بيان و تأكيد أنّ الناجي من تبع الآل لأن الآل هم الأصحاب، و ليس الأصحاب هم الآل، فأين كان الآل كان الأصحاب من غير عكس، و لهذا يقال أهل اللّه و لا يقال أصحاب اللّه.

فآل النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أصحابه و ليس أصحابه آله، و في الحديث: «أهل القرآن أهل اللّه و خاصّته»، لأنّهم حملة سرّه، فأين كان الأهل كانت النجاة، لأن الأهل أولى بالشرف و الفضل، و أحق بالميراث، و أقرب إلى العلم، و منهم نبع الذكر، و عنهم سمع، فالأصحاب تبع الآل لأنّهم سكان السلطنة و الحكم، و الأصحاب سكان التبع فكيف يقتدى بالتابع و لا يقتدى بالمتبوع؟

ألا فهم الملاذ و المنجى، و نهج الهدى و جنّة المأوى و سدرة المنتهى، و الأصحاب قوم تبصروا بنور الآل فأبصروا، ثم أعماهم دخان الحسد فأنكروا، و إليه الإشارة بقوله: بينا أنا

____________

(1) الأعراف: 159.

(2) الحديد: 27.

(3) آل عمران: 144.

(4) سنن أبي داود: ح 4597 كتاب السنّة، و سنن الدارمي: ح 2406 كتاب السير.

322

بيته شموس و أقمار، و مع وجود الشمس و القمر لا يحتاج إلى النجوم، فالنجوم أهل بيته لا أصحابه. و إليه الإشارة بقوله: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (1). فأين كان أهل البيت كانت الطهارة و إذهاب الرجس، و أين كان إذهاب الرجس كانت العصمة، و أين كانت العصمة كانت الخلافة و الحكمة، و أين كانت الحكمة كان النور و الرحمة، و أين كان النور و الرحمة كانت الهداية و النعمة، و أين كانت الهداية و النعمة ... و أين كان الرجس كانت الظلمة، و أين كانت الظلمة كانت الضلالة و الفتنة، و إليه الإشارة بقوله: إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي حبلان متصلان، إن تمسكتم بهما لن تضلّوا (2).

فقد أوجب لأهل البيت من التشريف و التعظيم ما أوجب للكتاب الكريم، و دلّنا على أن التمسّك بالكتاب و العترة نجاة، فقال: عترتي و لم يقل أصحابي، فجعل مقام الآل مقام الكتاب، و قال: «إنّ اللّه خلق الخلق من أشجار شتى، و خلقني و عليا من شجرة واحدة، أنا أصلها، و علي فرعها، و فاطمة لقاحها، و العترة الميامين الهداة أغصانها، و الشيعة المخلصون أوراقها» (3)، و خبر الثقلين عليه الإجماع‏ (4).

فصل [تعداد الفرق الإسلامية]

إذا تقرّر هذا، فنقول: افترقت الأمّة بعد نبيّها فرقتين: علوية، و بكرية، و زيادة المذاهب تدل على زيادة الشبهات، لأن الحق لا يتكثّر و لا يتغيّر، و مشربه صاف لا يتكدّر.

فصل‏

و مع افتراقهم إما أن يكونا على الحق معا، أو على الضلال كلّا، أو أحدهما محق و الآخر

____________

(1) الأحزاب: 33.

(2) تقدّم الحديث مع مصادره.

(3) مناقب ابن المغازلي: 75 ح 133 و الفردوس: 1/ 95 ح 135، و الطرائف: 1/ 158 ح 165.

(4) قد فصلنا طرق الحديث و الاحتجاج به من قبل الصحابة و أهل البيت (عليهم السلام) في كتاب أنواع النصوص على آل محمد (صلوات الله عليهم اجمعين).

321

على الحوض إذ بملا من أصحابي يؤخذ بهم ذات اليمين و ذات الشمال مسودة وجوههم، فأناديهم: أصحابي أصحابي، فيأتي النداء من خلفهم، يا محمد، إنّهم ليسوا أصحابك، إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك؛ فأقول: ألا سحقا ألا سحقا (1).

و أما الآل فهم المآل، دليله قوله: «أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا»، و هذا رمز شريف، حله و معناه أنه لا ينجو من شدائد الأهوال، و عذاب يوم المآل، إلّا من تولّاهم.

و أما قولهم عنه (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال: «أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم» (2) إنّما عنى بالأصحاب هنا أهل بيته، و إلّا لزم التناقض؛ فكيف يكونون ضالين عن الحوض مسودة وجوههم، و كيف يكونون كالنجوم يقتدى بهم؟ و إنّما قال (صلّى اللّه عليه و آله): مثل أهل بيتي في هذه الأمّة مثل نجوم السماء كلّما غاب نجم طلع نجم إلى يوم القيامة (3)، و إن كان أصحابه نجوما فأهل‏

____________

(1) الحديث مجمع عليه عند أهل الإسلام، راجع: فتح الباري ح 6585، و سنن ابن ماجة: ح 4306، و مسند أحمد: ح 7933.

(2) قال الإمام السخاوي: زعم كثير من الأئمة أنه لا أصل له. المقاصد الحسنة: 49- 50 ح 39.

و قال الحافظ العراقي في تخريج أحاديث مختصر المنهاج رقم 55: رواه الدارقطني في الفضائل و ابن عبد البر في العلم من طريقه من حديث جابر و قال: إسناد لا تقوم به حجة- رواه البيهقي في المدخل من حديث ابن عمر و ابن عباس بنحوه من وجه آخر مرسلا و قال: متنه مشهور و أسانيده ضعيفة و لم يثبت في إسناد، و رواه البزار و قال: منكر لا يصح، و قال ابن حزم: مكذوب باطل (هامش المنتخب من مسند عبد بن حميد: 251 ح 783).

و قال محقق كنوز الحقائق: 1/ 67 ح 751: الحديث موضوع (ميزان الاعتدال: 1/ 412 رقم 1511 و لسان الميزان 2/ 488).

و قال محقق كتاب شرح مسند أبي حنيفة: 498: هذا ليس بصحيح و تفصيله في رسالة ملحقة (بنود الأنوار)

و ضعفه الحافظ ابن حجر في المطالب العالية: 4/ 146 ح 4193- 4194.

و ممن ضعفه الخفاجي و الملا علي القاري و أحمد و المزني. أنظر: نسيم الرياض: 3/ 424 و التقرير و التحبير لابن أمير الحاج: 3/ 99 و جامع بيان العلم لابن عبد البر: 2/ 89.

* هذا و روي الحديث بلفظ: «أهل بيتي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» (لسان الميزان: 1/ 141). و هو موافق لما روي من طرق في حديث الأمان الذي يشبه به النبي أهله بالنجوم، و أيضا له شاهد من حديث الثقلين، و لا يلزم منه الأمر بالمتناقضات لأن أهل البيت (عليهم السلام) عصمهم اللّه بآية التطهير و لم يكن بينهم اختلاف.

(3) بحار الأنوار: 23/ 44 ح 90.

323

مبطل، أما كونهما على الحق معا فممنوع أيضا، لأنّهما لو كانا على الحق معا لما اختلفا و لا افترقا، و منشأ الخلاف أن كلا منهما ادّعى أنّه خليفة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فإن صدقا معا لزم كذب الرسول، و إن كذبا لزم جهل الرسول، و جهله ممتنع، فتعيّن صدق أحدهما و كذب الآخر و الدعوى فيه، فوجب النظر فيما يتبيّن به الصادق من الكاذب منهما، فوجدنا لعلي (عليه السلام) السبق إلى الدين كرّم اللّه وجهه، و معناه أنه لم يسجد لصنم‏ (1)، و في السبق إلى الإسلام: أنت أوّل القوم إسلاما (2)، و في العلم مرتبة: لو كشف الغطاء (3)؛ و في الشجاعة: لا فتى إلّا علي‏ (4)؛ و في الزهد: أنا كابي الدنيا لوجهها (5)، و في القرب و القرابة: أنت منّي و أنا منك‏ (6)؛ و في النصوص: من كنت مولاه فعلي مولاه‏ (7).

و في التعيين و التبيين: اللهمّ وال من والاه و عاد من عاداه‏ (8)، فهو سيّد الموحدين، و فارس المسلمين، و العالم بغوامض الكتاب المبين، و قسيم نبعة سيّد المرسلين، و الواجب له الخلافة بالنص المبين.

فصل‏

وجدنا للأول قوله: أقيلوني فلست بخيركم، و اللّه ما يعلم إمامكم حين يقول أصاب أم أخطأ، و في الشجاعة وجدناه لم يجر له حسام قط، و وجدناه في النسب تيمي، و أين تيم من هاشم، و أين مقام الدمنة من البحر، و الجواهر من الصخر.

____________

(1) مناقب ابن المغازلي: 177 ح 322، و الطرائف: 1/ 119 ح 106.

(2) البحار: 42/ 303 ح 4 و: 24/ 268 ح 40.

(3) تقدّم الحديث.

(4) كنز العمال: 5/ 723 ح 14242 و الطرائف: 1/ 131 ح 123.

(5) بحار الأنوار: 32/ 250 ح 197.

(6) تقدّم الحديث.

(7) بحار الأنوار: 37/ 180.

(8) الطرائف: 1/ 174 ح 184.

325

و إليه الإشارة بقوله: وَ قالَ مُوسى‏ لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي‏ (1)، فوجب أن يكون علي خليفته في أمّته، و من نازعه مقامه فقد كفر.

فصل [الفرق الإسلامية]

و أهل السّنة فرقتان: الأولى أصحاب الحديث و هم شعب: الداودية، و الشافعية، و المالكية، و الحنبلية و الأشعرية. و الثانية أصحاب الرأي و هم فرقة واحدة، و أما المعتزلة و هم سبع فرق: الحنفية، و الهذيلية، [و النظامية]، و العمرية، و الجاحظية، و الكعبية، و البشرية.

و أمّا أصحاب المذاهب فهم: أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، و أما مالك بن أنس بن مالك فهو إمام العراق، و أهل اليمن و المغرب يميلون إلى مذهبه، و أما أحمد بن حنبل فكان يخدم الشافعي و يأخذ بزمام دابته و يقول اقتدوا بهذا الشاب، و أما أصحاب الرأي فهم أصحاب أبي حنيفة، و أما المعتزلة فهم ينكرون خلق الجنة و النار، و يقولون إن عليا أفضل الصحابة، لكن يجوز عندهم تقدّم المفضول على الفاضل لمصلحة يقتضيها الوقت. و منهم الحسنية و هم أصحاب الحسن البصري، و الهذيلية و هم أصحاب الهذيل، و النظامية و هم أصحاب إبراهيم بن النظام، و العمرية و هم أصحاب عمر بن غياث السلمي، و الجاحظية و هم أصحاب أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، و الكعبية و هم أصحاب أبي القاسم الكعبي، و البشرية و هم أصحاب بشر بن المعتمر.

و أما المجبرة فهم عشرة: الكلابية، و الكرامية، و الهشامية، و المؤالفية، و المعترية، و الدارية، و المقابلية، و النهالية، و المبيضة.

و أما الصوفية فهم فرقتان: النورية، و الخلوية.

و أما المرجئة فهم ست فرق: الدارمية، و العلانية، و النسبية، و الصالحية، و المثمرية، و الجحدرية.

و أما الجبرية فهم خمس فرق: الجهمية و هم أصحاب جهم بن صفوان، و البطحية و هم‏

____________

(1) الأعراف: 142.

324

فصل‏

و وجدنا الإجماع‏ (1) أنه لمن تبع عليا، و من هذا الفرق و البيان إما أن يكون الحق مع الجاهل ثم يكون هو الإمام، أو يكون الحق مع العالم الحاكم و هو علي، فيكون علي هو الإمام، فلا ينجو إلّا من تبع عليا، و رافق أولياءه و فارق أعداءه، و هذا ممّا رواه أئمّة الإسلام مثل أبي عبد اللّه البخاري في صحيحه، و أبي داود في سننه، و أبي علي الترمذي في جامعه، و أبي حامد القزويني و ابن بطة في مجالسه، و اتفق الجمع على تصحيحه فصار إجماعا (2).

فصل‏

و قد نقل عن شعبة بن الحجاج: أنّ هارون كان أفضل قوم موسى، و علي من محمد كهارون من موسى، فوجب أن يكون أفضل من جميع أمّته، بهذا النص الصريح‏ (3).

____________

(1) المقصود به أن الخبر الذي أشار إليه في صدر الفصل: و إني تارك فيكم الثقلين، و أصحابي كالنجوم.

و إنه وجد الاجماع به لمن تبع عليا.

(2) قال جمال الدين النيسابوري في الأربعين: حديث الغدير تواتر عن أمير المؤمنين و هو متواتر عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) (نقلا عن حاشية إحقاق الحق: 2/ 423).

و قال في الأزهار في مناقب إمام الأبرار: و قد تواتر هذا الخبر حد التواتر (هامش مناقب ابن المغازلي:

16 ح 23 ط. طهران).

و قال الحافظ الجزري بعد ذكر نص الغدير: هذا حديث حسن من هذا الوجه صحيح من وجوه كثيرة، تواتر عن أمير المؤمنين علي و هو متواتر أيضا عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) رواه الجم الغفير عن الجم الغفير، و لا عبرة بمن حاول تضعيفه ممن لا اطلاع له في هذا العلم. (أسمى الناقب: 22- 23 ح 2).

و قال شمس الدين الذهبي: هذا الحديث متواتر (نقلا عن حاشية إحقاق الحق: 2/ 423).

و قال السيوطي: إنه حديث متواتر (البيان و التعريف في أسباب ورود الحديث: 3/ 234 ح 1576، و الغدير: 1/ 300 عن الأزهار المتناثرة للسيوطي).

و ممن صرح بتواتره: المناوي في التيسير نقلا عن السيوطي، و شارح المواهب اللدنية، و المناوي في الصفوة (نظم المتناثر من الحديث المتواتر: 206 ح 232).

(3) كفاية الطالب: 283 الباب السبعون.

326

أصحاب إسماعيل البطحي، و البخارية و هم أصحاب حسين بن محمد البخاري، و الضرارية و هم أصحاب ضرار بن عمر، و الصياحية و هم أصحاب صياح بن معمر.

و أما النواصب فهم الذين حاربوا زيد بن علي، و عندهم أن الفتى لا يكون سنيا حتى يبغض عليا.

و أما الخوارج فهم خمسة عشر فرقة: الأزارقة و هم أصحاب نافع بن الأزرق، و النجدات و هم أصحاب نجدة بن عامر الحنفي، و العجاردة و هم أصحاب عبد الكريم بن عجردة، و اليحيائية و هم أصحاب يحيى بن الأحزم، و الحازمية، و هم أصحاب عبد اللّه بن حازمة، و الثعالبة و هم أصحاب ثعلب بن عدي، و الجرورية و هم أصحاب عبد اللّه بن جرور، و الصفرية و هم أصحاب الأصفر، و الأباضية و هم أصحاب عبد اللّه بن أباض، و الحفصية و هم أصحاب حفص بن أنيية، و الضاحكية و هم أصحاب الضحاك بن قيس. و هؤلاء عقدوا على لعن معاوية و عمرو بن العاص و عثمان، و على البراءة منهم، و بنو أمية لعنهم اللّه دينهم الإجبار، و الحجاج لعنه اللّه لما قتل أكابر أصحاب علي (عليه السلام)، و رمى الكعبة بالمنجنيق، قال:

هذا منه تعالى. و الجبر كان دين الجاهلية و سنّتهم، فلما نزل القرآن نسخه، فلما جاء بنو أمية أعادوه و جددوه، و أعادوا إلى دين الإسلام ما كان من سنن عبدة الأصنام، كما أدخل أصحاب النبي في دينه من سنن اليهود، و ذلك أن اللّه أمر النبي عند خروجه من الدنيا أن ينهاهم عن أمورهم فاعلوها تأكيدا للحجّة عليهم.

فصل‏

ثم إنّهم اعتبروا في الدين قول الأوزاعي، و أبي نعيم، و المغيرة بن شعبة، و سفيان الثوري، و اطرحوا قول آل محمد الذين نزل عليهم القرآن و ولاهم، و الحكمة فيهم و عنهم و منهم.

فصل‏

و ما كفاهم هذا الضلال حتى نسبوا من دان بدين آل محمد أنه يدين بدين اليهود، و قالوا:

328

يبغض عليا و يبغض من يهواه، فمآله عند بعثه يدخل الجنة أو النار؛ فهناك يقولون بل يدخل النار، لقول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): من عاداك فقد عاداني، اللهمّ وال من والاه و عاد من عاداه‏ (1).

و إذا قلت لهم: فما تقولون في رجل آمن باللّه و رسوله و عبده مخلصا، لكنه لا يعرف فلانا و فلانا، فما تقولون فيه، مؤمن أم كافر؟ و يدخل الجنّة أم النار؟ فهناك يتحيّرون؛ فإن قالوا نعم، لزمهم الدليل عليه، و لا دليل لهم، و كيف يدخل النار بترك ما لم يعرض عليه، و إن قالوا لا، قلنا: فلم سمّيتم قوما تبعوا رجلا حبّه يدخل الجنّة و بغضه يدخل النار أشرارا، و سمّيتم شيعته من اليهود؟

فهناك فروا من الجهل و قالوا: لأنهم يقولون بسبّ الصحابة، ثم يقولون: قال رسول اللّه:

من سبّ أصحابي فقد سبّني‏ (2)، فإذا قلت لهم فهذا الحديث مخالف لاعتقادكم، أ ليس عندكم أنه كلّما يصدر من العبد من الأفعال فإنّها بقضاء اللّه و قدره، و اللّه مريد لأفعال العبد، و العبد واسطة في الفعل و الإرادة للّه، فما ذنب من يسبّ إذا كان ذاك بقضاء اللّه و قدره، و كيف يكون الزنا و الكفر من العبد بإرادة اللّه، و السبّ لا يكون بإرادة اللّه، ثم يقول لهم: و قد رويتم أيضا إن كان مجتهد أصاب فله أجران في اجتهاده، و إن أخطأ فله أجر (3)، فهؤلاء في اجتهادهم في السب إن أصابوا فلهم ثواب من اجتهد و أصاب، و إن أخطئوا فكذلك.

ثم نقول لهم: لقد نطق القرآن لهم بالتنزيه و الفوز، و أنه لا وزر عليهم فيما و زروا فيما زعمتم أن عليهم به الوزر و الكفر، و ذاك إما لحكم القضاء و القدر، و إن من تسبّونه لا إثم عليهم في سبّه، و ذلك في قوله تعالى حكاية عنكم يوم القيامة، و قالوا: ما لَنا لا نَرى‏ رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ* أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ (4)، و النار ليس فيها بإجماع الكتاب و السنّة، و فحوى هذه الآية و برهان العقل إلّا الكافر و المنافق، و الجنة ليس فيها كافر و لا منافق إلّا مؤمن و مسلم، و قد شهدت هذه الآية لشيعة علي أنهم ليسوا من الكفار و لا من المنافقين، بل من المؤمنين، و إلّا لكانوا في النار، لكنّهم ليسوا فيها فهم في‏

____________

(1) الطرائف: 1/ 174 ح 184.

(2) الغدير: 10/ 270.

(3) فتح الباري: ح 7352.

(4) ص: 63.

327

إنّ المذهب الذي في أيدي الشيعة مأخوذ من كتاب يهودي كان مودعا عند جعفر الصادق (عليه السلام)، ثم ما كفاهم هذا الكفر و الإلحاد، حتى انهم جعلوا ما نقل عن أهل اللّه و حزبه أنه مأخوذ من كتب اليهود. و ما نقل عن أبي هريرة أنه مأخوذ عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فكذبوا ما نقل عن أمناء الوحي و التنزيل، و أولياء الرب الجليل، و اعتبروا قول المغيرة بن شعبة الذي سبّ أمير المؤمنين عليا (عليه السلام) على المنبر (1).

فصل‏

ثم ما كفى هذا الكفر حتى انهم سمّوا شيعة علي أنهم حمير اليهود، فجعلوا حزب اللّه حمير اليهود، و قد قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): يا علي حزبك حزبي و حزبي حزب اللّه‏ (2).

فإذا قلت لهم: بما ذا جاز لكم أن تسمّوا شيعة علي بهذا الاسم، و ربّهم اللّه، و نبيّهم محمد، و شهرهم رمضان، و قبلتهم الكعبة و حجّهم إليها، و هم قوم يخرجون الزكاة، و يصلون الأرحام، و يوالون عليا و عترته، فبما ذا صاروا حميرا لليهود؟

فهلّا يقولون لا نعلم أن شيعة علي لا ذنب لهم عند المنافقين، يسمّون به حمير اليهود، غير حبّ علي الذي لو أن العبد جاء يوم القيامة و في صحيفته أعمال النبيين و المرسلين، و ليس معها حب علي فإنّ أعماله مردودة، و هل يقبل ما لا كمال له و ما لا تمام إلّا الدين القيم الكامل و هو حبّ علي؟ و كذا لو كان في صحيفته جميع السيئات و ختمها الولاية فإنه لا يرى إلّا الحسنات، و أين ظلام السيئات عند البدر المنير، أم أين مس الخطيئات عند نور الإكسير؟

فصل‏

فإذا قلت لهم: ما تقولون في رجل آمن باللّه و بمحمد، و سلك سبيل الصالحات، لكنه كان‏

____________

(1) حلية الأولياء: 1/ 95، و مسند ابن المبارك: 156 ح 253، و هو الذي أمر صعصعة بلعن علي فامتنع، راجع لطف التدبير: 1/ 119 باب 15.

(2) بحار الأنوار: 39/ 93 ح 3.

329

الجنّة، و ليس في الجنّة إلّا المؤمن، فتعيّن أن شيعة علي هم المؤمنون، و لم يضرّهم سبّهم الذي سمّيتموهم به أشرارا، بل كانوا به من الأخيار، فظهر كذبكم على النبي أنه قال: من سبّ أصحابي فقد سبّني، و إن ثبت صدق الحديث لزم من صدقه أن أصحابه آله، كما تقدّم، فتعين أن بغض المنافقين الشيعة ليس إلّا بحبّهم لعلي، و من أبغض مواليا لعلي أبغضه اللّه، و لذلك قال الصادق (عليه السلام): رحم اللّه شيعتنا انهم أو ذوا فينا و اننا نؤذى فيهم.

فصل‏

ثم رووا عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنه مات و لم يوص إلى أحد، و أنه جعل الاختيار إلى أمّته، فاختاروا من أرادوا، فكذّبهم القرآن و نزّه نبيّه ممّا نسبوا إليه، فقال: وَ وَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَ يَعْقُوبُ‏ (1)، و كذّبهم فيما افتروا عليه فقال: وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ‏ (2)، فأخبر سبحانه أن كل من اختار من أمره غير ما اختاره اللّه و رسوله فليس بمؤمن، و قد اختاروا فليسوا بمؤمنين بنص الكتاب المبين.

____________

(1) البقرة: 132.

(2) الأحزاب: 36.

330

فصل [هفوات العامة في الأنبياء (عليهم السلام)‏]

و إذا جاز للناس أن يختاروا إماما فلم لا يجوز أن يختاروا نبيّا؛ و الأشعرية منعوا العدل و أنكروا، و جوّزوا على اللّه الظلم، و القرآن يكذّبهم، و يقول: وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (1).

و جوّزوا على اللّه فعل القبيح و قالوا إنه مريد للخير و الشر، فإذا كان مريدا لهما فلما ذا بعث النبيين و صدعهم؟

و قالوا: إن صفاته زائدة على ذاته، فلزمهم أن يعبدوا آلهة شتّى.

و قالوا: لا يجب على اللّه شي‏ء فهو يدخل الجنة من شاء و يدخل النار من شاء و لا يسأل عمّا يفعل، و منادي العدل يناديهم بالتكذيب، و يقول: وَ لا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏ (2)، و يقول: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ (3)، و يقول: ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ‏ (4).

و المعتزلة قالوا بالعدل، و جوّزوا الخطأ على النبيين، و إذا كان اللّه حكيما عادلا فكيف يبعث نبيّا جاهلا، و أين العدل إذا ما اتخذ اللّه وليا جاهلا؟

و منعوا الإمامة و قالوا: إنّ الحسن و القبح شرعيان لا عقليان.

و قالوا: إنّ اللّه أمر إبليس بالسجود لآدم، و أراد منه أن لا يسجد، و نهى آدم عن الشجرة، و أراد منه أكلها، فكيف يأمر بما [لا] يريد و ينهى عمّا يريد؟

و المشبهة و المجسمة قالوا: الرحمن على العرش استوى؛ و قالوا: هو جسم كالأجسام.

و قالوا: هو مل‏ء عرشه و له أصابع لا تعد و أن قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن‏ (5).

____________

(1) الكهف: 49.

(2) يس: 54.

(3) النساء: 40.

(4) النساء: 147.

(5) الكافي: 2/ 353.

331

و قالوا: إنه لمّا أهلك قوم نوح بكى عليهم حتى رمدت عيناه.

و قالوا: إنّه يوم القيامة يضع قدمه في النار، و تقول قط قط (1).

و قالوا إنه ينزل في كل ليلة جمعة إلى سماء الدنيا، و أن له حمارا يركبه إذا نزل‏ (2)، و إنه يرى يوم القيامة كالبدر في ليلة تمامه.

ثم وقعوا في الأنبياء فجوّزوا عليهم الخطأ و فعل الذنوب و الغفلة (3)، و رموهم بظاهر القرآن من قوله: وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏ (4). و جوّزوا على الرسل الكرام فعل الكبيرة و الصغيرة قبل البعثة، و فعل الصغائر بعد البعثة، و جوّزوا على سيّد المرسلين فعل الخطأ، و أخذوا بقوله: وَ وَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ‏ (5)؛ و ما علموا أن ذاك وزر الحرب لا وزر الذنب.

و قالوا إنّ جبرائيل شق صدره و أخرج منه علقة، فقالوا هذا خط الشيطان: ثم خاط صدره فبقي أثر المخيط (6).

و قالوا إن أباه مات كافرا (7)، و هو ابن سيّد المرسلين إبراهيم. ففعلوا كل ذلك لتثبت لهم إمامة الرجل، و جوّزوا على النبي حبّ السماع و الرقص، و قالوا إنّه تمايل حتى سقط الرداء عن كتفه، و رووا أن الرجل دخل عليه و عنده امرأة تنشد الشعر و تضرب الدف فأمرها بالسكوت فسكتت فلما خرج أمرها بالإنشاد فأنشدت فعاد إليه فأمرها بالسكوت فسكتت فلما خرج أمرها بالإنشاد، فقالت: يا رسول اللّه من هذا الذي تأمرني إذا دخل بالسكوت و إذا خرج بالإنشاد؟ فقال: هذا رجل يكره الباطل‏ (8) فجعلوا نبيّهم يحبّ الباطل.

و رووا عنه إذ قال: ما ينفعني شي‏ء كانتفاعي بمال فلان، فكذبوا القرآن في قوله‏

____________

(1) صحيح مسلم: 4/ 2187 ح 5084 كتاب الجنة، و أساس التقديس: 141 فصل 26.

(2) تنزيه الشريعة: 1/ 138، و الموضوعات: 1/ 79.

(3) راجع الطرائف: 2/ 49 فقد فصّل ذلك.

(4) طه: 121.

(5) الشرح: 2.

(6) رواه مسلم في كتاب الإيمان: ح 236.

(7) راجع رسائل السيوطي، رسالة نجاة آباء الرسول.

(8) إحياء علوم الدين: 2/ 278 كتاب آداب السماع.

332

وَ وَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى‏ (1)، و رووا عنه أنّه صلّى و المرأة تفرك الجنابة من ثوبه و اللّه أمره بتطهير ثوبه، فقال: وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ (2)، فقالوا: المراد بالثوب القلب.

و رووا عنه أنه قال: خذوا ثلث دينكم عن ... لا بل خذوا نصف دينكم‏ (3)، و رووا عنه أنه صلّى العصر ركعتين و سها فقالوا: إنه يا رسول اللّه قصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال: كل ذلك لم يكن و الضرورة تقضي أحد الوجهين، ثم قام فأعاد، و قال: و ما أنا إلّا بشر مثلكم‏ (4).

فصل‏

و كيف جاز في الحكمة و العدل أن يبعث في الناس نبيا جاء جاهلا و أمينا خائنا فيكون إذا هو المغري بالقبيح و الفاعل له.

و رووا أنه أتى حائط بني النجار ففحص و بال قائما (5)، و رووا أنه صلّى خلف الرجل و صلّى خلف الأعمى ابن مكتوم و قال: لا يخرج نبي من الدنيا حتى يصلّي خلف رجل من أمّته‏ (6).

أقول: و كيف جاز للراعي أن يقتدي برعيته و قد أمروا أن يقتدوا به؛ و العقل السليم ينكر هذا و يكفر من قال به؟

ثم نسبوا إليه في الكلام اللغو و الهجر؟ و اللّه قد نزّهه عنه، و قال: وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏ (7).

ثم ما كفاهم ذاك حتى خالفوا مقالة أهل الجنة و مقالة أهل النار و كذبوا على ربّهم و نبيهم و كتابهم؛ أما تكذيبهم للكتاب فإن اللّه يقول: وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً، و هم يقولون كلّما

____________

(1) الضحى: 7.

(2) المدثر: 4.

(3) و سائل الشيعة: 1/ 47.

(4) فتح الباري: ح 482.

(5) راجع الطرائف: 2/ 302 بتحقيقنا.

(6) مسند أحمد: ح 79.

(7) النجم: 3.

333

يصدر في العالم من خير أو شر فإن اللّه مريده و فاعله، و القرآن ينطق بتكذيبهم، فيقول:

فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ (1). و الرسول يقول: إن هي إلّا أعمالكم و أنتم تجزون فيها إن خيرا فخير و إن شرّا فشرّ (2).

و يقول [اللّه تعالى‏]: وَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَ اللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ‏ (3).

و أما كذبهم في الآخرة فإنّ اللّه إذا قال لهم‏ أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ‏ (4).

هناك كذبوا و حلفوا و قالوا: وَ اللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ‏ (5). فكذبوا على أنفسهم و كذبوا ربّهم، و أما كذبهم على نبيّهم فإنّه قوله: نقلت من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الزكية (6)، و صدّقه القرآن فقال: وَ تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ‏ (7)، أي في أصلاب الموحدين‏ (8)، و هم يكذبون العقل و النقل، و يقولون: ولد من كافر، و يقولون: سها و نسي، و اللّه يقول: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى‏ (9)، نفى عنه النسيان، و لو كانت للنهي لكانت لا تنس لكنها لا تنسى.

و أما مخالفتهم لمقالة أهل الجنة فإنّ أهل الجنة لما قدموا إليها قالوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا (10)، فشكروا ربّهم على الهدى، و أهل النار لمّا وردوها قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا (11) فأقرّوا أن الشقاء غلب عليهم؛ فالقدرية في اعتقادهم يخالفون العقل و النقل و القرآن و الرحمن.

____________

(1) الكهف: 29.

(2) الغدير بتفاوت: 5/ 452.

(3) الأعراف: 28.

(4) الأنعام: 22.

(5) الأنعام: 23.

(6) الشفاء: 1/ 83 شرف نسبه.

(7) الشعراء: 219.

(8) الطبقات الكبرى: 1/ 22، و الشفاء: 1/ 15، و تاريخ الخميس: 1/ 234.

(9) الأعلى: 6.

(10) الأعراف: 23.

(11) المؤمنون: 116.

335

و النقل، أمّا العقل فإنّه يدعو العبد إلى طاعة اللّه من حيث إنه مالك منعم أحسن أم ابتلى.

و أمّا النقل فقد قال (صلّى اللّه عليه و آله): بين العبد و بين الكفر ترك الصلاة. و قالت فرقة منهم: إنّ النبي و الأئمة يخلقون و يرزقون، و إليهم الموت و الحياة، و إن الواجب كالصلاة، و المحرم كالخمر، أشخاص من رجال و نساء، و إذا عرفها الإنسان ظاهرا و باطنا حلّت له المحرمات، و سقطت عنه الواجبات.

و افترقت هذه السبأية 23 فرقة: الخصيبية، و الخدلجية، و النضرية، و الإسحاقية، و القمية، و القتبية، و الجعدية، و الناووسية، و الفضلية، و السرية، و الطيفية، و الفارسية، و اليعقوبية، و العمرية، و المباركية، و الميمونية.

فالسبئية أصحاب علي بن سبأ (1). و هو أوّل من غلا و قال: إنّ اللّه لا يظهر إلّا في أمير المؤمنين وحده، و إن الرسل كانوا يدعون إلى علي، و إنّ الأئمة أبوابه، فمن عرف أن عليا خالقه و رازقه سقط عنه التكليف. و هذا كفر محض.

و الخصيبية أصحاب يزيد بن الخصيب، و عنده أن اللّه لا يظهر إلّا في أمير المؤمنين و الأئمة من بعده، و أن الرسل هو أرسلهم يحثون عباده على طاعته، و أن الرجل هو إبليس الأبالسة، و أن ظلمة زريق قديمة مع نور علي لأن الظلمة عكس النور.

و أمّا النصيرية فهم أصحاب محمد بن نصير النمري، و مقالته: أن اللّه لا يظهر إلّا في علي.

و الإسحاقية و هم أصحاب إسحاق بن أبان الأحمر، و له مع الرشيد قصص.

و القمية هم أصحاب إسماعيل القمي، و هم يقولون: إن اللّه يظهر في كل واحد كيف شاء، و إن عليا (عليه السلام) و الأئمة نور واحد.

و أما القتبية فإنّهم يقولون: إنّ الباقر (عليه السلام) حي لم يمت و إنه يظهر متى شاء.

و إن الفطحية و هم أصحاب عبد اللّه بن جعفر الأفطح، و هؤلاء نسبوا الإمامة إلى الصادق (عليه السلام)، و ادّعوا فيه اللاهوت.

و الواقفة و قفوا عند موسى، و قالوا: هو حي لم يمت، و لم يقتل، و إنه يعود إليهم.

و الفارسية قالوا: إنّ بين اللّه و بين الإمام واسطة، و على الإمام طاعة الواسطة و على الناس‏

____________

(1) المشهور أنّه عبد اللّه بن سبأ.

334

و أما العلوية ففرقها ثلاثة: الزيدية، و الغلاة، و الإمامية الاثنا عشرية.

فالزيدية قالوا بإمامة علي و الحسن و الحسين و زيد بن علي. و هم خمسة عشر فرقة:

البترية، و الجارودية، و الصالحية، و الحريزية، و الصاحبية، و اليعقوبية، و الأبرقية، و العقبية، و اليمانية، و المحمدية، و الطالقانية، و العمرية، و الركبية، و الخشبية، و الحلسفية؛ و الكل منهم لا يثبتون للإمام العصمة. و يقولون: إن الإمامة مقصورة على ولد فاطمة (عليها السلام)، و من قام منهم داعيا إلى الكتاب و السنّة وجبت نصرته، و منهم من يرى المتعة و الرجعة، و المحمدية منهم يقولون: إنّ محمد بن عبد اللّه ابن الحسن حي لم يمت، و إنّه يخرج و يغلب، و هم الجارودية؛ و العمرية يقولون: إنّ يحيى بن عمر الذي قتل أبوه بسواد الكوفة حيّ لم يمت، و انّه يخرج و يغلب. أما الصالحية فهم أصحاب الحسن بن صالح و يعرفون بالسرية، و هم يرون أن عليا أفضل الأمّة بعد نبيّها، لكنّهم لا يسبّون الشيخين، و يقولون إن عليا بايعهما بيعة صلاح، و يقولون إن عليا لو حاربهما أحلّ دماءهما لكنّه‏ (1) امتنع، و ينكرون المتعة و الرجعة.

و الأبراقية هم أصحاب عباد بن أبرق الكوفي، و هم يخالفون الجارودية و لا ينكرون على الشيخين، و لا يرون المتعة و الرجعة، و الحريزية و هم أصحاب حريز الحنفي الكوفي، و هم كالصالحية لكنّهم يزعمون أن عليا لو امتنع من بيعة الشيخين أحلّ دمهما، و هؤلاء يبرءون من عثمان، و يكفّرون أصحاب علي، و يدينون مع كل داع دعا بالسيف من آل محمد (صلّى اللّه عليه و آله).

الثاني من الشيعة الكيسانية و هم أربع فرق: المختارية، و المكرية، و الإسحاقية، و الحزنية.

الثالث من الشيعة الغلاة و هم تسع فرق: الواصلة، و السبأية (2)، و المفوّضة، و المجسمة، و المنصورية، و العراقية، و البراقية، و اليعقوبية، و العمامية، و الإسماعيلية، و الداودية، و اتفق الكل من هؤلاء على إبطال الشرائع.

و قالت فرقة منهم: إنّ اللّه يظهر في صورة خلقه، و ينتقل من صورة إلى صورة، و لكل صورة يظهر فيها باب و حجاب، إذا عرفها الإنسان سقط عنه التكليف، و هؤلاء خالفوا العقل‏

____________

(1) يتفق الصالحية مع المعتزلة في القول في ان أمير المؤمنين بايع الخلفاء و رضي بإمامتهم، و لو حاربهم لحكموا بكفرهم.

(2) في الأصل المطبوع: السبابية.

337

و من الفرق الغالية الكنانية، و هم ثلاثة عشر فرقة: المختارية، و الكيسانية، و الكرامية، و المطلبية و الكل أجمعوا على أن محمد بن الحنفية هو الإمام بعد أبيه، و أن كيسان‏ (1) هو المختار بن أبي عبيدة الثقفي، و أن هذا الاسم سمّاه به أمير المؤمنين، و هؤلاء هم أصل التناسخ.

و المسلمية أصحاب أبي مسلم الخراساني.

و الكنانية أصحاب عامر بن وائل الكناني، و عندهم أن الإمام محمد ابن الحنفية، و أنه حي بجبال رضوى، و أنه يخرج في عصبة من الملائكة فيملأها عدلا، و العرفية أصحاب عرف بن الأحمر، و السماعية أصحاب سماعة الأسدي، و كان يظهر الأعاجيب من المخاريق و النيرنجات و السيميا و غير الفرائض؛ و الغمامية و يقولون: إنّ عليا ينزل في الغمام في كل صيف، و يقولون إن الرعد صوت علي (عليه السلام). و الأزورية قالوا إنّ عليا صانع العالم.

الفرقة الرابعة من هذه الفرق المحمدية، و هم أربع فرق: المحصية، و عندهم أن اللّه لم يظهر إلّا في شيث بن آدم، و أن محمدا هو الخالق الباري، و أن الرسل هو أرسلهم، و أن الأئمة من ولده أبوابه ليدلوا عباده على ما شرع لهم. و البهمنية قالوا: إنّ اللّه لم يزل يظهر و يدعو الناس إليه و إلى عبادته، و كل من أظهر قدرة يعجز عنها الخلق فهو اللّه، لأنّ القدرة لا تكون إلّا حيث القادر، و أن القدرة صفة الذات، و البهمنية قالوا: إنّ اللّه لم يظهر إلّا في أمير المؤمنين (عليه السلام) و الأئمة من بعده، و إنه أرسل الرسل عبيدا لهم، و احتجوا بقول أمير المؤمنين في خطبته: الحمد للّه الذي هو في الأولين باطن، و في الآخرين ظاهر، و أثبت للرسل المعجزات و للأولياء الكرامات. و أمّا النجارية فهم أصحاب الحسن النجّار، و هذا ظهر باليمن سنة 292 و ادعى أنه الباب، فلما أجابه الناس ادعى الربوبية، و صار إليه رجل يقال له الحسن بن الفضل الخيّاط و صار يدعو إلى النجار و يزعم أنه بابه، و أمر الناس بالحج إلى دار النجار، ففعلوا و طافوا بها أسبوعا، و حلقوا رءوسهم، و كان النجار و الخياط يجمعون بين الرجال و النساء، و يحملون‏ (2) بعضهم على بعض، فإذا ولدت المرأة من أبيها و أخيها سمّوه‏

____________

(1) كيسان هو مولى محمد بن الحنفية، و ليس هو المختار الثقفي.

(2) في الأصل يحكمون.

336

طاعة الإمام.

و اليعقوبية هم الواقفة، و دينهم انتهى إلى التناسخ.

و المباركية و هؤلاء ينتهون إلى الصادق، و يقولون إنّ إسماعيل ابنه يحيى بعد الموت و يملأ الأرض عدلا.

و الميمونية أصحاب عبد اللّه بن ميمون بن مسلم بن عقيل‏ (1).

و الفرقة المفوضة و شعبها عشرون فرقة، منهم الفواتية و هم أصحاب فوات بن الأحنف، و هؤلاء قالوا: إنّ اللّه فوّض الخلق و الأمر و الموت و الحياة و الرزق إلى علي و الأئمة من ولده‏ (2)، و إن الذي يمر بهم من الموت فهو على الحقيقة، و إن الملائكة تأتيهم بالأخبار، و منهم من يقول: إن اللّه يحلّ في هذه الصورة و يدعو بنفسه إلى نفسه.

و العمرية أصحاب عمر بن الفرات و هو شيخ أهل التناسخ؛ و الدانقية أصحاب الحسن بن دانق و هؤلاء عندهم: إنّ الإمام متصل باللّه كاتصال نور الشمس بالشمس، فليس هو اللّه و لا غيره فلا هو مباين و لا ممازج‏ (3).

و الخصيبية يعتقدون أن الإمام يؤيد بروح القدس و يوقر في اذنه، و الخمارية أصحاب محمد بن عمر الخماري البغدادي، و هم كالإمامية في الترتيب، إلّا أن عندهم أن الإمام في الخلق كالعين المبصرة، و اللسان الناطق، و الشمس المشرقة، و هو مطل على كلّ شي‏ء.

أقول: عجبا لمقسم هذه الفرق، كيف جعل هؤلاء من الغلاة، و قد ذكر أوّلا انّهم من الإمامية، ثم قال: إلّا ان عندهم أن الإمام كالعين المبصرة و اللسان الناطق، فدلّ على أن هذا الرجل ليس بعارف بمرتبة الولي المطلق، و هو عين اللّه الناظرة في عباده، و لسانه الناطق في خلقه، و اللايوبية أصحاب الجالوت القمي، و عندهم أن الإمام هو الإنسان الكامل فإذا بلغ الغاية سكن اللّه فيه و تكلّم منه.

____________

(1) إن عبد اللّه هو ابن ميمون الفلاح، و قد زعموا أنه ادعى النسب إلى مسلم بن عقيل حين نزل على بني عقيل بالبصرة. و زعم بعض دعاة الإسماعيلية أنه من أولاد سلمان الفارسي.

(2) بنحو الاستقلال.

(3) يتضح مراد هذه الفرقة: بالصورة تنعكس للشخص في المرآة فليست هي الشخص المقابل للمرآة، و ليست هي غيره، و ليست هي شيئا مباينا و لا ممازجا.

338

الصفوة. و الحلاجية أصحاب الحسين بن منصور الحلاج، ظهر ببغداد سنة 318 و كان أعجميا، و ادّعى أنه الباب، و ظفر به الوزير علي بن عيسى، فضربه ألف عصا، و فصل أعضاءه و لم يتأوّه، و كان كلّما قطع منه عضو قال:

و حرمة الود الذي لم يكن‏ * * * يطمع في إفساده الدهر

ما قدّ لي عضو و لا مفصل‏ * * * إلّا و فيه لكم ذكر

و أمّا الجبابرة و الحميرية فإنّهم تلاميذ الصادق (عليه السلام)، و عنه أخذوا علم الكيمياء.

و أمّا الخوارج و هم المارقون من الدين، و هم تسع فرق: الأزارقة و هم أصحاب نافع الأزرق، و هو الذي حرّم التقية. و الأباضيون و هم أصحاب عبد اللّه بن أباض، و هم بحضرموت و المغرب و البواريخ و تل أعفر، و هم يحبون الشيخين و يسبون عليا و عثمان، و سموا خوارج لأنهم كانوا في عسكر علي يوم صفين، ثم مرقوا و خرجوا عن طاعة الإمام العادل فكفروا و لن تنفعهم عبادتهم؛ و الناكثون: طلحة و الزبير، و القاسطون: معاوية و عمرو ابن العاص، و هم أصحاب البغي.

و أما الإمامية الاثنا عشرية (1)، فإنهم أثبتوا للّه الوحدانية، و نفوا عنه الاثنينية، و نهوا عنه المثل و المثيل، و الشبه و التشبيه، و قالوا للأشعرية: «إن ربنا الذي نعبده و نؤمن به ليس هو ربكم الذي تشيرون إليه، لأن الرب مبرأ عن المثلات، منزّه عن الشبهات، متعال عن المقولات، مبرأ عن الخطأ و الظلم، حكم عدل لا يتوهم و لا يتّهم، و لا يجوز عليه فعل القبيح، و لا يضيع عمل عامل، و يجب عليه وفاء العهد، و لا يجب عليه الوفاء بالوعيد، و إن الحسن و القبح عقليان لا شرعيان، و إنه تعالى مريد للطاعات، كاره للمعاصي و السيئات، و إن صفاته عين ذاته المقدسة، ذات واحدة أحدية أبدية سرمدية قيومية رحمانية لها الجلال و الإكرام، فإنه لا جبر و لا تفويض، بل مرتبة بين مرتبتين، و حالة بين حالتين»، و أثبتوا أن الأنبياء معصومون صادقون، و أن اللّه بعثهم بالهدى و دين الحق رسلا مبشّرين و منذرين صادقين، لا يجوز عليهم الخطأ عمدا و لا سهوا.

ثم قالوا للأشعرية: إن نبيّكم الذي تقعون فيه و تشيرون إليه بالخطإ و النقائص ليس نبيّنا

____________

(1) راجع: أمالي الشيخ الصدوق 510 المجلس 93.

339

الذي أمرنا باتباعه، لأن نبينا طيب المرسلين و حبيب ربّ العالمين، الكائن نبيا، و آدم بين الماء و الطين سيد معصوم، طاهر المولد، زائد الشرف، عالي الفخار، سيّد أهل السّماوات و الأرض، طيب طاهر، علي زاهر معصوم، منزّه عن الذنوب و الغفلة.

ثم أثبتوا أصلا رابعا و هو الإمامة، و برهنوا أنّها لطف واجب على اللّه نصبه و تعيينه‏ (1)، و على الرسول تبيينه، لحفظ الثغور و تدبير الأمور، و سياسة العباد و البلاد، و أن معرفة الإمام الحق واجبة على كل مكلف كوجوب معرفة النبي، و أن من مات و لم يعرف إمام زمانه مات كافرا، و أثبتوا أن الإمامة كمال الدين، و عين اليقين، و رجح الموازين، و أنها حرز من الربوبية فلا تنسخ أبدا، فهي من الأزل و لم تزل، و أنها سفينة النجاة، و عين الحياة، و هؤلاء تمسّكوا بسلسلة العصمة و سلكوا إلى الصراط المستقيم و النهج القويم.

و ذلك بأن الفرق الثلاث و السبعين أصولها ثلاثة: أشعرية و هم قالوا بالتوحيد و النبوّة و المعاد، و أنكروا العدل. و الإمامية، و المعتزلة. و الإمامية قائلون بذلك، لكن المعتزلة أثبتوا العدل و أنكروا الإمامة، و الإمامية قالوا بمقالة الفريقين و زادوا أصلا رابعا، و هو ختم الأعمال، و هو الإمامة، فكانت الفرقة المتمّمة؛ فلها النجاة من ثلاثة و سبعين فرقة، لأنهم أقرّوا بالبعث و النشور، و أن الساعة آتية لا ريب فيها، و أن اللّه يبعث من في القبور، و أن أعمال المنافقين حابطة لأنها لم تقع على وجه الحق، فما كان منها من العبادات فهو على غير ما أمر اللّه، و كله زيف و شبه الشبيه، و شبيه الموقوف عليه صحة العبادات، و قبولها الطهارة، و هي فاسدة، ففسد ما هو مبني على فساد. و ثانيها النيّات، و هي غير صحيحة، و كذا صدقاتهم لأنها وقعت على غير الحق، لأن ما في أيدي المنافقين مغصوب، و لا قبول للفاسد و المغصوب.

ثم إن المؤمن العارف يعتقد أن تبدّل السيئات للمؤمن العارف حسنات، و أثبتوا أن الرب المعبود واجب الوجود، منزّه عن الرؤية بعين البصر، أما بعين البصيرة فلا، و قالوا للأشاعرة:

إن ربّكم الذي تدعون رؤيته يوم القيامة ليس هو ربنا الذي نعبده، لأن ربّنا الذي نعبده ليس كمثله شي‏ء، و من لا مثل له لا يرى، فالرب المعبود لا يرى، و أن الرب المخصوص بالرؤية يوم القيامة هو الذي أنكرتم ولايته في الدنيا، فكفرتم فيه لعداوته و إنكار ولايته، لأنه هو

____________

(1) راجع أمالي الشيخ الصدوق 537 المجلس 97.

340

الولي و الحاكم الذي له الحكم و إليه ترجعون، و إليه الإشارة بقوله (عليه السلام): أنا العابد أنا المعبود، و أثبتوا أن عليا مولى الأنام، و أنه أفضل الأمّة بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حظا و نصيبا، و أنه الأعلم و الأزهد و الأشجع‏ (1) و الأقرب‏ (2)، و أنه معصوم واجب الطاعة خصا من العلي العظيم، و نصّا

____________

(1) أجمعت الفرق الإسلامية على صحة ما ذكره المصنف و إليك نموذجه:

* علي أفضل الصحابة

قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «الصديقون ثلاثة: حبيب بن موسى النجار و هو مؤمن آل يس، و حزقيل مؤمن آل فرعون، و علي بن أبي طالب و هو أفضلهم» (فضائل الصحابة لأحمد: 2/ 627- 656 ح 1072 و 1117، و الجامع الصغير: 2/ 81، و تاريخ الخميس: 2/ 275، و أمالي الشجري: 1/ 139، و الفيض القدير: 4/ 238 و الفردوس: 3/ 421 ح 3866 و مناقب ابن المغازلي: 161 ط. بيروت و 246 ح 293 ط. طهران)

و قال (صلّى اللّه عليه و آله): .. و لكن يا أبا عقال فضل علي على سائر الناس كفضل جبرئيل على سائر الملائكة» (كفاية الطالب: 316 الباب السابع و الثمانون)

و قال (صلّى اللّه عليه و آله) في ذكر الصحابة: «.. و أفضلهم علي» (الكامل لابن عدي: 6/ 77 ترجمة كوثر بن حكيم 1610).

و قال (صلّى اللّه عليه و آله): «خيرها و أتقاها و أفضلها و أقربها إلى الجنة أقربها مني و لا أقرب و لا أتقى إلي من علي ابن أبي طالب» (ينابيع المودة: 1/ 294 عن كتاب الهمداني (مودة القربى- المودة الثالثة).

و قال (صلّى اللّه عليه و آله): «أفضل رجال العالمين في زماني هذا علي و أفضل نساء الأولين و الآخرين فاطمة» (ينابيع المودة: 1/ 302 عن مودة القربى المودة السابعة).

و قال (صلّى اللّه عليه و آله): «إن اللّه عز و جل يقول: يا عبادي .. ألا فاعلموا أن أكرم الخلق عليّ و أحبهم إليّ محمد، و أفضلهم لديّ محمد و أخوه علي من بعده، و الأئمة الذين هم الوسائل» (إرشاد القلوب: 2/ 424).

و قال (صلّى اللّه عليه و آله): «يا علي لو أنّ أحدا عبد اللّه حق عبادته ثم يشك فيك و أهل بيتك أنكم أفضل الناس كان في النار» (ينابيع المودة: 1/ 302 عن مودة القربى- المودة السابعة).

* علي اعلم الصحابة

قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «أعلم أمتي من بعدي علي بن ابي طالب» (جامع الأحاديث للسيوطي: 1/ 491 ح 3414، و كنز العمال: 11/ 614 ح 32977 ط. بيروت و 6/ 156 ط. دكن 1312، و كنوز الحقائق: 390 ط. مصر و 18 ط. إسلامبول 1285).

و قال ابن عباس: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «علي بن ابي طالب أعلم أمتي و أقضاهم فيما اختلفوا فيه من بعدي» (قصص الأنبياء: 419، و كمال الدين: 1/ 263).

و قال الحسن بن علي (عليه السلام) قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «علي أعلم الناس باللّه و الناس» (كنز العمال: 11/ 614 ح 32980). و قال المقداد: «إني لأعجب من قريش أنهم تركوا رجلا ما أقول أن أحدا اعلم و لا أقضى منه بالعدل» (تاريخ الطبري: 3/ 297 حوادث سنة 23 قصة الشورى و تاريخ اليعقوبي: 2/ 163 أيام عثمان، و شرح النهج: 1/ 194 خ 3، و الكامل في التاريخ: 3/ 223 حوادث سنة 23 قصة الشورى، و العقد الفريد: 4/ 264).

و قال يزيد الثقفي: لا جرم كان علي أقضاهم و أعلمهم و أفضلهم (تاريخ دمشق: 63/ 80 ترجمة يزيد الثقفي كاتب الحجاج).

* علي أزهد الصحابة

قال رسول اللّه لفاطمة (عليهما السلام): «أ ما تعلمين يا بنية أن من كرامة اللّه إياك أن زوّجك خير أمتي ..

و أزهدهم في الدنيا» (كتاب سليم: 70 و 93).

و عن سعد بن أبي و قاص في الرد على من شتم أمير المؤمنين (عليه السلام): «أ لم يكن أزهد الناس؟» (مستدرك الصحيحين: 3/ 499 ذكر مناقب أبي إسحاق سعد بن أبي و قاص).

و قال قبيصة: «ما رأيت في الدنيا أزهد من علي بن أبي طالب» (نهج الحق: 245، و كشف اليقين:

107 ح 101، و مناقب الخوارزمي: 122 ح 136 فصل 10).

* علي أشجع الصحابة

قال رسول اللّه لفاطمة (عليها السلام) ... «فزوّجك إياه و اتخذه وصيا، فهو أشجع الناس قلبا» (ينابيع المودة:

2/ 395 الباب 60 و مناقب الكوفي: 2/ 595 ح 1100).

و أخرج الحارث عن شداد بن الأوس عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «علي ألب أمتي و أشجعها» (المطالب العالية: 4/ 85 ح 4030، و كنز العمال: 11/ 753 ح 33670).

و عن الشعبي: «كان علي أشجع الناس تقرّ العرب بذلك» (الاستيعاب: 3/ 363).

(2) الصواعق المحرقة: 270، و جواهر العقدين: 380.

341

من الرءوف الرحيم.

و أنه صلّى اللّه عليه نصّ على الحسن، و نص الحسن على الحسين، و الحسين نص على علي بن الحسين من بعده، حتى انتهى إلى الخلف المشار إليه‏ (3)، و أن كل إمام منهم أفضل أهل زمانه‏ (4)، و أنه لا يحتاج في العلم إلى أحد، و أن أمرهم واحد و نورهم واحد، و لا يتقدّم عليهم إلّا من كفر باللّه و رسوله، و أن معرفتهم واجبة و طاعتهم لازمة، و أن التبرؤ من أعدائهم واجب كوجوب معرفتهم، و أن فضلهم أشهر من الشمس أحياء و أمواتا، و أن قبورهم و مشاهدهم ملجأ القاصدين و ملاذ الداعين، و أنّهم الوسيلة و الذخيرة يوم الحسرة، و أن‏

____________

(3) قد فصّلنا ذلك في كتابنا النصوص على آل محمد.

(4) قد ذكرنا كون كلّ إمام أفضل أهل زمانه في كتابنا النصوص على آل محمّد.

342

التابعين لهم هم أهل النجاة، و لهم في معرفتهم الحسنات.

و لقد رأيت في دهري عجبا رجلا من أهل الفتوى، عالما من أهل الدعوى، قد سئل عن أمير المؤمنين: أ يعلم الغيب؟ فعظم عليه السؤال، و كبر لديه هذا المقال، و قال: لا يعلم الغيب إلّا اللّه.

ثم رأيته بعد ذاك باعتقاد جازم، و عقل عادم، و لحية نفيشة، و عقل أخف من ريشة، قد جلس إلي جنب أفّاك أثيم، و قال له: كيف ترى حالي في هذه السنة، و كيف طالعي، و هل على نقص أم زيادة، و كيف تجد رملي على ما ذا يدل؟ فلمّا قال له حشوا من الكذب صدّقه و اعتقده، فقام يصدّق الكهّان، و يطعن في وليّ الرحمن. و جاء يكذّب الإمام المعصوم الذي برأه اللّه من الذنوب، و أطلعه على الغيوب، و يصدق الأفاك الأثيم في تعجيله و تأخيره.

فانظر إلى غيب الأذهان كيف يشرون الكذب بالإيمان، و تصديق قول الكهان، و يرتابون في قول سفير القرآن، و يدّعون بعد ذلك الإيمان، و أنى لهم الإيمان، و هم مرتابون في قول العلي العظيم، و يصدّقون قول الأفاك الأثيم.

فصل‏

و من أين للمنجم معرفة علم حجب الوصي! و هل يخدع بالفال إلّا عقول الأطفال؟ هذا و مولاهم عن ذلك قد نهاهم، و هم مع النهي البليغ للكاهن المنجم يعتقدون، و لكذبه يصدّقون، و بإفكه يفرحون، و لما حذّرهم يحذرون، و لإمامهم يكذبون، و في أقواله يرتابون، و لفضله ينكرون، و لمن رواه يعادون و يتّهمون، فإنّا للّه و إنّا إليه راجعون.

و لما رويت حكاية سلمان، و أنه لما خرج عليه الأسد قال‏ (1): يا فارس الحجاز أدركني، فظهر إليه فارس و خلّصه منه، و قال للأسد: أنت دابته من الآن. فعاد يحمل له الحطب إلى باب المدينة امتثالا لأمر علي (عليه السلام)، فلما سمعوا قالوا هذا تناسخ. و قالوا و أين كان علي هناك؟ و كيف كان قبل أن يكون؟ و أقبلوا ينكرون ما هم له مصدّقون و لا يشعرون.

____________

(1) مدينة المعاجز: 2/ 11.

344

ما خلق اللّه نوري، ثم عصره فخلق منه أرواح الأنبياء، ثم عصره عصرة أخرى فخلق منه الشمس و القمر و سائر النجوم‏ (1).

فليت شعري ما ذا أنكر من أنكر؟ أ أنكر وجوده قبل الأشياء، أم أنكر قدرته على الظهور فيما يشاء، و من أنكر الأول فهو أعور، و من أنكر الثاني فإما أن يعمى أو يبصر! أ ما تنظر إلى الماء إذا أفرغ في الأواني الزجاجية ذات الألوان كيف يتلون بألوانها للطفه و بساطته، و المادة الشفافة إذا أدنيتها إلى خط مرقوم فإنّك تقرأه منها، و القمر إذا طل على البحر فإنك تراه في أفق السماء و في قعر الماء، و محمد و علي هما البحر اللجي، و الماء الذي منه كل شي‏ء حي، و الكلمة التي بها ظهر النور، و دهرت الدهور، و تمّت الأمور، إلى يوم النشور.

و يكفي في هذا الباب قولهم: أمرنا صعب مستصعب لا يحمله نبي مرسل و لا ملك مقرّب‏ (2).

و إذا كان أمرهم و سرّهم لا يحمله الملائكة المقرّبون، و لا الأنبياء و المرسلون، و سكّان الحضرة الإلهية لا يعرفون، فكيف رددتم ما لم تحيطوا به خبرا و كذبتموه؟ أ لم تعلموا أنهم الشجرة الإلهية التي كل الموجودات أوراقها و ألفاقها؟ و السرّ الخفي المجهول الذي لا تدركه الأفهام و العقول، و للّه در أبي نؤاس إذ يقول:

لا تحسبني هويت الطهر حيدرة * * * لعلمه و علاه في ذوي النسب‏

و لا شجاعته في كل معركة * * * و لا التلذذ في الجنات من أربي‏

و لا التبرأ من نار الجحيم و لا * * * رجوته من عذاب الحشر يشفع بي‏

لكن عرفت هو السرّ الخفي فإن‏ * * * أذعته حللوا قتلي ...

و من ذاك ما رواه المقداد بن الأسود قال: قال لي مولاي يوما آتني سيفي، فجئته به، فوضعه على ركبتيه، ثم ارتفع في السماء و أنا أنظر إليه حتى غاب عن عيني، فلما قرب الظهر نزل و سيفه يقطر دما، قلت: يا مولاي أين كنت؟

____________

(1) راجع البحار: 15/ 24 و: 25/ 22.

(2) بحار الأنوار: 2/ 184 ح 6 و البصائر 22 ح 10 و فيه: لا يتحمله.

343

فقلت لهم: أ ليس قد روى ابن طاوس في كتاب المقتل مثل هذا بعينه، و قال: إنّ الحسين لما سقط عن فرسه يوم الطف قالت الملائكة: ربنا يفعل هذا بالحسين و أنت بالمرصاد؟

فقال اللّه لهم: انظروا إلى يمين العرش. فنظروا فإذا القائم قائما يصلّي، فقال لهم: إنّي أنتقم لهذا بهذا من هؤلاء. فقالوا بلى. (1).

فقلت: و أين كان القائم هناك؟ و كيف كان قبل أن يكون؟ و أين يكونون أولئك عنده إذا ظهر؟ و كيف رويتم هذا الحديث بعينه فصدقتموه في المستقبل و كذبتموه في الماضي، و ما الفرق بين الحالين؟

فيا أيّها التايه في تيه حيرته و ارتيابه، و هو يزعم أنه مؤمن أمن من عذابه، كيف أنت و ما أمنت و لا أمان إلّا بالإيمان، و اللّه يقول و قوله الحقّ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا (2). فكيف يأمرهم بالإيمان و قد آمنوا؟ و معناه يا أيّها الذين آمنوا باللّه و برسوله آمنوا بسرّ آل محمد و علانيتهم، فإنّ ذلك حقيقة الإيمان و كماله، لأنّ عليا هو النور القديم المبتدع قبل الأكوان و الأزمان، المسبّح للّه و لا فم هناك و لا لسان، أ ليس كان في عالم النور قبل الأزمان و الدهور، أ ليس كان في عالم الأرواح قبل خلق الأجسام و الأشباح؟ أ ما سمعت قصة الجني، إذ كان عند النبي (صلّى اللّه عليه و آله) جالسا، فأقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) فجعل الجنّي يتصاغر لديه تعظيما له و خوفا منه، فقال: يا رسول اللّه إنّي كنت أطير مع المردة إلى السماء قبل خلق آدم بخمسمائة عام، فرأيت هذا في السماء فأخرجني و ألقاني إلى الأرض، فهويت إلى السابعة منها، فرأيته هناك كما رأيته في السماء (3).

أيها السامع لهذه الآثار، لا تبادر إلى التكذيب و الإنكار، فإن الشمس إذا أشرقت يراها أهل السماء كما يراها أهل الأرض، و ينفذ ضوؤها و نورها في سائر الأقطار، و هي في مكانها من الفلك الدوّار، و ليست الشمس أعظم ممّن خلقت من نوره سائر الأنوار، دليله قوله: أوّل‏

____________

(1) الكافي: 1/ 465، و معجم الإمام المهدي: 3/ 382.

(2) النساء: 136.

(3) حلية الأبرار: 2/ 16، و مدينة المعاجز: 2/ 445.

345

فقال: إنّ نفوسا في الملأ الأعلى اختصمت فصعدت فطهرتها. فقلت: يا مولاي و أمر الملأ الأعلى إليك؟

فقال: أنا حجّة اللّه على خلقه من أهل سماواته و أرضه، و ما في السماء من ملك يخطو قدما عن قدم إلّا بإذني.

أنكر هذا الحديث قوم و عارض فيه آخرون، فقالوا: كيف صعد إلى السماء و هو جسم كثيف؟

فقلت في جواب من أنكر: إنّ عليا ليس كآحاد الناس [و ليسوا] كعلي، و ذاك غير جائز، و أين النور من الظلام، و الأرواح من الأجسام، و من لا ينكر صعود النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لا ينكر صعود الولي، و لا فرق بينهما في عالم الأجسام، و لا في الرفعة و المقام.

أ ما سمعت ما رواه ابن عباس: أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لما جاءه جبرائيل ليلة الإسراء بالبراق عن أمر اللّه بالركوب، فقال له النبي (صلّى اللّه عليه و آله): ما هذه؟

فقال: دابة خلقت لأجلك و لها في جنة عدن ألف سنة، فقال له النبي (صلّى اللّه عليه و آله):

و ما سير هذه الدابة؟

فقال: إن شئت أن تجوب بها السّماوات السبع و الأرضين السبع فتقطع سبعين ألف عام ألف مرة كلمح البصر قدرت، و إذا كانت دابة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لها هذه القدرة، فكيف من لأجله و بأجله خلقت كل دابة.

يؤيّد هذا ما رواه محمد بن الحسن الصفار في كتاب بصائر الدرجات، قال: إنّ رجلا من علماء اليمن حضر مجلس أبي عبد اللّه، فقال له: يا يمني، أ في يمنكم علماء؟ قال: نعم، قال:

فما بلغ عالمكم؟ قال: يسير في ليلة واحدة سير شهرين تزجر الطير، فقال له أبو عبد اللّه: إنّ عالم المدينة أفضل، فقال اليمني: و ما يفعل؟

قال: يسير في ساعة من النهار مسيرة ألف سنة حتى يقطع ألف عالم مثل عالمكم هذا (1).

يؤيّد هذا ما رواه صاحب التحف: أن عليا (عليه السلام) مرّ إلى حصن ذات السلاسل، فدعا سيفه‏

____________

(1) دلائل الإمامة: 135 معاجز الصادق (عليه السلام).

347

فصل [علم الكتاب عند آل محمد (عليهم السلام)‏]

أ ما بلغك وصف شق الأرض لآصف، لما دعا بحرف واحد من 82 حرفا، و هي بأجمعها عند أمير المؤمنين (عليه السلام)، و بذلك نطق الذكر الحكيم. و إليه الإشارة بقوله: قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ‏ (1)، و قال عن أمير المؤمنين: وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ‏ (2)، لا بل هو هي و هي هو لأنه الكلمة الكبرى، و إليها الإشارة بقوله: لَقَدْ رَأى‏ مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى‏ (3)، و ليس هذا من باب التبعيض و لكنه مقلوب الخط، و معناه: لقد رأى الكبرى من آيات ربه، و قال لربه: من آياتنا الكبرى، و قال: أنا مكلّم موسى من الشجرة، أنا ذلك النور (4).

و أما ليلة المعراج، لما صعد النبي إلى السماء رأى عليا هناك، أو قال: رأى مثاله في السماء، أو قال: كشطت السماء فرآه ينظر إليه، و كيف يغيب عنه و هو نفسه و شقيق نوره؟

و هو النور الأعظم في السّماوات و الأرض.

ثم إن اللّه جل اسمه خاطبه في مقام القرب بلسان علي، فعلي هو الآية الكبرى التي رآها موسى و محمد عند خطاب رب الأرباب، و إليه الإشارة بقوله (عليه السلام): ليس للّه آية أكبر منّي، و لا نبأ أعظم منّي‏ (5).

و ما الفرق بين صعوده إلى السماء، و بين نزوله تحت الأرض و شق الأرض و لمن كان يدين اللّه بدين و بآيات أولياء اللّه من المصدّقين، و لعلك تقول: كيف يكون في الملأ الأعلى‏

____________

(1) النمل: 40.

(2) الرعد: 43.

(3) النجم: 18.

(4) تقدّم الحديث.

(5) بحار الأنوار: 36/ 1 ح 2.

346

و درقته، و ترك الترس تحت قدميه و السيف على ركبتيه، ثم ارتفع في الهواء، ثم نزل على الحائط و ضرب السلاسل ضربة واحدة فقطعها، و سقطت الغرائر، و فتح الباب‏ (1)، و هذا مثل صعود الملائكة و نزولهم. ثم نقول للمنكر: أ لم تعلم أن العالم باللّه، المعرض عمّن سواه، إن شاء ارتفع في الهواء، و إن شاء مشى على الماء، و اخترق الأجواء. فإن عظم هذا لديك فانظر:

أ ليس قد ارتفع إدريس و عيسى‏ (2)؟

أ ليس قد شق البحر لموسى‏ (3)؟

أ ليس قد ركب سليمان على الهواء (4) و ركب الخضر على الماء؟

أ ليس كل الموجودات مطيعة للمولى الولي بإذن الرب العلي؟

أ ليس الكل دابة و هو الحاكم المتصرّف، و إلّا لم يكن مولى للكل، و هو مولى الكل، فالكل طوعه و مسخّرات بأمره.

____________

(1) البحار: 42/ 33 ح 11 ضمن حديث طويل.

(2) بقوله: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَ رافِعُكَ إِلَيَ‏.

(3) بقوله تعالى: فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ‏ الشعراء: 63.

(4) بقوله: وَ لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ .. فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ‏.

348

خصومه؟ و القرآن يذكرك هذا من قوله: ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى‏ إِذْ يَخْتَصِمُونَ‏ (1). أ ما سمعت قصة هاروت و ماروت و فطرس الملك؟ أ ما علمت أن الجن الطيار مسكنهم الهواء؟ و بطن الأرض مسكن المتمردين؟ فاختصمت طائفة من الجن فصعد إليهم الولي الأمين فطهرهم. أقبل من لا يعلم و لا يفهم و لا حظّ له من السرّ إليهم، فهو كما قيل لداود: الخل لا يدري بطيب حلاوة العسل. و يقول نزل من السماء و سيفه يقطر دما.

و لمن قيل في السماء، و كيف يقع القتل على الجن، و هم أجسام شفافة، و من أين للشفاف دم؟ فقلت: يا قليل العبرة، و كثير العبرة، و قطير القطرة، أ لم تمطر السماء دما و رمادا لقتل الحسين (عليه السلام)(2)؟

و من أين للسماء رماد و دم؟ بل هي آيات بيّنات. أ لم يعلم أن عليا قتل الجن و أخذ عليهم العهد؟

فإذا لم يكن لهم دم و لا نفوس فكيف وقع عليهم القتل، و ليس هذا مكان التأويل.

و صدق هذا المدّعي قوله سبحانه: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ‏ (3)، و كيف يحرق النار من ليس بجسم؟ و كيف يتألّم بالعذاب من ليس له عروق و لا دم؟ و إذا كان الجن مخلوقين من النار و لا تؤثر النار فيهم فمن ترى يدخل النار عوضا عن إبليس و قد أضل الأوّلين و الآخرين؟

أفّ لعقلك المستقيم و رأيك العديم، أ ما علمت أن عليا منبع الأنوار، و آية الجبّار، و صاحب الأسرار، الذي شرح لابن عباس في ليلة حتى طفى مصباحها صباحها، في شرح الباء من بسم اللّه، و لم يتحوّل إلى السين، و قال: لو شئت لأوقرت أربعين بعيرا من شرح بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ (4).

فإن كبر عليك إعراضهم، و زادت عند سماع الأسرار أمراضهم، فأنشدهم و لا تنشدهم، أ ما ذا عليهم لو أجابوا الداعي، لكنّهم خلقوا بغير سماع.

____________

(1) ص: 69.

(2) عيون أخبار الرضا: 2/ 268، و الأمالي للصدوق: 189.

(3) هود: 119.

(4) تقدّم الحديث.

350

خاتمة

في ختم هذه الرسالة و بيان هذه المقالة، اعلم أن الذي دعاني إلى كشف هذه الأسرار، و حملني على قطف هذه الأزهار و إبراز هذه الأبكار من خدور الأفكار، و كان حقها أن تصان و لا تذاع فتهان، لأن الحرام كالحرام إظهار الخواص للعوام، أني لما رويت من أسرار أئمة الأبرار دررا، و جلوت منها غررا، تؤمن معرفتها من العذاب، و تدخل الجنة بغير حساب، لأنها خط ممّا خط على خطط الجباه، و رقم رقم حبّها على ألسنة العقول و الأفواه، و لا ينشق ريّاها إلّا كل حليم أواه، و أخذ لها العهد على النسمات في الأزل و ختم فرضها على البريات و لم يزل، فلما ندّ ندها و فاح شذاها ندّ بالأفكار ندّها و مل شداها، حتى صار المنافق يهجرها و لا ينشق ريّاها، و الموافق ينكرها و لا يخاف اللّه عقباها، و هي لهداها إلى الحق أحق أن يتّبع و عيباهى و لتناهى‏ (1) بلسان الصدق أصدق ما يسمع، فأصبحت مع عظيم الحاجة إليها لا تحنو القلوب عليها و لا تحن الطبائع إليها، فاعجب لها كيف لا يركب نهجها و فاز في سفينة النجاة، و لا تتطلب و هي عين الحياة مع تقاطر الأيدي و المتاجر دفع طيبها و طيب عرقها، تلحظها العيون بأهداب الحقد، تلفظها الفنون بأفواه الرفض، و هي أنفس نفيس بحيث إنّها تتنافس فيه النفوس، فصارت تبعدها عن الأذهان بكذب فيها و بهتان، فكانت كما قيل:

و من العجائب أنه لا يشتري‏ * * * وقع الكساد يخان فيه و يسرق‏

و أقبل الحسّاد و اللوام، كلّ يغض على عين البغضاء، و يغض عن طرق اللأواء و الأحناء، و ليس عليّ في مجمع الفرقان عيوب، و لا في صحيفة اللواء ذنوب، غير حبي لعلي، و نشري لصحائف أسراره، فإذا كان هذا هو الذنب، و عليه و فيه العتب، فحبذا ذنب هو أعظم الحسنات و سبيل النجاة، و عتب هو أحلى من نسمات الحياة عند ذكر الملمات، و ذكر ذنب منه لا أتوب، و عيب منه لا أءوب، بل أقول كما قال قيس عامر:

____________

(1) كذا بالأصل.

349

ثم يتمم هذه الأسرار ما رواه صاحب المقامات، مرفوعا إلى ابن عباس قال: رأيت عليا يوما في سكك المدينة يسلك طريقا لم يكن له منفذ، فجئت فأعلمت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فقال:

إنّ عليا علم الهدى و الهدى طريقه، قال: فمضى على ذاك ثلاثة أيام، فلما كان في اليوم الرابع أمرنا أن نمضي في طلبه، قال ابن عباس: فذهبت إلى الدرب الذي رأيته فيه و إذا بياض درعه في ضوء الشمس، قال: فأتيت فأعلمت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بقدومه، فقام إليه فلاقاه و اعتنقه و حمل عنه الدرع بيده و جعل يتفقّد جسده، فقال له عمر: كأنّك يا رسول اللّه توهم أنّه كان في الحرب، فقال له النبي (صلّى اللّه عليه و آله): يا ابن الخطاب: و اللّه لقد ولي علي أربعين ألف ملك، و قتل أربعين ألف عفريت، و أسلمت على يده أربعون قبيلة من الجن، و إن الشجاعة عشرة أجزاء، تسعة منها في علي، و واحدة في سائر الناس، و الفضل و الشرف عشرة أجزاء تسعة منها في علي و واحدة في سائر الناس، و إن عليا منّي بمنزلة الذراع من اليد، و هو ذراعي من قميصي، و يدي التي أصول بها، و سيفي الذي أجالد به الأعداء، و إن المحب له مؤمن، و المخالف له كافر، و المقتفي لأثره لا حق‏ (1).

____________

(1) بحار الأنوار: 27/ 226 ح 22.

351

أتوب إليك يا رحمان ممّا * * * جنيت فقد تكاثرت الذنوب‏

و أما عن هوى ليلى و تركي‏ * * * زيارتها فإنّي لا أتوب‏

و حسبك نعمة لا يقدرونها، لا توجد إلّا لمن سبقت له من اللّه الحسنى، لمعرفة المقصد الأسنى، فعلي في تحقيق الحقائق، و علي في تدقيق الدقائق، بمعرفة إمام الخلائق، و اقتدى بالإله الخالق، و النبي الصادق، و الكتاب الناطق، لأن الرب العلي، و النبي الأمّي، أشدّ حبّا لعلي و أعظم معرفة بالولي، فقل لمن أغراه هواه و أهواه: هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى‏ بَصِيرَةٍ (1)، و قل لمن أذعن في حربي: إِنِّي عَلى‏ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي‏ (2)، و لقد شاع عني حب ليلى، و انني كلفت بها عشقا، و همت بها وجدا، فعرض لي من كل شي‏ء حسانه، و عرضن لي حبا، و أبدين لي ودّا، و قلن عسى أن ينقل القلب ناقل غرامك عن ليلى إلينا فما أبدى:

أبى اللّه أن أنقاد إلّا لحبّها * * * و أعشقها إذا ألفيت مع غيرها أبدا

فو اللّه ما حبي لها جاز حدّه‏ * * * و لكنّها في حسنها جازت الحدا

فقل للآثم و النائم عن سرّه المبني المنبتة لمن أنت أنت به‏ (3)، أولئك الذين هداهم اللّه فبهداهم اقتده فها أنا في حبّهم مقتد، بخاتم النبيين و الكتاب المبين، إذ مدحه فيه بين الباء و السين، و أقول كما قال بعض العارفين:

لبّيت لما دعاني ربه الحجب‏ * * * و غبت عنّي نها من شدّة الطرب‏

تركية في بلاد الهند قد ظهرت‏ * * * و وجهها في بلاد الهند لم يغب‏

ألوت تطل على أبيات فارسها * * * إلى لوى فصار الحسن في العرب‏

و لست ممّن غدا في الحبّ متّهما * * * و في انتسابي إليه ينتهي نسبي‏

فكل صب بهاؤه و جاء ببر * * * هان على حب ليلى فهو ابن أبي‏

فقمت أهزأ في حبّها اللوّام، و لا أخشى ملام من لام، و أقول بلسان أهل المعرفة و الغرام:

يلومونني في حبّه من حسد * * * و لست أخشى من عدو كمد

____________

(1) يوسف: 108.

(2) الأنعام: 57.

(3) كذا بالأصل.

352

و أشرب في الأرواح راح الولا * * * من قبل أن يخلق كرم الجسد

فها أنا بشنان من حبّها * * * في السكر العشاق حتى الأبد

فشهرت ذيل العزلة، و أخرت يدي من حب الوحدة، و أنست بالحق و ذاك أحق، إذ لا خير في معرفة الخلق، أقتدي بقول سيّد النبيّين و شفيع يوم الدين: الخير كلّه في العزلة، و الخير و السلامة في الوحدة، و البركة في ترك الناس، خصوصا أهل هذا الزمان جواسيس العيوب، اللابسين أثواب الحسد منهم على كل حسن، الصديق الحميم و السليم الود منهم كالسليم و الخل الموحد، و خل الود ودّ لمعاصم الغيبة و أذامم الريبة (1)، يسرون الحسنات و يظهرون السيئات، و يحبّون أن تشيع الفاحشة، فثق باللّه و ذرهم و اتخذ إليه سبيلا، وَ اصْبِرْ عَلى‏ ما يَقُولُونَ وَ اهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا (2).

و تأسيت بقول الرسول (صلّى اللّه عليه و آله): إنّ اللّه أخذ ميثاق المؤمن أن لا يصدق في قوله، و لا ينتصف من عدوّه، و لا يشفى من غلبة، و من آذى مؤمنا لم يدخل حضرة القدس.

و المؤمن هو العارف بعلي. و إليه الإشارة بقوله: أعرفكم باللّه سلمان‏ (3).

و كان سلمان أعرف الناس بعلي، فمن كانت معرفته بعلي أكثر كان للّه أعرف و إليه أقرب.

فليس الإيمان إلّا معرفة علي و حبّه، لأن من عرف عليا عرف اللّه.

و إليه الإشارة بقوله: يعرفك بها من عرفك‏ (4)، فمن آذى مؤمنا حسدا على ما آتاه اللّه فحسبه قول مولاه: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى‏ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ‏ (5).

و دخلت بركة دعائهم في جملة المرحومين، و صرت من شيعتهم الموحدين، بقولهم:

رحم اللّه شيعتنا إنهم أوذوا فينا و لم نؤذ فيهم، أوذيت حسدا على ما في فضلهم، أوتيت طربا بما أوليت:

أما و الذي لدمي حلا * * * و خص أهيل الولا بالبلا

____________

(1) كذا بالأصل.

(2) المزمل: 10.

(3) تقدّم الحديث.

(4) تقدّم الحديث.

(5) النساء: 54.

354

إن حبّي لعلي المرتضى عين الكمال‏ * * * و هو زادي في معادي و معاذي و مآلي‏

و به أكملت ديني و به ختم مقالي

و إلى هذا الختام انتهى أمد الكلام من مشارق أنوار اليقين في حقائق أسرار أمير المؤمنين (عليه الصلاة و السلام) و التحية و الإكرام.

355

مجموعة من شعر الشيخ رجب البرسي‏

نثبت في هذا الباب ما وقفنا عليه من شعر صاحب المشارق الحافظ الشيخ رجب البرسي الحلي، جمعناه من بعض المصادر التاريخية التي تناولت ترجمته، مع العلم بأن للبرسي ديوانا كان متداولا في عصره حتى زمن قريب، و من المحقق أن عدّة نسخ موجودة منه في كثير من المكتبات الخاصة، و لكننا لم نعثر على نسخة واحدة منها.

و هذا القدر الذي جمعناه من شعر البرسي كاف للتعريف بأدبه، و الوقوف على أفكاره، و العلم بنوع معتقداته لمن يطلب ذلك.

و من الملاحظ بأن جميع شعر البرسي خاص بأئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، بين رثاء و مديح، بل لم نقف على غير هذين البابين من أدبه. و هذا يدل على مبلغ و ولائه لأئمته و تمسّكه بهم و نفوذ حبّهم في أعماق قلبه و عقله.

قال الشيخ رجب البرسي يمدح الإمام عليا و يذكر محبيه و مبغضيه‏ (1):

أبديت يا رجب العجيب‏ * * * فقيل: يا رجب المرجب‏

أبديت للسر المصون‏ * * * المضمر الخافي المغيب‏

و كشفت أستارا و أسرا * * * را عن الأشرار تحجب‏

حل الورى فإذا الظوا * * * هر فضة و البطن أسرب‏

إلّا قليلا من رجال‏ * * * أصلهم ذاك مهذّب‏

و كتبت ما بالنور منه‏ * * * على خدود الحور يكتب‏

فلذاك أضحى الناس قل * * * با من قوى الجهل المركب‏

رجل يحب و مبغض‏ * * * قال و حزب اللّه أغلب‏

____________

(1) شعراء الحلة: 2/ 371، و الغدير: 7/ 41- 42.

353

لئن ذقت فيه كئوس الحمام‏ * * * لما قال قلبي لساقيه: لا

فموتي حياتي و في حبّه‏ * * * يلذ افتضاحي بين الملا

مضت سنّة اللّه في خلقه‏ * * * بأن المحبّ هو المبتلى‏

فقمت أهجر معتذرا إلى من لا مني و لحاني، و قلت له مقالة الوامق العاني، إلّا بما أو لاني ربي من خصائص ديني، يكفيني بها من النار و يقيني، و حب علي و عترته فرضي و سنتي و ديني، و قبلتي و عدّتي و يوم فاقتي، و به ختم أعمالي و مقالتي‏

و قلت:

فرضي و نفلي و حديثي أنتم‏ * * * و كل كلي منكم و عنكم‏

و أنتم عند الصلاة قبلتي‏ * * * إذا وقفت نحوكم أيمم‏

خيالكم نصب لعيني أحدا * * * و حبّكم في خاطري مخيم‏

يا ساداتي و سادتي أعتابكم‏ * * * بجفن عيني لثراها ألثم‏

وقفا على حديثكم و مدحكم‏ * * * جعلت عمري فاقبلوني و ارحموا

منّوا على الحافظ عند فضلكم‏ * * * و استنقذوه في غد و أنعموا (1)

ثم أقول ختما للكتاب و قطعا للخطاب:

أيّها اللائم دعني عنك و اسمع وصف حالي‏ * * * أنا عبد لعلي المرتضى مولى الموالي‏

كلّما ازددت مديحا فيه قالوا لا تغالي‏ * * * آية اللّه التي و صفها القول حلالي‏

كم إلى كم أيّها العاذل أكثرت جدالي‏ * * * و إذا أبصرت في الحق يقينا لا أبالي‏

يا عذولي في غرامي خلني عنك و حالي‏ * * * رح إلى ما كنت ناحي و اطرحني في ضلالي‏

____________

(1) أعيان الشيعة: 6/ 466.

356

و طويل أنف إن رآني‏ * * * مقبلا ولّى و قطّب‏

في أمه شك بلا * * * شك و لو صدقت لأنجب‏

يزورّ إن سمع الحديث‏ * * * إلى أمير النحل ينسب‏

و تراه إن كررت ذك * * * ر فضائل الغرار يغضب‏

و قال في قصيدة طويلة يمدح آل النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و يذكر مصرع الحسين (عليه السلام) و ما حفت به من المشاهد المفجعة و الصور المؤلمة (1):

دمع يبدده مقيم نازح‏ * * * و دم يبدده مقيم نازح‏

و العين إن أمست بدمع فجّرت‏ * * * فجرت ينابيع هناك موانح‏

أظهرت مكنون الشجون فكلما * * * شبح الامون سجا الحرون الجامع‏

و علي قد جعل الأسى تجديده‏ * * * وقفا يضاف إلى الرهيب الفادح‏

و شهود ذلي مع غريم صبابتي‏ * * * كتبوا غرامي و السقام الشارح‏

أوهى اصطباري مطلق و مقيّد * * * غرب و قلب بالكآبة بائح‏

فالجفن منسجم غريق سابح‏ * * * و القلب مضطرم حريق قادح‏

و الخد خدده طليق فاتر * * * و الوجد جدده مجدّ مازح‏

أصبحت تحفظني الهموم بنصبها * * * و الجسم معتقل مثال لائح‏

حلت له حلل النحول فبرده‏ * * * برد الذبول تحل فيه صفائح‏

و خطيب و جدي فوق منبر وحشتي‏ * * * لفراقهم لهو البليغ الفاصح‏

و محرم حزني و شوال العنا * * * و العيد عندي لاعج و نوائح‏

و مديد صبري في بسيط تفكري‏ * * * هزج و دمعي وافر و مسارح‏

ساروا فمعناهم و مغناهم عفا * * * و اليوم فيه نوائح و صوائح‏

درس الجديد جديدها فتنكرت‏ * * * و رنا بها للخطب طرف طامح‏

نسج البلى منه محقق حسنه‏ * * * ففناؤه ما حي الرسوم الماسح‏

فطفقت أندبه رهين صبابة * * * عدم الرفيق و غاب عنه الناصح‏

____________

(1) شعراء الحلة: 2/ 382- 736 و الغدير: 7/ 57- 62.

357

و أقول و الزفرات تذكي جذوة * * * بين الضلوع لها لهيب لافح‏

لا غرو إن غدر الزمان بأهله‏ * * * و جفا و حان و خان طرف لامح‏

فلقد غوى في ظلم آل محمد * * * و عوى عليهم منه كلب نابح‏

وسطا على البازي غراب أسحم‏ * * * و شنا على الأشبال زنج ضائح‏

و تطاول الكلب العقور فصاول‏ * * * الليث الهصور و ذاك أمر فادح‏

و تواثبت عرج الضباع و روّعت‏ * * * و السيد أضحى للأسود يكافح‏

آل النبي بنو الوصي و منبع ال * * * شرف العلي و للعلوم مفاتح‏

خزّان علم اللّه مهبط وحيه‏ * * * و بحار علم و الأنام ضحاضح‏

التائبون العابدون الحامدون‏ * * * الذاكرون و جنح ليل جانح‏

الصائمون القائمون المطعمون‏ * * * المؤثرون لهم يد و منائح‏

عند الجدا سحب و في و قد الهدى‏ * * * سمت و في يوم النزال جحاجح‏

هم قبلة للحاجين و كعبة * * * للطائفين و مشعر و بطائح‏

طرق الهدى سفن النجاة محبّهم‏ * * * ميزانه يوم القيامة راجح‏

ما تبلغ الشعراء منهم في الثنا * * * و اللّه في السبع المثاني مادح‏

نسب كمنبلج الصباح و منتمي‏ * * * زاك له يعنو السماك الرامح‏

الجد خير المرسلين محمد ال * * * هادي الأمين الفاتح‏

هو خاتم بل فاتح بل حاكم‏ * * * بل شاهد بل شافع بل صافح‏

هو أوّل الأنوار بل هو صفوة ال * * * جبّار و النشر الأريج الفائح‏

هو سيّد الكونين بل هو أشرف ال * * * ثقلين حقا و النذير الناصح‏

لولاك ما خلق الزمان و لا بدت‏ * * * للعالمين مساجد و مصابح‏

و الأمّ فاطمة البتول و بضعة ال * * * هادي الرسول لها المهيمن مانح‏

حورية انسية، لجلالها * * * و جمالها الوحي المنزّل شارح‏

و الوالد الطهر الوصي المرتضى‏ * * * علم الهداية و المنار الواضح‏

مولى له بغدير خم بيعة * * * خضعت له الأعناق و هي طوامح‏

359

و لفاطم الصغرى نحيب مقرح‏ * * * يذكي الجوانح للجوارح جارح‏

علج يعالجها لسلب حليها * * * فتطل في جهد العفاف تطارح‏

بالردن تستر وجهها و تمانع ال * * * ملعون عن نهب الردى و تكافح‏

تستصرخ المولى الإمام و جدّها * * * و فؤادها بعد المسرة نازح‏

يا جد قد بلغ العدى ما أملوا * * * فينا و سهم الجور سار سارح‏

يا فاطم الزهراء قومي و انظري‏ * * * وجه الحسين له الصعيد مصافح‏

أكفانه نسج الغبار و غسله‏ * * * بدم الوريد و لم تنحه نوائح‏

و شبوله نهب السيوف تزورها * * * بين الطفوف فواعل و جوارح‏

و على السنان سنان رافع رأسه‏ * * * و لجسمه خيل العداة روامح‏

و الوحش يندب وحشة لفراقه‏ * * * و الجن إن جن الظلام نوائح‏

و الأرض ترجف و السماء لأجله‏ * * * تبكي معا و الطير غاد رائح‏

و الدهر من عظم الشجى شق الردى‏ * * * أسفا عليه و فاض جفن دالح‏

يا للرجال لظلم آل محمد * * * و لأجل ثأرهم و أين الكادح؟

يضحى الحسين بكربلاء مرمّلا * * * عريان تكسوه التراب صحاصح‏

و عياله فيها حيارى حسّر * * * للذل في أشخاصهن ملامح‏

يسرى بهم أسرى إلى شر الورى‏ * * * من فوق أقتاب الجمال مضابح‏

و يقاد زين العابدين مغللا * * * بالقيد لم يشفق عليه مسامح‏

ما يكشف الغمام إلّا نفحة * * * يحيي بها الموتى نسيم نافح‏

نبوية علوية مهدية * * * يشفى برياها العليل البارح‏

يضحى مناديها ينادي يا لثا * * * رات الحسين و ذاك يوم فارح‏

و الجن و الأملاك حول لوائه‏ * * * و الرعب يقدم و الحتوف تناوح‏

يا ابن النبي صبابتي لا تنقضي‏ * * * كمدا و حزني في الجوانح جانح‏

أبكيكم بمدامع تترى إذا * * * بخل السحاب لها انصباب سافح‏

فاستجل من مولاك عبد ولاك من‏ * * * لولاك ما جادت عليه قرائح‏

358

القسور البتاك و الفتاك و ال * * * سفاك في يوم العراك الذابح‏

أسد الإله و سيفه و وليّه‏ * * * و شقيق أحمد و الوصي الناصح‏

و بعضده و بعضبه و بعزمه‏ * * * حقّا على الكفار ناح النائح‏

يا ناصر الإسلام يا باب الهدى‏ * * * يا كاسر الأصنام فهي طوائح‏

يا ليت عينك و الحسين بكربلاء * * * بين الطغاة عن الحريم يكافح‏

و العاديات صواهل و جوائل‏ * * * بالشوس في بحر النجيع سوابح‏

و البيض و السمر اللدان بوارق‏ * * * و طوارق و لوامع و لوائح‏

يلقى الردى بحر الندى بين العدى‏ * * * حتى غدا ملقى و ليس منافح‏

أفديه محزوز الوريد مرمّلا * * * ملقى عليه الترب ساف سافح‏

و الماء طام و هو ظام بالعرا * * * فرد غريب مستظام نازح‏

و الطاهرات حواسر و ثواكل‏ * * * بين العدا و نوادب و نوائح‏

في الطف يسحبن الذيول بذلّة * * * و الدهر سهم الدهر رام رامح‏

يسترن بالأردان نور محاسن‏ * * * صونا و للأعداء طرف طامح‏

لهفي لزينب و هي تندب ندبها * * * في ندبها و الدمع سار سارح‏

تدعو: أخي يا واحدي و مؤملي‏ * * * من لي إذا ما ناب دهر كالح‏

من لليتامى راحم؟ من للأيامى‏ * * * كافل؟ من للجفاة مفاصح؟

حزني لفاطم تلطم الخدّين من‏ * * * عظم المصاب لها جوى و تبارح‏

أجفانها مقروحة و دموعها * * * مسفوحة و الصبر منها جامح‏

تهوى لتقبيل القتيل تضمّه‏ * * * بفتيل معجرها الدماء نواضح‏

تحنو على النحر الخضيب و تلثم ال * * * ثغر التريب لها فؤاد قارح‏

أسفي على حرم النبوّة جئن مط * * * روحا هنالك بالعتاب تطارح‏

يندبن بدرا غاب في فلك الثرى‏ * * * و هزبر غاب غيّبته ضرائح‏

هذا أخي تدعو و هذا يا أبي‏ * * * تشكو و ليس لها وليّ ناصح‏

و الطهر مشغول بكرب الموت من‏ * * * ردّ الجواب و للمنية شابح‏

360

(برسية) كملت عقود نظامها * * * (حلية) و لها البديع و شائح‏

مدت إليك يدا و أنت منيلها * * * يا ابن النبي و عن خطاها صافح‏

يرجو بها (رجب) القبول إذا أتى‏ * * * و هو الذي بك واثق لك مادح‏

أنت المعاد لدى المعاد و أنت لي‏ * * * إن ضاق بي رحب البلاد الفاسح‏

صلّى عليك اللّه ما سكب الحيا * * * دمعا و ما هبّ النسيم الفائح‏

و قال من قصيدة في مدح الإمام (عليه السلام)(1):

مولى له بغدير خم بيعة * * * خضعت لها الأعناق و هي طوائح‏

و قال يمدح عليا و يذكر فضائله و ذلك حين طاف حول قبره الشريف‏ (2):

هو الشمس أم نور الضريح يلوح؟ * * * هو المسك أم طيب [الوصي‏] ينوح؟ (3)

و بحر ندى أم روضة حوت الهدى؟ * * * و آدم أم سر المهيمن نوح؟

و داود هذا أم سليمان بعده؟ * * * و هارون أم موسى العصا و مسيح؟

و أحمد هذا المصطفى أم وصيّه‏ * * * علي؟ نماه هاشم و ذبيح‏

محيط سماء المجد بدر دجنّة * * * و فلك جمال للأنام يلوح‏

حبيب حبيب اللّه بل سرّ سرّه‏ * * * و عين الورى أم للخلائق روح‏

له النص في (يوم الغدير) و مدحه‏ * * * من اللّه في الذكر المبين صريح‏

إمام إذا ما المرء جاء يحبّه‏ * * * فميزانه يوم المعاد رجيح‏

له شيعة مثل النجوم زواهر * * * لها بين كل العالمين وضوح‏

إذا قاولت، فالحق فيما تقوله‏ * * * به النور باد و اللسان فصيح‏

و إن جاولت أو جادلت عن مرامها * * * ترى خصمها في الأرض و هو طريح‏

عليك سلام اللّه يا راية الهدى‏ * * * سلام سليم يغتدي و يروح‏

____________

(1) شعراء الحلّة: 2/ 376.

(2) شعراء الحلة: 2/ 376، و المنتخب: 131، و قال الطريحي في التقدمة لها «و للّه در بعض من قال من الرجال في مدح علي حين طاف حول قبره»، و أعيان الشيعة: 6/ 468، و الغدير: 7/ 33.

(3) في أعيان الشيعة: أم طيب الوصي يفوح.

361

و قال في مدح الإمام (عليه السلام) و بيان مناقبه‏ (1):

تعالى علي في الجلال فرائد * * * يعود و في كفيه منه فرائد

و وارد فضل منه يصدر عزلها * * * تضيق بها منه اللها و الأوارد

تبارك موصولا و بورك و اصلا * * * له صلة في كل نفس و عائد

روى فضله الحسّاد من عظم شأنه‏ * * * و أعظم فضل جاء يرويه حاسد

محبّوه أخفوا فضله خيفة العدى‏ * * * و أخفاه بغضا حاسد و معاند

فشاع له ما بين ذين مناقب‏ * * * تجل بأن تحصى إذا عد قاصد

إمام له في جبهة المجد أنجم‏ * * * علت فعلت أن يدن منهم راصد

لها الفرق من فرع السماك منابر * * * و في عنق الجوزاء منها قلائد

مناقب إذ جلّت جلت كل كربة * * * و طابت فطابت من شذاها المشاهد

إمام يحار الفكر فيه معاند * * * له و مقر بالولاء و جاحد

إمام مبين كل أكرومة حوى‏ * * * بمدحته التنزيل، و الذكر شاهد

عليه سلام اللّه ما ذكر اسمه‏ * * * محب، و في (البرسي) ذلك خالد

و قال في قصيدة طويلة تبلغ 156 بيتا يمدح فيها آل البيت و يعدّد فضائلهم و يرثي الإمام الحسين و هي من رائع شعره بل من رائع الشعر العربي و رائقه في المديح‏ (2):

يمينا بها حادي السرى إن بدت نجد * * * يمينا، فللعاني العليل بها نجد

و عج، فعسى من لا عج الشوق يشفني‏ * * * غريم غرام حشو أحشائه و قد

و سربي لسرب فيه سرب جآذر * * * أسربي من جهد العهاد بهم عهد

و سربي بليل في بليل عراصها * * * لأروي بريا تربة تربها ند

وقف بي أنادي وادي الأيك علني‏ * * * هناك أرى ذاك المساعد يا سعد

فبالربع لي من عهد جيرون جيرة * * * يجيرون إن جار الزمان إذا استعدوا

____________

(1) شعراء الحلة: 2/ 276- 377، و الغدير: 417، و أعيان الشيعة: 6/ 468.

يشير الشاعر في هذه الأبيات إلى معنى من قال في حق الإمام علي: ما أقول في رجل أخفت أولياؤه فضائله خوفا و أخفت أعداؤه فضائله حسدا، و شاع من بين ذين ما ملأ الخافقين. البابليات: 1/ 121.

(2) شعراء الحلة: 2/ 377- 384، و الغدير: 7/ 49- 57.

363

فنادى و نادى الموت بالخطب خاطب‏ * * * و طير الفنا يشدو و حاد الردى يحدو

يسائلهم: هل تعرفوني؟ مسائلا * * * و سائل دمع العين سال به الخد

فقالوا: نعم أنت الحسين ابن فاطم‏ * * * و جدّك خير المرسلين إذا عدّوا

و أنت سليل المجد كهلا و يافعا * * * إليك، إذا عد العلى ينتهي المجد

فقال لهم: إذ تعلمون، فما الذي‏ * * * دعاكم إلى قتلي، فما عن دمي بد

فقالوا: إذا رمت النجاة من الردى‏ * * * فبايع يزيدا .. إنّ ذاك هو القصد

و إلّا فهذا الموت عب عبابه‏ * * * فخض ظاميا فيه تروح و لا تغدو

فقال: ألا بعدا بما جئتم به‏ * * * و من دونه بيض و خطية ملد

فضرب لهشم الهام تترى بنظمه‏ * * * ففي عقده حل و في حلّه عقد

فهل سيد قد شيّد الفخر بيته‏ * * * جذاذ الوديّ يشقي لعبد له عبد

و ما عذر ليث يرهب الموت بأسه‏ * * * يذل و يضحى السيد يرهبه الأسد

إذا سام منّا الدهر يوما مذلة * * * فهيهات يأتي ربّنا و له الحمد

و تأبى نفوس طاهرات وسادة * * * مواضيهم هام الكماة لها غمد

لها الدم ورد و النفوس قنائص‏ * * * لها القدم قدم و النفوس لها جند

ليوث و غى ظل الرماح مقيلها * * * مغاوير طعم الموت عندهم شهد

حماة عن الأشبال يوم كريهة * * * بدور دجى سادوا الكهول و هم مرد

إذا افتخروا في الناس عزّ نظيرهم‏ * * * ملوك على أعتابهم يسجد المجد

أيادي عطاهم لا تطاول في الندى‏ * * * و أيدي علاهم لا يطاق لها رد

مطاعيم للعافي مطاعين في الوغى‏ * * * مطاعين إن قالوا لهم حجج لد

مفاتيح للداعي مصابيح للهدى‏ * * * معاليم للساري بها يهتدي النجد

نزيلهم حرم منازلهم لقى‏ * * * منازلهم أمن بهم يبلغ القصد

فضائلهم جاءت، فواضلهم جلت، * * * مدائحهم شهد منائحهم لد

كرام إذا عاف عفى منه معهد * * * و ضوّح من خضرائه السبط و الجعد

و آملهم راج و أم لهم رجا * * * و حل بناديهم أحل له الرفد

362

هم الأهل إلّا أنهم لي أهلّة * * * سوى أنهم قصدي و إني لهم عبد

عزيزون ربع العمر في ربع عزّهم‏ * * * تقضى و لا روع عراني و لا جهد

و ربعي مخضر و عيشي مخضل‏ * * * و وجهي مبيض و فودي مسود

و شملي مشمول و برد شبيبتي‏ * * * قشيب و برد العيش ما شأنه نكد

معالم كالأعلام معلمة الربى‏ * * * فأنهارها تجري و أطيارها تشدوا

طوت حادث الدهر منشور حسنها * * * كما رسمت في رسمها شمأل تغدو

و أضحت تجر الحادثات ذيولها * * * عليها و لا دعد هناك و لا هند

و لا غرو إن جارت و مارت صروفها * * * و غارت و أغرت و اعتدت و غدت تشدوا

فقد غدرت قدما بآل محمد * * * و طاف عليهم بالطفوف لها جند

و جاشت بجيش جاش طام عرموم‏ * * * خميس لهام حام يحمومه أسد

و عمت بأشرار عن الرشد عموا * * * و هل يسمع الصم الدعاء إذا صدّوا

فيا أمّة قد أدبرت حين أقبلت‏ * * * فرافقها نحس و فارقها سعد

أبت إذ أتت تنأى و تنهى عن النهى‏ * * * و ولت و ألوت حين مال بها الجد

سرت و سرت بغيا و سرّت بغيّها * * * بغا دعاها إذا عداها به الرشد

عصابة عصب أو سعت إذ سعت إلى‏ * * * خطاء خطاها و الشقاء به يحدو

أثاروا و ثاروا ثار بدر و بدروا * * * لحرب بدور من سناها لهم رشد

بغت فبغت عمدا قتال عميدها * * * ضغون طفاة في الصدور لها حقد

و ساروا يسنون العناد و قد نسوا ال * * * معاد فهم من قوم عاد إذا عدّوا

فيا قلب الذين في يوم أقبلوا * * * إلى قتل مأمول هو العلم الفرد

فركن الهدى هدّوا و قدّ العلى قدوا * * * و أزر الهوى شدوا و نهج التقى سدوا

كأني بمولاي الحسين و رهطه‏ * * * حيارى و لا عون هناك و لا عقد

بكرب البلا في كربلاء و قد رمى‏ * * * بعاد و شطت دارهم و سطت جند

و قد حدقت عين الردى حين أصبحوا * * * عتاة عداة ليس يحصى لهم عد

و قد أصبحوا حلا لهم حين أصبحوا * * * حلولا و لا حل لديهم و لا عقد

364

زكوا في الورى أمّا و جدّا و والدا * * * و طابوا فطاب الأم و الأب و الجد

بأسمائهم يستجلب البر و الرضى‏ * * * بذكرهم يستدفع الضر و الجهد

و مال إلى فتيانه، و رجاؤه‏ * * * يقول: لقد طاب الممات أ لا اشتدوا

فسار لأخذ الثأر كل شمردل‏ * * * إذا هاج قدح للهياج له زند

و كل كمي أريحي غشمشم‏ * * * تجمع فيه الفضل و انعدم الضد

إذا ما غدا يوم الندى أسر العدى‏ * * * و لما بدا يوم الندى أطلق الوعد

ليوث نزال بل غيوث نوازل‏ * * * سراة كأسد الغاب لا بل هم الأسد

إذا طلبوا راموا، و إن طلبوا رموا * * * و إن ضربوا صدوا و إن ضربوا قدوا

فوارس أسد الغيل منها فرائس‏ * * * و فتيان صدق شأنها الطعن و الطرد

وجوههم بيض، و خضر ربوعهم‏ * * * و بيضهم حمر إذا النقع مسرد

إذا ما دعوا يوما لدفع ملمة * * * غدا الموت طوعا و القضاء هو العبد

بها كل ندب يسبق الطرف طرفه‏ * * * جواد على ظهر الجواد له أفد

كأنهم نبت الربى في سروجهم‏ * * * لشدّة حزم لا بحزم لها شدوا

لباسهم نسجوا الحديد إذا بدوا * * * جبالا و أقيالا تقلهم الجرد

إذا لبسوا فوق الدروع قلوبهم‏ * * * و صالوا فحر الكر عندهم برد

يخوضون تيّار الحمام ظواميا * * * و بحر المنايا بالحنايا لها مد

يرون المنايا نيلها غاية المنى‏ * * * إذا استشهدوا: أمر الردى عندهم شهد

إذا فللت أسيافهم في كريهة * * * غدا في رءوس الدارعين لها حد

فمن أبيض يلقى الأعادي بأبيض‏ * * * و من أسمر في كفّه أسمر صلد

يذبون عن سبط النبي محمد * * * و قد ثار عالي النقع و اصطخب الوقد

يخال بريق البيض برقا سجاله ال * * * دماء و أصوات الكماة لها رعد

إلى أن تدانى العمر و اقترب الردى‏ * * * و شأن الليالي لا يدوم لها عهد

أعدوا نفوسا للفناء و ما اعتدوا * * * فطوبى لهم نالوا البقاء بما عدوا

أحلوا جسوما للمواضي و أحرموا * * * فحلوا جنان الخلد فيها لهم خلد

365

أمام الإمام السبط جادوا بأنفس‏ * * * بها دونه جادوا و في نصره جدّوا

شروا عند ما باعوا نفوسا نفائسا * * * على هجرها وصل و في وصلها فقد

قضوا إذ قضوا حق الحسين و فارقوا * * * و ما فرقوا بل وافقوا السعد يا سعد

فلما رأى المولى الحسين رجاله‏ * * * و فتيانه صرعى و شادي الردى يشدو

غدا طالبا للموت كالليث مغضبا * * * يحامي عن الأشبال يشتد إن شدوا

و إن جمعوا سبعين ألفا لقتله‏ * * * فيحمل فيهم و هو بينهم فرد

إذا كرّ فروا من جريح و واقع‏ * * * ذبيح و مهزوم به طوّح الهد

ينادي: ألا يا عصبة عصت الهدى‏ * * * و خانت فلم ترع الذمام و لا العهد

فبعدا لكم يا شيعة الغدر إنكم‏ * * * كفرتم، فلا قلب يلين و لا ود

و لا يتنا فرض على كل مسلم‏ * * * و عصياننا كفر و طاعتنا رشد

فهل خائف يرجو النجاة بنصرنا * * * و يخشى إذا اشتدت سعير لها و قد

و يرنو لنحو الماء يشتاق ورده‏ * * * إذا ما مضى يبغي الورود له ردوا

فيحمل فيهم حملة علوية * * * بها العوالي في أعالي العدى قصد

كفعل أبيه حيدر يوم خيبر * * * كذلك في بدر، و من بعدها أحد

إذا ما هوى في لبة الليث عضبه‏ * * * فمن نحره بحر، و من جزره مد

و عاد إلى أطفاله و عياله‏ * * * و غرب المنايا لا يفل لها حد

يقول: عليكن السلام مودّعا * * * فها قد تناهى العمر و اقترب الوعد

ألا فاسمعي يا أخت إن مسّني الردى‏ * * * فلا تلطمي وجها و لا يخمش الخد

و إن برحت فيك الخطوب بمصرعي‏ * * * و جلّ لديك الحزن و الثكل و الفقد

فارضي بما يرضى إلهك و اصبري‏ * * * فما ضاع أجر الصابرين و لا الوعد

و أوصيك بالسجاد خيرا فإنّه‏ * * * إمام الهدى بعدي له الأمر و العهد

فضج عيال المصطفى، و تعلّقوا * * * به، و استغاث الأهل بالندب و الولد

فقال- و كرب الموت يعلو كأنه‏ * * * ركام و من عظم الظما انقطع الجهد-:

ألا قد دنا الترحال فاللّه حسبكم‏ * * * و خير حسيب للورى الصمد الفرد

366

و عاد إلى حرب الطغاة مجاهدا * * * و البيض و الخرصان في قده قد

إلى أن غدا ملقى على الترب عاريا * * * يصافح منه إذ ثوى للثرى خد

و شمّر شمر الذيل في حزّ رأسه‏ * * * ألا قطّعت منه الأنامل و الزند

فوا حزن قلبي للكريم علا على‏ * * * سنان سنان، و الخيول لها و خد

تزلزلت السبع الطباق لفقده‏ * * * و كادت له شم الشماريخ تنهد

و أرجف عرش اللّه من ذاك خيفة * * * و ضجت له الأملاك و انفجر الصلد

و ناحت عليه الطير و الوحش وحشة * * * و للجن- إذ جن الظلام- به وجد

و شمس الضحى أمست عليه عليلة * * * علاها اصفرار إذ تروح و إذ تغدو

فيا لك مقتولا بكته السما دما * * * و ثل سرير العز، و انهدم المجد

شهيدا غريبا نازح الدار ظاميا * * * ذبيحا و من قاني الوريد له ورد

بروحي قتيلا غسله من دمائه‏ * * * سليبا و من سافي الرياح له برد

ترض خيول الشرك بالحقد صدره‏ * * * و ترضخ منه الجسم في ركضها جرد

و مذ راح لما راح للأهل مهره‏ * * * خليا يخد الأرض بالوجه إذ يعدو

برزن حيارى نادبات بذلّة * * * و قلب غدا من فارط الحزن ينقد

فحاسرة بالردن تستر وجهها * * * و برقعها و قد، و مد معها رفد

و من ذاهل لم تدر أين مفرها * * * تضيق عليها الأرض و الطرق تنسد

و زينب حسرى تندب الندب عندها * * * من الحزن أوصاب يضيق بها العد

تنادي: أخي يا واحدي و ذخيرتي‏ * * * و عوني و غوثي و المؤمل و القصد

ربيع اليتامى، يا حسين، و كافل‏ * * * الأيامى زمانا، بعد بعدكم، البعد

أخي بعد ذاك الصون و الخدر و الخبا * * * يعالجنا علج، و يسلبنا و غد

بناتك- يا ابن الطهر طه- حواسر * * * و رحلك منهوب تقاسمه الجند

لقد خابت الآمال، و انقطع الرجا * * * بموتك مات العلم و الدين و الزهد

و أضحت ثغور الكفر تبسم فرحة * * * و عين العلى ينخد من سحها الخد

و صوّح نبت الفضل بعد اخضراره‏ * * * و أصبح بدر التم قد ضمه اللحد

369

أنت الدليل لمن حارت بصيرته‏ * * * في طي مشتبكات القول و العبر

أنت السفينة من صدق تمسكها * * * نجا و من حاد عنها خاض في الشرر

فليس قبلك للأفكار ملتمس‏ * * * و ليس بعدك تحقيق لمعتبر

تفرّق الناس إلّا فيك و ائتلفوا * * * فالبعض في جنة، و البعض في سقر

فالناس فيك ثلاث: فرقة رفعت‏ * * * و فرقة وقعت بالجهل و القدر

و فرقة وقعت، لا النور يرفعها * * * و لا بصائرها فيها بذي غور

تصالح الناس إلّا فيك و اختلفوا * * * إلّا عليك، و هذا موضع الخطر

و كم أشاروا و كم أبدوا و كم ستروا * * * و الحق يظهر من باد و مستتر

أسماؤك الغر مثل النيرات، كما * * * صفاتك السبع كالأفلاك في الأكر (1)

و ولدك الغر كالأبراج في فلك ال * * * معنى و أنت مثال الشمس و القمر

قوم هم الآل- آل اللّه- من علقت‏ * * * بهم يداه نجا من زلّة الخطر

شطر الأمانة معراج النجاة إلى‏ * * * أوج العلو و كم في الشطر من غير

يا سرّ كل نبي جاء مشتهرا * * * و سر كل نبي غير مشتهر

أجلّ وصفك عن قدر لمشتبه‏ * * * و أنت في العين مثل العين في الصور

و قال يمدح أهل البيت (عليهم السلام)(2):

هم القوم آثار النبوّة فيهم‏ * * * تلوح، و أنوار الإمامة تلمع‏

مهابط وحي اللّه خزّان علمه‏ * * * و عندهم سرّ المهيمن مودع‏

إذا جلسوا للحكم فالكل أبكم‏ * * * و ان نطقوا، فالدهر اذن و مسمع‏

و ان ذكروا فالكون ند و مندل‏ * * * له أرج من طيبهم يتضوّع‏

و ان ذكروا فالكون ند و مندل‏ * * * له أرج من طيبهم يتضوّع‏

و ان بارزوا

____________

(1) الأئمة هم مواقع أسماء اللّه أو صفاته، و أنهم- كما في الحديث- ألقى في هويتهم مثاله و إرادتهم مصادر أفعاله.

(2) البابليات: 1/ 122 و قد خمس هذه القصيدة الشاعران الأخوان الشيخ محمد رضا و الشيخ هادي ولدا الشيخ أحمد النحوي.

367

تجاذبنا أيدي العدى فضلة الردى‏ * * * كأن لم يكن لنا خير الأنام لنا جدّ

فأين حصوني و الأسود الألى بهم‏ * * * يصال على ريب الزمان إذا يعدو؟

إذا غربت- يا ابن النبي- بدوركم‏ * * * فلا طلعت شمس، و لا حلها سعد

و لا سحبت سحب ذيولا على الربى‏ * * * و لا ضحك النوار و انبعق الرعد

و ساروا بآل المصطفى و عياله‏ * * * حيارى و لم يخش الوعيد و لا الوعد

و تطوي المطايا الأرض سيرا إذا سرت‏ * * * تجوب بعيد البيد فيها لها و خد

تؤم يزيدا نجل هند أمامها * * * ألا لعنت هند و ما نجلت هند

فيا لك من رزء عظيم مصابه‏ * * * يشق الحشى منه و يلتدم الخد

أ يقتل ضمآنا حسين بكربلاء * * * و من نحره البيض الصقال لها ورد؟

و تضحى كريمات الحسين حواسرا * * * يلاحظها في سيرها الحر و العبد

فليس لأخذ الثأر إلّا خليفة * * * هو الخلف المأمول و العلم الفرد

هو القائم المهدي و السيد الذي‏ * * * إذا سار أملاك السماء له جند

يشيّد ركن الدين عند ظهوره‏ * * * علوا، و ركن الشرك و الكفر ينهد

و غصن الهدى يضحى وريقا و نبته‏ * * * أنيقا و داعي الحق ليس له ضد

لعل العيون الرمد تحظى بنظرة * * * إليه فتجلى عندها الأعين الرمد

إليك انتهى سر النبيين كلّهم‏ * * * و أنت ختام الأوصياء إذا عدوا

بني الوحي يا أم الكتاب و من لهم‏ * * * مناقب لا تحصى و إن كثر العد

إليكم عروسا زفها الحزن ثاكلا * * * تنوح إذ الصب الحزين بها يشدو

لها عبرة في عشر عاشور أرسلت‏ * * * إذا أنشدت حادي بها الدمع يحدو

رجا (رجب) رحب المقام بها غدا * * * إذا ما أتى و الحشر ضاق به الحشد

بذلت اجتهادي في مديحكم و ما * * * مقام مديحي بعد أن مدح الحمد

ولي فيكم نظم و نثر غناؤه‏ * * * فقير، و هذا جهد من لا له جهد

مصابي و صوب الدمع فيكم مجدد * * * و صبري و سلواني به أخلق الجهد

تذكرني- يا ابن النبي- غدا إذا * * * غدا كل مولى يستجير به العبد

368

فأنتم نصيب المادحين، و إنني‏ * * * مدحت و فيكم في غد ينجز الوعد

إذا أصبح الراجي نزيل ربوعكم‏ * * * فقد نجحت منه المطالب و القصد

فإن مال عنكم- يا بني الفضل- راغب‏ * * * يضل و يضحى عند من لا له عند

فيا عدتي في شدتي يوم بعثتي‏ * * * بكم غلتي من علبي حرها برد

و عبدكم (البرسي) مولى فخاركم‏ * * * كفاه فخارا أنه لكم عبد

عليكم سلام اللّه ما سكب الحيا * * * دموعا على روض و فاح لها ندّ

و قال في الحب العرفاني‏ (1):

لقد شاع عني حب ليلى و إنني‏ * * * كلفت بها عشقا و همت بها وجدا

و أصبحت أدعي سيدا بين قومها * * * كما أنني أصبحت فيهم لها عبدا

ألا في الورى حبها في تنكر * * * فذا مانح صدا و ذا صاعر خدا

و ذا عابس وجها يطول أنفه‏ * * * علي كأني قد قتلت له ولدا

و لا ذنب لي في هجرهم لي و هجوهم‏ * * * سوى أنني أصبحت في حبّها فردا

و لو عرفوا ما قد عرفت، و يمموا * * * حماها كما يممته، أعذروا حدا

و ظنوا- و بعض الظن إثم- و شنعوا * * * بأن امتداحي جاوز الحد و العدا

فو اللّه ما وصفي لها جاز حدّه‏ * * * و لكنها في الحسن قد جاوزت حدّا

و قال في حبّه لعلي (عليه السلام) و يذكر اختلاف الناس في شخص الإمام‏ (2):

يا آية اللّه، بل يا فتنة البشر * * * و حجة اللّه، بل يا منتهى القدر

يا من إليه إشارات العقول، و من‏ * * * فيه الألباء تحت العجز و الخطر

هيمت أفكاري الأفكار حين رأوا * * * آيات شأنك في الأيام و العصر

يا أولا آخرا نورا و معرفة * * * يا ظاهرا باطنا في العين و الأثر

لك العبارة بالنطق البليغ، كما * * * لك الإشارة في الآيات و السور

كم خاض فيك أناس و انتهى فغدا * * * معناك محتجبا عن كل مقتدر

____________

(1) شعراء الحلة: 2/ 384، و الغدير: 7/ 67.

(2) شعراء الحلة: 2/ 384- 385 و الغدير: 7/ 42- 44 و قد خمسها ابن السبعي.

370

و قال يمدح النبي الكريم (صلّى اللّه عليه و آله)(1):

أضاء بك الأفق المشرق‏ * * * و دان لمنطقك المنطق‏

و كنت، و لا آدم كائنا * * * لأنك من كونه أسبق‏

و لولاك لم تخلق الكائنات‏ * * * و لا بان غرب و لا مشرق‏

فميمك مفتاح كل الوجود * * * و ميمك بالمنتهى يغلق‏

تجليت- يا خاتم المرسلين * * * -بشأو من الفضل لا يلحق‏

فأنت لنا أوّل آخر * * * و باطن ظاهرك الأسبق‏

تعاليت عن صفة المادحين‏ * * * و ان أطنبوا فيك أو أغمقوا

فمعناك حول الورى دارة * * * على غيب أسرارها تحدق‏

و روحك من ملكوت السما * * * تنزل بالأمر ما يخلق‏

و نشرك يسري على الكائنات‏ * * * فكلّ على قدره يعبق‏

إليك قلوب جميع الأنام‏ * * * تحنّ و أعناقها تعبق‏

و فيض أياديك في العالمين‏ * * * بأنهار أسرارها يدفق‏

و آثار أياديك في العالمين‏ * * * على جبهات الورى تشرق‏

فموسى الكليم و توراته‏ * * * يدلّان عنك إذا استنطقوا

و عيسى و إنجيله بشّرا * * * بأنك «أحمد» من يخلق‏

فيا رحمة اللّه في العالمين‏ * * * و من كان لو لاه لم يخلقوا

لأنك وجه الجلال المنير * * * و وجه الجمال الذي يشرق‏

و أنت الأمين و أنت الأمان‏ * * * و أنت ترتّق ما يفتق‏

أتى (رجب) لك في عاتق‏ * * * تقيل الذنوب، فهل تعتق؟

و قال في مدح علي (عليه السلام) و بيان فضله‏ (2):

يا منبع الأسرار يا سر * * * المهيمن في الممالك‏

____________

(1) شعراء الحلة: 2/ 385- 386، و الغدير: 7/ 38- 40 و البابليات: 1/ 119.

(2) شعراء الحلة: 2/ 386، و الغدير: 7/ 45.

371

يا قطب دائرة الوجود * * * و عين منبعه كذلك‏

و العين و السر الذي‏ * * * منه تلقنت الملائك‏

ما لاح صبح في الدجى‏ * * * إلّا و أسفر عن جمالك‏

يا ابن الأطايب و الطواهر * * * و الفواطم و العواتك‏

أنت الأمان من الردى‏ * * * أنت النجاة من المهالك‏

أنت الصراط المستقيم‏ * * * قسيم جنّات الأرائك‏

و النار مفزعها إليك‏ * * * و أنت مالك أمر مالك‏

يا من تجلّى بالجمال‏ * * * فشق بردة كل حالك‏

صلّى عليك اللّه من‏ * * * هاد إلى خير المسالك‏

و الحافظ (البرسي) لا * * * يخشى، و أنت له هنالك‏

و قال في حب الإمام علي (عليه السلام) و يشير إلى عذاله على هذا الحب‏ (1):

أيها اللائم دعني‏ * * * و استمع من وصف حالي‏

أنا عبد لعلي المر * * * تضى مولى الموالي‏

كلما ازددت مديحا * * * فيه قالوا: لا تغالي‏

و إذا أبصرت في ال * * * حق يقينا لا أبالي‏

آية اللّه التي وص * * * فها القول حلالي‏

كم إلى كم أيها العا * * * ذل أكثرت جدالي‏

يا عذولي في غرامي‏ * * * خلني عنك و حالي‏

رح إلى من هو ناج‏ * * * و اطرحني و ضلالي‏

إنّ حبي لوصي المصط * * * فى عين الكمال‏

هو زادي في معادي‏ * * * و معادي في مآلي‏

و به إكمال ديني‏ * * * و به ختم مقالي‏

____________

(1) شعراء الحلة: 2/ 386- 387، و الغدير: 7/ 40؛ آخر مشارق الأنوار، و أعيان الشيعة: 6/ 466، و البابليات: 1/ 120.

372

و قال يمدح أهل البيت (عليهم السلام)(1):

يا آل طه أنتم أملي‏ * * * و عليكم في البعث متكلي‏

إن ضاق بي ذنب فحكمكم‏ * * * يوم الحساب هناك يوسع لي‏

بولائكم و بطيب مدحكم‏ * * * أرجو الرضا و العفو عن زللي‏

(رجب) المحدث عبد عبدكم‏ * * * و الحافظ (البرسي) لم يزل‏

لا يختشي في الحشر حر لظى‏ * * * إذ سيداه محمد و علي‏

سيثقلان و زان صالحه‏ * * * و يبيضان صحيفة العمل‏

لم ينشعب فيكون منطلقا * * * من ضله للشعب ذي الضلل‏

و قال يؤكّد ولاءه لأهل البيت (عليهم السلام)(2):

أما و الذي لدمي حللا * * * و خص أهيل الولا بالبلا

لئن أسق فيه كئوس الحمام‏ * * * لما قال قلبي لساقيه: لا

فموتي حياتي، و في حبه‏ * * * يلذ افتضاحي بين الملا

فمن يسل عنه، فإن الفؤا * * * د تسلى و ما قط آنا سلا

مضت سنة اللّه في خلقه‏ * * * بأن المحب هو المبتلى‏

و قال يزجي المديح نحو الإمام علي (عليه السلام)(3):

بأسمائك الحسنى أروّح خاطري‏ * * * إذا هب من قدس الجلال نسيمها

لئن سقمت نفسي فأنت طبيبها * * * و إن شقيت يوما فمنك نعيمها

رضيت بأن ألقى القيامة خائفا * * * دماء نفوس حاربتك جسومها

أبا حسن لو كان حبك مدخلي‏ * * * جهنّم كان الفوز عندي جحيمها

و كيف يخاف من كان موقنا * * * بأنك مولاه و أنت قسيمها

فوا عجبا من أمة كيف ترتجي‏ * * * من اللّه غفرانا، و أنت نعيمها؟

____________

(1) شعراء الحلة: 2/ 387، و الغدير: 7/ 47- 48.

(2) شعراء الحلة: 2/ 387، الغدير: 7/ 66.

(3) شعر الحلة: 2/ 387- 388، و الغدير: 7/ 41، و أعيان الشيعة: 6/ 467، البابليات: 1/ 121.

373

و وا عجبا إذ أخرتك، و قدّمت‏ * * * سواك بلا جرم، و أنت زعيمها

و قال يمدح أهل البيت (عليهم السلام)(1):

فرضي و نفلي و حديثي أنتم‏ * * * و كل كلي منكم و عنكم‏

و أنتم عند الصلاة قبلتي‏ * * * إذا وقفت نحوكم أيمم‏

خيالكم نصب لعيني أبدا * * * و حبّكم في خاطري مخيم‏

يا سادتي و قادتي أعتابكم‏ * * * بجفن عيني لثراها ألثم‏

وقفا على حديثكم و مدحكم‏ * * * جعلت عمري فاقبلوه و ارحموا

منوا على (الحافظ) من فضلكم‏ * * * و استنقذوه في غد و أنعموا

و قال في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام) على نهج قصيدة البردة للبوصيري‏ (2):

ما هاجني ذكر ذات البان و العلم‏ * * * و لا السلام على سلمى بذي سلم‏

و لا صبوت لصب صاب مدمعه‏ * * * على سلمى بذي سلم‏

و لا على طلل يوما أطلت به‏ * * * مخاطبا لأهيل الحي و الخيم‏

و لا تمسكت بالحادي و قلت له‏ * * * (إن جئت سلما فسل عن جيرة العلم)

لكن تذكرت مولاي الحسين و قد * * * أضحى بكرب البلا كربلاء ظمي‏

ففاض صبري و فاض الدمع و ابت * * * عد الرقاد و اقترب السماء بالسقم‏

و هام إذ همت للعبرات من عدم‏ * * * قلبي و لم أستطع مع ذاك منع دمي‏

لم أنسه و جيوش الكفر جائشة * * * و الجيش في أمل و الدين في ألم‏

تطوف بالطف فرسان الضلال به‏ * * * و الحق يسمع و الأسماع في صمم‏

و للمنايا بفرسان المنى عجل‏ * * * و الموت يسعى على ساق بلا قدم‏

مسائلا و دموع العين سائلة * * * و هو العليم بعلم اللوح و القلم‏

ما اسم هذا الثرى يا قوم؟ فابتدروا * * * بقولهم يوصلون الكلم بالكلم‏

بكربلاء هذه تدعى؟ فقال: أجل‏ * * * آجالنا بين تلك الهضب و الأكم‏

حطوا الرحال فحال الموت حل بنا * * * دون البقاء و غير اللّه لم يدم‏

____________

(1) الغدير: 7/ 62- 66، و شعراء الحلة: 2، و أعيان الشيعة: 6/ 466.

(2) شعراء الحلة: 2/ 388، و الغدير: 7/ 47، و أعيان الشيعة: 6/ 467، و البابليات: 1/ 120.

374

يا للرجال لخطب حل مخترم الآ * * * جال معتديا في الأشهر الحرم‏

فها هنا تصبح الأكباد من ظمأ * * * حرّى و أجسادها تروى بفيض دم‏

و هاهنا تصبح الأقمار آفلة * * * و الشمس في طفل و البدر في ظلم‏

و هاهنا تملك السادات أعبدها * * * ظلما و مخدومها في قبضة الخدم‏

و هاهنا تصبح الأجساد ثاوية * * * على الثرى مطعما للبوم و الرخم‏

و هاهنا بعد بعد الدار مدفننا * * * و موعد الخصم عند الواحد الحكم‏

و صاح بالصحب: هذا الموت فابتدروا * * * أسدا فرائسها الآساد في الأجم‏

من كل أبيض وضّاح جبينها * * * يغشى صلى الحرب لا يخشى من الضرم‏

من كل منتدب للّه محتسب، * * * في اللّه منتجب، باللّه معتصم‏

و كل مصطلم الأبطال، مصطلم الآ * * * جال، ملتمس الآمال، مستلم‏

و راح ثم جواد السبط يندبه‏ * * * عالي الصهيل خليا طالب الخيم‏

فمذ رأته النساء الطاهرات بدا * * * بكارم الأرض في خلد له و فم‏

فجئن و السبط ملقى بالنصال أبت‏ * * * من كف مستلم أو ثغر ملتثم‏

و الشمر ينحر منه النحر من حنق‏ * * * و الأرض ترجف خوفا من فعالهم‏

فتستر الوجه في كمّ عقيلته‏ * * * و تنحني فوق قلب و إله كلم‏

تدعو أخاها الغريب المستظام أخي‏ * * * يا ليت طرف المنايا عن علاك عم‏

من اتكلت عليه النساء؟ و من‏ * * * أوصيت فينا؟ و من يحنو على الحرم‏

هذي سكينة قد عزت سكينتها * * * و هذه فاطم تبكي بفيض دم‏

تهوي لتقبيله و الدمع منهمر * * * و البيت عنها بكرب الموت في غمم‏

فيمنع الدم و النصل الكسير به‏ * * * عنها فتنصل لم تبرح و لم ترم‏

تضمّه نحوها شوقا، و تلثمه‏ * * * و يخضب النحر منه صدرها بدم‏

تقول من عظم شكواها و لوعتها * * * و حزنها غير منفض و منفصم‏

أخي لقد كنت نورا يستضاء به‏ * * * فما لنور الهدى و الدين لي ظلم‏

أخي لقد كنت غوثا للأرامل يا * * * غوث اليتامى و بحر الجود و الكرم‏

يا كافلي هل ترى الأيتام بعدك في‏ * * * أسر المذلّة و الأوصاب و الألم‏

يا واحدي يا ابن أمي يا حسين لقد * * * نال العدى ما تمنّوا من طلابهم‏

375

و برّدوا غلل الأحقاد من ضغن‏ * * * و أظهروا ما تخفّى في صدورهم‏

أين الشقيق و قد بان الشقيق و قد * * * جار الرقيق و لجّ الدهر في الأزم‏

مات الكفيل و غاب الليث فابتدرت‏ * * * عرج الضباع على الأشبال في نهم‏

و تستغيث رسول اللّه صارخة * * * يا جدّ أين الوصايا في ذوي الرحم‏

يا جدّنا لو رأت عيناك من حزن‏ * * * للعترة الغر بعد الصون و الحشم‏

مشردين عن الأوطان قد قهروا * * * ثكلى أسارى حيارى ضرّجوا بدم‏

يسري بهن سبايا بعد عزّهم‏ * * * فوق المطايا كسبي الروم و الخدم‏

هذا بقية آل اللّه سيّد أهل الأ * * * رض زين عباد اللّه كلّهم‏

نجل الحسين الفتى الباقي و وارثه‏ * * * و السيّد العابد السجّاد في الظلم‏

يساق في الأسر نحو الشام مهتضما * * * بين الأعادي فمن باك، و مبتسم‏

ابن النبي السبط و ثغر يقرعه‏ * * * يزيد بغضا لخير الخلق كلّهم‏

أ ينكت الرجس ثغرا كان قبله‏ * * * من حبة الطهر خير العرب و العجم؟

و يدّعي بعدها الإسلام من سفه‏ * * * و كان أكفر من عاد و من ارم!

يا ويله حين تأتي الطهر فاطمة * * * في الحشر صارخة في موقف الأمم‏

تأتي فيطرق أهل الجمع أجمعهم‏ * * * منها حياء و وجه الأرض في قتم‏

و تشتكي عن يمين العرش صارخة * * * و تستغيث إلى الجبّار ذي النقم‏

هناك يظهر حكم اللّه في ملأ * * * عصوا و خانوا فيا سحقا لفعلهم‏

و في يديها قميص للحسين غدا * * * مضمخا بدم قرنا إلى قدم‏

أيا بني الوحي و الذكر الحكيم و من‏ * * * ولاهم أملي و البرء من ألمي‏

حزني لكم أبدا لا ينقضي كمدا * * * حتى الممات ورد الروح في رمم‏

حتى تعود إليكم دولة و عدت‏ * * * مهدية تملأ الأقطار بالنعم‏

فليس للدين من حام و منتصر * * * إلّا الإمام الفتى الكشاف للظلم‏

القائم الخلف المهدي سيّدنا * * * الطاهر العلم ابن الطاهر العلم‏

بدر الغياهب تيار المواهب منص * * * ور الكتائب حامي الحل و الحرم‏

يا ابن الإمام الزكي العسكري فتى‏ * * * الهادي النقي علي الطاهر الشيم‏

يا ابن الجواد و يا نجل الرضاء و يا * * * سليل كاظم غيظ منبع الكرم‏

377

أئمة حق أوجب اللّه حقّهم‏ * * * و طاعتهم فرض بها للّه تمتحن‏

نصحتك أن ترتاب فيهم فتنثني‏ * * * إلى غيرهم. من غيرهم في الأنام؟ من‏

فحبّ علي عدّة لوليّه‏ * * * يلاقيه عند الموت و القبر و الكفن‏

كذلك يوم البعث لم ينج قادم‏ * * * من النار إلّا من تولى أبا الحسن‏

و قال يمدح الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)(1):

العقل نور و أنت معناه‏ * * * و الكون سرّ و أنت مبداه‏

و الخلق في جميعهم إذا جمعوا * * * الكل عبد و أنت مولاه‏

أنت الولي الذي جلّت مناقبه‏ * * * ما لعلالها في الخلق أشباه‏

يا آية اللّه في العباد و يا * * * سرّ الذي لا إله إلّا هو

تناقض العالمون فيك، و قد * * * حاروا عن المهتدى، و قد تاهوا

فقال قوم: بأنه بشر * * * و قال قوم: بأنه اللّه‏

يا صاحب الحشر و المعاد و من‏ * * * مولاه حكم العباد و لاه‏

يا قاسم النار و الجنان غدا * * * أنت ملاذ الراجي و منجاه‏

كيف يخاف (البرسي) حر لظى‏ * * * و أنت عند الحساب غوثاه‏

لا يخشى النار عبد حيدرة * * * إذ ليس في النار من تولاه‏

و قال في إظهاره أسرار الأئمة (عليهم السلام)(2):

لقد أظهرت يا (حافظ) * * * سرّا كان مخفيا

و أبرزت من الأنوار * * * نورا كان مطويا

به قد صرت عند اللّه‏ * * * و السادات علويا

و مقبولا و مسعودا * * * و محسودا و مرضيا

فطب نفسا، و عش فردا * * * و كن طيرا سماويا

غريبا يألف الخلوة * * * لا يقرب إنسيا

غدا في الناس بالخلوة * * * و الوحدة منسيا

____________

(1) شعراء الحلة: 2/ 392- 393، و الغدير: 7/ 40، أعيان الشيعة: 6/ 466، و البابليات: 1/ 121.

(2) شعراء الحلة: 2/ 293، و الغدير: 7/ 66- 67.

376

خليفة الصادق المولى الذي ظهرت‏ * * * علومه فأثارت غيهب الظلم‏

خليفة الباقر المولى خليفة زين الع * * * ابدين علي طيب الخيم‏

نجل الحسين شهيد الطف سيدنا * * * و حبذا مفخر يعلو على الأمم‏

نجل الحسين سليل الطهر فاطمة * * * و ابن الوصي علي كاسر الصنم‏

يا ابن النبي و يا ابن الطهر حيدرة * * * يا ابن البتول و يا ابن الحل و الحرم‏

أنت الفخار و معناه و صورته‏ * * * و نقطة الحكم لا بل خطة الحكم‏

أيّامك البيض خضر فهي خاتمة * * * الدنيا و ختم سعود الدين و الأمم‏

متى نراك فلا ظلم، و لا ظلم‏ * * * و الدين في رغد و الكفر في رغم‏

أقبل فسبل الهدى و الدين قد طمست‏ * * * و مسّها نصب و الحق في عدم‏

يا آل طه و من حبّي لهم شرف‏ * * * أعدّه في الورى من أعظم النعم‏

إليكم مدحة جاءت منظمة * * * ميمونة صغتها من جوهر الكلم‏

بسيطة إن شدت أو أنشدت عطرت‏ * * * بمدحكم كبساط الزهر منخرم‏

بكرا عروسا ثكولا زفها حزن‏ * * * على المنابر غير الدمع لم تسم‏

يرجو بها (رجب) رحب المقام غدا * * * بعد العناء غناء غير منهدم‏

يا سادة الحق ما لي غيركم أمل‏ * * * و حبّكم عدّتي و المدح معتصمي‏

ما قدر مدحي و الرحمن مادحكم‏ * * * في «هل أتى» مع نون و القلم‏

حاشاكم تحرموا الراجي مكارمكم‏ * * * و يرجع الجار عنكم غير محترم‏

أو يخشى الزلة (البرسي) و هو يرى‏ * * * ولاكم فوق ذي القربى و ذي الرحم‏

إليكم تحف التسليم واصلة * * * و منكم و بكم أنجو من النقم‏

صلّى اللّه عليكم ما بدا نسم‏ * * * و ما أتت بسمات الصبح في الحرم‏

و قال يمدح آل محمد (صلّى اللّه عليه و آله) و يخص الإمام عليا (عليه السلام)(1):

إذا رمت يوم البعث تنجو من اللظى‏ * * * و يقبل منك الدين و الفرض و المنن‏

فوال عليا و الأئمة بعده‏ * * * نجوم الهدى، تنجو من الضيق و المحن‏

فهم عترة قد فوّض اللّه أمره‏ * * * إليهم لما قد خصّهم منه بالمنن‏

____________

(1) شعراء الحلة: 2/ 392، و الغدير: 7/ 49.

379

عبدكم (الحافظ) الفقير على‏ * * * أعتاب أبوابكم يروم قلا

تخييره يا سادتي أملا * * * و اقسموه يوم المعاد إلي‏

ظل ظليل نسيمه عطرصلّى عليكم رب السماء كما * * *

-أصفاكم و اصطفاكم كرما-

و زاد عبدا والاكم نعما * * * ما غرد الطير في الغصون و ما

ناح حمام و أوراق الشجر

و قال:

و إن بارزا فالدهر يخفق قلبه‏ * * * لسطوتهم و الأسد في الغاب تفزع‏

و إن ذكر المعروف و الجود في الورى‏ * * * فبحر نداهم زاخر يتدفع‏

أبوهم سماء المجد و الأمّ شمسه‏ * * * نجوم لها برج الجلالة مطلع‏

فيا نسبا كالشمس أبيض مشرقا * * * و يا شرفا من هامة النجم أرفع‏

فمن مثلهم إن عد في الناس مفخر * * * أعد نظرا يا صاح إن كنت تسمع‏

ميامين قوّامون عز نظيرهم‏ * * * هداة ولاة للرسالة منبع‏

فلا فضل إلّا حين يذكر فضلهم‏ * * * و لا علم إلّا علمهم حين يرفع‏

و لا عمل ينجي غدا غير حبّهم‏ * * * إذا قام يوم البعث للخلق مجمع‏

و لو أن عبدا جاء للّه عابدا * * * بغير و لا أهل العبا ليس ينفع‏

فيا عترة المختار يا راية الهدى‏ * * * إليكم غدا في موقفي أتطلّع‏

خذوا بيدي يا آل بيت محمد * * * فمن غيركم يوم القيامة يشفع‏ (1)

تمّ الكتاب و الحمد للّه ربّ العالمين‏

____________

(1) أعيان الشيعة: 6/ 467.

378

و إن أصبحت مرفوضا * * * بسهم البغض مرميا

فلم يبغضك إلّا من‏ * * * أبوه الزنج بصريا

عمانيا مراديا * * * مجوسيا يهوديا

لهذا قد غدا يبغض‏ * * * ذاك الطين كوفيا

و في المولد و المحتد * * * (برسيا) و (حليّا)

و قال مسمطا في مدح الأئمة (عليهم السلام)(1):

سركم لا تناله الفكر * * * و أمركم في الورى له خطر

مستصعب فك رمز خطر * * * و وصفكم لا يطيقه البشر

و مدحكم شرفت به السوروجودكم للوجود علته

- و نوركم للظهور آيته‏-

و أنتم للوجود قبلته‏ * * * و حبّكم للمحب كعبته‏

يسعى بها طائعا و يعتمرلولاكم ما استدارت الأكر

-و لا استنارت شمس و لا قمر-

و لا تدلى غصن و لا ثمر * * * و لا تندى ورق و لا خضر

و لا سرى بارق و لا مطرعندكم في الآيات مجمعنا * * *

-و أنتم في الحساب مفزعنا-

و قولكم في الصراط مرجعنا * * * و حبّكم في النشور ينفعنا

به ذنوب المحب تغتفريا سادة قد زكت معارفهم

-و طاب أصلا و ساد عارفهم‏-

و خاف في بعثه مخالفهم‏ * * * إن يختبر للورى صيارفهم‏

فأصلهم بالولاء يختبرأنتم رجائي و حبكم أملي

-عليه يوم المعاد متكلي‏-

فكيف يخشى حر السعير ولي‏ * * * و شافعاه محمد و علي‏

أو يعتريه من شرّها شرر

____________

(1) شعراء الحلة: 2/ 393، و الغدير: 7/ 48- 49.

380

فهرس المطالب‏

الموضوع الصفحة

ترجمة المصنف 5

تمهيد 13

خطبة الكتاب 23

قصور الفهم عن إدراك مرتبة أمير المؤمنين (عليه السلام) 26

أسرار علم الحروف 29

باطن فاتحة الصلاة 38

حروف المعجم 38

حروف الاسم الأعظم 39

خواص الفاتحة 40

الوجود المطلق و المقيّد 41

معنى الواحد و الألف 42

حقيقة النقطة و أنّها الفيض الأوّل 43

الصفات الإلهية 48

الأنبياء (عليهم السلام) مظاهر أسماء اللّه 48

أسرار حروف اسم النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) 50

باطن الأسماء الإلهية 51

نشوء الحروف من الألف 52

381

تركيب الأسماء من سرّ الحروف 52

معاني القرآن في أربعة أحرف 53

شرف لفظة:- هو- و دلالتها 54

مراتب حروف الجلالة 55

الباء ظهور الوجود و النقطة تميز للعابد و المعبود 55

معنى الأحد و الواحد 56

أوّل الخلق نور محمّد و علي (عليهما السلام) 58

ما وراء الحجاب من عوالم 64

منزلة الولي و معاني الولاية 67

منازل الآل (عليهم السلام) العالية 69

بركات آل محمد (عليهم السلام) على الخلائق 75

أثر حبّ علي و أثر بغضه (عليه السلام) 79

إقرار الأمم بفضل علي (عليه السلام) 83

علي (عليه السلام) الإمام المبين 85

علي (عليه السلام) الميزان يوم القيامة 96

اتّحاد النور و معناه 99

أثر حبّ علي و طاعته (عليه السلام) 100

موالاة علي و عدم إدراك كنهه (عليه السلام) 103

علم آل محمّد (عليهم السلام) للغيب 107

الفصل الأول: في أسرار النبي الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) 114

الفصل الثاني: في أسرار أمير المؤمنين (عليه السلام) و غيبه 120

الفصل الثالث: في أسرار فاطمة الزهراء (عليها السلام) 133

الفصل الرابع: في أسرار الحسن بن علي (عليهما السلام) 134

الفصل الخامس: في أسرار الحسين بن علي (عليهما السلام) 137

الفصل السادس: في أسرار علي بن الحسين (عليهما السلام) 138

الفصل السابع: في أسرار أبي جعفر الباقر (عليه السلام) 139

الفصل الثامن: في أسرار الإمام الصادق (عليه السلام) 142

الفصل التاسع: في أسرار أبي الحسن موسى الكاظم (عليه السلام) 146

الفصل العاشر: في أسرار أبي الحسن علي بن موسى (عليهما السلام) 148

382

الفصل الحادي عشر: في أسرار أبي جعفر محمد بن علي الجواد (عليهما السلام). 152

الفصل الثاني عشر: في أسرار أبي الحسن الهادي (عليه السلام) 154

الفصل الثالث عشر: في أسرار أبي محمد الحسن العسكري (عليه السلام) 155

الفصل الرابع عشر: في أسرار أبي صالح المهدي (عليه السلام) 157

آيات في فضل الآل (عليهم السلام) 161

سر العدد 12 166

مناقب الصنديد الكرّار (عليه السلام) 169

عدم إدراك حقيقة علي (عليه السلام) 172

ما عرف علي سوى النبيّ (عليهما السلام) 173

حقيقة الإمام و الإمامة 176

عالم آل محمد (عليهم السلام) قبل الخلق 186

السؤال عن علي (عليه السلام) في القبر 187

علي (عليه السلام) الكتاب المبين 188

لو لا علي (عليه السلام) ما خلقت الجنّة 188

علي (عليه السلام) ألف الغيب 190

علي (عليه السلام) السرّ في فواتح السور 190

الإمام محيط بالكون 191

علي (عليه السلام) الفاتح 193

وصف علي (عليه السلام) بالقرآن أعظم من وصف الأنبياء (عليهم السلام) 194

مقام علي (عليه السلام) عند الملائكة 196

آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) صفات الديان 197

التنبؤ بعلي (عليه السلام) 199

افتراق الأمّة إلى 73 202

الاختلاف بعلي لا بالنبي (عليهما السلام) 203

عقيدتنا في الإمامة 205

معنى الإمامة و جنسها 206

علم الإمام بما كان و يكون 212

عرض الأعمال على آل محمد (عليهم السلام) 214

الإمام مع الخلق لا يغيب عنهم 217

383

حضور آل محمد عند كل ميّت 222

قدرة آل محمد (عليهم السلام) التكوينية 225

الدنيا ملك لآل محمّد (عليهم السلام) 227

الولاية المطلقة و المقيّدة 230

علي (عليه السلام) مالك يوم الدين 334

اسم علي و محمد (عليهما السلام) على كل شي‏ء 236

أثر كتمان العلماء للحقائق 240

حديث الطين 242

آل محمد (عليهم السلام) الاسم الأعظم 247

مبلغ أسرار علي و آله (عليهم السلام) 248

أسرار الفاتحة 252

بعلي تكوّنت الكائنات 253

معرفة الإمام بالنورانية 255

أسرار علي (عليه السلام) 258

كنه علي (عليه السلام) 259

خطبة الافتخار 260

خطبة التطنجية 263

أثار علي (عليه السلام) بالكون 268

كلام الإمام إمام الكلام 270

أثر اسم علي (عليه السلام) 271

فضائل لآل محمد (عليهم السلام) 272

الصلاة على آل محمد (عليهم السلام) و أثرها 275

سبب اخفاء النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) للعلم الربّاني 279

علي (عليه السلام) حاكم يوم الدين 283

مناقب لأمير الخلق 284

إذا شئنا شاء اللّه 286

علي (عليه السلام) صاحب الجنان و قسيم الميزان 288

حاجة الخلائق لآل محمد (عليهم السلام) 290

آل محمد (عليهم السلام) حكّام العباد 294

384

أقسام الأولياء 295

معنى الحساب 296

مناقب الكرّار بلسان المختار 298

مفتاح الجنّة بيد علي (عليه السلام) 299

من عرف نفسه عرف ربّه 299

معنى الرب في القرآن 302

مناقب آل محمّد (عليهم السلام) 304

معنى الحركة و السكون للّه 306

معنى الرب بالقرآن 308

أثر إنكار فضل الآل (عليهم السلام) 310

صفات اللّه تعالى 312

اختلاف الناس في الإمام 313

سرّ آل محمد (عليهم السلام) صعب مستصعب 315

ليس كمثله شي‏ء 316

افتراق الأمم بعد الأنبياء (عليهم السلام) 320

تعداد الفرق الإسلامية 322

الفرق الإسلامية 325

هفوات العامة في الأنبياء (عليهم السلام) 330

[علي (عليه السلام) أفضل الصحابة] 340

[علي (عليه السلام) أعلم الصحابة] 340

[علي (عليه السلام) أزهد الصحابة] 341

[علي (عليه السلام) أشجع الصحابة] 341

علم الكتاب عند آل محمد (عليهم السلام) 347

الخاتمة 350

مجموعة من شعر الشيخ رجب البرسي 355

الفهرس 380